ظهور حضرة بهاءالله


صفحة خالية

ظهور حضرة بهاءالله

 

المجلد الثاني

 

أدرنة 1863 - 1868م

 

تأليف

أديب طاهرزاده

 

تعريب

فؤاد عبد الرّزّاق عبّاس


دار البديع للطباعة والنشر

ص ب 1484-90

بيروت – لبنان

كانون الثاني 2008م


 

مؤلفات أخرى للمؤلف بالإنگليزية:

 

- أمناء الرحمن - دار النشر البهائية - لندن 1972م.

- ظهور حضرة بهاءالله - بغداد، 1853-1863م.

- ظهور حضرة بهاءالله - عكاء، السنوات الأولى، 1868-1877م.

- ظهور حضرة بهاءالله - المزرعة والبهجة، 1877-1892م.

- ميثاق حضرة بهاءالله.


صفحة خالية

إلى تلكم النفوس النيّرة من المهاجرين والمبلّغين البهائيين

في أرجاء الأرض الذين أنفقوا حياتهم وكلّ ما لهم

في سبيل حضرة بهاءالله


صورة

 

الصحيفة الأولى من "سورة الأمر"

بخط يد حضرة بهاءالله. وقد نزلت بعد المحاولة على حياته بفترة قصيرة. وكان كاتب

الوحي قد تلا هذه السورة بصوت عالٍ أمام ميرزا يحيى لينبئه ببعثة حضرة بهاءالله رسميًا


المحتوى

 

 

     المحتوى

     فهرس الصور

     تعريف

     توطئة

     توضيح

     كلمة الناشر

الصفحة

ط

س

ق

ش

ث

خ

 

1    حضرة بهاءالله في الآستانة

          "لوح الهودج"

          "سبحانك يا هو"

1

6

17

 

2    "المثنوي" المبارك

          الانقطاع

          حجاب النفس

          الشجاعة والتضحية

27

32

40

42

 

3    النفي إلى أدرنة

53

 

4    "سورة الأصحاب"

          حالة الجامعة البابية

          مقام حضرة بهاءالله

63

64

74

 


 

 

الصفحة

          الأمر باجتناب الفتنة والفساد

          الأمر بالتبليغ

83

87

 

5    "لوح أحمد" بالعربية

103

 

6    "لوح أحمد" بالفارسية

131

 

7    تعاظم قوى الشر

          يوم الفصل الأكبر

147

159

 

 

8    موعود "البيان": بعض الألواح

          "لوح البهاء"

          "لوح الروح"

          "لوح ليلة القدس"

167

167

178

184

 

9    لفيف من أوائل الزوّار

          الحاج ميرزا حيدر علي

          ميرزا محمد علي النهري

          ميرزا علي السيّاح

191

191

201

207

 

10  شهداء لامعون

          آقا نجف علي الزنجاني

          السيد أشرف وأبو بصير

          "لوح أشرف"

219

219

220

227

 

11  بعض الألواح الهامة

          "سورة الدم"

          "سورتا الحج"

231

231

234

 


 

 

الصفحة

          حكاية البلبل والغراب

          "لوح نصير"

          "لوح خليل"

          "لوح سراج"

235

241

254

257

 

12  إفتتان الإيمان

          تساقط النجوم

          "سورة العباد"

          امتحان العباد بالذهب

265

265

269

273

 

13  "لوح سلمان"

279

 

14  المواجهة مع ميرزا يحيى

287

 

 

15  "سورة الملوك"

          بعض المواضيع الهامة في "سورة الملوك"

                مسؤولية الملوك

                نصائح عامة للملوك

                تبعات الإعراض

                خطابه للمسيحيين

                خطابه لسلطان تركيا

                خطابه لوزراء السلطان

                خطابه لأهل الآستانة

                خطابه لحكماء المدينة وفلاسفتها

               خطابه للسفير الفرنسي

                خطابه لسفير إيران

297

303

303

305

306

308

308

311

312

313

313

314

 


 

 

الصفحة

          تدابير إبعاد جديد

          استجوابات في الآستانة

          اضطهادات في مصر والعراق

318

321

324

 

 

16  إبلاغ ملكين بالدعوة

          مواضيع "لوح السلطان"

               اضطهاد البابيين

               مقام حضرة بهاءالله

               تحدي علماء الدين

               "سيف الحكمة والبيان"

               بلايا حضرة بهاءالله

          قصة شهيد

          "لوح حضرة بهاءالله الأول لناپليون الثالث"

329

329

332

337

340

341

345

347

359

 

17  "الكتاب البديع"

          إدانة الناقضين

          كتابات حضرة الباب بشأن "من يظهره الله"

          خديجة بگم

361

366

368

371

 

18  "سورة الغصن"

379

 

19  رحيل حضرة بهاءالله عن أدرنة

          "سورة الرئيس"

387

403

 

 

     الملحق رقم 1: تساقط الشهب عام 1866م

413

     الملحق رقم 2: زيارة لأدرنة – من مقال لمارتا ل. روت

419

     الملحق رقم 3: الحاج ميرزا حيدر علي من إصفهان

433

 


 

 

الصفحة

     مسرد الكتب والمراجع

445

     المصادر

455

     الفهرس

471

 


صفحة خالية

فهرس الصور

 

الصحيفة الأولى من "سورة الأمر"                                                    مطلع الكتاب

     بخط يد حضرة بهاءالله، وقد نزلت بعد المحاولة على حياته

     بفترة قصيرة. وكان كاتب الوحي قد تلا هذه السورة بصوت

     عالٍ      أمام ميرزا يحيى لينبئه ببعثة حضرة بهاءالله رسميًا

 

 

الصفحة

الحاج ميرزا حيدر علي من إصفهان

     أحد أتباع حضرة بهاءالله البارزين ومن حماة ميثاقه. يجد القارئ

     في هذا المجلد عدة مقتبسات من مذكرات هذا   المؤمن

137

 

الأستاذ محمد علي سلماني

     حلاق حضرة بهاءالله وخادمه. شاعر بهائي معروف

138

 

منظر لمدينة أدرنة، عام 1853م

171

 

أطلال بيت "أمر الله"

     من البيوت التي سكنها حضرة بهاءالله في أدرنة

     صورة التقطت عام 1933م

172

 

بيت رضا بيك

     أقام فيه حضرة بهاءالله مدة عام واحد

     صورة حديثة التقطت بعد ترميم البيت

195

 


 

 

الصفحة

أطلال بيت عزت آقا

     آخر منزل سكنه حضرة بهاءالله في أدرنة

     صورة التقطت عام 1933م

196

 

ميرزا محمد علي النهري

     من المؤمنين المخلصين الأوائل

     أصبحت ابنته منيرة خانم حرم حضرة عبدالبهاء

237

 

ميرزا علي السيّاح

     من خدام حضرة الباب، كان قد أفلح في زيارة قلعة الشيخ

     الطبرسي مبعوثًا من قبل حضرته. انضم فيما بعد إلى جماعة

     المؤمنين الأوفياء لحضرة بهاءالله، وكان ممن نفي من

     البهائيين إلى قبرص

238

 

الحاج إيمان

     مؤمن ثابت ومخلص لحضرة بهاءالله، كان قد تشرّف

     بزيارة حضرته في أدرنة، تحمل ما لاقاه من اضطهاد بسبب

     إيمانه. التقطت الصورة في السجن

267

 

الحاج محمد إبراهيم خليل

     من مؤمني قزوين البارزين

     حظي بلوح عرف ﺒ"لوح خليل"

268

 

جامع السلطان سليم

     تشرّف هذا الجامع الشهير بزيارة حضرة بهاءالله له من حين

     لآخر

299

 


 

 

الصفحة

حسين آشچي

     طبّاخ البيت المبارك وأحد أتباع حضرة بهاءالله المخلصين

300

 

آقا رضا قنّاد من شيراز

     أحد أصحاب حضرة بهاءالله الأوفياء ممن رافقوه طوال

     رحلات نفيه من بغداد إلى عكاء

393

 

ميرزا محمود الكاشاني

     مؤمن متجرد وأحد أصحاب حضرة بهاءالله الأمناء أثناء نفيه

     من بغداد إلى عكاء

394

 

عبد الغفار

     خادم من أشد خدام حضرة بهاءالله إخلاصًا. ألقى بنفسه في

     البحر حينما مُنع من مرافقة حضرة بهاءالله

421

 

الحاج محمد إسماعيل الكاشاني

     ملقب ﺒ"الذبيح"

     من المبلغين البارزين لدين حضرة بهاءالله ومن أوفى أتباعه.

     أنزلت له "سورة الرئيس"

422

 

 


صفحة خالية

تعريف

 

    زينت متن هذا الكتاب مقتبسات من آثار حضرة الباب وحضرة بهاءالله ثبتت في "مسرد الكتب والمراجع" و"المصادر" في الصفحات الأخيرة من هذا المجلد. وهناك الكثير من المقتطفات الأخرى بالفارسية جاءت في المخطوطات قمت بترجمتها ما لم أشر إلى غير ذلك. أمّا الحواشي فهي في الغالب صياغتي وقد أشرت إليها منعًا للالتباس. والآيات البينات المقتبسة من القرآن الكريم ثبتت أرقامها كما وردت في الطبعة العربية. وكتبت الأسماء الفارسية والعربية كما وردت في المراجع البهائية، أمّا المقتطفات فقد وضعت كما جاءت في الأصل.

    نادرًا ما رغب المؤمنون الأوائل في أن تؤخذ لهم الصور الفوتوغرافية الفردية، ولكن في بعض المناسبات أخذت لهم بعض الصور الجماعية، ومن هذه الصور الجماعية استخرجنا لهذا الكتاب بعض الصور الفردية. وإنني على يقين بأن أهميتها التاريخية تفوق كونها باهتة غير واضحة. وتجدر ملاحظة أن المجلد الأول يحتوي على صور عدد من الأشخاص الذين ذكروا أيضًا في هذا المجلد. وأدين بالامتنان لقسم السمعيات والبصريات في المركز البهائي العالمي لتزويدي بأغلب الصور الفوتوغرافية هذه، وللمحفل الروحاني المركزي للبهائيين في إيران، وإلى السيد حبيب منوي والسيد إبراهيم خليلي، اللذين قدم كل منهما صورة واحدة. كما تكرمت مكتبة هولتون للصور في إذاعة "راديو تايمز" بتزويدي مشكورة بمنظر لمدينة أدرنة. وأود أن أشكر السيد روح الله شكيبائي للإخراج الممتاز لمعظم الصور المطبوعة في هذا الكتاب.

 


    وأقدم شكري الجزيل للمحفل الروحاني المركزي للبهائيين في إيران ودار الطبع والنشر في كل من لندن وويلمت/ إيلينوي على تعاونهم والسماح لي بالاقتباس من منشوراتهم.

    كذلك أرغب في الإعراب عن تقديري العميق للسيدة ماي باليريو (هوفمان سابقًا) وذلك لمجهوداتها التي لم تعرف الكلل في مساعدتي للإسراع بإعداد مسودة الأصل، وتنقيحها البارع؛ وأقدم شكري أيضًا للسيد مارك هوفمان لإعداده الفهرس. وأشكر كذلك السيدة روزماري أومارا لتدقيق وطباعة ما خططتُه بعجالة، بحيث غالبًا ما كان يصعب قراءة الكثير منها أو حتى تفسيرها؛ وأشكر الدكتورة مارگريت ماگيل والسيدة فرانسيس بيرد والآنسة إيثنا إيرلي للمساعدة في طباعة إضافية. أقدم امتناني أيضًا للسيد رستم ثابت، والسيدة سامي سميث، والسيد پادي أومارا للاعتناء بتمحيص النص النهائي عند الطبع.

    أخيرًا أسجل امتناني لزوجتي لزلي لمساندتي وتشجيعي باستمرار حيث كنت قد أنجزت هذا المجلد، الذي استغرق إعداده وقتًا طويلاً نظرًا لعدم تيسر وقت كاف لي، خلال ساعات حياتي العائلية بالمنزل.

 

أديب طاهرزاده


 

توطئة

 

    ينحو المجلد الثاني هذا من "ظهور حضرة بهاءالله" منحى المجلد الأول. فالهدف هو وصف محتويات بعض كتابات حضرة بهاءالله التي أنزلها في الآستانة وأدرنة. إلاّ أنه وجد من الضروري، لعرض خلفية نزول تلكم الآثار، التعرض بإيجاز لتاريخ حياته وحياة أصحابه خلال الأعوام الخمسة من مكوثه في هاتين المدينتين.

    تمتاز ألواح حضرة بهاءالله التي نزلت في أدرنة بطابع خاص من حيث كونها أنزلت بُعيد إعلانه جهرًا عن مقامه وحقيقة دعوته. فغالبًا ما نجده يعرض سلوك أخيه الخائن، ميرزا يحيى، الناقض الأكبر لعهد حضرة الباب، وعند بلوغ الوحي ذروته، يعلن لعموم البشر إشراق فجر يوم الله ويبلّغ ملوك العالم ورؤساءه بظهوره.

    بينما يعرض الكاتب في غالبية الأحوال أهم نقاط اللوح موضوع البحث، إلاّ أنه في بعض الحالات تطرق بإسهاب إلى بعض الموضوعات التي تشكّل الحقائق الروحية الأساسية لدين حضرة بهاءالله، كما أنه تعمد، في أحيان أخرى، التوغل في مواضيع أخرى تلقي مزيدًا من الضوء على المقصد الأصل، والتي قد تهم القارئ. تجدر التوصية هنا بأن يرجع القارئ للاطلاع على المجلد الأول من هذا المؤلَّف قبل الولوج في هذا ليتزود بفائدة استمرارية الموضوع وشمولية أعمق لتفاصيله.

    إن دراسة ألواح حضرة بهاءالله ليست كدراسة مؤلَّف من المؤلفات الأدبية العادية، مهما بلغ هذا من عمق أو رفعة. ذلك لأن اللوح إنما هو مخزن كلمة

 


الله، ولأجل تقديره حق قدره ينبغي لدارسه أن يحمل قلبًا صافي الفطرة، ونفسًا متجردة من حجبات العلوم المكتسبة. يخاطب حضرة بهاءالله أهل العالم: "يا عبادي إن مثل ظهور قدس أحديتي مثل البحر الذي سُتر في قعره وعمقه لئالئ لطيفة منيرة لا تُحصى، فعلى الطالب إذًا بذل الجهد والطلب للوصول إلى شاطئ ذاك البحر ليأخذ نصيبه المقدّر في الألواح المختومة المكنونة على قدر طلبه وجهده."

    ما كان لمؤلف الكتاب، وهو يؤلفه، إلاّ أن يتمعن فقط في سطح هذا البحر الأعظم لا غير.


توضيح

 

    تم استخراج النصوص الأصلية العربية المتوفرة (وهي مطبوعة بخط عريض) بما فيها آيات القرآن الكريم والكتاب المقدس والأحاديث النبوية الشريفة. أمّا النصوص الفارسية فقد عربت من الأصل الفارسي مباشرة عندما لم يتوفر تعريب لها في الكتب الأمرية، ويشار إلى أرقام تلك المقتطفات في الحاشية أدناه([1]) مع رقم الفصل بين قوسين. وقد تم نقل النصوص والمقتطفات المتوفرة في المصادر المذكورة في بند "مسرد الكتب والمراجع" كما وردت دون تعديل يذكر.

    تم الالتزام بتعريب متن الكتاب ونقل المقتطفات كما وردت في الطبعة الإنگليزية الأصلية، عدا بعض المواقع، عندما وجد أن ذلك يتناسب مع السياق.

    وفي متن الكتاب تشير الأرقام الصغيرة (مرتفعة قليلاَ)، إلى الحواشي المبينة في أسفل الصفحة تحت خط. أمّا الأرقام الكبيرة في قوسين فتشير إلى المصادر والمراجع المقتبسة.

    ونشير هنا إلى أن بعض النصوص من "سورة الملوك" في كتاب "ألواح حضرة بهاءالله إلى الملوك والرؤساء" تختلف قليلاً عن تلك التي ستصدر في كتاب "نداءات رب الجنود" بمعرفة المركز البهائي العالمي. ولكن أبقينا أرقام الصفحات لتلك المقتطفات في بند "المصادر" كما وردت في الكتاب الأول.


كلمة الناشر

 

    يسرنا أن نضع بين أيدي القراء الأعزاء الترجمة العربية للمجلد الثاني من كتاب "ظهور حضرة بهاءالله" لمؤلفه المغفور له السيد أديب طاهرزاده، وعرّبه المغفور له السيد فؤاد عبد الرزاق الذي وافته المنية قبل أن يصدر هذا المجلد الحالي. قام منسق تراجم مؤلفات السيد طاهرزاده بتدقيق وتنقيح الترجمة العربية وطباعتها واستخراج النصوص الأصلية، وعرّب بعض النصوص الفارسية التي لم تتوفر ترجمتها إلى العربية، ثم قام بإعداد الفهرس وتهيئة المجلد للطبع. ونود أن نشكر هنا كل من الأستاذ مصطفى صبري والأستاذة صباح الطحان لجهودهما الخيّرة في مراجعة اللغة العربية.


صفحة خالية


صفحة خالية


﴿ 1 ﴾

 

حضرة بهاءالله في الآستانة

 

 

قد تُعتبر فترة الأعوام الخمسة التي قضاها حضرة بهاءالله في الآستانة وأدرنة زاخرة بالأحداث الجسام أكثر من غيرها من فترات ولايته. ففي هذه الفترة القصيرة اعتلت شمس وحيه ذروة أبراجها، وأشعّت من بهاء ذاك المقام بأنوارها على البشرية بأسرها. في الوقت ذاته كانت هذه أشد الفترات اضطرابًا بما تحمّل فيها، بدرجة عالية من التسليم والثبات، الآلام والغدر والمصائب التي صبّها عليه أخوه الغادر ميرزا يحيى الذي نقض عهد حضرة الباب وقام شاهرًا سيف العصيان ضد مظلوم العالم.

كان وصول حضرة بهاءالله إلى الآستانة، عاصمة الإمبراطورية العثمانية، في 16 آب عام 1863م، مَعلمًا بارزًا من معالم تفتّح بعثته. فخلال إقامته القصيرة فيها ونتيجة للمكائد وتشويه الحقائق التي قام بها الحاج ميرزا حسين خان، مشير الدولة، سفير إيران، تحوّل موقف السلطات إلى عداء بعد أن تميّز قبل ذلك بشيء من الاسترضاء. كما أن الفترة الحافلة بالأحداث ذاتها شهدت أوائل مرحلة إبلاغ دعوة حضرة بهاءالله العلني لملوك العالم ورؤسائه وذلك في اللوح الذي أنزله موجّهًا للسلطان عبد العزيز ووزرائه وزجرهم فيه بحزم بما فعلوه مع أمر الله الناشئ وزعيمه.

ربما نفر قليل جدًا من أحبائه آنذاك أدرك بالبصيرة أن ذلك النفي لم يكن إلاّ حلقة أخرى من الإبعاد إلى الأرض المقدسة حيث، طبقًا للنبوءات، سيُظهِر رب الجنود، الآب الأبدي، مجده للبشر. فقد سبق وتنبّأ ميخا، نبي إسرائيل، منذ نحو ثلاثة آلاف سنة بظهور الرب بهذه الكلمات:


"يوم يأتي إليك من أشور ومدن مصر ومن مصر إلى النهر. ومن البحر إلى البحر. ومن الجبل إلى الجبل."(1)

 

    كم تحقّق صدق تلك النبوءة ودقّتها بنحو مدهش! فجاء حضرة بهاءالله من أشور، وكل من الآستانة وعكاء مدينة محصنة، والأخيرة قلعة، كما أنه ركب البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط وانتقل من جبال كردستان إلى جبل الكرمل.

ويشير عاموس، نبي آخر من أنبياء بني إسرائيل، إلى حضرة بهاءالله في الآستانة أيضًا بقوله:

 

"فإنه هو ذا الذي صنع الجبال وخلق الريح وأخبر الإنسان ما هو فكره الذي يجعل الفجر ظلامًا ويمشي على مشارف الأرض يهوه إله الجنود اسمه."(2)

 

في أحد ألواحه النازلة في عكاء يصرّح حضرة بهاءالله بأن هذه النبوءة تشير إليه، وأنها تخصّ سنة ثمانين (1280ﻫ / 1863م)، وأن "مشارف الأرض" هي الآستانة والأرض المقدسة (جبل الكرمل). كما يضيف شارحًا بأن بسلطنته القاهرة أظلم الصبح، مشيرًا بذلك إلى غلبته على ميرزا يحيى الذي كان لقبه "صبح الأزل" حيث انكشف بطلان صبحه وأظلم تمامًا.(3)

وصل حضرة بهاءالله إلى الآستانة في جلال مبين، حيث استقبلته السلطات بتكريم عظيم عندما نزل من السفينة. ثم نُقل وكافة أفراد عائلته إلى منزل شمسي بيك، وهو موظف كان في استقباله في الميناء كلفته الحكومة برعاية ضيوفها. أمّا أصحابه فأسكنوا في أماكن أخرى من المدينة.

لكن سرعان ما تبيّن أن منزل شمسي بيك، المكوّن من طابقين والكائن قرب مسجد "خرقة شريف"، أصغر من أن يكون لائقًا لحضرة بهاءالله، فنقل بعد فترة قصيرة إلى منزل ويسي باشا، وهو مبنى من ثلاثة طوابق أرحب من المنزل الأول ويقع قرب مسجد السلطان محمد. لم يعد اليوم أي من هذين المنزلين على شكله الأصلي.


مثل غيره من المنازل في تلك الفترة، كان منزل ويسي باشا يتألف من قسم داخلي وآخر خارجي، يتكون كل منهما من ثلاثة طوابق. سكن حضرة بهاءالله في الطابق الأول من القسم الداخلي، بينما شغلت عائلته ما تبقّى. أمّا القسم الخارجي فقد أقام حضرة عبدالبهاء في الطابق الأول منه، بينما سكن بقية الأصحاب المؤمنين في الطابق الثاني، وجُعل الطابق الثالث مخزنًا ومطبخًا.

في صباح كل يوم كان شمسي بيك يأتي، نيابة عن الحكومة، ليرعى شؤون حضرة بهاءالله وأصحابه ويلبي احتياجاتهم ويطمئن على راحتهم. ونصبت في صحن المنزل خيمة لخادمَين مسيحيين أرسلتهما الحكومة للقيام بمهمة التسوق وغير ذلك من الواجبات.

حضر العديد من رجال الدولة البارزين، بمن فيهم الوزراء، لزيارة حضرة بهاءالله وأداء فروض الاحترام له. من بين أولئك كان رئيس وزراء سابق هو كمال باشا (الصدر الأعظم)، وحينذاك كان أحد وزراء السلطان. وكان يجيد عدة لغات ويفتخر بمقدرته تلك. تعليقًا على ذلك يذكر حضرة بهاءالله إحدى محاوراته معه:

 

"زار كمال باشا هذا المظلوم يومًا في الآستانة ودار حديثنا حول أمور تعود بالمنفعة على الإنسان. عندما ذكر بأنه يعرف عدة لغات أجبناه بقولنا: لقد ضيّعت عمرك، وكان الأجدر بك وبقية موظفي الدولة أن تجتمعوا وتختاروا في ذلك المجلس إحدى اللغات المختلفة، وكذلك خطًا من الخطوط الموجودة أو أن تبتكروا لغة جديدة وخطًا من الخطوط يدرّسان للأطفال في كل مدارس العالم. وبهذه الصورة يتعلمون لغتين إحداهما لغة الوطن، والأخرى اللغة التي يتكلم بها عموم أهل العالم. فلو تمسّك الناس وعملوا بما ذكرنا لتشاهد الأرض كلها كبلد واحد، ولوفّروا على أنفسهم عناء تعلّم اللغات المختلفة وتعليمها. أثناء وجوده بمحضرنا أبدى قبوله بذلك، بل أظهر فرحًا وسرورًا عظيمين. بعد ذلك أخبرْنا حضرته بأن يعرض الموضوع نفسه لدى موظفي الدولة ووزرائها حتى يجري حكمه في الممالك المختلفة. إلاّ أنه


رغم زياراته المتكررة لنا فيما بعد من وقت لآخر لم يذكر قطّ هذا الموضوع، ولو أن ما اقتُرِح هو سبب اتحاد أهل العالم واتفاقهم."(4)

 

توقّع الكثير من رجال السلطة البارزين ممن زاروا حضرة بهاءالله أن يقوم باستدرار عونهم وتوسّطهم لضمان تأييد الحكومة لنفسه ولدعوته، إلاّ أنهم سرعان ما اكتشفوا بأنه أبعد من أن يداهن القوم وفق الممارسات الجارية بينهم. وأن معاييره أسمى من مفاهيم السياسة البشرية والتي تستند على المصلحة الشخصية، وغالبًا ما تعتمد على الخديعة والنفعية الأنانية. كما وعت السلطات بما لديه من القوى الروحية الموهوبة من الله، وأُعجبوا باستقامته ووقاره. حتى أن بعضهم راحوا يلحّون راجين منه أن يطلب من السلطان إجراء تحقيق دقيق وعادل من أجل إزالة أي ريب قد علق بأذهان السلطان ووزرائه.

لكن قيل بأن حضرة بهاءالله أجاب على ذلك بقوله المبارك:

 

"لو كان القادة المتنورون (في بلدكم) يلتزمون الحكمة والجدّ فإنهم بلا شك سيتحرون الأمر ويطّلعون بأنفسهم على حقيقة الحال، وإلاّ فإن حصولهم على الحقيقة أمر ممتنع محال. وما دام الحال كذلك فما فائدة ترجّي الساسة والتماس الوزراء؟ إنّا خالون من أي قلق، ومستعدون ومتأهبون لما هو مقدّر لنا. قل كل من عند الله لهو برهان كاف وواف، وإن يمسّك الله بضرٍّ فلا كاشف له إلاّ هو لدواء ناجع".(5)

 

في أحد ألواحه التي نزلت بعد وصوله إلى الأستانة بفترة قصيرة، يبدي حضرة بهاءالله تأسّفه على حال من قابلهم من أهاليها، مشيرًا إلى أن ترحيبهم به لم يعدُ كونه مجاملة رسمية، وبأنه وجدهم كالثلج ببرودتهم وبلا حياة كأنهم أشجار يابسة.(6) ففي "سورة الملوك" وفي فقرة يخاطب فيها سكان الآستانة يذكر حضرة بهاءالله أنه وجد رؤساءها "كالأطفال الذين يجتمعون على الطين" ثم يضيف هذه العبارات:

 

"وما وجدنا منهم من بالغ لنعلّمه ما علّمني الله ونلقي عليه من كلمات حكمة منيع. ولذا بكينا عليهم بعيون السرّ لارتكابهم بما نُهوا عنه وإغفالهم عمّا


خُلقوا له وهذا ما أشهدناه في المدينة وأثبتناه في الكتاب ليكون تذكرةً لهم وذكرى للآخرين."(7)

 

أما أصحاب حضرته، عشّاق بهائه المخلصين الذين سافروا معه إلى الآستانة، فقد منحوا شرف زيارة محضره من حين لآخر. كان عددهم أربعة وخمسين بمن فيهم آل بيته طبقًا لقائمة(8) تحمل ختم حضرته([2]) والتي يفترض أن تكون قد نظّمت بتوجيه منه إعدادًا لأسماء من سيرافقونه إلى الآستانة، لتقديمها للسلطات ببغداد. من أولئك مات طفل، بينما التحق بركبه أثناء السفر اثنان على الأقل من بينهم ميرزا يحيى.

اشتملت القائمة على الآتي:

 

    ميرزا حسين علي (بهاءالله) 1؛ ابنه الأكبر 1؛ أخوة 2؛ من نساء آل بيته 12([3])؛ أطفال من مختلف الأعمار 12 (توفي أحدهم)؛ خدم 2([4])؛ آخرين مع بغالهم (ليعودوا فيما بعد) 7؛ خيول 6.

 

تجدر الإشارة إلى أن حضرة بهاءالله امتطى جوادًا عربيًا كميت اللون، لفترات معينة من الرحلة. بينما قضى معظمها داخل هودج بصحبة حرمه آسية خانم.([5]) قام حضرة عبدالبهاء بإدارة شؤون القافلة برمّتها وأشرف على واجبات من كُلفوا بمهام معينة. وتسهيلاً لتنفيذ دوره ذاك فإنه غالبًا ما كان يمتطي جواد حضرة بهاءالله ليكون على اتصال مع المجموعة كلها. عند الاقتراب من أي مدينة بمسافة ساعة تقريبًا، كان يأتي بالجواد لحضرة بهاءالله ليدخل المدينة راكبًا، بينما يحلّ هو مكانه في الهودج، وعند خروج القافلة من المدينة يقوم بالترتيبات هذه نفسها.


"لوح الهودج"

 

في عدّة مناسبات حذّر حضرة بهاءالله أصحابه من المصير الذي ينتظرهم والبلايا التي سترد عليهم في المستقبل. ففي "لوح الهودج" المنزل في ميناء صامصون في الطريق صوب الآستانة تنبّأ بأفدح المصائب. أنزل ذاك اللوح بالعربية استجابة لالتماس كاتب وحيه ميرزا آقا جان، حال وقوع نظر حضرته على البحر الأسود من داخل الهودج. كان ذلك، حسب ما علم حتى الآن، أول لوح نزل منذ غادر حضرته بغداد. وفيه يشير إلى رحلة البحر القادمة ويذكر فيه كيف أنه سبق الإشارة إليها في "لوح ملاح القدس". بذلك يربط بين اللوحين مبيّنًا بأن دراستهما من شأنها إطلاع المؤمنين على أسرار أمر الله، ويقوى بهما إيمانهم. زاد مؤكدًا عليهم بأن تنبؤات "لوح ملاح القدس" لا بد وأن تتحقّق، كما أن "عذاب فتنة عظيم" سيحيق بهم من كل صوب ليكون بمثابة محكّ إلهي يمحّص من خلاله إيمان كل واحد تمحيصًا شديدًا ويفرق بين الحق والباطل.

أغلب الاحتمال أن قليلاً من بين أصحابه فطنوا بأن تلك "الفتنة العظيمة" ستنبع من الأخ غير الشقيق لحضرة بهاءالله، ميرزا يحيى، وينجم عنها أزمة ذات أبعاد خطيرة داخل الجامعة، أو أنه -ميرزا يحيى- سيصبح رمزًا مجسدًا لتمرّد الإنسان، وقطبًا لكل قوى الظلام، والذي سيقوم على محاربة أنوار المظهر الكلي الإلهي.

لقد تعرّض أصحاب حضرة بهاءالله، بحكم قربهم من شخصه، لأقصى الامتحان في خلوص إيمانهم ذلك لأن من يتصل بمن تجسد فيه روح الله، وأصبح بؤرة أنوار صفاته واقتداره، فإنه ينبغي أن يتحلًى بأسمى درجات الإيمان والانقطاع([6]) وأيّ أثر للأنانية -لدى ذلك الشخص- قد يقضي على روح المؤمن. ناحية أخرى لذلك الاتصال تتعلق بالكيفية التي أثرّ فيها جلال حضرة بهاءالله المذهل فيمن التقى به. فعلائم السلطة التي كانت تبدو عليه، ونورانية طلعته والقوة المغناطيسية التي كانت تتميّز بها عيناه، بالإضافة إلى محبّته وعطفه اللذين


أحاطا بكل الكائنات، كل ذلك كان له أثر مهيمن لكن بالوقت نفسه له تأثير من النشوة والسلوان لدى نفوس أتباعه بحيث عرجت بهم إلى عوالم الروح.

كان الحاج ميرزا حيدر علي من إصفهان([7]) من أخلص أتباع حضرة بهاءالله وحظي بشرف محضره مرات عديدة في كل من أدرنة وعكاء، وقد ترك بعض الأوصاف من ملاحظاته الشخصية والتي تلقي ضوءًا على هذه الناحية. يشير إلى ما كان يحدثه محضر حضرة بهاءالله في نفوس المؤمنين من أتباعه، بقوله:

 

    من المستحيل وصف تجربة روحانية. فمثلاً قد يجتمع شخصان أو أزيد معًا في محضر حضرة بهاءالله، لكن كلاّ منهما، لدى غمرة العطف والرأفة والرحمة الرحمانية الربانية، يشعر بأن تلك العطايا كانت موجّهة إليه وحده دون الآخرين بحيث يودّ أن يعلن إنه ربّي. ولو أن جميعهم كانوا في محضره المبارك، وأن خطابه لم يوجه لشخص واحد، إلاّ أن أثر كلماته النافذة في عروق وشريان وقلب ووجدان كل واحد منهم يجعله يحسّ كما لو كان هو المقصود والمخاطب مما يبعث في أعماقه مشاعر روحانية يستحيل وصفها للآخرين. أخيرًا كل ما يمكن أن يقوله المؤمن لصاحبه هو: كنتُ في نشوة وحالة هيام. أمّا صاحبه، فقد يكون ملمًّا بتجربة مماثلة، فسيقدّر ذاك الإحساس تبعًا لدرجة استعداده... أعني بأن كل ما يمتّ بِصلة إلى الوجدانيات والروحانيات والنورانيات والرحمانيات وما ينسب إلى الإلهيات منزه عن الجسمانيات والطبيعيات والأمكنة والأزمنة والأعراض والماهيّات. مثلاً ما من أحد يمكنه شرح مراتب البلوغ والمدارك والمشاعر لدى شخص بالغ، لا يمكنه شرح ذلك لطفل لم يبلغ الرشد، رغم أن هذه تتعلّق بعالم الطبيعة. لأن الطفل لم يكتسب بعد قابلية الإدراك. فكم يصعب إذًا شرح أمور روحية، أو حالة الإنسان المعنوية.

         فإذا ما استطاع شخص، بعناية الله ومطالع أمره وتوفيقات الله وتأييداته وإمداداته أن يكتسب الحس الروحي الباطني (نتيجة التشرف بمحضر حضرة


بهاءالله)، ويدع هذا يتغلغل إلى بواطن الروح، شريطة ألاّ تمر خلاله كوميض عابر أو خيال موهوم، بل ينساب إلى صميم كيانه، فإن فوزًا كهذا من شأنه أن يفتح الطريق من جميع الجهات إلى الترقيات والصعود بمعارج الروحانيات شريطة ألاّ تمتزج معه نزعات تمجيد الذات والأنانية...

مقصد الحديث هو أنه يستحيل وصف إفاضات مكلم الطور([8]) أو تجليات أنوار ظهوره...(9)

 

وفيما يخصّ قوة حضرة بهاءالله وسلطنته يكتب الحاج ميرزا حيدر علي ما يلي:

 

طلب أحد أتباع أزل([9]) مرةً من المرحوم الحاج السيد جواد الكربلائي([10])...، من أوائل المؤمنين وأحد مرايا الدورة البابية، أن يصف طلعة حضرة الباب... وجمال محيّاه. قال: ’جميلاً مليحًا لا يُضاهى، رأيت فيه كل ما عُرف ونُسب إلى يوسف من طيبة وحُسن.‘

لكن لمّا كان السائل أزليًا وبعض الأزليين حاضرين، شعرت أنه قد يفهم هؤلاء من عبارة المرحوم الحاج السيد جواد بأن الأخير نفسه كان أيضًا من أتباع أزل. لذلك سألته أن يحدّثنا عن حُسن وجمال من سجد لساحة قدسه([11]) ملكوت الجمال وهلّل بفناء بابه جبروت العظمة والجلال. فأجاب: ’اعلم علم اليقين بأن أي شخص، سواء من الأحباء أو الأعداء، يدّعي بأنه تمكّن من النظر إلى الوجه المبارك مباشرة فإنه كاذب. فقد جربت أنا ذلك محاولاً مرةً بعد أخرى لكني لم أتمكّن من ذلك لأنه عندما يتشرّف المرء في بعض الأوقات بالمحضر المبارك، يجد نفسه والهًا متحيرًا منجذبًا بحيث يصبح كالمصعوق المدهوش من الخشية والخشوع ناسيًا نفسه والدنيا. وإن لم يكن المرء منجرفًا بتلك الحال،


ثم يحاول عامدًا النظر لوجهه المبارك بشيء من التركيز، فسيكون كما لو نظر إلى الشمس. تمامًا كما تبهر الشمس بشعاعها عين الناظر فتنهمر منها الدموع، كذلك يحدث لمن يلحّ بالنظر في طلعة الجمال المبارك،([12]) وتسيل من عينيه الدموع بحيث يستحيل معها تشخيص ملامحه.‘

لقد مررت بهذه التجربة شخصيًا. ففي أثناء الأشهر السبعة التي قضيتها في أدرنة، حصل لي من الوله والانبهار (متأثرًا بمحضره) ما أنساني تمامًا شؤون نفسي بل وكلّ الدنيا، ثم بعد ذلك بأربعة أو خمسة عشر عامًا وصلت إلى البقعة المباركة النوراء، مطاف الملأ الأعلى،([13]) طور تجلّي موسى، أرض عكاء المقدسة. وتشرّفت بمحضر حضرة بهاءالله طيلة ثلاثة أشهر. كنت خلالها أريد التعرف على لون التاج([14]) المبارك الذي كان يلبسه، ولكنني في كل مرة أمثل في محضره كنت أنسى التفكير بذلك، حتى في يوم من الأيام شرّف بمحضره المنوّر المعطّر حديقة الرضوان([15]) بقدميه المباركتين. حينذاك سجدَت للرضوان حقائقُ جنان الفردوس الموعود في الغيب والشهود. كان وقتها يتناول وجبة غداء داخل غرفة، ما زال الزوار يؤمّونها، حيث وُضع فيها سرير وكرسي وبعض الأشياء الخاصة التي استعملها. وقف بداخلها شخصان أو ثلاثة بينما انتظر آخرون خارجها. كانوا جميعهم مسحورين بجماله اللامثال ذي العظمة والجلال. عندئذ فقط تمكّنت من رؤية التاج... إذ كنت أقف خلف جماعة من الأحباب والأصحاب... كان لونه أخضرًا.(10)

 

وفي مذكرات الحاج محمد طاهر المالميري([16]) نجد وصفًا آخر للطلعة الباهرة البهية لحضرة بهاءالله، وذلك حينما زار الحاج عكاء حوالي عام 1878م. وقد


بقي هناك تسعة أشهر سُمح له فيها التشرّف بالمحضر المبارك بين يوم وآخر. أثناء تلك اللقاءات كان يتمنّى رؤية وجه حضرة بهاءالله والتمعن بمحياه، لكنه في كل مرة كان يجد نفسه مغمورًا بسحر جماله ومسحورًا ببيانه، حتى حصل يومًا أن وقعت عينه على وجه حضرته. فيما يلي ترجمة كلماته:

 

في أحد الأيام نلت شرف محضر الجمال المبارك حيث تلطّف وأمرني بالجلوس. وعندما جلست خاطب حضرته خادم الله([17]) قائلاً: ’احضر الشاي لآقا طاهر.‘ أتاني خادم الله بقدح الشاي وسلّمه لي. بينما كنت أتناوله بيدي وقع نظري على وجه الجمال المبارك وغبت للتوّ عن الوعي إذ شخصت عيناي ولم أستطع تحويلهما عن جمال طلعته الفائق. عندئذ تفضل مخاطبًا إياي: ’انظر ماذا فعلت! فقد سكبتَ الشاي على عباءتك ولوّثتها. عليك أن تعتني بعبائتك هذه لأنها ستكون رداءك الوحيد أثناء عودتك إلى إيران. نحن أيضًا كان لنا كساء واحد وآخر داخلي خلال رحلتنا في السليمانية.‘([18]) فأدركت من كلمات الجمال المبارك تلك بأنه لم يكن بيدي سوى الصحن إذ كان القدح قد سقط ساكبًا الشاي فوق عباءتي ونضح إلى ملابسي دون أن أشعر به على الإطلاق([19]).(11)

 

يروي الحاج ميرزا حيدر علي، الذي أشرنا إليه سابقًا، قصة موجزة يصف فيها ردّ فعل بعض موظفي الحكومة في عكاء عندما شاهدوا حضرة بهاءالله لأول مرة. يروي في كتابه "بهجة الصدور" ما يلي:


    ... في أحد أيام عيد الرضوان، أقيم احتفال في منزل حضرة الكليم([20]) حيث كنتُ مقيمًا في القسم الخارجي([21]) منه. وشغل بعض أقسامه أناس غير بهائيين، فأحدها كان مسكونًا من قبل شخص يحمل لقب بيك أو باشا والذي وصل لعكاء بوظيفة رئيس الجمارك والمكوس.

في عصر أول أيام الرضوان شرّف حضرة بهاءالله من حرم الدار الداخلي إلى القسم الذي جلس فيه رئيس الجمارك وموظفوه. وحالما وصل نهضوا قائمين تلقائيًا خلافًا لعاداتهم وانحنوا. وبقوا كذلك واقفين مبهورين. توجّه حضرته إليهم بعناياته وعطفه وخاطبهم بكلمات اللطف والمحبة مما زادهم سحرًا. ولما عاد حضرته إلى حرم الدار سأل المسؤولُ، وهو ما زال متحيرًا شارد الذهن: ’من يكون هذا الشخص السامي؟ هل هو روح القدس أم هو ملك الملوك؟‘ كان جوابنا: ’إنه والد عباس أفندي.‘(12)

 

    تقدّم هذه الروايات انطباعًا بسيطًا عن هالة المجد والجلال المذهل الذي كان يشعّ من حضرة بهاءالله، وربما يفسر في الوقت ذاته سرّ عجز أتباعه عن كتابة وصف تصويري له. وبذلك يبقى المستشرق إدوارد گرانڤيل براون، الذي لم يكن بهائيًا، هو صاحب الصورة القلمية الوحيدة لدينا. فبهذه الكيفية وصف زيارته لقصر البهجة سنة 1890م حينما التقى بحضرة بهاءالله:

 

... انتظر دليلي لحظة من الزمن ريثما خلعت حذائي، وبحركة سريعة من يده سحب ستارة، وبمروري من الباب أعادها، فوجدت نفسي في غرفة كبيرة، في صدرها امتدّت أريكة منخفضة، ووُضع في مقابل الباب كرسيان أو ثلاثة كراسي. وإن كنتُ متصورًا تصورًا مبهمًا المكان الذي أنا ذاهب إليه، ومَن أنا قادم لرؤيته، إذ لم تعط لي إيماءة واضحة حول ذلك، إلاّ أنه قد مرت ثانية أو ثانيتان من الزمن، وأخذتني الرهبة والذهول، قبل أن أعرف


معرفة تامة بوجود من فيها، وحانت مني إلتفاتة إلى الركن، وحيث تلتقي الأريكة بالجدار، كان يجلس هيكل عظيم، تعلوه المهابة والوقار، وتتوّج رأسه قلنسوة من الصوف، من النوع المسمّى عند الدراويش ﺒ"التاج"، تمتاز بطولها، وحول أسفل التاج عمامة بيضاء صغيرة. وإنما الوجه الذي رأيته، لا أنساه ولا يمكنني وصفه، مع تلك العيون البرّاقة النافذة التي تقرأ روح الشخص، وتعلو جبينه الوضّاح العريض القدرة والجلال، بينما أسارير وجهه وجبهته تنمّ عن عمر لا يصدقه الشعر الأسود القاتم، مع لحية كانت تتماوج بوفرة مألوفة لغاية وسطه، فلم أكن إذ ذاك في حاجة للسؤال عن الشخص الذي امتثلت في محضره، ووجدت نفسي منحنيًا، أمام من هو محطّ الولاء والمحبة التي يحسده عليها الملوك، وتتحسّر لنوالها عبثًا الأباطرة!

     وسمعت صوتًا هادئًا جليلاً يأمرني بالجلوس، ثم استمر يقول: ’الحمد لله إذ وصلتَ!... جئتَ لترى مسجونًا ومنفيًا... نحن لا نريد إلاّ إصلاح العالم وسعادة الأمم، وهم مع ذلك، يعتبروننا مثيرين للفتنة والعصيان، ومستحقّين للحبس والنفي... فأيّ ضرر في أن يتّحد العالم على دين واحد وأن يكون الجميع إخوانًا، وأن تستحكم روابط المحبة والاتحاد بين بني البشر، وأن تزول الاختلافات الدينية وتُمحى الاختلافات العرقية؟... ولا بد من حصول هذا كله، فستنقضي هذه الحروب المدمرة والمشاحنات العقيمة، وسيأتي "الصلح الأعظم"... ألستم تحتاجون إلى ذلك في أوروپا أيضًا؟ أليس ذلك ما تنبّأ به السيد المسيح؟... ومع ذلك فإنّا نرى ملوككم وحكّامكم ينفقون خزائنهم على وسائل تدمير الجنس البشري، بدلاً من إنفاقها على ما يؤدّي إلى سعادته... ولا بد من زوال هذه المشاحنات والبغضاء وهذا السفك للدماء وهذا الاختلاف، حتى يكون جميع الناس جنسًا واحدًا وأسرة واحدة... فلا يفتخر الإنسان أنه يحب وطنه، بل يفتخر بأنه يحب جنسه...‘

هذه كانت على ما أتذكر بعض الكلمات التي سمعتها من بهاءالله مع غيرها من الكلمات، فلينظر الذين يقرؤونها، وليحكموا بأنفسهم هل هذه الآراء تستحق القتل والسجن؟ وهل ينتفع العالم بانتشارها أم يخسر؟(13)


    فيما يخص أولئك الذين رافقوا حضرة بهاءالله إلى الآستانة، نحن على علم بأن قلوب القليل منهم لم تكن طاهرة. وقد أبقى حضرته أولئك الرجال ضمن جماعة أصحابه ضمانًا للضبط والسيطرة على خبثهم. أمّا الذين فازوا، بفضل الله بنعمة التسليم التام لمشيئة المظهر الإلهي، منقطعين عن كل الأهواء، ثابتين على أمره وأظهروا منتهى الإخلاص والتواضع فإنهم وحدهم يستحقون أن يُدعوا أصحابه.

هؤلاء سوف تعترف الإنسانية بمقامهم في العصور القادمة، عندما يتم الاعتراف بمقام حضرة بهاءالله بنحو كامل، ويُنظر لتلك الأمثلة الحية التي تجسدت فيها روح الإيقان والانقطاع بمشاعر التبجيل والامتنان. ذلك لأن من خلال عمق إيمانهم وحبهم استحقوا نعمة الله وعطاياه نيابة عن البشر كافة. ولولا خلوصهم ونكرانهم التام لذواتهم في وجه الامتحانات والبلايا، لكان موقف البشر موقف نكران وجحود إزاء خالقهم من شأنه تأجيل تأسيس ملكوته الموعود في أرضه.

أولئك الحواريون، وكثير منهم استشهدوا في سبيل حضرة بهاءالله، كانوا ثمرات ظهور حضرة الباب. فهو الذي خلقهم خصيصًا لهذا اليوم. بل إن دعوة حضرة الباب لم يكن هدفها سوى إعداد أتباعه لكي يكونوا لائقين للقاء حضرة بهاءالله.

في إحدى كتاباته(14) صرّح حضرة الباب بأنه حين يوجد من هو مستعد وقابل لفهم الظهور التالي لظهوره، فإن الله يظهر نفسه ويكشف أمره دون آن من التأخير. وضرب حضرة الباب مثلاً لذلك بظهور نفسه مؤكدًا أنه لو أن الملاّ حسين، أول المؤمنين به، كان مستعدًا للاعتراف بدعوته قبل إعلانها بلحظات لقدّم ذلك الإعلان.

إن من اختصّه الله بأعظم مقدرة لفهم ظهور حضرة بهاءالله كان ابنه الأرشد حضرة عبدالبهاء، الذي عرف مقام والده تلقائيًا وهو في التاسعة من العمر. فبعد وصوله العراق بقليل كشف حضرة بهاءالله عن الرسالة التي أوحى بها الله إليه إلى


حضرة عبدالبهاء الذي أقرّ توًّا بأحقية أمره، وسجد عند قدميه متوسلاً بكل تواضع ولهفة عسى أن يفوز بفخر الفداء في سبيل والده.

إن أحداثًا جسامًا كهذه لا تتأتّى جزافًا. فيد الغيب الإلهي كانت تعمل على خلق الوسائل لظهور نفسه للبشر. فلم يكتفِ بظهور حضرة الباب فقط للإعداد وتمهيد السبيل لمجيء حضرة بهاءالله بل خلق أيضًا حضرة عبدالبهاء خصيصًا من أجل تقبّل ظهور حضرة بهاءالله نيابة عن البشرية. كم هو ذو مغزى أن يولد حضرة عبدالبهاء، الذي قدّر له أن يكون أداة وأيّة أداة لظهور متعال كهذا، في الليلة نفسها التي أعلن حضرة الباب دعوته للملاّ حسين بادئًا بذلك عملية إعداد أتباعه لمجيء "من يظهره الله".

علاوة على ذلك فإن تاريخ الدين البهائي يدلّل على أن القدرة الإلهية التي أقامت الشخصيتين الفريدتين المتمثلتين بحضرة الباب وحضرة عبدالبهاء، راسمة لكل منهما مهمته المقدسة، قد أحيت نفوسًا عديدة أخرى ممن اعترفوا بحضرة بهاءالله واعتنقوا دينه.

في كل دورة إلهية أصبح أولئك الفائزون بنعمة الإيمان بمظهر الله وأتباعه خلقًا جديدًا متحلّين بروح جديدة. هذا هو البعث الذي تشير إليه الكتب المقدسة. وفي أحد ألواحه(15) المتميزة بروعة رمزيّتها، يصوّر حضرة بهاءالله منظرًا بهيجًا من الأسرار الإلهية. ويروي بلغة الرمز بعضًا من الأحداث الروحية الخلاّبة في عوالم الله قبل الكشف عن ظهور بهائه. ولو يستحيل وصف هذه المناظر الساحرة، إلاّ أن مضمونها هو أنه لمّا لم يكن هناك من لائق لفهم هذا الظهور، فإن الله قدّر ولادة خلق جديد. هذا ويؤكد حضرة بهاءالله بأنه كشف عن بهائه للبشرية فقط بعد ظهور ذلك الخلق، واصفًا بعبارات وهاجة الطبيعة الرفيعة لهذا الخلق الجديد.

بعد تحذير أصحابه مما سينزل عليهم من الامتحانات الشديدة، يخاطبهم حضرته في "لوح الهودج" بكلمات الودّ والحنان. ويؤكد لهم العطايا الإلهية التي بواسطتها يمكنهم تخليص أنفسهم من الظنون والأوهام، وتطهير قلوبهم من الرغبات الدنيوية ويدعوهم للدخول في عوالم القرب من الله، ويذكّرهم بأن


العلي القدير قد اصطفاهم من بين كافة خلقه، ومكّنهم من الإيمان بمظهر أمره، وخصّهم بالمِيزة الفريدة إذ جعلهم أصحابه، ورفع مقامهم فوق كل من على الأرض وأدخل أسماءهم في "اللوح المحفوظ".([22])

يتناول موضوع بقية اللوح عظمة ظهور حضرة بهاءالله. وبينما يخاطب الخليقة كلها، فإنه يأمر الناس بالابتهاج إذ ظهر يوم النعيم، اليوم الذي فاز العباد فيه بلقاء الله.

إن الاعتقاد بيوم لقاء الناس ربهم نابع من صلب الكتب المقدسة القديمة. ففي القرآن الكريم عدة إشارات لهذا الموضوع. في الحقيقة إنه أوضح وأهم وعد أتى به نبي الإسلام. كما يصرح العلاّمة البهائي الكبير ميرزا أبو الفضل بأن كل ذي بصيرة ممن لديه معرفة حقيقية بالقرآن الكريم سيعترف بأن ما لا يقل عن ثلث حجمه ينبئ عن مجيء يوم الله العظيم.

فيما يلي بعض من كثير آياته: "والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يأسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم."(16) "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ إنّما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا."(17) "الذين يظنّون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون."(18) "الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخّر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمّى يدّبر الأمر يفصّل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون."(19)

 

هناك نبوءات مماثلة عديدة جدًا وردت أيضًا في العهد الجديد من الكتاب المقدس. منها: "ولا تكون لعنة ما فيما بعد. وعرش الله والخروف يكون فيها وعبيده يخدمونه. وهم سينظرون وجهه واسمه على جباههم."(20) "وسمعت صوتًا عظيمًا من السماء قائلاً هو ذا مسكن الله مع الناس وهو سيسكن معهم وهم يكونون له شعبًا والله نفسه يكون معهم إلهًا لهم. وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم والموت لا يكون في ما بعد لأن الأمور الأولى قد مضت."(21)


    والعهد القديم من الكتاب المقدس أيضًا يزخر بوعود مجيء الرب الإله. فيما يلي بعضها: "تفرح البرّية والأرض اليابسة ويبتهج القفر ويزهر كالنرجس. يزهر إزهارًا ويبتهج ابتهاجًا ويرنم. يدفع إليه مجد لبنان. بهاء كرمل وشارون. هم يرون مجد الرب بهاء إلهنا."(22) "قولوا لخائفي القلوب تشدّدوا لا تخافوا. هو ذا إلهكم. الانتقام يأتي. جزاء الله. هو يأتي ليخلّصكم."(23) "فيعلن مجد الرب ويراه كل بشر معًا لأن فم الرب تكلم."(24) "الظلمة تغطي الأرض والظلام الدامس الأمم. أمّا عليك فيشرق الرب ومجده عليك يُرى."(25)

 

في العديد من ألواحه يشرح حضرة بهاءالله امتناع إدراك الله من قبل الخلق إذ "أن غيب الهوية وذات الأحدية كان مقدسًا عن البروز والظهور، والصعود والنزول والدخول والخروج... لأنه لا يمكن أن يكون بينه وبين الممكنات بأي وجه من الوجوه نسبة وربط وفصل ووصل أو قرب وبعد..."(26)

لذا فإن الرأي القائل بمجيء الله شخصًا وذاتًا يتنافى تمامًا مع طبيعة الله. ذلك لأن حدثًا كهذا سيُهبط من شأن لامحدوديته ورفعتها وينزلها إلى عالم المحدودية. لكن بإمكان الإنسان الفوز بلقاء الله إذا فاز بالورود في محضر مظهر أمره([23]) وقد صرّح حضرة الباب بوضوح في "كتاب البيان" الفارسي (7:6) بأن أية إشارة في الكتب المقدسة لمحضر الله تعني "من يظهره الله".

منذ بداية تاريخ البشرية المدوَّن تنبّأ أنبياء الله ورسله عن "زمن اكتمال" و"نقطة منتهى". ورغم أن مجيء الرب([24]) كان محور رؤى الأنبياء ومصدر إلهام العديد من الشعراء والأولياء، إلاّ أن كافة أهل العالم فشلوا في عرفانه إلاّ فئة قليلة فازت بمشاهدة بهائه وإدراك مقامه. إذًا كم سنُذهَل لو نتفكر في تلك الأيام التي رافق فيها نفر من خمسين شخصًا ونيّف، ما بين رجل وامرأة وطفل، شخص مولاهم


من بغداد، ثم حُشروا على ظهر سفينة بخارية تركية في ميناء صامصون متوجهين إلى الآستانة، بينما كان عموم الناس غافلين عن أهمية تلكم الوقائع وخطورتها. مرت عليهم نسمة السبحان وكانوا رقودًا في سبات عميق.

 

"سبحانك يا هو"

 

بادئة للوح مليح بالعربية بخط يد حضرة بهاءالله أنزله في الآستانة عشية الخامس من جمادى الأولى 1280ﻫ (19 تشرين الأول 1863م) وهي ذكرى إعلان دعوة حضرة الباب. يُعرف هذا اللوح، استدلالاً من مطلعه، ﺒ"لوح الناقوس" وأيضًا لوح "سبحانك يا هو". نزل تلبية لالتماس قُدّم بواسطة حضرة عبدالبهاء من قبل أحد أصحاب حضرة بهاءالله واسمه محمد علي تمباكو فروش الإصفهاني.([25]) كان إنزال اللوح في تلك المناسبة الكريمة مصدر سرور عظيم لقلوب المحتفلين بذلك العيد التاريخي. يفتتح حضرة بهاءالله اللوح بهذه الكلمات:

 

    "يا راهب الأحدية اضرب على الناقوس بما ظهر يوم الله واستوى جمال العز على عرش قدس منير."(27)

 

من هذه الأسطر القليلة نستشف لمحة من جلال اللوح وسموّه. وكغيره من الألواح النازلة قرب إعلان دعوة حضرة بهاءالله، فإنه ينبض بقوة تتحدّى الوصف مما لا يمكن أن تصدر سوى من قلم المظهر الكلي الإلهي. ففيه يعجز المرء عن وصف ألفاظ حضرته التي لا تضاهى أصالة وعمقًا، إضافة إلى روعة جمالها وإيقاعها. إن صياغة ألفاظه تصلح لترديد الجماعة مما يساعد على خلق جو من الفرح والغبطة الروحية عند اشتراكهم بتلاوته.([26]) بعبارات جلية جليلة يعلن اللوح


الذي نزل بعد مغادرة بغداد بفترة قصيرة، ارتقاء شمس ظهور حضرة بهاءالله إلى أعلى بروجها، مؤكدًا بأن الذي كان مستورًا([27]) خلف حجبات الغيب قد ظهر، ويمجّد قوة أمره وجلاله، ويصرّح بظهور يوم الله، ويدعو أهل الفردوس الأعلى ليعدّوا أنفسهم عسى أن يصبحوا لائقين للفوز بشرف لقاء الله،([28]) ويأمر أحباءه بأن يبتهجوا ويهللوا لمجيء المحبوب، ويدعو الممكنات لإبلاغ البشرية ببشرى هذا الظهور. وأخيرًا يدعو لأصحابه عسى أن ينقطعوا عما سواه، وتتّقد أفئدتهم بنار محبته وتتطهّر عن الهوى. يدعو لهم أيضًا، لو ثبتوا على الانقطاع لخدمة أمره، بالغلبة على كل من على الأرض.

يدلّل تاريخ الأمر الكريم دلالة كافية على تحقق ذلك الدعاء. فبعون الله تمكّن محبّوه، على ما واجهوه من اضطهاد وحرمان من أي نفوذ دنيوي، من الانتصار على قوى الظلام بل وحققوا مكتسبات خالدة لأمر مولاهم. وقد صمم ملكان مستبدان، هما ناصر الدين شاه والسلطان عبد العزيز، بروح من العداء الراسخ على اقتلاع سدرة الدين الوليد من جذورها. حاول الأول، وهو الذي في عهده استشهد حضرة الباب وذُبح أتباعه بالآلاف، قصارى جهده لإطفاء نور الأمر الإلهي بل حتى محو اسمه من صفحات التاريخ، في حين أن الآخر حبس مؤسس الدين وفرض أشد القيود عليه وعلى جماعته. مع ذلك فإن الدين البهائي اليوم منتشر ومستقر في كل أنحاء العالم، بينما أتباعه، وهم يمثلون شتى الألوان والأجناس والأمم يعملون على نشر دينه بسرعة وهمّة مدهشتين. فهم قاموا ولا زالوا يقومون بنحو متزايد على لفت انتباه البشرية المعذبة لحقائق الدين الأساسية وتاريخه وتعاليمه ومؤسساته المنتشرة حول العالم وقوته الفاعلة في إيقاظ الأرواح وإحياء النفوس.

في الدورات الإلهية السابقة، كما هو الحال في هذا اليوم، اختار الله لخدمة أمره نفوسًا، رجالاً ونساء، امتازوا بالوداعة والتواضع. عن أولئك يحدّثنا القرآن


الكريم قائلاً: "ونريد أن نمنّ على الذين استضعِفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين."(28)

كذلك يردّد الإنجيل مثل هذا القول: "طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض."(29)

بإعلاء أمره ونصرته على يد أبسط خلقه وأدناهم، فإن الله قد أثبت سطوة مظاهر أمره وقدرتهم. إذ حينئذ لن يجرؤ أحد على اتهامهم بأنهم أسّسوا صرح الدين بتأثير المشهورين من الناس ونفوذهم. يكفي مثلاً أن نتذكّر بأن أول فئة قليلة من النفوس الذين اعترفوا بالسيد المسيح وآمنوا به لم يكونوا من البارزين في المجتمع. بل كانوا يعامَلون بازدراء ثم اضطهِدوا. كذلك كانت حال من سلك دربهم ومات الكثير منهم استشهادًا. إلاّ أنه رغم ضعفهم الظاهري شاعت رسالة السيد المسيح في أقطار الدنيا وتأسّس دينه. وهذا واحد من البراهين على أحقية دعوته.

في أوائل الدعوة المحمدية أيضًا لم يكن في صفوف أتباعه سوى أفراد من المستضعَفين والمنبوذين. ولذلك سخر القوم من النبي قائلين: "ما نراك إلاّ بشرًا مثلنا وما نراك اتّبعك إلاّ الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين."(30) وكان الرسول محمد r نفسه موضع اعتراض مرير بل واضطِهد من قبل أهل مكة ثم هاجر أخيرًا إلى المدينة طلبًا للأمان. مع ذلك ورغم ما كان فيه هو وصحابته من المظلومية والهوان، انتصروا بقوة الله على أعدائهم ونفخوا حياة روحية في جماهير عظيمة من الناس.

إلاّ أن الغرب ينتقد كثيرًا الكيفية التي تأسّس بها الإسلام. ومرجع ذلك كله تقريبًا إلى ما روّجه مسيحيون متعصّبون من تقارير مشوهة عبر القرون، ناكرين تعاليم الإسلام الروحية ومبادئه النبيلة، محوّرين تفسير معتقداته، مبالغين في نقل خلفياته غير المألوفة وناشرين المفتريات الشنيعة بحق مؤسّسه.

هناك رواية شيّقة حول هذا الموضوع تركها الحاج محمد طاهر المالميري في مذكراته، ينقل فيها فحوى لقاء طويل بينه وبين مبشر مسيحي في يزد كان يعرف


الفارسية جيدًا وكان هدف اللقاء إثبات أحقية دعوة حضرة بهاءالله. ففي أثناء الحوار طُرح موضوع الإسلام. فيما يلي ترجمة لجزء بسيط من النقاش:

 

قال لي (المبشّر المسيحي): ’وما بال محمد؟‘ قلت: ’أعتقد من ناحية بأن نفوذ كلمة محمد كان أعظم من عيسى.‘ كان ردّه السريع: ’كيف يمكن أن يكون ذلك؟‘ فأجبت: ’تعلم بأن عيسى ولد ونشأ في الأرض المقدسة وهي من بلاد الشرق حيث أعلن رسالته وأمضى سنوات بعثته قبل صلبه أخيرًا. لكن رغم ذلك وبعد مرور ما يزيد على ستة قرون فإن دينه لم ينفذ في أي من البلدان الشرقية بنحو يستحق الاعتبار، بينما اليوم كل مسلم تلتقي به في الشرق يؤمن بأن المسيح روح الله وأن الكتاب المقدس كلمة الله. فالإيمان بعيسى والاعتراف بسماوية دعوته لم يبلغا أهل الشرق إلاّ بواسطة محمد. أليس كذلك؟‘ فأجاب: ’نعم هذا صحيح، لكنه تمّ بالسيف.‘ أضفت شارحًا: ’طيلة ثلاثة عشر عامًا عاشها محمد بعد بعثته في مكة لم يستعمل خلالها سيفًا رغم تعرّضه طوال تلك المدة لسخرية وظلم متزايدين. بلغ به الحال إثر اشتداد ضراوة الاعتداءات بحيث كان يلتجئ إلى كهوف الجبال، وأخيرًا اضطر للانتقال إلى المدينة طلبًا للأمان. أمّا المناوشات التي اشترك فيها محمد فكانت جميعها دفاعية في طبيعتها. مع ذلك دعنا نقبل صحة ما تدّعي. دعنا نفترض بأن محمدًا نشر دعوته بحدّ السيف في حين أن المسيح حقّق ذلك بعون روح القدس. تعلم بأن السيف أداة مميتة، فإنها تقتل، تدمر وتمزق. مع هذا فإنه تحول بيد محمد إلى بركة مستورة. فبفضلها حصل ثلاثمائة مليون نسمة على نعمة الحياة الروحانية، وتوحدت عدة فئات متحاربة وارتبطت شتّى المجتمعات برباط الوحدة والأخوة، ورفعت من شأن القبائل العربية المتوحشة إلى أرفع ذرى المعرفة والحضارة، أنصف الآن في حكمك، أيهما أصعب تحقيقًا وأدعى للعجب؟ بعث الحياة هكذا عن طريق السيف أم بالوسائل الروحية؟ بعبارة أخرى، أيهما أحذق، طبيب يشفي مرضاه حالاً بإعطائهم الدواء، أم آخر يخفف العلة بعقاقير مسكّنة؟‘


    ’حسن،‘ قال، ’لكن محمدًا كان شهوانيًا له عدة زوجات بينما المسيح لم يتزوج أصلاً.‘ أجبت: ’إن كنت تقصد بقولك، المسيح لم يتزوج، التأكيد على سمو فضائله السماوية فأخشى أن تكون مخطئًا. ذلك لأنه كان للمسيح جسد كأي إنسان آخر، وأما حقيقة أنه ما تزوّج فربما مردّها إلى أنه لم يجد مستقرًا له حيث إنه في فترة بعثته القصيرة كان دائم التنقل في البلاد. أم تريد أن تنسب افتقاد الدافع الجنسي الغريزي إلى المسيح مما يدلّ ضمنًا على نقص جسماني وليس فضيلة سماوية إذ إن رسل الله كاملو البنية روحيًا وجسديًا. هذا فضلاً عن أن المسيح نفسه لم يقل شيئًا ضد الزواج. لنسلّم جدلاً بمقولتك، ومع ذلك لا يمكن لأحد أن ينكر بأن محمدًا استطاع أن يبث في أتباعه أعلى درجات الطهر واستقامة الخلق، وينمي درجة رائعة من الاستقامة والوعي الروحي بين أفراد مجتمع بلغ من الانحطاط أدناه في تلك الأيام بحيث وصل إلى حضيض الهمجية والجهالة. واليوم بعد ما يزيد على 1300 سنة من دعوته فإن أثر قوته الروحية التي ما تزال تربط بين شتى المجتمعات العرقية يمكن مشاهدته واضحًا في كل مكان. إن الروحانية وغريزة الجنس ضدّان كالماء والنار. وبالنسبة لمحمد فإنه وفّق بين هاتين القوتين المتضادتين في داخل نفسه، بينما أنت تقول بأن المسيح كان ذا طبيعة روحانية فقط. أترك الآن لتقديرك المحايد كي تقرّر فيما إذا كانت طبيعة محمد كانت أكثر روحانية أم شهوانية. إلاّ أنه يجب ألاّ نضلَّل بمثل هذه الاعتبارات. فسبق للمسيح أن علّم: [ستعرفون الشجرة من ثمارها].‘ بعدها قال: ’وماذا عن حقيقة دعوة بهاءالله؟‘...(31)

 

في أغلب ألواحه النازلة في الآستانة وأدرنة، كما في "لوح الناقوس"، يحثّ حضرة بهاءالله أتباعه على تطهير قلوبهم من الشهوات الدنيوية، والتمسّك بأمره لئلاّ تمنعهم كلمات المريبين ووساوسهم عن صراط الحق. عندما ندرس الأحداث التي انتهت بعصيان ميرزا يحيى في أدرنة حينئذ سندرك أهمية هذه النصائح. وكما سنرى فإن عدة مؤمنين بارزين، كان بعضهم موجودًا فعلاً في الآستانة حين نزل "لوح الناقوس"، قد وقعوا في براثن هذه الأزمة التي ما فتئت أحاطت بجامعة الأحباء وراح ضحيتها عدد منهم تحت تأثير قوتها الشيطانية.


لكن رغم هذا، استمرت نصائح حضرة بهاءالله تنهمر على أصحابه بلا فتور. ذلك من أبرز مآثر حياته إذ شمل كل من اتصل به بواسع عطفه وعناياته، سواء كانوا من المؤمنين أو غيرهم. لم يستثنِ سوى من كاد أن يضر أمر الله، لأنه في هذه الحالة، كان يصرفه عن محضره المبارك. أمّا لأتباعه فكان ذراعًا تحميهم ويدًا ترشدهم في كل خطوة على دربهم. يبدو هذا جليًا في كل كتاباته. فهي تطفح نصحًا وحثًّا وتوجيهًا في المجالات الروحية والخلقية والاجتماعية. بل حتى في الأمور الشخصية لم يمنع حضرة بهاءالله عن أتباعه هديه وإرشاده. لنضرب مثلاً واحدًا يخصّ رحلته إلى الآستانة: قبيل الرحيل نصح حضرته أتباعه ممن سيرافقوه بأن يطلقوا شعر رؤوسهم على غرار ما تفعله طائفة البكطاشية.([29]) أشار عليهم بذلك ليحتموا بعض الشيء وينالوا ما كان لتلك الطائفة من مكانة وقدر كبيرين في تركيا. لكن ينبغي ألاّ تؤخذ هذه الحادثة على أنها دليل بأن حضرة بهاءالله كان قد سمح للرجال بإطالة شعر رؤوسهم، بل ما نصح به آنذاك كان بدافع جعلهم أقرب للانسجام مع التقليد الشائع في ذلك الزمن وبالتالي ضمن سلامتهم وراحتهم.

وفي إيران أيضًا كان للدراويش([30]) بعض الاحترام والتقدير. فلم يتعرض الناس لهم أو يضايقوهم بسبب اعتقادهم أو تقاليدهم. في تلك الأيام كان الفضول طبيعيًا لدى الناس لتحري هوية كل غريب يدخل مدينة ما، واستقصاء حقيقة مأربه من الزيارة. لكن لم تكن الحال كذلك بالنسبة لدرويش قادم، إذ كانوا يجوبون البلاد دومًا من مدينة لأخرى. لذا ألف الناس رؤيتهم قادمين من أطراف بعيدة، ولم يروا فيهم ما يوجب تحري أمرهم. في أوائل نشأة أمر الله استفاد من ذلك الوضع عدد من المبلّغين البهائيين في إيران بإطالة شعورهم وارتداء ملابس الصوفيين. وبذلك تمكّنوا من التجول في طول البلاد وعرضها دون مواجهة مضايقة أو اضطهاد.


في أيام حضرة الباب وحضرة بهاءالله آمن عدد من الدراويش الأصليين، من أشهرهم ميرزا قربان علي،([31]) أحد شهداء طهران السبعة. بطبيعة الحال استمر أولئك بهيأتهم كدراويش، حاملين بيدهم إناء العطية (الصدقة) وينشدون المدائح الإلهية في الأسواق والمحلات العامة. كان ترتيل الدراويش لتلك المدائح، وهي عادة قصائد لشعراء مشهورين، من أكثر أعمالهم لفتًا لسمع الجمهور. تجدر الإشارة إلى أن بعضهم راح يلهج بمدائح حضرة بهاءالله علنًا رغم نصحه أتباعه دومًا بلزوم التعقل والحكمة بعدم تبليغ أمره علنًا. ولما كان المصير الحتمي لذلك جلب نتائج وخيمة من الأذى والاضطهاد، اضطر أخيرًا إلى إرسال رسالة شديدة إلى بعض الدراويش يأمرهم بالكف عن تلك التصرفات والتقيد بالحكمة.

نظرًا لما اعتادوا عليه من طبيعة التسول والتقشف، فإن بعضهم ممن أصبحوا بهائيين بدأوا بتفسير أحكام الدين بما يتفق وأهواءهم. في أحد ألواحه يستنكر حضرة بهاءالله مواقف وممارسات أولئك الذين قصدوا حياة العزلة، ويصرّح بأن لا همّ لهم سوى الأكل والنوم.(32)

ولمّا كان حضرة بهاءالله قد أنزل "الوديان السبعة" لصوفي، وبيّن فيها الشروط الروحانية التي ينبغي توفرها لدى الإنسان لينال غاية مراده وبما أنه نفسه ذهب للسليمانية بهيأة درويش، فربما يتوهّم بعض الأشخاص بأن تعاليمه تتفق مع ممارسات التصوف أو تؤيدها. عند دراسة تعاليم حضرته سيثبت عدم وجود ذلك. فظهوره على هيأة درويش طيلة عامين في جبال كردستان يُعزى لظروف حياة العزلة التي عاشها آنذاك، ولا يمكن الاستنتاج منها على كونها إقرار أو قبول طريقة حياة المتصوفة. يقول المبدأ الأساسي للصوفية بأنه يمكن للإنسان أن تكون له تجربة شخصية مع الله بواسطة طلب الاتصال مع مصدر الكون والحقيقة، وبذلك ينال حرية روحية مطلقة تجد في رحابها حواسه الفطرية منتهى نشاطها، لكن دين حضرة بهاءالله لا يقرّ بإمكانية وجود علاقة مباشرة بين الخالق والخلق،


بين اللامحدود والمحدود، إذ إن "أبواب عرفان ذات الأزل مسدودة على وجه الممكنات".(33) والسبيل الوحيد لمعرفة الإنسان خالقه هو بمعرفة مظاهره. إن أحد المعتقدات البهائية الرئيسة هو أن تقدّم الإنسان الروحاني يعتمد على إقراره بالتعاليم الإلهية والعمل وفقها وليس نوازع حياته وأوامرها.

فرق جوهري آخر بين العقيدة الصوفية والبهائية هو أن حضرة بهاءالله منع الرهبنة والتسول. ذلك بأن أعطى لأتباعه مفهومًا جديدًا للانقطاع ونكران الذات يتعارض مع رأي المتصوفين عامة.

في أحد ألواحه يصرّح حضرة عبدالبهاء بأن "الوديان السبعة"([32]) ترشدنا عند الولوج في درب الانقطاع.(34) وهدفها تعليم السالك محبة الله. لكنها لا تتغاضى أو تبرر موقف كثير من الدراويش الذين يعتزلون الدنيا. هؤلاء يجولون في الأرض كالرحّالة، وهم مضطربو الفكر كسالى، يعيشون دون عمل عبئًا على الآخرين. وكما سبقت الإشارة في المجلد الأول (من "ظهور حضرة بهاءالله")، فإن "الوديان السبعة" أنزلت إجابة عن أسئلة الشيخ محيي الدين، وهو رجل عالم ضليع بفلسفة الصوفية. في أحد ألواحه(35) يذكر حضرة بهاءالله بأنه كتب "الوديان السبعة" قبل إعلان دعوته بلسان القوم المعنيين. واستعمل فيها بحكمته الإلهية، المصطلحات الصوفية المتداولة آنذاك تسهيلاً لفهم السائل. كما يؤكد في اللوح ذاته بأن أي شخص في هذا اليوم أقبل إليه وعرف مقامه حقًا، فكأنما قطع فعلاً الوديان السبعة الواردة في الكتاب.

    منع حضرة بهاءالله التنسك والتسول والرهبنة(36)، ويصرّح بأن هناك في بعض الجزر أناس يعيشون بين الوحوش في الأدغال معزولين عن العالم، لا يأكلون ويعيشون حياة نسك ويرون أنفسهم أئمة الناس. ولكن لن يقبل واحد من هذه الأعمال عند الله. يصف في اللوح نفسه ملاحظاته في بغداد عندما شاهد رجلاً في أحد أحياء الصوفيين يضرب نفسه بشدة حتى سقط أرضًا مغمىً عليه.


كان ذلك العمل الأحمق، الذي يفترض فيه أن ينمي السيطرة على النفس، يُعتبر في نظر جماعته أو طائفته عملاً جليلاً وخارقًا للعادة. إلاّ أن حضرة بهاءالله يؤكد بأن الله يضجر هؤلاء الناس.

في أحد كتبه قام العلاّمة البهائي الشهير ميرزا أبو الفضل بتقص دقيق لانحطاط الإسلام ناسبًا ذلك لنشأة التصوف ونموه. وبعد أن يصف إسهام الإسلام العظيم في حضارة البشرية في مجالات المعرفة كالطب والعلوم والرياضيات والفلك، يقول:

 

... وقد استنارت سائر بلاد الإسلام وممالكه من المشرق إلى المغرب بأنوار العلوم وأزهرت بها. ولكن يا للأسف فقبل أن تؤتي أشجار المعارف ثمارها، ظهرت أشواك التديّن في حدائق هذه الأمة المستنيرة (الإسلام). فحينما يتفشى مرض التصوف، الذي هو بمنزلة الفلج والشلل في الأعضاء السليمة لكل أمة، فإنه يزيل تمامًا نشاطها وتقدّمها وغلبتها ونفوذها. هذا هو الداء الذي حلّ بأمة الإسلام. فانشغل جمع كثير باسم الزهد وتصفية النفس، في المغالاة بالأذكار والعبادات... ولو أنه والحق يقال بأن من هؤلاء ظهر بعض من كبار الرجال وبسبب زهدهم الحقيقي انجلت مرايا بعض القلوب بأنوار الحقيقة، لكن مع ذلك لأن أغلبهم كانوا عبدة أهوائهم بدلاً من عبادة الله، وطالبي رئاسة لا دين، فإنهم غالبًا ما ابتدعوا طرق عبادات باطلة وأسسوا مصطلحات خارجة عن أصول الدين وأسسه. ثم استطاعوا بشتى أنواع الحيل تحويل قلوب الملوك والأمراء نحوهم. كان نتيجة ذلك فتور همّة أولئك الملوك وبرودة حماسهم في نشر المعارف، وأحلّت تبجيل علماء الدين وعبادتهم محل إشاعة المعارف والفنون. إلى أن غربت أنوار العلوم تدريجًا وحلّت ظلال التصوف مكانها.(37)


صفحة خالية


﴿ 2 ﴾

 

المثنوي المبارك

 

 

إحدى أجمل كتابات حضرة بهاءالله التي نزلت بالآستانة هي "المثنوي". تعتبر تحفة رائعة من القصيد الفارسي، يلفت الانتباه جمالها وقوة تركيبها، كما اشتهرت بكونها من أكثر قصائده تحريكًا للروح. ما من قلم يستطيع وصف هذا الأثر العظيم وصفًا وافيًا حتى بلغته الأصلية. ذلك لأن كل بيت من أبياتها الثلاثمائة يعادل كتابًا بنفسه لعمق المعنى اللامحدود ولمغزاه العميق. فبقوة إعجازية يكشف قلم وحيه، كالبحر المتفجر من مخرج صغير، قدرًا يسيرًا من عظمة الله وقوته مانحًا بذلك لمحة من وحيه السماوي للبشرية. إن المعرفة التي يجود بها على ذوي الأفئدة الطاهرة، والأسرار التي يكشفها للمخلصين، والبصيرة التي ينيرها للطالبين، والحكمة التي يمنحها للحكماء، والنصائح والوصايا التي يسديها لأحبائه، كل ذلك يبرز في هذه المنظومة الإلهية كغايات يطمح الإنسان إليها ويأمل نيلها.

فقد كشف حضرته في هذه القصيدة، وفي إطار عالم محدود، أسرار ظهور ضخم لا نهاية له. وأظهر بعضًا من حقائق عالم الإنسان وأشار إلى كيفية بلوغه ذروة المجد والفضل. إن بعض الوصايا فيها جاءت على غرار تلك الواردة في "الكلمات المكنونة".

رمز حضرة بهاءالله إلى نفسه في القصيدة بشمس الحقيقة التي تسطع بأشعتها على كل المخلوقات. فمثل الشمس الظاهرة التي هي مصدر الحياة الأساسي لهذا الكوكب، كذلك فإن المظهر الكلي الإلهي هو مصدر الحياة الروحية لعموم البشر. فبما يبعثه من طاقات روحية في العالم الإنساني، يرتقي بنو أدم ويتطورون.


يصرح حضرة بهاءالله في أحد ألواحه(1) بأن الهدف الأساسي للظهور الإلهي لا يختص فقط بتغيير الأحكام في المجتمع الإنساني أو بنشر المعرفة والعلم، بل الهدف حين الظهور هو هطول العنايات السماوية بحيث تصبح سائر المخلوقات محل نزول الفضل الإلهي وتكتسب قدرات جديدة.

في حين نزول "المثنوي" لم تكن طائفة البابيين قد عرفت بإعلان دعوة حضرة بهاءالله أو مغزاها بنحو تام. لذا يدعو حضرة بهاءالله نفسه في هذه القصيدة لكشف الحجبات كي تشرق شمس ظهوره بكل بهائها. كما يخاطب نفسه في موضع آخر ليلقي على هذا العالم الظلماني قدرًا من نوره، ويفتح أمام البشرية أبواب عرفان الله، ويمرر عليهم نسائم طيب رحمته عسى أن يستيقظ موتى الروح من قبور الجهل والغفلة.

في إشارة إلى انتشار نور أمره في عالم الغرب، يصرح حضرة بهاءالله ببيان لافت للانتباه. فيخاطب روح الله في أعماق نفسه ليكشف بهاءه حتى تشرق الشمس من الغرب. في ألواح أخرى تنبأ حضرته بأنه حتى لو ظهر أمر الله في الشرق لكن سيظهر أثره في الغرب.([33])

يصف حضرة بهاءالله مجيئه في "المثنوي" بأنه مجيء يوم الله وحلول الربيع. يتردد هذا الموضوع في كثير من ألواحه. فكما يبعث فصل الربيع الطبيعي حياة جديدة في سائر المخلوقات في هذا العالم، فإن ظهور حضرة بهاءالله يملأ القلوب بمحبته فتظهر منها أنبل ثمار الفضائل والكمالات. إذ إن هذه الخصال السماوية التي تظهر في المؤمن لا تنبع من ذاته بالكامل. فلولا ضياء الشمس لكانت العين عضوًا لا فائدة فيه، والبذرة كائنًا عديم النفع. على هذه الشاكلة لولا مجئ المظاهر الإلهية لما استطاع إنسان التحلي بسجايا النبل والتقوى. فبهدى أنوار شموس الحقيقة هذه أرشدت البشرية تدريجًا من الظلمة إلى النور.


إحدى موضوعات "المثنوي" هي أن الإنسان نفسه مظهر من مظاهر أمر الله، وأن قوى الله وصفاته مودعة فيه، وأن نور الله ينعكس فيه، لكنه رغم ذلك محجوب عن هذه المواهب ويمضي ساعات حياته الثمينة غافلاً عما يكمن فيه من قوى نبيلة. يحذّر حضرة بهاءالله الإنسان بأنه ما لم يجهد الإنسان ليطهر قلبه فإن هذه السجايا والصفات لن تظهر فيه. في "الكلمات المكنونة" يصرح حضرة بهاءالله بلسان الله:

 

"يا ابن الوجود

مشكاتي أنت ومصباحي فيك فاستنر به ولا تفحّص عن غيري لأني خلقتك غنيًا وجعلت النعمة عليك بالغة."(2)

 

من تعاليم حضرة بهاءالله في "المثنوي" أن الإنسان في هذا اليوم لن يتنور بنور الله ما لم يتزود ببصر جديد. إذ إن الأعين التي تنظر إلى أغراض هذه الدنيا لن تشاهد بهاء ظهوره، والآذان الموجهة لأصوات الأشرار لن تستمع لألحان الملكوت. يقصد "الأعين الجديدة" و"الآذان الجديدة" الأعين والآذان الروحية. فهو يصرح بأنه من المخجل أن يُسمح لعين الروح (عين البصيرة الفطرية) وهي التي تستمد نورها من الله، بالنظر إلى الغريب، مؤكدًا بأن هدف الله من خلق البصيرة هذه هو أن يستعين بها الإنسان للتعرف على جمال المظهر الإلهي حين طلوعه عن أفق هذه الدنيا. بهذا الصدد يكشف حضرة بهاءالله في "الكلمات المكنونة" عن ذلك بقوله:

 

"يا ابن التراب

كن أعمى ترَ جمالي، وكن أصمَّ تسمع لحني وصوتي المليح، وكن جاهلاً يكن لك من علمي نصيب، وكن فقيرًا تغترف من بحر غنائي الخالد قدرًا لا زوال له، أي كن أعمى عن مشاهدة غير جمالي وكن أصمَّ عن استماع كلام غيري، وكن جاهلاً بسوى علمي حتى تدخل ساحة قدسي بعينٍ طاهرةٍ وقلبٍ طيبٍ وأذنٍ نظيفة."(3)

 

كما يؤكد في أحد ألواحه(4) بأنه لو كان لبصير عين باتساع السماء ويتوجّه ببصره "أقل عمّا يحصى" إلى غيره -أي غير حضرة بهاءالله- فإن شخصًا كهذا


لن يليق للورود إلى "بساط" محضره. يمكننا تقييم عبارة حضرة بهاءالله هذه إذا ما تدبرنا في شأن من يبتغي الاستنارة من شمعة والشمس مشرقة من أسمى أبراجها.

في لوح آخر(5) يشرح حضرة بهاءالله بأن هذا اليوم هو يوم الله ولا يستحق ما سواه أن يُذكر. ثم يضيف بأن هذا يوم الأعين والآذان والأفئدة. لذا فإنه يدعو أحباءه للسعي والتزود بهذه المواهب الثلاث، مذكّرًا إياهم بأن "حجابًا رقيقًا" قد يمنع الأعين عن الإبصار والآذان عن الإصغاء والأفئدة عن الإدراك.

إن الحجبات التي تحول بين بصيرة الروح والمظهر الإلهي تنبع من عالم الإنسان. ففي عالمنا اليوم عدد غفير من الناس لا يمكنهم مشاهدة عظمة حضرة بهاءالله، المظهر الكلي الإلهي، لأنهم غلّفوا قلوبهم بحجبات عديدة. لعل أقساها حجاب التقليد. فالناس يولدون وسط تقليد ما ويجبلون على المضي فيه أُسراء مدى العمر. يسجل التاريخ بأنه كلما أظهر الله نفسه وأتى بمعايير وتعاليم جديدة للناس عارضه وقاومه أناس من هؤلاء اقتدوا بآبائهم ورؤساء دينهم السابق وآخرين من قومهم. ولعل خير مثال على ذلك ما وقع عند مجيء السيد المسيح حيث لم يؤمن به حقًا سوى ثلة ضئيلة من أنفس معدودة، بينما رفض أمره الآخرون ممن عبدوا التقليد. إن من بين أهم تعاليم حضرة بهاءالله هو أن يبتعد الإنسان عن تقليد غيره في مسائل الاعتقاد والدين، بل ينبغي له تحري الحقيقة دون قيود ويفتح بصيرته علّه يشهد بنفسه بهاء دين الله الوليد في هذا اليوم.

حجاب آخر غليظ حال بين الناس واعترافهم بالمظهر الإلهي هو المعرفة. فالذين أوتوا شيئًا من العلم غالبًا ما يغترّوا به، أحيانًا دون وعي منهم، فيحجب ذلك بصائرهم عن الحقيقة. هذا واحد من "سبحات الجلال" -التي يشير إليها الإسلام ويذكرها حضرة بهاءالله في العديد من كتاباته بما فيها "كتاب الإيقان"- حيث تصبح إحدى صفات الله أو أسمائه الحسنى حجابًا ومانعًا.([34])


ولو أن اكتساب العلوم والمعارف أمر ممدوح ينبغي للإنسان ابتغاؤه وأن حضرة بهاءالله، مثل الرسول محمد r من قبله، أمر أتباعه بتحصيله، لكنه يصبح من "سبحات الجلال" إذا ما قاد صاحبه إلى الغرور وتعظيم الذات.

في أوائل أيام أمر الله، كان هناك رجل ثري صاحب معرفة في كاشان ذهب مع أسرته قاصدًا زيارة المقامات المقدسة في النجف وكربلاء. وقد أجبرته الظروف على اتخاذ أحد البابيين دليلاً وقائدًا للقافلة اسمه هاشم خان ليوصلهم ويعيدهم. إلاّ أنه تردد باستخدامه لا لشيء إلاّ لكونه بابيًا، وكان من أشهر سائقي القوافل وأوثقهم في المنطقة علاوة على كونه قوي البنية طويل القامة. مع أنه كان قليل العلم، إلاّ أن قلبه انشرح بنور أمر الله الناشئ. بذلك وُهب من الفهم الفطري ما مكّنه من تبليغ الناس وإقناعهم بطريقته البسيطة بأحقية الدين الذي آمن به. كان معروفًا باسم هاشم البابي. خلال الرحلة تجنب التاجر وعائلته ذلك المؤمن. فلم يرغبوا بمعاشرة من كان في نظرهم قد آمن بعقيدة ضالة. في رحلة طويلة كهذه كان لزامًا أن تتوقف القافلة مرتين أو ثلاثًا يوميًا للراحة وإطعام الدواب. في إحدى المناسبات خلال استراحتهم عزم التاجر على التحدث مع هاشم محاولاً هدايته وإعادته إلى حظيرة الإسلام. فناداه ليأتي ويجلس معهم. بعد تقديم شكره وثنائه على إخلاصه وحرصه في خدمتهم ورعايتهم في الطريق، شرع يحاوره متسائلاً: ’ترى كيف إني مع كل علمي لم أستطع أن أقتنع وأعترف بأحقية رسالة الباب في حين أنك تكاد تكون جاهلاً أميًا تدّعي اهتداءك واعترافك بها؟‘

قبض هاشم بيده حفنة من الرمل وقال للتاجر: ’الناس من أمثالي لا شأن لهم في المجتمع. إنهم كرمال الصحراء بلا قيمة، لكن مع ذلك حينما تشرق الشمس في الصباح نجد أن أول من يستضئ بنورها هي هذه الرمال. أمّا الرجل المتعلم فمثله مثل الجوهرة الثمينة، محفوظة في صندوق داخل غرفة مقفلة وإذا طلعت الشمس فإنها تبقى في الظلام.‘ كان لجوابه أثر عميق في نفس التاجر بحيث صار يتعلّم من هاشم باستمرار طوال الرحلة حتى عودتهم، مما أدى إلى زوال الحجبات


واستنارة جوهرة قلبه بنور الإيمان بأمر الله الجديد. إن جواب هاشم على بساطته فيه معنى عميق جدًا. إذ بينما يقرّ بمقام العلم ورفعته، يبرهن على ضرورة توجّه أهل العلوم لشمس الحقيقة عند ظهورها في العالم ثم الاجتهاد من أجل فتح قلوبهم وأرواحهم لسطوع أنوارها عليهم واستنارتهم بها.

من الحجبات الأخرى التي تمنع الناس من الإقبال على دين الله الجديد هي التعصبات بمختلف أنواعها، المادية والثروة والنفوذ وغيرها كثير مما أصاب المجتمع الإنساني في هذا العصر وهوى به في ظلام وحرمان تامّين.

 

الانقطاع

 

    يشير حضرة بهاءالله في "المثنوي" إلى قوة ظهوره مؤكدًا أن به يستطيع الإنسان العروج إلى أعلى ذرى الفضائل والروحانية. فيدعو أحباءه إلى السعي لبلوغ هذا المقام بالتوجّه إليه بقلوب طاهرة مخلصة، ثم بالانقطاع عن الشؤونات الدنيوية. يصرح حضرة بهاءالله في العديد من ألواحه بأن من أعظم مكتسبات الإنسان هو الانقطاع عما سوى الله. والروح لديها الاستعداد للإيمان ثم التقرب إلى الله على قدر يتناسب مع انقطاعها عن الدنيا. لكن غالبًا ما يساء فهم الانقطاع الذي يخلط بالعزلة والابتعاد عن الدنيا. فهناك عدة مذاهب وطوائف من الناس ممن يميلون لحياة التنسك والرهبنة في الأديرة وما شابهها من المؤسسات ظانّين أن ذلك المسلك سيرفع مقامهم الروحاني. لكن تعاليم حضرة بهاءالله ضد ذلك قطعًا. مثال ذلك ما خاطب به الرهبان في اللوح الثاني الذي وجّهه حضرة بهاءالله إلى ناپليون الثالث:

 

"قل يا ملأ الرهبان لا تعتكفوا في الكنائس والمعابد. أن اخرجوا بإذني ثم اشتغلوا بما تنتفع به أنفسكم وأنفس العباد كذلك يأمركم مالك يوم الدين. أن اعتكفوا في حصن حبي هذا حق الاعتكاف لو أنتم من العارفين. من جاور البيت إنه كالميت ينبغي للإنسان أن يظهر منه ما ينتفع به الأكوان، والذي ليس له ثمر ينبغي للنار."(6)


    يمكن للإنسان أن يمتلك كل طيبات الدنيا، ويعيش في رفاه وترف ومع ذلك يكون منقطعًا عن الدنيويات.([35]) فقد خلق الله هذا العالم وكل ما فيه ليستعمله البشر ويتمتعوا به، شرط أن يحيا الإنسان حياة تتفق وتعاليم الله وأحكامه.

    يذكر حضرة بهاءالله في أحد ألواحه(7) بأن هذا العالم زاخر بعطايا الله المادية، وأن كل ما هو حسن وطيب من المخلوقات والأشياء إنما يحكي عن صفاته أو يعكسها وأن امتلاك هذه العطايا الإلهية ليس بحد ذاته تعلق بالدنيا. لكنه يحذّر في الوقت نفسه من الانغماس والتعلق بالدنيا إذ إن كل ما يتصل بها مؤقت وعابر وعلى الإنسان ألاّ يسمح لنفسه بأن يكون مملوكًا لها. ثم يشرح حضرة بهاءالله في اللوح نفسه معنى التعلق بالدنيا على أنه تعلق بمن أنكره وأعرض عن أمره. وفي لوح آخر(8) يصرح حضرته بأن هناك ثلاثة موانع تحول بين الله والإنسان. فيوصي المؤمنين باجتيازها عسى أن يحظوا بمحضره. أولها ما بحثناه توًا، وهو التعلق بهذه الدنيا الفانية. ثانيها التعلق بالعالم الآخر وما قدّر للإنسان فيه. والثالث هو التعلق ﺒ"ملكوت الأسماء".

من أجل فهم مغزى المانع الثاني علينا أن نتذكر بأن الهدف من الحياة هو عرفان الله وعبادته. في حديث إسلامي نجد هذا التصريح (بلسان الله): ’كنت كنزًا مخفيًا فأحببت أن أُعرف فخلقت الخلق كي أُعرف.‘ وقد توفّق الإنسان، بالجهد والفطرة الروحية، إلى أن يعلم بوجود الله. توفّق بما منحه بارئه من القوى والسجايا من جهة، وبما استنار به من فيض المظاهر الإلهية من جهة أخرى، بأن يعرف خالقه([36]) ويعبده. يصرح حضرة بهاءالله في "الكلمات المكنونة":

 

"يا ابن الإنسان

أحببت خلقك فخلقتك، فاحببني كي أذكرك وفي روح الحياة أثبّتك."(9)


    وفي الصلاة الصغيرة التي أنزلها حضرة بهاءالله ليتلوها أتباعه نقرأ: "أشهد يا إلهي بأنك خلقتني لعرفانك وعبادتك([37])..."(10)

    هذا إذًا هو هدف الخلق. أمّا أعمال الإنسان فتكون ممدوحة بنظر الله إذا كانت محبة الله وحدها دافعها دون سبب آخر. يشهد بذلك حضرة بهاءالله في "الكتاب الأقدس": "أن اعملوا حدودي حبًا لجمالي."(11) حتى إذا كان الدافع لأعمال شخص طمعه بثواب الآخرة فإن ذلك يعتبر تعلقًا. فالانقطاع معناه أداء العمل خالصًا لوجه الله دون ابتغاء أجر أو ثواب عليه.

فأي فرق ما بين هذا الموقف وذاك السائد في مجتمع البشر في وقتنا الراهن، حيث كل عمل تقريبًا يستهدف منه منافع لصاحبه. لقد طغت نظرة النفعية والمصالح الذاتية على تفكير الإنسان في هذا اليوم بحيث نجده حتى في مسائل الروحانيات، كالإيمان بالله والاعتقاد به، غالبًا ما يبحث عن شيء يرضي حاجاته الخاصة بالدرجة الأولى. هناك كثير من الناس اليوم ينتمون لدين أو آخر أملاً بإشباع احتياج روحي أو انتفاع آخر مثل هدوء البال أو الخلاص. إلاّ أن هذا ليس بدافع صحيح لاعتناق الدين. لأن قواعد صرح كل دين يجب أن تُبنى على المحبة. فالمحب الصادق ليس له أغراض أو مصلحة أنانية تدفعه سوى هيامه بمحبوبه. كذلك الأمر يجب أن تكون العلاقة بين الإنسان والمظهر الإلهي حيث أن واجب كل شخص أن يعترف بالمظهر الإلهي ويحبه ثم يتبعه، إذ ما من أحد في العالم يستحق التعظيم والإجلال والحمد والتبجيل سواه.

إن الإنسان مخلوق أناني بسبب طبيعته الحيوانية. بدافع غريزة البقاء يسعى من أجل حصوله على الغذاء والكساء وغيره من ضروريات الحياة. بعد ذلك يسعى لضمان الأمن، فالثروة والسلطة وغير ذلك من المطامح. كل هذه إضافة إلى اهتماماته الفكرية والعاطفية والروحية، تدور حول محور ذاته وشخصه،


وتستهدف ضمان راحته ورفاهيته وسعادته. بل هو يبحث دومًا عن أشياء يضيفها لمقتنياته طالما يمكنه استخلاص فائدة ما منها.

حينما يتعرف الإنسان على أمر الله ويعترف بعظمته فإنه يميل تلقائيًا للاحتفاظ به، كما هي العادة، مع نفائسه الأخرى. أي أنه يضع دينه بمصاف اهتماماته الأخرى، متوقعًا بدافع أناني الانتفاع منه كما ينتفع من ممتلكاته الأخرى تمامًا. فهو ينتظر من دين الله أن يخدمه ويجلب له الفرح والرضى. إن هذا المفهوم وهذه الممارسة هما التعلق بالدنيا وضد سنّة الخليقة. ذلك لأن الله لم يظهر أمره من أجل إرضاء أو تلبية مصالح الإنسان الأنانية. بل ينبغي عكس ذلك، بحيث يُنتظر من الإنسان أن يرتّب حياته بكيفية تخدم أمر الله وتطوف حوله. فلو اتّبع المرء أمر الله بخلوص ونية طاهرة، فإن حياته ستبارَك بحيث تظهر آيات قوى الله وصفاته في باطن وجوده. أمّا إذا ابتغى تلك الكمالات من أجل إشباع هوى النفس، فهذه النية ستكون سببًا لحرمانه من فيوضات الفضل والعطايا الإلهية.

فالذين عرفوا حقًا مقام حضرة بهاءالله في هذا اليوم، ووُهبوا عطية الإدراك الحقيقي، إنهم لم يؤمنوا بدين حضرته بسبب اكتشافهم أن الإيمان يدخل عليهم السعادة، ويحل مشاكلهم الشخصية، ويرفع عنهم مصائبهم ويزيد حياتهم الروحية ثراء، بل لأنهم أقروا وأيقنوا أن حضرة بهاءالله هو المظهر الإلهي لهذا العصر فانجذبوا إليه كانجذاب الحديد إلى المغناطيس. بنظرهم إلى بهاء ظهوره انبهرت أعينهم، وبقوة كلمته شُدت أفئدتهم. فهم يعرفون سمو أمر الله الذي جاء به فوق كل الوجود وبأن خدمته علة خلق الإنسان. وهذا وحده فقط، ينبغي أن يكون الدافع لكل إيمان حقيقي بأمر الله.

عندما يتوجّه المؤمن بمحبة خالصة للمظهر الإلهي، فلا يسعه إلاّ نسيان مصالحه الشخصية وأهوائه ابتغاء مرضاة مولاه. في أثناء ذلك وكنتيجة لتوجّهه ذاك وحبه وخضوعه للمظهر الإلهي تنزل عليه نعم الفضائل والقوى السماوية. بل يمكن حقًا أن يقال بأن الفئة الوحيدة من الناس ممن يعرفون طعم السعادة الحقيقية


في الحياة ولديهم أوفر حظ من الفضائل السماوية هم الذين أقبلوا خالصين واتّبعوا المظهر الإلهي منقطعين عن أجر الدنيا وثواب الآخرة.

من علماء أمر الله العظام ميرزا عزيز الله مصباح الذي ساهم بحياته وعلمه في إضفاء ومضات خالدة على صفحات تاريخ أمر الله خلال ولايتي حضرة عبدالبهاء وحضرة شوقي أفندي. بين مجموعة المناجاة الفريدة التي جمعها، هذه العبارة القصيرة ذات المعنى العميق:

 

    من يبتغي أجرًا لأعماله تُكتب له الجنة، ومن يبتغي الله لا حاجة له بالجنة.(12)

 

المانع الثالث الذي يذكره حضرة بهاءالله هو التعلق "ملكوت الأسماء". في آثار قلمه هناك عدة إشارات لهذا الملكوت. مثلاً في أحد ألواحه يصرح حضرته:

 

"ينادي القلم الأعلى في كل حين ولكن أهل السمع قليلون. إن أهل ملكوت الأسماء منشغلون بألوان الدنيا المختلفة مع أن كل ذي بصر وذي سمع يشهد بفنائها."(13)

 

إن الله في جوهره منزّه عن الأوصاف، إلاّ أنه يظهر صفاته في سائر عوالم ملكه وملكوته، الروحية والمادية. فكل كائن في الوجود يظهر صفات الله وأسماءه. لكن في عوالم الروح توجد هذه الصفات على نحو من الكثافة والقوة بحيث لن يقدر الإنسان أن يدركها في هذه الحياة. إلاّ أنه في حيز عالم الإنسان تظهر هذه الصفات داخل "ملكوت الأسماء" والإنسان غالبًا ما يتعلق بهذه الأسماء.

في "لوح نصير"([38])،(14) ينطق حضرة بهاءالله بصوت الحق، بأن اسمًا من أسمائه التي خلقها بكلمة من عنده ونفخ فيها حياة جديدة، قد قام ضده معترضًا على سلطانه. ويشهد أن بسبب التعلق بهذا الاسم أنكر بعض أهل "البيان" أمره وحرموا أنفسهم من بهائه. هنا يشير حضرته تلميحًا لاسم "أزل"([39]) وهو لقب


ميرزا يحيى. حقًا أصبح هذا الاسم، وهو من صفات الله، مانعًا للعديد ممن اتبعوه تعلقًا أعمى بمقام سام. وقد ضل ميرزا يحيى نفسه بهذا الاسم. فبجّل مزايا ذلك الاسم وبقي متعلقًا به حتى نهاية حياته.

يوصي حضرة بهاءالله أتباعه في كثير من ألواحه ألاّ يكونوا عبدة "ملكوت الأسماء". وللحديث الإسلامي المشهور، "إنما الأسماء تنزل من السماء"، مغزى متعدد الأبعاد. ففي هذا العالم كل صفة من صفات الله تتقمص اسمًا، وكل اسم منها يظهر مميزات صفته. مثلاً صفة الكرم من صفات الله وتظهر نفسها لدى بني البشر. لكن الذي يتحلى بهذه الصفة غالبًا ما يصبح مغرورًا بها ويحب أن يُعرف أو يشار إليه بها، بحيث إن اعترف الناس بكرمه سُر وانشرح، وإن لم يعترفوا حزن وتأثر. هذا واحد من أشكال التعلق ﺒ"ملكوت الأسماء". ولو أن هذا المثال يخص اسم "الكرم"، لكنه ينطبق على سائر أسماء الله وصفاته التي تظهر في الفرد. في العادة ينسب الشخص هذه الصفات لنفسه هو دون الله ويستغلها إعلاءً لأنانيته. فمثلاً نجد شخصًا يستعمل صفة المعرفة ليصبح مشهورًا ويشعر بزهو وفخر لرؤية اسمه وقد شاع في كل مكان. أو المرء الذي يخفق قلبه بمشاعر الرضى والغرور لدى سماع ذكر اسمه فيجد نفسه ممدوحًا وموضع إعجاب الآخرين. هذه نماذج لمن تعلقت نفوسهم بهوى "ملكوت الأسماء".

يفرض مجتمعنا في الوقت الحاضر نفوذًا ضارًا على نفس الإنسان. فبدلاً من أن يدعه يحيا حياة خدمة وتضحية للآخرين، نجده يحض الفرد على الاغترار بما اكتسب وأنجز. بل منذ الطفولة يتعلم الفرد ويُلقَّن تنمية أنانيته والسعي للتفوق والاستعلاء على الآخرين. هدفه الرئيس في الحياة نيل النجاح واكتساب القوة والاهتمام بالذات.

يستهدف ظهور حضرة بهاءالله قلب هذه المفاهيم وعكسها. فالنفس البشرية بحاجة لأن تُصقل وتُزيّن بفضائل التواضع ونكران الذات حتى تنقطع عن "ملكوت الأسماء".


لقد برهن حضرة عبدالبهاء، وهو المثل الأعلى الحقيقي لتعاليم حضرة بهاءالله، على هذا المستوى من الانقطاع بأعماله وأفعاله. فطوال حياته لم يبتغ إعلاء اسمه ولم يسعَ لإشهار نفسه. مثال ذلك أنه كان لا يحب أن تؤخذ له صورة فوتوغرافية. تفضل في هذا الشأن قائلاً: "... أن يصوّر الإنسان نفسه يعني التأكيد على شخصيته..."(15) وفعلاً رفض السماح بالتقاط صور له خلال الأيام القليلة الأولى لزيارته للندن. لكنه نتيجة لإلحاح مراسلي الصحف، والتوسلات من الأحباء وافق على تصويره حتى يسعدهم.

لعل خير ما يدل ويشير إلى مقام حضرة عبدالبهاء السامي هو الألقاب الرفيعة التي أغدقها عليه حضرة بهاءالله. مع ذلك فهو لم يستغلها لشخصه. بل بدلاً من ذلك اختار لنفسه بعد صعود حضرة بهاءالله لقب عبدالبهاء وطلب من المؤمنين ألاّ يدعوه إلاّ بهذا الاسم. ذلك لأن العبودية الحقة لدى عتبة حضرة بهاءالله كانت منتهى أمانيه. وفيما يلي بعض كلماته التي وصف بها حقيقة مقامه في محوية ذاته البحتة:

 

"أمّا اسمي فهو عبدالبهاء، وكينونتي عبدالبهاء، وحقيقتي عبدالبهاء، وفخري عبدالبهاء، والعبودية لحضرة الجمال المبارك هي فخري وتاجي، وعبوديتي لجميع الجنس البشري هي ديني... ليس لي، ولن يكون لي اسم ولا نعت ولا ذكر ولا وصف غير عبدالبهاء. هذا أملي، وهذا غاية رجائي، وهذا حياتي، وهذا فخري الأبدي."(16)

 

من الملامح المميزة لنظام حضرة بهاءالله العالمي الجنيني هو خلوّه من الشخصيات الأنانية المتنفذة في شؤونه ومصيره. فقد منح حضرته السلطة لمؤسسات نظمه، سواء كانت المحلية منها أو المركزية أو القطرية أو العالمية. لكن الفرد العضو فيها لا سلطة له. وخلافًا لما عليه أهل السلطة في عالم اليوم ممن ينشدون الشهرة والشعبية، فإن أعضاء المؤسسات البهائية لا يسعهم إلاّ إظهار التواضع ونكران الذات إن كانوا مخلصين لحضرة بهاءالله. أمّا أولئك القاصرين، بسبب قلة النضج أو الإيمان، عن بلوغ هذه المستويات فهم حقا ضحايا التعلق "ملكوت الأسماء" وهم محرومون من عطايا الله في هذا العصر.


قد تكون أعسر مهمة للبهائي أن يحرر نفسه من علائق "ملكوت الأسماء"، وقد يدوم صراعه معها طوال العمر. فقط لو يدرك الإنسان بأن ما لديه من فضائل لا يرجع لذاته تلقائيًا، بل إنها مظاهر صفات الله، لتحرر من "ملكوت الأسماء" وأصبح متواضعًا حقًا. إن شخصًا كهذا سيهب الكمالات السماوية لعالم الإنسان. وهذه أعلى رتبة ومقام قدرهما الله للإنسان.

وصل بعض أتباع حضرة بهاءالله إلى هذه الرتبة بعدما وعوا واعتبروا بأن شرف فضائلهم إنما يأتي من عوالم الله وليس من أنفسهم. كان النبيل الأكبر([40]) واحدًا منهم، والذي قد يُعتبر من أعلم حواريي حضرة بهاءالله. لقد وصف الحاج ميرزا حيدر علي لقاء له في قزوين حيث كان هذا الرجل العظيم يتحدث مع بعض المؤمنين. فيما يلي بعض كلماته بخصوص النبيل الأكبر:

 

    ما أوفر حظي بسماع بيان ذلك السيد الفاضل بحيث اقتطفت من كلماته في مجالس كثيرة في عديد من المناسبات. من جوانب عظمة هذا الفاضل كانت قدرته التي لا تضاهى في تبيان أي موضوع أو مسألة. مثلاً لو قال بأن الماء حار وجاف وأن النار باردة ورطبة، لما تمكن أحد أن يقاومه أو أن يثبت عكس ذلك. ومع ذلك فقد لاحظت وقت تلاطم بحر بيانه وحرارة خطابه أنه لم يكن قط ليذكر كلمة في غير موضعها أو يخوض في رأي غير صحيح، وإن ذكّره شخص بخطأ أو تنبّه إليه بنفسه، فإنه كان يظهر غفلته واشتباه الأمر عليه.

         ومن الملاحظات المحكمة المتينة لذلك الشخص أن الإنسان بطبيعته عاجز جاهل ضعيف حقير كثير الخطأ، بينما القوة والقدرة والعلم والحكمة والغلبة والفضيلة والطيبة هي كلها من عند الحق، سبحانه وتعالى. لذلك على الإنسان في كل الأحوال أن يعتبر نفسه خاطئًا جاهلاً أسير النفس والهوى. فلا ينبغي له الشعور بالهمّ أو الألم إذا ما وصمه الناس بهذه العيوب التي


هي في الواقع متأصلة فيه. بل على العكس ينبغي له أن يكون ممنونًا وشاكرًا ومسرورًا، ولكن في نفس الوقت يجب أن يشعر بعدم الرضى عن نفسه، وأن يطلب من الله أن يحميه من نفسه الأمّارة وميوله الطبيعية الدنيا.(17)

 

إن نفوسًا كهذه كانت بالفعل منقطعة حقًا عن "ملكوت الأسماء". وليس من شك أنهم ممن كان حضرة بهاءالله يعنيهم عندما كتب:

 

"يا شيخ إن هذا الحزب قد اجتاز خليج الأسماء ونصب سرادقه على شاطئ بحر الانقطاع. يفدون بمائة ألف روح ولا يتكلمون بما أراده الأعداء. متمسكون بإرادة الله ونابذون لما عند القوم. ضحّوا برؤوسهم وما تفوهوا بكلمة غير لائقة."(18)

 

تدعم تعاليم حضرة بهاءالله أفكار النبيل الأكبر دعمًا كاملاً. يكفي الاستدلال بالأدعية والمناجاة العديدة النازلة من قلم حضرته حيث تزخر بفقرات يعترف فيها الإنسان بعجزه وجهله وفقره، وجبروت الله وحكمته وسلطانه.

 

حجاب النفس

 

في "المثنوي" فقرات يوصي فيها حضرة بهاءالله الإنسان بخرق كل حجاب يحول بينه وبين الله. حينئذ فقط يستطيع مشاهدة جمال ربه وبهائه. والنفس إحدى هذه الحجبات. لأجل ذلك يدعو حضرته المرء لإيقاد نار في باطن نفسه لحرق كل أثر للنفس بحيث يختفي تمامًا مفهوم، بل وحتى لفظ "أنا" من وجوده. حقًا إن هذا واحد من أكثر تعاليم حضرته عمقًا. فالشخص الذي يسعى لإعلاء شأن نفسه والتبختر باسمه ويطمح لشهرته إنما يتصرف ضد مخطط الخليقة. مثل هذا الفرد يعرقل سريان عطايا الله إليه. قد يعتبر في الظاهر شخصًا أصاب كل النجاح في حياته، لكنه في الحقيقة أخفق بتحقيق الهدف الذي خلق من أجله. لأنه حينما يصل المرء للعظمة الحقيقية حينئذ يعترف بعجزه وعدم استحقاقه وضعفه. كما أنه يكتشف جهله عندما يصبح عالمًا حقًا. عندئذ تنعكس في باطنه صفات الله ويكون بوسعه منحها لغيره.


    نجد بين تأملات عزيز الله مصباح العبارات التالية التي تتمثل فيها حياته الخاصة -حياة الانقطاع ونكران الذات:

 

أن يعرض الإنسان عن حب ذاته ويزيل كل أثر لأنانيته، فذاك برهان على إدراكه معنى الوجود والغاية من الحياة.(19)

إن الفرق بين المعرفة الحقيقية والتعلم المدرسي هو أن الأول يمنح النفس التواضع والوداعة، والآخر يدفع بِنَهَمٍ لا يمكن إشباعه لابتغاء المجد والتعالي.(20)

 

من بين أبرز الذين وصلوا إلى مقام العرفان الحقيقي كان ميرزا أبو الفضل، العلاّمة البهائي العظيم وأحد حواريي([41]) حضرة بهاءالله. اشتهر بعلمه الواسع ليس بين أفراد الجامعة البهائية فقط بل في الشرق عمومًا. كان حجّة معترفًا به في عدة مواضيع بينها التاريخ والفلسفة الإلهية، كما كان أستاذًا بارزًا في كل من الأدب العربي والفارسي. عُرِّف ذات مرة في الأوساط العلمية بمصر بأنه "سيد القلم، وعمدة التاريخ وحجر زاوية العلم والفضل."

فيما يلي فقرة من مذكرات الدكتور حبيب مؤيد الذي عرف ميرزا أبو الفضل شخصيًا وكتب كثيرًا عن عظمته في تلك المذكرات:

 

سُئل مرة (أبو الفضل) عن كيفية حصوله على ذلك العلم والدراية الواسعة وكيف أصبح محط هذا العلم الموهوب من الله. فأجاب السائلين وقد بدت عليه علامات عدم الارتياح والغضب: ’من هو أبو الفضل؟ ما هو أبو الفضل؟ ما أنا إلاّ قطرة من المحيط الواسع لمدرسة حضرة بهاءالله. لو تدخلون أنتم أيضًا في هذه المدرسة، ستصبحون أستاذ أبو الفضل. إن كنتم لا تصدقوني اذهبوا إلى گلپايگان([42]) وتعرّفوا على أقاربي فيها وعندئذ سوف تفهمون.‘(21)


    من القصة التالية يمكننا أن نحصل على لمحة من عظمته. في أوائل سنيّ هذا القرن كان حضرة عبدالبهاء قد أرسل ميرزا أبو الفضل إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتعميق أحباء الله المؤمنين بالأمر الإلهي. وعند عودته جلس هو والمؤمنون الزائرون الأمريكيون في محضر حضرة عبدالبهاء في عكاء، وبادر الزوار بالثناء على أبو الفضل لما قدّم لهم بأمريكا من عون مشيرين إلى أنه بلّغ أمر الله لعدة نفوس، ودافع عنه بكل كفاءة ضد خصومه وساعد في بناء جامعة بهائية قوية. ثم لمّا زادوا في إطرائهم واستمروا بالحديث عنه، ازداد ميرزا أبو الفضل غمًّا واكتئابًا، حتى انفجرت دموع عينيه وراح يبكي بصوت عال. فعجب المؤمنون الحاضرون واندهشوا دون أن يفهموا سبب ذلك، حتى ظنوا بأنهم لم يفوا بما يستحقه من إطراء!

بعدئذ بيّن حضرة عبدالبهاء بأنهم بمديحهم إياه قد سببوا له ألمًا مريرًا، إذ اعتبر أبو الفضل نفسه عدمًا صرفًا في أمر الله معتقدًا بكل خلوص بأنه لا يستحق أي ذكر أو ثناء.([43])

    حقًا إن للبهائيين في ميرزا أبو الفضل أسوة حسنة يقتدون بها، إذ إنه طوال حياته كبهائي تجنّب إطلاقًا استعمال ضمير المتكلم "أنا" من أجل أن ينسب افتخارًا لنفسه.

 

الشجاعة والتضحية

 

    يبين حضرة بهاءالله في "المثنوي" عظمة أمره ويفصح بلغة فريدة عن شوق أنبياء الله ورسله للقائه والفوز بفيض ظهوره. ثم يثني على عشاق جماله الذين سرعوا بفداء حياتهم في سبيل الله، موصيًا إياهم بالثبات والاستقامة في ميدان الاستشهاد.


    إن الذين عرفوا حقًا مقام حضرة بهاءالله ارتضوا بالاضطهاد والشدائد حبًا له. كانوا على علم بأن في إقبالهم إلى أمر الله خطر على حياتهم. بل في الواقع كانوا لا يضمنون سلامة عودتهم إذا خرجوا من منازلهم. ذلك لأن الأعداء كانوا دومًا متأهبين للانقضاض على كل من عُرِف بانتمائه للدين الوليد. لذا فإن الذين آمنوا بحضرة الباب وحضرة بهاءالله في أوائل أيام الظهور أدركوا بجلاء أنهم معرّضون في أي وقت للاستشهاد في سبيل الله. كان ذلك محكًا وامتحانًا لإيمانهم وقد بقيت الأغلبية العظمى منهم ثابتة راسخة حتى النهاية.

والوصف التالي لمشهد استشهاد أحد المؤمنين الأوائل، يبرهن على هذا الإيمان:

 

هذا هو أحد الذين فدوا حياتهم بنحو مؤثر بحيث بكى عليه الكثير ممن كانوا بين الجمهور الحاشد الذي حضر للميدان للسخرية من الضحية والتفكّه عليه قبل استشهاده. بل حتى قلوب الجلادين القساة الذين كلفوا باقتراف ذاك العمل الشنيع قد تأثّرت تأثرًا بالغًا.

كان البطل اللامع الذي ظهر في ذلك المشهد المأساوي علي أكبر الحكّاك، وهو شاب جذاب وسيم من مدينة يزد بإيران. كان نقّاشًا ماهرًا في حرفته، متزوجًا وله ولد في الرابعة من العمر اسمه حبيب الله. حالما وصلت يزد أنباء ملحمة نيريز هرع علي أكبر على الفور قاصدًا زيارة الموقع حيث حارب وسقط "وحيد" الشهير الذي لا يدانى مع عصبته من المجاهدين الأبطال. ولدى عودته إلى يزد ظهر عليه من السرور الروحي والحماس الجارف في تبليغ أمر الله ما أثار اعتراض الأعداء وحنقهم واستنكارهم فوصموه بأنه "بابي" وقبض الحاكم الجائر عليه بتهمة الكفر وأرسل تقريرًا إلى طهران طالبًا التعليمات بخصوصه.

ومرّ شهران تقريبًا دون وصول أية أنباء من طهران. فغُرّم السجين مبلغًا من المال وأطلق سراحه شرط أن يضع نفسه فورًا تحت تصرّف الحاكم لدى وصول القرار بشأنه.


ودون أن يعير المصير الوخيم الذي ينتظره أي اهتمام، انصرف علي أكبر إلى مزاولة عمله بروح من التسليم التام، إلى أن وردت رسالة من طهران بعد مرور ثلاثة أشهر تقضي بقتل كل من ينتمي إلى الدين البابي فورًا. وقد منح ذلك القرارُ الشائن الحاكمَ سلطات مطلقة لتنفيذ مآربه. وعليه قام مبكرًا في صباح يوم 15 تموز عام 1852م بإرسال رجاله للقبض على علي أكبر في منزله. وجيء به إلى مكتب الحاكم في الثكنات حيث جرى استجوابه.

ومع أن أهالي يزد عُرفوا بتعصبهم المتغلغل في أعماقهم ضد الدين الجديد واستعدادهم لأن يهبّوا ثائرين لمجرد رؤية شخص قد تميّز بأنه "بابي"، لكنهم رغم ذلك كانوا معجبين بعلي أكبر لما تحلّى به من مكارم الأخلاق النادرة وسحر المعشر. إضافة لذلك فإن شهرته كأحسن نقّاش قد حبّبته إلى قلوب كل من عرفه. حتى الحاكم والموظفون كانوا مترددين في تنفيذ إعدامه. فعملوا كل ما بوسعهم لإقناعه بإنكار عقيدته ولو شفويًا ليخلّص نفسه من الموت. ورغم كل ما اتّبعوه من وسائل الإقناع والتهديد والوعود فلم يستطع أحد أن يحمل هذا البطل الشجاع على الإنكار، أو كل أبهة الحاكم الجائر أو عزه أن يؤثر في هذا المؤمن رابط الجأش لكي يتخلى عن إيمانه ويشتري حياة زائلة. أثار ذلك غضب الحاكم إذ لم يحتمل أن يجد من يجرؤ على تحدي سلطته مصرًا على رأيه.

استبد بالحاكم الغضب بحيث استدعى القهرمان (فراش باشي-رئيس الشرطة) وأمره بتنفيذ إعدام هذا البابي العنيد بربطه إلى فوهة المدفع فورًا وإطلاقه، فأحيل الأمر حالاً إلى فرقة المدفعية وأخرجوا مدفعًا من الثكنات ونصبوه في الساحة العامة المجاورة. بعدها قاد القهرمان سجينه علي أكبر مصحوبًا بالجلاد إلى الساحة التي تجمّع فيها جمهور النظارة.

كل هذا والقهرمان لا زال يحاول ابتكار أحذق السبل لترهيب السجين وترغيبه أملاً بالعدول عن إصراره وبمحاولة يائسة لتحطيم روحه المعنوية وجعله يتخلى عن ولائه للدين الجديد.


كان المدفع الذي تقرر إطلاقه من طراز قديم يُعبأ من فوهته، وإذ كان القهرمان يعلم أن المدفع لم يُعبأ بعد، خطرت بباله فكرة تمثيل إعدام وهمي آملاً أن يتزعزع السجين تحت تأثير الرعب الذي يثيره مثل ذلك الموقف الرهيب عادة. فصاح بنبرة حادة ونظرة جادة آمرًا الجلاد أن يسرع بربط السجين وشدّه إلى فوهة المدفع وإطلاقه دون توان. وهكذا تم ربط علي أكبر إلى المدفع وترك في ذلك الوضع المخيف لفترة طويلة من الوقت بينما تظاهر طاقم المدفع من الجنود بحركات توحي بإعداده للإطلاق في أية لحظة.

في أثناء ذلك راح القهرمان يرقب علي أكبر عن كثب ويحثه على الإنكار. إلاّ أنه دهش عندما اكتشف عكس ما كان يأمل إذ إن علي أكبر لم يهتز ويرتعش خوفًا بل ظل ملازمًا هدوءه وثباته طوال الوقت. أدرك عندها بأن وسائل التخويف لم تجد نفعًا. فتوجّه نحو الجلاد طالبًا إيقاف عملية الإطلاق الوهمية ثم إطلاق سراح الضحية.

وفي ذلك الوقت (قرب الحادية عشرة قبل الظهر) امتلأ الميدان بجمهور حاشد من المتفرجين المترقبين بتبلّد وحيرة.

حالما فُكّ وثاق علي أكبر تقدّم إليه القهرمان معبّرًا له عن مشاعر المواساة بشيء من الخلق الطيب. ثم اصطحبه إلى غرفة عمومية مجاورة وأجلسه إلى جواره فوق منصة صغيرة. عاد مجددًا يحثه بكل جدية على إنكار عقيدته وإنقاذ حياته، ولكن باءت كل جهوده بالفشل. في وجه ذاك الامتحان الرهيب جلس علي أكبر كالصخرة ثباتًا وهدوءًا لا يتنازل بشيء عن موقفه. بينما كانت تلك اللحظات الأليمة تتتابع أيقن القهرمان بوضوح مرير أن ما من شيء يمكنه حمل هذا الشاب الذي لا يقهر على الإنكار. عندئذ عاد خائبًا مخذولاً إلى موقع الإعدام وأمر طاقم المدفع بحشوه بالبارود فورًا. مع ذلك راودته فكرة في تلك اللحظة أملاً في زعزعة عزيمة الضحية. فبعث برجاله لإحضار زوجة المحكوم عليه وطفله للحضور إلى عين المكان، وهو تحد عظيم وفتنة كبرى بلا شك. بعد لحظات وصلت الزوجة المسكينة بحالة فزع وهي تمسك بيد طفلها الذي بدا لطيفًا وسيمًا في أحسن ملابسه.


قابلت زوجها وهي تبكي بمرارة وحرقة متوسلة: ’تعال وارحم هذا الطفل، فما عساي أن أفعل بعدك؟‘ قالتها وهي تجهش بالبكاء، لكن علي أكبر لم يجبها، بل أدار ظهره لهما. مرة أخرى عادت الزوجة ومعها الطفل ووقفا أمامه. رمت بنفسها عند قدميه ترجو وتتوسل. لكن علي أكبر بقي ساكنًا وأدار ظهره ثانية. عندئذ تقدّم طفله وأمسك بذيل ردائه متوسلاً: ’أبتاه، أبتاه. لماذا تدير ظهرك لي؟ هل لم تعد تحبني؟‘

لا شك أن تلك الكلمات البسيطة المؤثرة كان لها وقع أعظم وأشد من أي شيء آخر في قلب علي أكبر. وربما لم يحتملها إذ شوهد يرفع رأسه إلى السماء وكأنه يناشد الحق قائلاً: ’أي رب أتوسل إليك بأن تجنبني مزيدًا من الافتتان.‘

بعد ذلك وصلت المأساة ذروتها عندما تأهب الجمهور في جو مشحون بالأسى والقلوب تعصر ألمًا وأسفًا للخاتمة، والدموع تنهمر حتى من عينيّ القهرمان.

أخيرًا زالت كل بارقة أمل لدى القهرمان بإقناع هذا البطل الشهيد بالتخلي عن عقيدته بعد أن أظهر لهم روح التجرد والثبات على الإيمان. فقام متثاقلاً تحت وطأة الخيبة المريرة وقرر إنهاء المشهد المأساوي حالاً بتنفيذ قرار الحاكم.

فأعيد ربط الضحية آنئذ حول فوهة المدفع على مرأى من زوجته الملتاعة وطفله. ولمّا تم ذلك أخليت الساحة المجاورة للموقع من الناس، إلاّ أن الطفل رفض الابتعاد عن أبيه وراح يبكي متوسلاً: ’خذوني قرب أبي، أريد أن أذهب بقربه!‘

حانت النهاية المروعة، وتملّك النفوس شعور بالتوتر مصحوب بالهلع والذهول التي عمّت كل الجمهور في الميدان.

بإشارة سريعة من القهرمان أشعل المدفعي فتيل البارود الذي وضع لينسف الضحية ويقذف به إلى السماء، قطعًا متناثرة بلمح البصر. لكن لشدة دهشة الجمهور فلم تنفجر العبوة! أعادوا إشعالها مرة أخرى وأخرى دون أن تنفجر. كادت أنفاس الجمهور تخمد وهم ينظرون بِحيرة وبلادة كأنهم مسحورون.


هرع القهرمان إلى الضحية وخاطبه باسمه قائلاً: ’إننا كما تعلم لا نريد قتلك، والآن يبدو أن الله أيضًا لا يريد ذلك. أفلا ترحم طفلك؟‘ لكنه لم يتفوه بكلمة، حتى عندما قدمت إليه زوجته التي كاد الفزع أن يصعقها وطفلها، بقي على هدوئه وعدم اكتراثه السابق.

في أثناء ذلك انصرف المدفعي لإعداد عبوة أخرى بينما توقف القهرمان متأملاً للحظة يحدوه الرجاء والتوقع، فلعل علي أكبر يستسلم الآن، ويدلي بكلمة الإنكار، أو لعل يحدث أمر ينقذ حياته.

لكن فيما يتعلق بعلي أكبر نفسه فإن التنازل أمر لا يخطر بباله ولا يمكن التفكير به... فإن روحه كانت متلهفة للتضحية بالجسد الضعيف حبًا لمولاه والعروج إلى مقر المحبوب. لقد أزف الوقت وحانت الفرصة لذلك... وقد كان في ثباته الفريد الذي تأخر واستطال ذاك النهار عبرة لكي تؤكد الفارق الكبير بين سمو تفكيره ونبله وبين ضآلة ما كان يدور بخلد القهرمان.

فلا بد أن روحه كانت أبعد ما تكون عن الاضطراب والهلع، بل على العكس كانت في غاية الاستبشار والرضى والاستقرار حينما أعطى القهرمان الإشارة مرة أخرى للإطلاق وهو في منتهى القنوط والبلبلة.

وهذه المرة وفي لحظة سريعة تناثر جسد علي أكبر في خضم فرقعة من النار والدخان وارتفع عاليًا في السماء ثم خر كشهب صغيرة مصحوبة برذاذ قرمزي وتناثرت أشلاؤه هنا وهناك على أرض الميدان.

أصدر الحاكم أمرًا بترك أشلاء جسده في مكانها حتى غروب الشمس لكي تطأها أقدام البشر والدواب.

جاءت حادثة الاستشهاد تلك كصاعقة لعموم أفراد المؤمنين الأوائل ولا سيما زوجة الشهيد نفسه حيث لم يكن لحزنها حدود وظلت تبكي وتضرب بكفيها على رأسها نائحة متفجعة.(22)

 

على نقيض ذلك النموذج البطولي كان هناك من كانوا يفرّون بعيدًا عن أتباع حضرة بهاءالله لئلا يوصموا بأنهم من أتباع أمره.


    دوّن الحاج محمد طاهر المالميري في مؤلّفه المسهب، "تاريخ الأمر في إقليم يزد"، هذه الرواية المشوقة عن شخص اسمه السيد أبو القاسم بيضاء:

 

كان آقا سيد أبو القاسم تاجرًا وشاعرًا موهوبًا. أمّا لقبه الأدبي فهو "بيضاء"، وكان مواطنًا محترمًا جدًا يعاشر البارزين من التجار وأشراف المدينة. عرف أيضًا بشدة تمسكه بالإسلام وصدقه واستقامته. وكان حفيد الحاج الملا رضا، قارئ الروضة المشهور (القارئ الممتهن رواية مأساة كربلاء حيث استشهد الإمام الحسين بن علي) والذي كان من سكان محلة "مالمير" مجاورًا لهذا العبد([44]) عندما أراد السيد أبو القاسم زيارة جدّه كان طريقه من قبالة دار هذا العبد. ونظرًا لاشتهار دارنا بأنها دار "البابيين"، وخوفًا من تعرّضه وتأثّره بالمفعول "الخبيث" المنبعث من هذه الدار (حسب ما كان يعتقده العوام)، كنا نراه يمر راكضًا بسرعة كبيرة! لكن أخيرًا اعتنق هذا الرجل أمر الله وصار يحضر المجالس في دارنا، وغالبًا ما يستعيد ذكريات طفولته قائلاً: ’كلما مررت بهذه الدار كان يرتجف كل كياني بحيث أشعر بنفسي مضطربًا مهزوزًا طوال ذاك اليوم.‘(23)

 

يروي الحاج ميرزا حيدر علي قصة مماثلة نوعًا ما حينما كان مقيمًا في خان للمسافرين برفقة بعض المؤمنين بإحدى مدن إيران. ويصف كيف أن رجلين طرقا بابه ذات ليلة بدافع الفضول للتعرف على معتقدات البهائيين. بعد ساعات من الحوار آمن أحدهما بأمر الله، كما ترويه القصة التالية:

 

آمن أحدهما بأمر الله بينما أخذ الآخر، الذي كان مقيما في نفس الخان، "كتاب الإيقان" إلى غرفته ليتعرف على حقيقة أمر الله. حدّثني بقصته شخصيًا بقوله:

’كنت أجلس وأطالع ليلاً لكن سرعان ما تملكني خوف لئلا يدخل عليّ أحد ويكتشف عندي كتابًا للبابيين، وعندها ستكون نهاية حياتي وكل ما ملكت. لذا كنت أعمد لقفل الباب ثم الاستمرار بالقراءة. لكن هواجسي


صارت توحي لي مجددًا بالخوف من أن بعض الناس قد يشك في أمري إذا قُفل باب غرفتي مبكرًا في الليل بينما أنتم البابيون([45]) ما زلتم في الخان مما قد يؤولونه بأني أقبع في غرفتي لأقرأ كتابًا من كتبكم. بل راحت الهواجس أبعد من ذلك حيث أوّلت عزلتي المبكرة في غرفتي بأن البابيين تركوا كتابهم عندي ثم رحت أنام مبكرًا حتى أستيقظ ليلاً لأطالعه بمزيد من الهدوء والاطمئنان. واختصارًا للقول فإني انتهيت إلى القرار بأخذ الكتاب إلى الإسطبل وتركه هناك. عدت بعدها لغرفتي وجلست متفكرًا متحيرًا، لا أدري كيف سأتمكن أخيرًا من قراءة هذا الكتاب...‘

         عند ذاك قرر تلاوة القرآن الكريم وإقامة الصلاة. ثم استمر قائلاً:

         ’توجّهت إلى الله العليم الرحيم بقلب تختلج فيه مشاعر العجز والمسكنة ونكران الذات، سائلاً عونه ليهديني صراط الخلاص ويمنحني سلسبيل الحياة. في لحظة بارقة وعيت على أني كنت بدرجة من الهم والحذر والارتعاد خوفًا لمجرد الإقدام على قراءة هذا الكتاب! تساءلت في نفسي، ترى كم كانت شجاعة كاتبه وقوة قلبه حيث أخرج الكتاب إلى الوجود من قلبه ولسانه وعلمه! نفس ذلك يعتبر معجزة. ثم أية قدرة وقوة نفوذ لديه بحيث عمرت قلوب العديد من النفوس بمثل هذه الشجاعة والاقتدار ومكنتهم من الترحيب بالاستشهاد.‘(24)

 

يمضي الحاج ميرزا حيدر علي ليصف كيف اعتنق هذا الرجل أمر الله وبلغ من الشجاعة بحيث كان يستغل ما تيسر له من وقت أثناء عمله لاستنساخ "كتاب الإيقان" وتبليغ الناس جهرًا.

إن هذه الأحداث، وما أكثرها شيوعًا في تلك الأيام، تدلل بوضوح على أن من آمن بحضرة الباب وحضرة بهاءالله لم يؤمنوا بالدين كونه جديدًا مثيرًا، ولا طمعًا بمكسب شخصي أو بسبب العاطفة. بل إن هذا الأمر الإلهي قد عُمِّد


بنار المحن والبلاء والاستشهاد، ونفوس الأبطال الذين اعتنقوه أقبلوا إليه بعد ما اعترفوا حقًا بعظمته وبهائه فانقلبوا خلقًا جديدًا بديعًا.

يشرح حضرة بهاءالله في أحد ألواحه(25) كيف أن كل ما مر على أحبائه من إنكار العلماء وإعراض الجهلاء واعتراضهم، قد صار كالمصفاة التي منعت النفوس غير اللائقة عن الدخول في أمر الله. في اللوح نفسه يدعو حضرته أتباعه ليعرفوا قدر هذه الأيام التي فيها اختار الله فئة قليلة فقط للإيمان به. ويصرح مبيّنًا أنه في أيام ارتفاع أمر الله وغلبته الظاهرة (في المستقبل)، فإن كثيرين من "النفوس المردودة" (غير اللائقة) سوف يدّعون الإيمان به.

عندما كان حضرة بهاءالله في بغداد بعث شخص من الطائفة الشيخية، اسمه ميرزا محيط الكرماني، رسالة إلى حضرة بهاءالله بواسطة الأمير كيوان ميرزا. وكان ميرزا محيط قد اجتمع بحضرة الباب من قبل واتخذ منه موقفًا معارضًا لكن بالخفاء. والتمس في رسالته ملاقاة خاصة مع حضرة بهاءالله في ساعة متأخرة من إحدى الأمسيات لئلا يطّلع أحد على اجتماعه ذاك سوى الأمير المذكور. كان السبب في مراعاة السرية هذه الحفاظ على مكانة ميرزا محيط في المجتمع المسلم، إذ لو أشيع خبر لقائه بحضرة بهاءالله لدى العموم لتزعزعت سمعته وسقط اعتباره. وقد طلب حضرة بهاءالله من الأمير مشاركة ميرزا محيط ببيتين من قصيدة ألّفها في كردستان، يبيّن فيها الشروط التي يجب أن تتوفر في من يريد لقاء حضرته. ويمكن ترجمة هذين البيتين بما يلي:

 

’إن أردت أن تتمتع بالحياة الدنيا فلا تقرب لساحتنا وإذا كان مرغوب فؤادك التضحية فاحضر واحضر غيرك معك فهذا هو سبيل الإيمان إن كنت تريد أن تسلك بقلبك مع البهاء وأمّا إذا كنت ترفض أن تتّخذ هذا السبيل فلماذا تتعبنا؟‘

 

    نُقل عن حضرة بهاءالله أنه قال للأمير: ’اذهب إليه فإنه لو أراد لأسرع لمقابلتنا دون قيد ولا شرط وإلاّ فإني لا أريد أن أراه.‘(26)


    عندما سمع ميرزا محيط بذلك، لم يجد لديه الشجاعة الكافية للذهاب والاجتماع بحضرة بهاءالله، وبعد بضعة أيام مات.

    يتطرّق حضرة بهاءالله في "المثنوي" إلى مواضيع أخرى عديدة ويكشف عدة أسرار لا يستوعبها مجال هذا المجلد. ذلك لأن هذه القصيدة التي تنبض حيوية وتهز الروح عبارة عن مخزن عجيب للحكمة الإلهية، والتي يستحيل استنفادها.


صفحة خالية


﴿ 3 ﴾

 

النفي إلى أدرنة

 

 

    عندما نتأمل الظروف التي أدّت بالحكومة العثمانية لإبعاد حضرة بهاءالله عن بغداد، نستذكر كيف رفضت تلك الحكومة على الفور طلب تسليم حضرته إلى السلطات الإيرانية كما كانت مترددة في نفيه من بغداد. في رسالة كتبها حضرة عبدالبهاء لأحد أقربائه بإيران حينما كان في حديقة الرضوان قبيل الرحيل إلى الآستانة يذكر فيها أن السفير الإيراني، الحاج ميرزا حسين خان، بعد فشله في الضغوط والإلحاح على الحكومة العثمانية، بلغ به شعور الخيبة واليأس لدرجة أنه قطع كل علاقة بأصدقائه في الأوساط الحكومية، وقبع في داره مدة سبعة أيام رافضًا مقابلة أي من وزراء السلطان. لكن أخيرًا استجاب عالي باشا،([46]) الذي كان من أصدقاء السفير المقربين، ولم يجد بديلاً آخر سوى الرضوخ وأمر بإبعاد حضرة بهاءالله عن بغداد.

    أمّا الآن، وقد وصل حضرة بهاءالله إلى الآستانة، فقد بذل سفير إيران جهده يائسًا في تشويه سمعة حضرته لتأليب السلطات ضده وتأمين موافقتهم على نفيه إلى جهة أبعد. في اليوم التالي لوصول حضرة بهاءالله إلى الآستانة أرسل السفير اثنين من أبرز رجال حاشيته، وهما الأمير شجاع الدولة والحاج ميرزا حسن الصفا، لزيارة حضرة بهاءالله نيابة عنه. كان يتوقع طبعًا أن يردّ حضرته الزيارة بنفسه، لكنه سرعان ما تبين له بأن ذلك لن يحدث. فقد جرى العرف في تلك الأيام بالنسبة لضيوف الدولة البارزين أن يقوموا بزيارة شيخ الإسلام([47]) ورئيس


الوزراء وغيره من كبار الموظفين. في أثناء زيارات كهذه كان بعض الزوار يحصلون على مآربهم ويقضون مصالحهم بالتوسل لأهل النفوذ وعقد الصفقات معهم بقصد ضمان تأييد السلطات ودعمها لهم. لكن حضرة بهاءالله رفض عمل ذلك بل حتى لم يردّ زيارة بعض وزراء السلطان الذين زاروه من قبل لإبداء احترامهم وترحابهم به.

وقد قام كمال باشا وقليل آخرون بتذكير حضرة بهاءالله بذلك العرف الاجتماعي الجاري بينهم. كان رد حضرته هو أنه على دراية بذلك، ولكنه لم يكن لديه مطالب أو حوائج يسعى لنيلها من أحد ولا يريد حسنة منهم، وعليه فليس من سبب لزيارته لأحد. يشير حضرته إلى ذلك في "سورة الملوك" بما يلي:

 

"ثم ذكّر حين الذي وردتَ في المدينة وظنوا وكلاء السلطان بأنك لن تعرف أصولهم وتكون من الجاهلين. قل إي وربي لا أعلم حرفًا إلاّ ما علّمني الله بجوده وإنّا نقرّ بذلك ونكون من المقرّين.

قل إن كان أصولكم من عند أنفسكم لن نتّبعها أبدًا وبذلك أُمرت من لدن حكيم خبير وكذلك كنت من قبل ونكون من بعد بحول الله وقوّته."(1)

 

استغل سفير إيران موقف حضرة بهاءالله المتجرد ذاك وعمد لاستعماله بهدف إبراز حضرة بهاءالله للبلاط السلطاني على أنه شخص مغرور متكبر يضع نفسه فوق كل قانون. حقق السفير ذلك بصفة رئيسة عن طريق نفوذ الحاج ميرزا حسن الصفا. كان الأخير رجلاً متعلمًا تنقّل كثيرًا في بلدان أفريقيا وآسيا وكان مقيمًا بالآستانة حينما وصل ميرزا حسين خان إليها بصفة سفير. بعد ذلك أصبح من أقرب أصدقائه المؤتمنين. وكان الحاج شخصية بارزة بين جماعة المتصوفة في الآستانة وله احترامه الكبير في الأوساط الحكومية، إذ كان للصوفية اعتبار عظيم في تلك الأيام في البلاد.

خلال فترة إقامة حضرة بهاءالله في الآستانة زاره الحاج ميرزا حسن أكثر من مرة. وبالرغم من أنه أصبح مدركًا لعلم حضرة بهاءالله اللدني وأظهر احترامًا وتواضعًا بَالِغين في محضره، إلاّ أنه في الخارج كان يعمل ضده. استغل السفير


معرفته لمدى الاعتبار الذي يحمله الحاج لدى الباب العالي (رئاسة الوزراء) لترويج تقارير كاذبة في الأوساط الحكومية حول تصرف حضرة بهاءالله وطموحاته. وفعلاً تمكن هذا الرجل، وبكل كفاءة، من إعانة سفيره في حملة لتلطيخ اسم حضرة بهاءالله وتشويه سمعة أمره.

أخيرًا أثمرت دسائس ميرزا حسين خان. فقد رفع رئيس الوزراء، عالي باشا، تقريرًا إلى السلطان ضمّنه طلب الحكومة الإيرانية إبعاد حضرة بهاءالله إمّا إلى بورصة أو أدرنة. اقترح على السلطان نفيه إلى الأخيرة ومنحه مبلغًا قدره 5000 قرش شهريًا تصرف لحضرة بهاءالله للمعيشة، مضيفًا بأنه قد حل ضيفًا على الحكومة في الآستانة خلال إقامته بها. كما أنه أرفق تقريره بقائمة([48]) تضم أسماء أصحابه الذين رافقوه منذ مغادرة بغداد إلى الآستانة.

صادَقَ السلطان على مضمون التقرير حال استلامه وأصدر الفرمان في اليوم التالي. أوجز حضرة شوقي أفندي الأحداث التي انتهت إلى مرحلة النفي الجديد بهذه الكلمات:

 

وكلف صهر الصدر الأعظم المحترم، ولا أقل، بأن يحيط الأسير علمًا بالفرمان الصادر ضده. وهو فرمان أوضح طبيعته تعاون الحكومتين التركية والإيرانية ضد خصمهما المشترك، وكان له في النهاية أوخم العواقب على السلطة والخلافة وعلى آل قاجار. ورفض حضرة بهاءالله أن يأذن لهذا الرسول، وانتدب حضرة عبدالبهاء وآقاي كليم للقائه. فاكتفى الرسول بإبداء ملاحظاته الصبيانية وتصريحاته التافهة، وأخبرهما بأنه سوف يعود بعد ثلاثة أيام ليتلقى الجواب على الفرمان الذي كلف بإبلاغه.

وفي ذلك اليوم أنزل حضرة بهاءالله لوحًا شديد اللهجة وفي صبيحة اليوم التالي دفعه بغلاف مختوم إلى شمسي بيك، وكلّفه أن يسلّمه إلى عالي باشا، وأن يقول له إنه نزل من عند الله. وفيما بعد قال شمسي بيك لآقا كليم: ’لم


أكن أعرف فحوى الكتاب إلاّ أن الصدر الأعظم ما كاد يتصفحه حتى شحب وجهه وامتقع قائلاً: (كأني به ملك الملوك يصدر أوامره إلى أصغر ولاته ويرشده إلى المسلك القويم). وساءت حاله إلى درجة أنني فضلت الانسحاب‘. ومما يروى أن حضرة بهاءالله علّق على تأثير ذلك اللوح بقوله: ’بعد وقوف وكلاء السلطان على مضمونه فإنه يمكن تبرير الأعمال التي مارسوها ضدنا وأمّا ما عملوا قبل وقوفهم على مضمونه فليس له أي مبرر.‘

كان ذلك اللوح طويلاً بصورة ملحوظة، على حد وصف النبيل، وكانت كلماته الأولى الموجهة إلى السلطان نفسه، تندد بوزرائه وتفضح عدم نضجهم وقلة اقتدارهم. واشتمل اللوح على فقرات موجهة إلى الوزراء أنفسهم، يتحداهم فيها بجرأة، ويعنّفهم على تباهيهم وتفاخرهم بزخارف الدنيا ومتاعها، وجريهم المحموم وراء المال والثروة التي لن يقر للدهر قرار حتى يسلبهم إياها.

وفي مساء الرحيل، الذي حدث بعد توقيع فرمان النفي مباشرة، أرسل حضرة بهاءالله مع الحاج ميرزا حسن الصفا سابق الذكر، أثناء جلستهما الأخيرة الخالدة، يقول للسفير الإيراني: ’ماذا استفدت أنت وأمثالك من قتلكم الكثير من المضطهدين كل عام وصبّكم البلايا على رؤوسهم، حين زاد عددهم مائة ضعف ووجدتم أنفسكم في حيرة من أمركم لا تدرون كيف تحررون رؤوسكم من هذه الفكرة الخبيثة... تعالى أمره تعالى عمّا تكيدون. ألا فاعلم هذا علم اليقين لو اتحدت كل حكومات الأرض وقضت عليّ وعلى كل من يحمل هذا الاسم لما خمدت هذه النار الإلهية. بل إن أمره ليحيط عندئذ كل ملوك الأرض، لا بل كل ما خُلق من ماء وطين... وما من شيء يصيبنا من بعد إلاّ كان سببًا لنصرتنا وخذلانهم.‘(2)

 

وليلة مغادرته متوجهًا لأدرنة أوعز حضرة بهاءالله إلى النبيل الأعظم([49]) وميرزا آقا الملقب ﺒ"منيب"([50]) بالتوجّه إلى إيران لنشر أخبار حضرته بين البابيين وتبليغ أمر


الله والمساعدة في تفهّمهم واعترافهم بمقامه. إلى جانب هؤلاء أرسل تلك الليلة نفرًا آخر ممن كانوا حوله وهم: آقا محمد باقر الكاشاني، خياط باشي الكاشاني، آقا حسين النراقي، مير محمد المُكاري،([51]) وآقا سيد حسين الكاشاني. كان الأخير معروفًا بروح الفكاهة والمرح بحيث لم يتحرّج أحيانًا من الدخول بمحضر حضرة بهاءالله وإلقاء نكتة أو تعليق يضحك حضرته.

شهدت تلك الليلة اضطرابًا عظيمًا ذلك لأن مجرد التفكير بالانفصال عن محبوبهم جعل أتباع حضرة بهاءالله يجهشون بكاءً. إلاّ أن حضرته أبقى آقا محمد علي الصبّاغ من يزد في الآستانة نظرًا لأهمية وجود واسطة اتصال مع الأحباء المؤمنين في إيران علاوة على تقديم المعونة للذين يمرون بتلك المدينة. ظل المؤمن المذكور في موضعه نحو عامين لحين ورود آخرين حلّوا محله وتسلّموا واجباته. توجّه بعد ذلك لأدرنة والتحق بأصحابه المنفيين وعاد إلى جوار مولاه من جديد.

في يوم مغادرة حضرة بهاءالله الآستانة، وصل أحد المؤمنين المخلصين، واسمه ميرزا مصطفى، قادمًا من نراق بإيران وكان قد آمن بأمر حضرة الباب في أيامه الأولى. في أثناء إقامة حضرة بهاءالله بالعراق زار البلاد وحظي بلقاء حضرته هناك وبقي مقيمًا فيها لبعض الوقت، ورأى بهاء مولاه الذي كان ما زال مستورًا عن أعين العباد. أمّا في الآستانة فلم تتح له إلاّ مناسبة واحدة فاز فيها بمحضر حضرة بهاءالله عندما دعاه وأوعز إليه بالتوجّه إلى إيران لتبليغ أمره. صدع بالأمر وذهب إلى آذربيجان. فيما يلي كلمات حضرة عبدالبهاء في حق هذا المؤمن البطل:

 

... وما أن وضع (ميرزا مصطفى) قدمه في آذربيجان حتى أخذ في تبليغ أمر الله وكان لا يفتأ يتلو الأدعية ليل نهار ولعبت في رأسه صهباء الإيمان وهو في مدينة تبريز فهام من شدة الوله الروحي وانكبّ على التبيلغ بكل ما أوتي من قوة وما لبث أن حضر إلى آذربيجان حضرة الفاضل الكامل والعالم النحرير


الشيخ أحمد الخراساني فاتصل به، وقاما معًا يدًا واحدة على خدمة أمر الله، وذلك بكل اشتياق ووله وهيام. ولم يتورعا عن التبليغ جهارًا بين القوم فأدى الحال إلى قيام أهالي تبريز ضدهما ومعاداتهما.

قام القهارمة بإلقاء القبض على آقا ميرزا مصطفى لأنهم عرفوه في أول الأمر بخصل شعره التي كانت غير ظاهرة لهم حال إلقاء القبض عليه فما كان من المذكور إلاّ أن رفع القبعة من على رأسه وقال ها هو شعري المجعد فلا يدخلكم شك في أنني ذلك الشخص الذي أنتم وراءه. فأخذوه هو وذلك الشيخ العظيم وقاموا بتعذيبهما بكل شدة وفي آهر الأمر أسقوهما الكأس الطافحة بصهباء الشهادة في مدينة تبريز فانتقلا إلى الأفق الأعلى. وحدث أن قال آقا ميرزا مصطفى للجلاد: ’أرجوك أن تقتلني أولاً حتى لا أشاهد استشهاد حضرة الشيخ.‘(3)

 

كان مألوفًا حين تنفيذ الإعدام أن يتوجّه الضحية نحو قبلة الإسلام.([52]) لكن ميرزا مصطفى استدار متوجهًا إلى أدرنة. وعندما ذكّر بتغيير وجهته نحو القبلة رفض قائلاً: ’هذه هي القبلة الحقيقية‘. ثم صاح ’يا بهاء الأبهى‘.

شهيد آخر ضحّى بحياته في المناسبة نفسها في سبيل الله كان الملاّ علي نقي النيشاپوري. نفذ إعدام أولئك الشهداء الثلاثة بأمر من السردار عزيز خان حاكم تبريز بقطع رؤوسهم في عام 1283ﻫ (1866-1867م) في الميدان الذي استشهد فيه حضرة الباب. لقد خص حضرة بهاءالله ميرزا مصطفى بعدة ألواح، كما أشار إلى استشهاده في بعض كتاباته.([53]) وسمّى حضرته ابن ميرزا مصطفى بعد استشهاده باسم والده. ثم أذن لذلك الابن وأمه بشرف الخدمة في البيت المبارك في عكاء. لكن بعد صعود حضرة بهاءالله انضم ميرزا مصطفى (الابن) إلى الذين نقضوا العهد وتمرد ضد حضرة عبدالبهاء.


    تم ترحيل حضرة بهاءالله وعائلته –من ضمنهم أخواه المخلصان ميرزا موسى، الملقب بآقا كليم، وميرزا محمد قلي وكذلك ميرزا يحيى-([54]) إلى مدينة أدرنة في شهر كانون الأول الذي كان من أشد الأشهر برودة عرفتها تركيا لعدة سنوات. كان اسم الضابط المكلف بالرحلة علي بيك يوزباشي. استنادًا لبيان من ميرزا آقا جان، يبدو أن حضرة بهاءالله كان مصحوبًا باثني عشر من أصحابه(4) في تلك الرحلة. من بينهم كان السيد محمد الإصفهاني سيئ الصيت الذي صارت روحه الشريرة تلقي بظلالها باطراد في نفوس جماعة المنفيين. إذ جلب بنفوذه الشيطاني الكثير من الألم والعذاب لقلوبهم وأوقعهم في فتن وامتحانات شديدة.

يخاطب حضرة بهاءالله في "سورة الملوك" السلطان عبد العزيز، ويتحدث عن قدومه لمدينة الآستانة في جلال مبين، بينما رحل عنها "بِذلة التي لن تقاس به ذلة في الأرض".(5) ويذكر كذلك بأي حال أبعدوا إلى أدرنة هو وأحباؤه وما تعرضوا له وتحملوه من مشقة وعناء في الطريق إلى تلك المدينة وحين الوصول إليها. فيما يلي بعض من كلمات وصفه لذلك: "ولم يكن لأهلي وللذين هم كانوا معي من كسوة لتقيهم عن البرد في هذا الزمهرير"، "بكت علينا عيون أعدائنا ومن ورائهم كل ذي بصر بصير..."(6)

لا شك في أن ظروف إبعاد حضرة بهاءالله كانت تحمل طابعًا مهينًا إلى جانب كونها مأساة بحد ذاتها. فلم تدع السلطات لحضرته أو لجماعته وقتًا كافيًا للإعداد لهذا السفر الطويل الشاق. من جهة أخرى تمت الرحلة في شتاء شديد البرودة تجمدت فيه عدة أنهر بحيث كانوا يضطرون لإشعال نار أثناء السفر لإذابة الثلج من أجل الحصول على الماء. أمّا المسافرون، وكان من بينهم نساء وأطفال، فلم تكن كسوتهم كافية لتقيهم شدة البرد، وقد حشر بعضهم في مركبات مخصصة لنقل البضائع بينما ركب الآخرون الدواب. فيما يلي ما كتبه حضرة شوقي أفندي عن تلك الرحلة:


سار المنفيّون المتعبون وسط الأمطار والأعاصير، وفي بعض الأحيان كانوا يسافرون ليلاً. وتوقّفوا فترات قصيرة في كوچك چكمچة وبويوك چكمچة وسَلوَري وبركاس وبابا إيسكي ثم بلغوا أدرنة غرة رجب سنة 1280ﻫ (الموافق للثاني عشر من كانون الأول سنة 1863م). ونزلوا أول الأمر في خان العرب وهو خان ذو طابقين يقع بجوار بيت عزت آقا. وبعد ثلاثة أيام خصص لحضرة بهاءالله وأهل بيته منزل صيفي يقع في حي المرادية بالقرب من التكية المولوية. وبعد أسبوع انتقلوا إلى منزل آخر يقع بجوار المسجد في الحي نفسه. إلاّ أنهم بعد ستة أشهر تقريبًا تحوّلوا إلى منزل أوسع يعرف ببيت "أمر الله"، يقع على الجانب الشمالي من مسجد السلطان سليم.(7)

 

إن المنزلين في المرادية متهدمان تمامًا حاليًا. وقد وصف شاهد عيان المنزل الثاني على أنه قصر ذو ثمانية عشر غرفة وحمام تركي. وبعد وصول أصحاب حضرة بهاءالله بفترة قصيرة، وجدت منازل لهم في مكان آخر. وشرعوا، كما وجههم حضرة بهاءالله، بمباشرة أعمالهم في الحرف والتجارة في المدينة.

سرعان ما ذاع صيت حضرة بهاءالله بعد وصوله لأدرنة ووعى سكانها عظمته ونفذت في أعماقهم بصمات حبه الحقيقي وسجايا شخصه السامية. فانجذب إليه عليّة القوم، بمن فيهم حاكم المدينة وكبار موظفيها، وأهل العلم والتحضر، وتبيّن لهم للتو بأنه كان مصدر كل علم ومعرفة وتجسيد كل فضيلة. من بينهم من أقبل إليه بخلوص نية جالسًا عند قدميّ حضرته مستنيرًا من فيوضات الروح بين يديه. بلغ التقدير والإجلال لحضرته بحيث حينما سار في الشوارع والأسواق وقف الناس وانحنوا أمامه. كان احترامهم وتبجيلهم له عميقًا وقلبيًا. لقّبه عامة الناس ﺒ"شيخ أفندي"، وهي تسمية تنطوي على احترام كبير في ذاك الوقت.

لم يظهر حضرة بهاءالله في المجتمع بأدرنة كما كانت الحال ببغداد. بدلاً عن ذلك ترك لحضرة عبدالبهاء تلك المخمة نيابة عنه. مع ذلك كان يزور من حين لآخر مسجديّ المرادية والسلطان سليم حيث أتيح لبعض الأعلام المتدينين من الناس التعرف عليه وصاروا من المعجبين به والمقرّين بعظمته. كانت تلك


إحدى ملامح حياة حضرة بهاءالله المثيرة للانتباه، إذ رغم تسخير الحكومة الجائرة أجهزتها القوية ضده، وما تسبب له من معاناة شخصية واضطهادات تفوق الحصر، فقد أظهر من أمارات العظمة وما أسبغ على الناس من المحبة ما جذب الكثيرين نحوه ومس أعماق وجدانهم بشخصيته المتسامية التي لا نظير لها. أمّا وأن يتمكن مسجون منفي من إحداث أثر باق في نفوس شملت العالي والداني، فإنه مما يدل على قوته السماوية، كما أنه علامة لسلطته كمظهر كلي إلهي.

لكن رغم كل ما تعرّض له من صعاب وشدائد إثر ذلك النفي الآخر، فإن فيض وحي حضرة بهاءالله استمر دون انقطاع أو فتور في أدرنة. فقد شهد ميرزا آقا جان، في إحدى كتاباته بتاريخ 17 جمادى سنة 1281ﻫ (19 تشرين الأول 1864م)، بأن منذ أيام حضرة بهاءالله في العراق وحتى ذلك اليوم استمر نزول الألواح دون توقف من لدن سماء مشية الله.(8) بل إن ذلك الفيض الإلهي ازداد شدة في أدرنة. يتبين من مضمون تلك الألواح ولهجتها بأن ظهور حضرة بهاءالله كان قد وصل إلى مرحلة جديدة وأنه قد صار، بعد تلويحاته عبر السنين السابقة عن مقامه، يدعو المؤمنين الآن علنًا لنفسه على أنه هو المظهر الكلي الإلهي.


صفحة خالية


﴿ 4 ﴾

 

"سورة الأصحاب"

 

 

نزلت "سورة الأصحاب" في أوائل فترة أدرنة، وكان لها أثر هام في إماطة اللثام عن مقام حضرة بهاءالله للبابيين في إيران. وجّه هذا اللوح الطويل بالعربية، إلى ميرزا آقا منيب.([55]) خاطبه حضرة بهاءالله في هذا اللوح باسم "حبيب" وفي موضع واحد يذكره باسم "منيب". يبدو أن ذلك أدى ببعض البحّاثة في أمر الله إلى التصريح بأن اللوح المذكور قصد به ميرزا حبيب المراغي وجاء فيه أيضًا ذكر منيب ضمنًا. إلاّ أن من يدرس اللوح بإمعان ويأخذ بالاعتبار حقائق تاريخية أخرى يخرج باستنتاج لا ريب فيه بأنه كان مُنزلاً لميرزا آقا منيب الذي خاطبه باسم "حبيب". وقد قام الأخير لدى استلامه اللوح بكشف مقام حضرة بهاءالله للذين اعتبرهم من البابيين المخلصين.

لأجل تقييم أهمية "سورة الأصحاب" وغيرها من الألواح الأولى النازلة في أدرنة، يجب على المرء أن يلمّ بحالة الجامعة البابية في إيران قبل إعلان دعوة حضرة بهاءالله وبعدها. ذلك لأن الإلمام بهذه الخلفية تساعد على تفهّم أفضل لكتابات حضرة بهاءالله في الفترة المذكورة.

منذ أيام إقامة حضرة بهاءالله في بغداد أخذت غالبية المؤمنين في إيران تتجه إلى حضرته كقطب الجامعة البابية وبنحو متزايد. فإليه ذهبوا طلبًا للعون والاستنارة ومنه نالوا الهداية. بلغ في قدرته الروحانية ونفوذه أعلى مستوى بحيث أحس بقوتهما حتى أعداء أمر الله. فمثلاً كما سبق أن علمنا، حدث أن طلبت منه جماعة


من علماء الشيعة بالعراق الإتيان بمعجزة، ولو أنه حتى ذاك الحين لم يكن قد أعلن أو ادعى مقامًا لنفسه. إذًا كان من الثابت المحقق بأن حضرة بهاءالله وحده كان يمسك بزمام الاقتدار والنفوذ الروحي، وكان منار الهداية للجامعة البابية بعد استشهاد حضرة الباب في عام 1850م.

كثير من المؤمنين الذين تشرفوا بمحضره في بغداد اعترفوا بمقامه في حين لم تزل شمس بهائه كانت مستترة خلف "ألف ألف حجاب من النور".(1) وهناك آخرون اهتزّوا بقوة تأثير كل الدلائل الوفيرة على سلطنته العليا وعلمه اللدني. خلال السنوات العشر التي عاشها حضرة بهاءالله في العراق، أخذ صيته بالانتشار عن طريق عودة أولئك المؤمنين إلى إيران ووصفهم، كل على قدر فهمه، لعظمته ومدحهم وإعجابهم بفضائله وقدراته. إلى جانب تلكم الروايات الشخصية عن حضرة بهاءالله، كان هناك السيل الهادر من الألواح والكتب النازلة من قلمه مما مكن أكثرية المؤمنين من تقييم مكانته الفريدة العليا التي تقلدها بينهم.

 

حالة الجامعة البابية

 

    لكن وا أسفاه على بني آدم إذ هم ليسوا صادقين أو مخلصين دومًا. فكانت هناك نفوس فاسدة أنانية تلهفت للزعامة. نفر قليل من أمثال أولئك في مختلف مدن إيران شرعوا ببث الفساد بين المؤمنين. ففي الظاهر اعتبروا أنفسهم من أتباع حضرة الباب، لكنهم في الواقع كانوا يعملون ضد أوامره ووصاياه. بعض منهم كان قد تشرف بالمحضر المبارك، فقط ليصبح بذلك غيورًا حسودًا من ارتفاع صيته وسلطانه. التفّ أولئك حول ميرزا يحيى لا اعترافًا بما كان لديه من صفات وقدرات بارزة، ولا حبًا له بل إعراضًا عن حضرة بهاءالله. فلم يخامر السيد محمد الإصفهاني، مثلاً، أدنى شك حول ضعف ميرزا يحيى وسطحية علمه. تأكد له ذلك عندما دحره مرارًا أثناء الجدال. في تلك المناسبات كان الأخير يغضب باستمرار أمام هزيمته. ذات مرة، قبل فترة أدرنة، استبد به الغضب إثر


استهزاء واستخفاف السيد محمد به بحيث اشتكى لدى حضرة بهاءالله الذي دعا السيد محمد للحضور أمامه وأنّبه لسلوكه وطلب منه ترك ميرزا يحيى وشأنه.

مثال آخر على ذلك: كان الشيخ سلمان، الخادم الأمين لحضرة بهاءالله والذي سمّاه "رسول الرحمن"،([56]) قد سأل ميرزا يحيى أن يشرح معنى إحدى قصائد الشاعر سعدي. وافق ميرزا يحيى على الطلب واستلم الشيخ سلمان الجواب. لكن السيد محمد الإصفهاني، بعد إطلاعه على شرح ميرزا يحيى، أخبر حضرة بهاءالله بضعف ذلك الجواب وركاكته وسطحيته ملتمسًا من حضرته الإيعاز للشيخ سلمان بعدم نقل مثل تلك التصريحات المضلة للمؤمنين في إيران. زيادة على ذلك ذهب السيد محمد، بصحبة الحاج ميرزا أحمد الكاشاني،([57]) إلى منزل آقا كليم حيث برهن لميرزا يحيى بأن تفسيره خاطئ. مع ذلك فإن رجالاً كهؤلاء، منذ باكورة أيام حضرة بهاءالله في بغداد، كانوا ينشرون عن ميرزا يحيى ملاحظات فيها إطراء كبير له بين جماعة البابيين في إيران. فأشاعوا كذبًا روايات عن عظمته، مدعين بأنه كان خليفة حضرة الباب. وبأن كل ما كتبه حضرة بهاءالله يعود لميرزا يحيى، وبأن حضرة بهاءالله قد اغتصب مكانته وبذلك أرغمه على الانزواء بنفسه. إن دعايات كهذه دائمًا تبلبل عقول البسطاء من الناس، لا سيما إن كان أغلبهم لم يعرف شيئًا إطلاقًا عن ميرزا يحيى. ذلك لأنه إبان السنوات العشر من إقامته بالعراق كان قد أفلح في إخفاء هويته بحيث أن عددًا لا بأس به، حتى من المؤمنين المقيمين هناك لسنوات، لم يعرفوه. فمثلاً نجده عندما التحق بركب حضرة بهاءالله في الموصل استطاع أن يعرّف نفسه على أنه شخص غريب، ولم يعرف بعض أصحاب حضرة بهاءالله هويته الحقيقية. لكن بالنسبة لعامة المؤمنين فإن حقيقة كونه الخليفة الاسمي لحضرة الباب كان كافيًا لمنحه أهمية عظيمة.

إلاّ أن معظم البابيين الذين تمكنوا من لقاء ميرزا يحيى ذهلوا بما رأوا فيه من جهل وجبن. كما أن هؤلاء الرجال لم يساورهم شك في مقام حضرة بهاءالله


وكانوا واثقين تمامًا بأن ميرزا يحيى كان مجرد رئيس رمزي عيّنه حضرة الباب بهدف تحويل الانتباه عن حضرة بهاءالله. أمّا بالنسبة لمن لم تتح لهم فرصة أو شرف المثول بمحضر حضرة بهاءالله فغالبًا ما بلبلتهم شائعات وخلافات فيما بين البابيين بشأن مكانة ميرزا يحيى.

لقد خلّف الحاج ميرزا حيدر علي للأجيال القادمة صورة جلية عن الجامعة البابية في بعض أجزاء إيران خلال الفترة الأخيرة من إقامة حضرة بهاءالله ببغداد، عقب نزول "كتاب الإيقان" بقليل. يوضّح هذا الوصف ما أحدثه مؤيدو ميرزا يحيى من بلبلة واضطراب، ويلفت الانتباه لما نشروه من تلفيقات. فيما يلي كلماته وهو يستعرض بذاكرته أوائل أيام اعتناقه الدين البابي:

 

بالرغم من تعرّضي للاضطهاد عدة مرات في إصفهان وكذلك الصدمات والأذى الشديد، لكنني كنت مسرورًا باشتعالي بحب الأمر وانجذابي وعشقي لألواح حضرة الباب وتواقيعه وعلى الخصوص "البيان" الفارسي الذي قمت باستنساخه مرتين. وكلما قرأته زاد تلهفي لقراءته من جديد. في تلك الأيام كان كل واحد موقنًا بأن مجيء "من يظهره الله" وشيك الوقوع. غالبًا ما كنت أقول لنفسي... لولا يأتي عهد "من يظهره الله" بعد ظهور حضرة الباب فلن تثبت صحة أي من كتابات حضرته أو ألواحه أو دلائله وتبقى دون تحقق ولا فائدة. أمّا شعوري تجاه أزل([58]) فلم يحمل قلبي له أي اعتبار. إذ كنت أردد معلّقًا: ’إذًا ما الفرق بين أزل الغائب والقائم([59]) الغائب؟...‘ بالإضافة إلى ذلك كنت أعتبر كتاباته هراء حقًا، عدا بطبيعة الحال ما ورد فيها من نصوص حضرة الباب والتي هي كلمات سماوية. إلاّ أن ضميري كان يعذّبني بسبب خيلائي وما كنت أتصوره من أن فهمي كان فوق فهم الآخرين. حدث بعد ذلك أن وصل لوحان مباركان من


الجمال الأقدس الأبهى في حق زين المقربين([60]) وآقا محمد علي تمباكو فروش الإصفهاني. فسحرت بهما وشغفت ببياناته المباركة.

فيما بعد... جاء الحاج السيد محمد، خال حضرة الباب... في زيارة إلى إصفهان وجلب معه نسخة من "كتاب الإيقان"، الذي نزل إجابة عن أسئلته. وكانت نتيجة قراءتي لهذا الكتاب أني ازددت عشقًا ألف مرة ببيانات جمال القدم. بعدها صرت أصرح علنًا باعتقادي أن نبل حضرة بهاءالله، وحقيقته الفريدة التي لا تُدانى، وقوة بيانه، وسيطرة قلمه وحججه المقنعة من خوارق الأمور بل إنها أول وأعظم معجزاته. لكن بعض الناس لم يرتاحوا لآرائي وكانوا يسرّون لي بأن "كتاب الإيقان" قد كتبه أزل.

حتى مير محمد علي العطّار، أحد المؤمنين الأوائل، أتاني وأسرّ لي بأنه ’بما أن حضرة الباب قد بشّر دومًا بقدوم "من يظهره الله"، ولم يجعل لذلك شروطًا أو يحدد بالدقة موعد ظهوره. وفرض على الكل الاعتراف به والإذعان لأمره حالما يُظهِر نفسه، وحرّم السؤال والحيطة والتردد بقبوله، وأنذر المعرضين بنار جهنم، وحرّم بشدة طلب الدلائل منه، واعتبر نفسه مبشرًا وعبدًا ﻠ"من يظهره الله"، فإن كل هذه قد أغرت جناب بهاءالله ليدّعي هذا المقام لنفسه. فقد سجن أزل وأحيانًا قام بجلده ليجيب عن أسئلته. دوّن جناب بهاءالله هذه الإجابات ثم نشرها باسمه. لقد سافر السيد محمد([61]) مرتين من بغداد إلى إصفهان نيابة عن أزل وأسر للمؤمنين بما يعانيه من عزلة وإجحاف!‘

كانت دهشتي بلا حدود لدى سماعي بذلك. فقلت أنه محال ولم أسمع قط هراء أو ادعاءات باطلة كهذه. ذلك لأن كلمات "كتاب الإيقان" وعباراته تتميز بذاك الأسلوب المعروف بالسهل الممتنع، أي سهل الفهم ولكن صعب المحاكاة. أمّا كلمات أزل فتفتقر عمقًا وبلاغة...


    ثم سرعان ما تبيّن بأني صرت معروفًا فضاقت أمامي مدينة إصفهان، وبات أصدقائي يتجنبونني.(2)

 

أخيرًا قرر الحاج ميرزا حيدر علي الابتعاد والعزلة لمدة أربعة أشهر. أخذ معه أربعة كتب هي "القرآن الكريم" و"المثنوي"([62]) و"البيان" و"الإيقان" وأقام في مكان بعيدًا عن الناس كافة. يواصل روايته بقوله:

 

وفي النهاية أدركت بأن الانزواء عمل وحشي وضياع للعمر. ومن ابتغى رضاء الله وهداية الخلق إليه يجب أن يضحّي بأنانيته. في تلك الأثناء كنت أترقب مجيء المظهر الكي الإلهي، باسم "من يظهره الله"، بينما تحققت لي بوضوح حركات التدليس والدسيسة والأكاذيب التي كان يقوم بها كل من مير محمد علي والسيد محمد. فقررت والحالة هذه مغادرة إصفهان.

ولو أني كنت متلهفًا للتشرف بمحضر نير الإشراق،([63]) إلاّ أني في الوقت ذاته كنت أخشى ملاقاة هذين المنافقين السيد محمد والملاّ رجب علي([64]) اللذين كانا موجودين بكربلاء وبغداد لئلا تتأثر روحي وضميري بكيفية ما بخبثهما. لذا بقيت لفترة خمسة أو ستة أعوام أطوف أرجاء إيران... تمكنت بصعوبات ومشاق جمة من زيارة عدة أماكن، راجلاً أحيانًا وراكبًا أحيانًا أخرى، لكني خلال كل ذلك كنت في غاية السعادة. تحدّثت عن ظهور حضرة الباب في كل مكان وبشرّت بقرب ظهور "من يظهره الله". قمت بذلك رغم ما واجهته في عدة مدن من اضطهاد وضرب وسجن...

في شيراز التقيت بالحاج السيد محمد، خال حضرة الباب، وبعض المؤمنين الآخرين... وجميعهم كانوا مشتعلين بمحبة حضرته ومتلهفين لمجيء "من يظهره الله". لم يرد ذكر أزل... كان المرحوم آقا سيد عبد الرحيم الإصفهاني قد جمع بعض المقتطفات من "البيان" وغيره من كتب


حضرة الباب استند عليها في إثبات أن حضرة بهاءالله، جل جلاله، كان هو مقصود "البيان" وموعوده، وبأن أزل كان مجرد اسم بلا رسم، كالجسد بلا روح. لكن بعض الناس اعترضوا على تصريحاته تلك واستنكروا آراءه. اعتاد أن يلقي علينا الرواية التالية: ’بعد استشهاد حضرة الباب حينما أصبح أزل معروفًا، سافرتُ من إصفهان إلى طهران بهدف معين هو الاجتماع به. في السوق التقيتُ بحضرة بهاءالله، مشرق الوحي ومكلّم الطور... الذي زيّنت باسمه كتب حضرة الباب وألواحه. كان لقائي بحضرته حينما لم يزل كان بهاؤه مستورًا خلف سبعين ألف حجاب من النور. بادرني بالسؤال فيما إذا قدمت لزيارة أزل. فرددت بالإيجاب... هذا علمًا بأن سبق لي التشرف بمحضره سابقًا في بدشت. هناك تمكنت من الإقرار بما ظهر منه من جلال وعظمة ووحدانية وفردانية ونبل عن طريق الكيفية التي لاحظت القدوس والطاهرة ينحنون بها أمامه. علمت أيضًا بأعمال أزل وأفعاله، مع ذلك اعتبرت اللقاء به، نظرًا لأنه اشتهر بأنه خليفة اسمي لحضرة الباب، بمثابة تقرّب إلى الله. فذهبت بصحبة حضرة بهاءالله إلى منزله. طلب إحضار الشاي، فأتى أزل بالسماور وجهّز الشاي. ظل واقفًا في المحضر المبارك الذي كان يجري من لسانه سلسبيل الحكمة والعرفان. بعد شرب الشاي قام حضرة بهاءالله واستدار نحو أزل قائلاً: ’’لقد جاء للقائك‘‘، ثم توجّه إلى حرم الدار الداخلي. بعد أن جلس أزل انحنيت له وأبديت احترامي وولائي، إلاّ أنه لم يكن لديه ما يقوله لي.‘(3)

 

دام الخلاف بخصوص مكانة ميرزا يحيى طوال فترتيّ بغداد والآستانة. في أثناء ذلك لم يتحدّ منصبه أحد كرئيس اسمي بعد حضرة الباب، وظل يلازم حضرة بهاءالله ويقيم بقربه تأمينًا لسلامته هو. هذا ولم ينجلِ ضباب الشك عن بصائر بعض المؤمنين بسطاء القلب بصفة نهائية حول موقف أزل إلاّ بعد تمرّده ضد حضرة بهاءالله في أدرنة، ذلك الشك والبلبلة اللذين كانا يلازمانهم حتى ذلك الوقت.


أمّا إعلان حضرة بهاءالله في حديقة الرضوان فكان لنفر قليل من أصحابه فقط. ولم يطّلع معظم البابيين على أخبار ذلك الحدث التاريخي حتى وقت لاحق. وفي "سورة الأصحاب" وألواح أخرى تعود لأوائل الأيام هناك تتجلى بوضوح دعوة حضرته ومقامه علنًا. لقد شارك ميرزا آقا منيب هذه السورة الهامة مع عدة نفوس. كان من بينهم الحاج ميرزا حيدر علي، الذي ترك وصف مشاعره حين قراءته لتلك السورة للمرة الأولى بهذه العبارات:

 

... وصلت طهران عندما كان ميرزا آقا منير([65])... موجودًا فيها أيضًا. وكان قد استلم "سورة الأصحاب" التي نزلت من قلم رب الأرباب في حقه. استنادًا لمعرفته باعتقادي واطمئنانه إلى أن قلبي كان متوجهًا شطر جمال القدم... دعاني ثم سلّمني السورة بسرية لأقرأها. أحسست وأنا أتلو كل آية كأني أعرّج إلى عوالم من المسرة والاطمئنان وتتفتح في باطني أعماق جديدة من اليقين والتبصرة. بعد قراءة بضعة آيات مباركة بسرور عظيم، سألت ميرزا منير عما إذا كان السيد محمد قد خدع أزل أم أزل خدع السيد محمد، أم أنهما قد اتحدا لمجرد الإنكار والإعراض عن حضرة بهاءالله وبذلك سلكا درب العناد والعداء ضده. فرح ميرزا منير لدى سماعه ما قلت وعانقني قائلاً: ’إن عداءهما لجمال القدم هو سبب اتفاقهما. فكل منهما يخدع الآخر في سبيل قيامهما على البغضاء والعداء.‘

لقد أشعلت "سورة الأصحاب" نار العشق في أركاني، بحيث بقي أثرها حتى الآن بعد مضي خمسين عامًا ورغم تقدمي في العمر وظهور علاماته من خمول وتيبّس وبرودة، فإني متى قرأت هذه السورة المباركة أو تذكّرت مشاعري في ذاك اليوم، أجد نفسي وقد غمرت بسرور يجنح بي إلى حالة سكر وهيام وحيرة.(4)

 

يخاطب حضرة بهاءالله ميرزا آقا منيب في "سورة الأصحاب" بكلمات المحبة والتشجيع. ويذكّره بأيام رحيله مع مولاه، حينما استدل بخلوص قلبه


وتفتّح بصيرته على حقيقة أمره والاعتراف به. ثم يأمره بأن يشكر الله الذي أخرجه من ظلمة الجهل وأنعم عليه بالغ الفضل والعطاء. وأخيرًا يدعوه قبل كل شيء لأن ينقطع عما في السموات والأرض. ثم القيام بعزم وثبات تامّين على توعية أهل "البيان".

عندما ننظر إلى حالة الجامعة البابية في تلك الفترة، ندرك مدى جسامة المهمة التي أوكلها حضرة بهاءالله لمنيب وغيره من المبلّغين. ألا وهي توعية تلك الطائفة لإدراك ضرورة تغيير وجهتها بل وتحوّلها إلى جامعة عالمية مقدر لها مع حلول الوقت المناسب أن تضم البشرية كلها وتحتضنها. كان إعلان مقام حضرة بهاءالله على أنه هو "من يظهره الله" في مجالس الأحباب محور اهتمامهم وأكثر الأحداث إثارة وتحديًا منذ بزوغ فجر أمر الله قبل ذلك بعشرين سنة. لكن القيام بمواجهة العناصر المريضة داخل الجامعة البابية يتطلّب شجاعة كبيرة، وهداية النفوس الطيبة والقلوب النقية تتطلّب حكمة بالغة. لذا فقد منّ حضرة بهاءالله بهاتين العطيتين على رسله إلى إيران إذ أوحى لهم وزيّنهم بهاتين السجيتين.

فيما يلي شهادة بقلم الشيخ كاظم سمندر([66]) يروي فيها مشاعر الهياج واهتزاز العواطف لدى المؤمنين حينما تليت على أسماعهم "سورة الأصحاب". كان هو ممن حظوا بمخاطبة حضرة بهاءالله لهم في تلك السورة، وعليه أرسل له منيب نسخة منها وصلته في مدينة قزوين مسقط رأسه.

 

... كان (منيب) قد رافق حضرة بهاءالله من بغداد وكان في الليالي يحمل سراجًا أمام هودج حضرته. استمر بمعيته حتى الآستانة حيث عاد منها وفق تعليمات حضرة بهاءالله إلى إيران. التزم منتهى الحكمة في تبليغه أمر الله، إلى أن وصلت "سورة الأصحاب" إلى طهران والتي نزلت باسمه. بعد ذلك وبإجازة حضرة بهاءالله رفع الحجاب تدريجًا عن أمر الله. سرعان ما انتشر


النبأ كنفخة الصور وبعث في المؤمنين اهتزازًا وحماسًا متجددين. فقام كل واحد من رقاده ليعبر ذاك الصراط([67]) الدقيق مستعينًا بما يبذله من مجاهدة حقة واستقصاء جاد.

عندما وصلت نسخة من هذه السورة مدينة قزوين (وفيها ذُكِر هذا العبد القاصر ضمن غيره من المؤمنين)، أثارت هياجًا عظيمًا وخلقت اضطرابًا شديدًا (فيما بين أفراد الجامعة). فعُقدت عدة مجالس جرت فيها إيضاحات وشروح عن الموضوع. وبعد المناقشات والأحاديث والرجوع إلى الآثار المقدسة (الكتب والألواح)، تمكن كل واحد، بكيفية وطريقة ما، وبعون الله من الاهتداء (للحقيقة) والوصول لشاطئ الطمأنينة والثبات.(5)

 

وهكذا وبواسطة التأثير الخلاق ﻠ"سورة الأصحاب" والألواح الأخرى المنزلة في هذه الفترة، ونتيجة لما بذله بعض المبلّغين البارزين من جهود مخلصة متفانية، سارت الجامعة في طريق البرء والشفاء، عبر إيران كلها، مما أصابها من خبث وعلل أوجدها ميرزا يحيى وأعوانه. لقد تطلب الأمر جهدًا كبيرًا ووقتًا طويلاً قبل أن يتمكن أحباء حضرة بهاءالله وأبطال أمره الشجعان من إزالة ما تلوثت به أذهان البابيين ونفوسهم من تأثير شيطاني، وتلفيقات وأكاذيب ومفتريات طيلة عشر سنوات. استغرقت تلك العملية، التي بدأت في عام 1864م، ما بين عامين وثلاثة أعوام، انضم خلالها معظم البابيين في إيران إلى جامعة الاسم الأعظم.

للحاج ميرزا حيدر علي ملاحظة طريفة حول عدد البابيين الذين دخلوا في ظل أمر حضرة بهاءالله. فهو يشرح بقوله أن محمدًا r والأئمة الأطهار قد


هدوا أمّة الإسلام ورعوها لمدة 260 سنة قمرية([68]) عسى أن تثمر وتؤتي أكلها بظهور القائم الموعود. ولمّا جاء حضرة الباب، الذي كان ثمرة الإسلام، في سنة 1260ﻫ ومع ذلك لم يؤمن به سوى واحد لكل مائة ألف مسلم تقريبًا، فإن حضرة الباب على نقيض ذلك، هدى أهل "البيان" لمدة ست سنوات. كما أنه بشّر باستمرار بمجيء "من يظهره الله"، وهيأ أتباعه لظهوره، وركّز انتباههم على عظمته وبهائه، وزرع بذرة حبه في قلوبهم وسقاها من سلسبيل كلماته. أخيرًا عندما أظهر حضرة بهاءالله أمره، دخل فيه وأقبل إليه قرابة تسعة وتسعين بالمائة من مجموع ملة حضرة الباب، وواحد بالمائة منعوا أنفسهم من دخول فسطاط بهائه بسبب طموحاتهم الأنانية.

كانت مهمة منيب والمبلّغين الآخرين الذين بعثهم حضرة بهاءالله إلي إيران إبان السنين الأولى لمكوثه في أدرنة، تهدف بصفة رئيسة إلى تبليغ الجامعة البابية. كما أن "سورة الأصحاب" نفسها خاطبت البابيين أساسًا، إذ خاطب حضرة بهاءالله عددًا منهم بالاسم في هذه السورة التي يكشف فيها عظمة مقامه وجلاله ويعلن عن نفسه بجلاء مظهرًا كليًا إلهيًا طبقًا لما بشّر به حضرة الباب. وفي السورة نفسها يعلن تحقق نبوءة حضرة الباب الخاصة بسنة التسع([69]) وذلك بقيامه وظهوره شخصيًا. كذلك يصرح أن بظهوره قد تحققت نفخة الصور.([70]) ثم يدعو منيب للقيام بتبليغ هذه البشارة بشجاعة وإيمان.


يبيّن حضرة بهاءالله في هذه السورة لأهل "البيان" بأنه في جوهر حقيقته كحضرة الباب، وأن حقيقة حضرة الباب عينها قد ظهرت من جديد. وعليه فإنه يؤنّبهم لعماهم عن عرفانه في ظهوره الثاني، ويلومهم لفشلهم في إدراك الإبداع والقوة التي تنبعث مما نزل من قلم وحيه في حين الذي يدّعون بأن كلمات حضرة الباب كانت بحد ذاتها حجة لإثبات أحقية رسالته، ويحذّرهم بأنهم طالما أعرضوا عنه فإنهم قد أعرضوا عن كل الظهورات السابقة بما فيها ظهور حضرة الباب.

يبلغ بيان قلم حضرة بهاءالله أوج روعته وتأثيره عند إشارته ووصفه لعظمة ظهوره. فإن جمال بيانه عند تمجيد مقامه يتحدى الوصف. بل إن مجرد تلاوة هذه الفقرات باللغة الأصلية كفيل حقًا بإيقاد نار في قلب أي إنسان مخلص طيب الفطرة، وتجعله يقر بأن ما من رجل مهما بلغ من العظمة، يستطيع أن يأتي بكلمات بمثل هذه القوة التامة والطبيعة السامية.

ففي بلاغة لا تُدانى يعلن حضرة بهاءالله بأن شمس ظهوره قد أشرقت في قطب الإمكان وتنير بضيائها كل العالم لكن معظم الناس عمي لا يبصرونها. كما يعرّف نفسه على أنه مالك الأمم ومظهر الله نفسه، ويعلن استقراره على عرش المجد، ويصرح مؤكدًا عجز كل الناس عن النيل من سلطنته، ويقرر بأن العالم ليس إلاّ حفنة تراب في تقديره، وأن كلمة واحدة منه أحلى مما نزل في ملكوت الأرض والسماء، ويثني على المؤمنين الحقيقيين الذين فازوا بالورود في محضره وشهدوا نزول آياته.

 

مقام حضرة بهاءالله

 

هناك العديد من الألواح التي أعلن فيها حضرة بهاءالله عن مقامه بعبارات مماثلة. وقد أورد حضرة شوقي أفندي في بعض مؤلفاته العديد منها ونقتبس منها ما يلي:

 

"إنه هو [حضرة بهاءالله] الذي سُمّي في التوراة بيهوه وفي الإنجيل بروح الحق وفي الفرقان بالنبأ العظيم."


"لولاه ما أرسل رسول وما نزل كتاب يشهد بذلك كل الأشياء."

 

"كلام الله ولو انحصر بكلمة لا تعادلها كتب العالمين."

 

"إن أكثر الناس لم يصلوا بعد إلى سن البلوغ، وإلاّ لفتحنا أمام وجه العباد بابًا من العلم على شأن يجد كل من في السموات والأرض أنفسهم بهذا الفضل الجاري من قلمنا أغنياء عن كل عرفان سوى عرفان الله ولاستووا على عرش الاطمئنان المقيم."

 

"قل تالله قد رقم قلم القدس من رحيق المسك على جبيني البيضا بخط أبهى أن يا ملأ الأرض والسماء إن هذا لهو المحبوب الذي ما شهدت عين الإبداع مثله ولا عين الاختراع شبهه وإنه لهو الذي قرّت بجماله عين الله الملك العزيز الجميل."

 

"لن يُرى في هيكلي إلاّ هيكل الله، ولا في جمالي إلاّ جماله، ولا في كينونتي إلاّ كينونته، ولا في ذاتي إلاّ ذاته، ولا في حركتي إلاّ حركته، ولا في سكوني إلاّ سكونه، ولا في قلمي إلاّ قلمه العزيز المحمود. قل لم يكن في نفسي إلاّ الحق، ولن يُرى في ذاتي إلاّ الله."

 

"قل إن روح القدس قد خُلِق بحرف مما نزل من هذا الروح الأعظم إن أنتم تفقهون..."

 

"ولنا علم أخرى لو نلقي على الكائنات كلمة منه ليوقنن كل بظهور الله وعلمه ويطلعن بأسرار العلوم كلها ويبلغن إلى مقام الذي يشهدن أنفسهم غنيًا عن علم الأولين والآخرين. ولنا علوم أخرى التي لا نقدر أن نذكر حرفًا منها ولا الناس يستطيعن أن يسمعن ذكرًا منها كذلك نبّأناكم من علم الله العالم الخبير."(6)

 

إن بيانات حضرة بهاءالله هذه لا يقدّرها سوى الذين عرفوا مقامه وأيقنوا بأن المظهر الإلهي وحده هو الذي يمثل الربوبية في هذا العالم. فهو يكشف عن الصفات الإلهية من كافة الوجوه ولذلك فإن مقامه أسمى بكثير من عالم


الإنسان. كما إنه ليس هناك مجال للمقارنة بين الخالق والخلق. بل في الواقع إن عالم الإمكان عدم صرف بالمقارنة مع مجد المظهر الإلهي. فهو وحده أهل لثناء نفسه وتمجيد فضائله. أمّا ما سواه فليس من يستحق التمجيد. ذلك لأن مقام الإنسان هو العبودية، وعليه فهو غير مستحق لأن يُذكر في محضر مظهر قدرة الحق وجلاله. فكما أن جمال المخلوقات وألوانها وحياتها في هذا العالم مستمدة أصلاً من أثر أشعة الشمس، كذلك فإن كمالات الإنسان وفضائله تظهر وتسطع بفضل الله المظهر الإلهي.

مع أن ظهور حضرة بهاءالله من العظمة بحيث يفوق الوصف، ومقامه من الجلال والمجد بحيث لا يحد، إلاّ أنه ينبغي ألاّ يختلط ذلك مع الله، ذات الغيب المنيع. إيضاحًا لذلك كتب حضرة شوقي أفندي ما يلي:

 

فمظهر الألوهية المنعوت به ذلك الكائن العظيم (بهاءالله)، وكامل الأسماء والصفات الظاهرة في شخصيته الجليلة يجب أن لا يُساء فهمها، ولا أن تحرّف عن حقيقتها بأي حال من الأحوال. لأنه إذا كنا مخلصين لديننا فيجب علينا أن نعرف بأن الهيكل الإنساني الذي جُعل واسطة لحمل هذه الأمانة الثقيلة يظل دائمًا في مقام هو غير مقام (روح الأرواح) و(جوهر الجواهر) بمعنى أن ذات الحق الذي لا يُدرَك ولا يُرى والذي مهما أطلقنا ألسنتنا في ذكر ألوهية مظاهره على الأرض لا يمكن بأي حال أن تتجسد ذاته المنزهة، وأن الغيب البحت المنيع الذي لا يُدرَك لا يمكن أن يُحد في حيز كائنٍ فانٍ. ويقينًا أن الله الذي يكون على هذه الصورة من التجسد يجب على ضوء تعاليم بهاءالله أن لا يظل في الحال إلهًا، وإنه لمن السخف والوهم الواضح القول بتجسيد الألوهية الذي يغاير ويتنافر مع مبدأ العقيدة البهائية. ولا يقلّ هذا القول وهمًا عن القول بمبدأ ألوهية الكون غير المقبول. وهذان المبدآن –التجسد وألوهية الكون- قد دحضتهما بيانات بهاءالله وبينت فسادهما وبطلانهما. فالذي أعلن في مقامات متعددة وبيانات شتى أن كلامه (صوت الحق ونداء الله نفسه) تفضل في "كتاب الإيقان" بقوله الأعز: (بديهي لكل


قلب بصير منير أن الله الجوهر الذي لا يُعرَف والكينونة المقدسة منزه عن كل نعت جسماني وعن الصعود والنزول والخروج والحلول... فإنه كان محتجبًا في أزلية جوهره، ويكون بمثل ما قد كان مخفيًا في حقيقته عن الأنظار... وإنه منزه عن الانفصال والاتصال والقرب والبعد... وكان الله ولم يكن معه من شيء- هذه شهادة عن هذه الحقيقة).

وفي مقام آخر عن الألوهية يتفضل بهاءالله بقوله عز بيانه (من الأزل الذي لا يُعرَف كان الله محتجبًا في حقيقة ذاته العليا، وأنه لا يزال مخفيًا إلى الأبد في سر جوهره الذي لا يُعرَف... فقد انصعق عشرات الآلاف من الأنبياء كلٌ كان موسى في سيناء البحث عن صوت الله الناهي، إنك لن تراني، بينما ربوات المرسلين كلٌ كان كالمسيح في عظمته قاموا على عروشهم المقدسة مرتاعين لصوت المنع (إن كينونتي لن تعرفها). ويتفضل بهاءالله في إحدى مناجاته بقوله الأحلى (ما أعظم حيرتي وأنا لست شيئًا مذكورًا، كلما أحاول أن أسبر عمق علمك وتذهب جهودي عبثًا عند تصور بدائع صنعك وقدرتك!) وفي مناجاة أخرى صدرت بخطه الشريف يتفضل قائلاً (يا إلهي إذا أنظر إلى نسبتي إليك أحب بأن أقول في كل شيء بأني أنا الله وإذا أنظر إلى نفسي أشاهدها أحقر من الطين!)(7)

 

من أجل إدراك دعاوى حضرة بهاءالله وتقديرها حق قدرها، فإنه من الضروري الإحاطة بمفهوم "المظهر الإلهي" وعرفان وظيفة ذلك المظهر الذي يأتي للعالم من عصر لآخر. لكن لسوء الحظ فنحن نعيش في عصر انتشر فيه الإلحاد عبر العالم كله مما جعل هذه المهمة صعبة. فنجد رؤساء الدين قد شوهوا جوهر الدين وكسفوا نوره بحيث باتت أعداد متزايدة من الناس، طيبو القلوب في غالبيتهم، متحررون من الوهم، يلتحقون بصفوف الغنوصيين والملحدين، بينما أغلب الذين يدّعون الإيمان بالله غير واثقين مما ينطوي عليه اعتقادهم. أمّا الله، كإله واحد قادر لا شبيه ولا ند له، الذي فاضت بحمده ومدائحه كافة الكتب المقدسة، فهو الآن إمّا منسيّ مغمور في الكنائس وأذهان الناس أو قد صار موضع جدل ونقاش، يحار في وصفه بشتى الطرق من قبل القلة الذين ما يزالون متمسكين


بدياناتهم القديمة المنقسمة المتفرقة. وأصبحت كلمتا "الله" و"الدين" في عصرنا هذا تحملان مدلولات غريبة، وذلك نظرًا لحقيقة أن رؤساء الدين أنفسهم قد تسببوا في طمس نور الدين الحق بممارساتهم الفاسدة وتشويههم للحقائق. وكما قال عزيز الله مصباح،([71]) أحد علماء أمر الله الكبار، في بيت من أبيات شعره المتميز بالعمق والبساطة ضمن مجموعة أشعاره وتأملاته النفيسة:

 

"لو لم يدعُ المطارنة أوهامهم دينًا لما دعا الفلاسفة الدين وهمًا."(8)

 

وفي موضع آخر كتب يقول:

 

"هناك من يعبد الله رغم تعلّق قلبه بصنم، وهناك من يسجد لصنم في حين أن قلبه ثمل بخمر وحدانية الله."(9)

 

لقد حذّر حضرة بهاءالله في كثير من ألواحه من أن قوى الإلحاد واللادينية ستعم الدنيا قبل الاستتباب التام لأمره في الأرض. فيما يلي إحدى بياناته بهذا الخصوص:

 

"إن جوهر الإيمان يموت في كل بلد على شأن لا يعيده إلاّ دواؤه الناجع. إن صدأ الإلحاد ينخر في عظام البشر هل لغير إكسير أمره أن ينظّفه ويحييه؟"(10)

 

لم تنأ الإنسانية فقط عن صراط الإيمان وتهيم في ضلال الغي والكفر، بل قد قطعت حبل الوصل بالدين قطعًا تامًا.

إن لب الدين يتمحور حول المظاهر الإلهية،([72]) مؤسسي أديان العالم الكبرى. لكن إحدى أعظم العقبات التي تحول دون إقبال الناس واعترافهم بهم هو أنهم يظهرون كأناس عاديين خالين من العلوم المكتسبة والسلطة الدنيوية. فلما رأى الناس ضعفهم وذلتهم الظاهرة هذه جنح أغلبهم نحو إنكارهم والإعراض عنهم.


إلاّ الذين أوتوا بصائر روحانية تمكنوا من مشاهدة سر العظمة المستورة خلف هياكلهم البشرية. هذه سنّة الله التي بها يفرق بين الخير والشر في هذه الدنيا. إن أحد المبادئ المسيّرة في الخليقة هي أن الإنسان لن ينال عطايا الله ما لم يكتسب استعدادًا لذلك. وأعظم عطية هي عرفان المظهر الإلهي، وهذا ليس بعطاء يُمنح للإنسان دون مقابل، بل عليه أن يسعى لنيله بواسطة تطهير مرآة قلبه لتنعكس فيها شمس الحقيقة. إن الظروف الشخصية لمظاهر أمر الله، الذين ادّعوا، على عكس ما ظهروا عليه من افتقار لكل عظمة أو تفوق دنيوي، بأنهم خلفاء الله في الأرض، تصبح علة إعراض المنكرين عن الإيمان بهم.

يصرح حضرة بهاءالله في أحد ألواحه:

 

"إن سماء الحقيقة قادر ومقتدر أن يرسل كافة الناس من شمال البعد والهوى إلى يمين القرب واللقاء. لو شاء الله ليكون الناس أمة واحدة. ولكن مقصده تعالى صعود الأنفس الطيبة والجواهر المجردة التي وردت بفطرتها الأصلية على شاطئ البحر الأعظم حتى يفصل طالبي جمال ذي الجلال عن العاكفين في أمكنة الضلال والإضلال ويتميزون عنهم. كذلك قدّر الأمر من قلم عز منير...

وكذلك فإن سبب عدم ظهور مظاهر العدل ومطالع الفضل بأسباب القدرة الظاهرية والغلبة الملكية، كانت شؤونات الفصل والتمييز، إذ إنه لو يظهر جوهر القدم على ما كان عليه وتجلّى بكامل بهائه لما كان هناك مجال لأحد للإنكار والإعراض ولانصعق جميع الموجودات من مشاهدة أنواره بل لأصبحت فناء محضًا. إذًا كيف يفصل في هذا المقام بين المقبل إلى الله والمعرض عنه؟"(11)

 

ويشهد حضرة بهاءالله في لوح آخر(12) بأن لو شاء المظهر الإلهي لتمكن بكلمة واحدة من قهر العالم وامتلاك قلوب كل سكانه. ولو حصل ذلك لأقرّ كل واحد بأحقيته، لكن لن يكون هناك فضل في اعتراف كهذا. يبيّن حضرته بأن الله يمتحن أفئدة عباده ليميّز الطيب من الخبيث ويفرق الحق عن الباطل.


وتحقيقًا لذلك يقوم مظاهره (رسله وأنبياؤه) أحيانًا بالكشف عن آيات عظمته ومجده واقتداره ويمسكون عن ذلك أحيانًا أخرى. فهناك دلائل تشير إلى حقيقة أن حضرة بهاءالله، في مناسبات عديدة، تعمّد إخفاء آيات وبراهين علمه وقدرته المحيطة بالعالمين وذلك كامتحان لمن كان يعنيه الأمر. وكأنه كان يسدل حجابًا أمام مجده وعظمته بحيث يبدو للذين عميت أبصارهم كإنسان عادي.

إن الامتحانات التي تصاحب مجيء المظهر الإلهي هي من الشدة والجسامة بحيث يجد حتى أولئك الذين اعترفوا به وادّعوا الولاء لأمره أنفسهم غير قادرين على مواجهتها وتحمّلها، فيذبل إيمانهم وينعدم في النهاية. وهناك آخرون يدفعهم الغرور والطموح ابتغاء ما للمظهر الإلهي من سطوة وغلبة. بعض الأشخاص المشهورين ممن اتصلوا بحضرة بهاءالله وشهدوا بعظمته، سعوا واهمين للارتقاء إلى مقامه. إن علة عماهم أنهم افتخروا بما حققوه من منجزات شخصية.

إن المقام الذي قُدّر للمظهر الإلهي ممتنع الإدراك من قبل الإنسان العادي. فهو (المظهر) يعيش في عالم أسمى من كل الكائنات. لكنه حين إظهار نفسه للبشر، لا مفر له إلاّ إبلاغ رسالته بلغة القوم (المرسل إليهم). إلاّ إنه بسبب قيامه بذلك يُنظر إليه كإنسان عادي خال من خوارق القوى السماوية.

يذكر حضرة بهاءالله في أحد ألواحه(13) بأن الناس مبتلون بعلة صعبة الشفاء، ألا وهي أن الذين اكتسبوا شيئًا يسيرًا من الفهم والمعرفة يعتبرون المظهر الإلهي مشابهًا لهم. فهم يقيّمونه وفقًا لمعاييرهم ولذلك يفشلون في تقدير مقامه. يؤكد حضرته أن هناك العديد من الناس في هذا اليوم مصابون بهذا الداء. ولذا فإنه يدعو الله ليزيل عن بصائرهم ذلك الحجاب حتى يعرفوا قدرهم ويتمكنوا من التمييز بين حقيقة أمره وشؤون غيره من العباد.

ففي "سورة الأصحاب" يصرح حضرة بهاءالله بأنه لن ينفع الإنسان في هذا اليوم سوى حبه إياه. لكن هذا الحب لا يمكن خلقه في أفئدة البشر إلاّ إذا تجردوا عن كل الأشياء. حينئذ فقط، يؤكد حضرته، تضيء قلوبهم أنوار جماله الساطعة. وفي "الكلمات المكنونة" يبيّن ذلك:


"يا ابن الروح

في أول القول املك قلبًا جيدًا حسنًا منيرًا لتملك ملكًا دائمًا باقيًا أزلاً قديمًا."(14)

 

مخاطبًا البابيين في "سورة الأصحاب"، يحذّر حضرة بهاءالله بقوله أن ليس اليوم يوم السؤال، إذ قد جاء من كان مستورًا عن أعين الخلق منذ الأزل. كما يؤنّبهم لتوقّفهم عن الاعتراف بعظمته وقدرته. وفي إشارة للقوة الخلاقة المُوهَبة ﻠ"من يظهره الله" التي وردت ضمن كلمات حضرة الباب، يقرر حضرة بهاءالله أن كافة الممكنات قد خُلقت بكلمة من فمه ويؤكد بلغة تحدٍّ أن ليس في الوجود كله من يقدر على القيام والتفوّه بكلمة في محضره. ويشهد بأن كل نفس قد خضعت تلقاء ظهورات سلطنته. ثم يختم بهذا التحدي المثير:

 

"قد كُنز في هذا الغلام من لحن لو يظهر أقل من سَمّ الإبرة لتندك الجبال وتصفر الأوراق وتسقط الأثمار من الأشجار وتخر الأذقان وتتوجّه الوجوه لهذا المَلِك الذي تجده على هيكل النار في هيئة النور ومرةً تشهده على هيئة الأمواج في هذا البحر الموّاج ومرةً تشهده كالشجرة التي أصلها ثابت في أرض الكبرياء وارتفعت أغصانها ثم أفنانها إلى مقام الذي صعدت عن وراء عرش عظيم."(15)

 

في ألواح أخرى توجد بيانات مشابهة. فمثلاً يعلن حضرة بهاءالله في "الكتاب الأقدس":