ظهور حضرة بهاءالله

 

المجلد الأول

 

بغداد 1853 - 1863م

 

 

تأليف

أديب طاهرزاده

 

 

 

عرّب بإشراف لجنة مختصة في الأردن


صفحة خالية
ظهور حضرة بهاءالله

المجلد الأول

من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل

رضوان 157ب، نيسان 2000م


صفحة خالية

مؤلفات أخرى بالإنجليزية لنفس المؤلف:

- أمناء الرحمن - دار النشر البهائية - لندن 1972م.

- ظهور حضرة بهاءالله - أدرنة، 63-1868م.

- ظهور حضرة بهاءالله - عكاء، السنوات الأولى، 68-1877م.

- ظهور حضرة بهاءالله - المزرعة والبهجة، 77-1892م.

- ميثاق حضرة بهاءالله.


صفحة خالية

إلى تلكم النفوس النيّرة من المهاجرين والمبلّغين البهائيين

في أرجاء الأرض الذين أنفقوا حياتهم وكلّ ما لهم

في سبيل حضرة بهاءالله


"لوح ملاح القدس"

لحضرة بهاء الله بخط يد حضرة عبدالبهاء


 

المحتوى

     المحتوى

     فهرس الصور

     تعريف

     توطئة

     توضيح

     تمهيد: المظاهر الإلهية

ط

م

س

ف

ق

1

1   ميلاد الدين البهائي

7

 

 

2   حضرة بهاءالله في المنفى

13

 

 

3   الكلمة الإلهية

          الكلمة الإلهية منزهة عن المعرفة المكتسبة

          ظهور حضرة بهاءالله وجوهر رسالته الإلهية

          القوة الخلاقة للكلمة الإلهية

          الكلمة الإلهية أصل المعرفة

          القلم الأعلى

          أصالة الكلمة الإلهية

          المعرفة الحقيقية

19

19

22

31

33

35

41

44

 

 

4   أول فيوضات القلم الأعلى

          قصيدة "رشح العماء"

          مدينة طهران

          أخوات حضرة بهاءالله

          مناجاة أنزلت أثناء مغادرة حضرة بهاءالله بلاد فارس

47

47

49

51

52

 

 

5   بواكر الألواح النازلة في العراق

          الظروف المحيطة بساعة الوحي

55

55


 

 

          "لوح كل الطعام"

          بعض الألواح المنزلة في كردستان

          يوم الله

          رجوع حضرة بهاءالله إلى بغداد

صفحة

58

63

67

70

 

 

6   الكلمات المكنونة

73

 

 

7   من أوائل المؤمنين

          الملا رضا من أهالي "محمد آباد"

          النبيل الأكبر

87

87

95

 

 

8   "الوديان السبعة"

          السيد إسماعيل الزواري -الملقب بالذبيح-

          "الوديان الأربعة"

101

106

108

 

 

9   بعض الألواح البارزة

          "الصحيفة الشطية"

          "مدينة الرضا"

          "مدينة التوحيد"

          "سورة القدير"

          "لوح الحروفات العاليات"

          "لوح الحورية"

          "لوح آية النور"

          "لوح الفتنة"

          "سورة النصح"

          "لوح شكر شكن شوند"

          "لوح جواهر الأسرار"

111

111

114

115

125

128

130

131

134

144

155

159

 

 

10 "كتاب الإيقان"

          الظروف المحيطة بنزول "كتاب الإيقان"

          أهمية "كتاب الإيقان"

          المواضيع الرئيسة في "كتاب الإيقان" (القسم الأول)

               أسباب اعتراض الإنسان على رسل الله

161

161

168

171

172


 

 

               علامات رجوع السيد المسيح

               تفسير العبارات الرمزية

               أسباب أخرى لاعتراض الناس على الرسل

          مواضيع رئيسة (القسم الثاني)

               كينونة الله ومظاهر نفسه

               سلطنة الرسل

               معنى "الحياة" و"الموت" و"البعث"

               حجاب العلم

               الباحث الحقيقي

               براهين على صدق رسالة حضرة الباب

               حضرة بهاءالله يستبق إعلان ظهوره

صفحة

174

175

181

185

185

191

194

196

197

200

206

 

 

11 شخصيات أخرى من أوائل المؤمنين

          الحاج ميرزا محمد تقي أفنان

          النبيل الأعظم

          أصحاب حضرة بهاءالله

209

209

213

218

 

 

12 اقتراب الإعلان عن رسالة حضرة بهاءالله

          "لوح سبحان ربي الأعلى"

          "لوح غلام الخلد"

          "لوح حور عجاب"

          "لوح أز باغ إلهي" (من البستان الإلهي)

          قصيدة "هلة هلة يا بشارت"

223

224

226

232

233

234

 

 

13 الأحباء والخصوم

          الحاج السيد جواد الكربلائي

          بعض الأعداء الأقوياء

237

237

241

 

 

14 "لوح ملاح القدس"

          ألواح أخرى نزلت في هذه الفترة

245

259

 

 

15 ميرزا يحيى والسيد محمد الإصفهاني

261


 

 

16 إعلان دعوة حضرة بهاءالله في حديقة الرضوان

          نفوذه بين أهالي بغداد

          عيد الرضوان المبارك

          "لوح أيوب"

          مغزى عيد الرضوان

          ثلاثة بيانات هامة لحضرة بهاءالله

          نبوءات حضرة الباب تتحقق

          مغادرة حضرة بهاءالله حديقة الرضوان

صفحة

273

273

275

280

290

294

297

297

 

 

17 الرحيل إلى الآستانة

299

 

 

18 "من يظهره الله"

311

 

 

     الملحق رقم 1 : ميرزا آقا جان

     الملحق رقم 2 : الحاج محمد طاهر المالميري

     الملحق رقم 3 : وحيد

     الملحق رقم 4 : الحاج ميرزا كريم خان

331

337

343

351

 

 

     مسرد الكتب والمراجع

     المصادر

     الفهرس

355

363

375


 

فهرس الصور

 

"لوح ملاّح القدس"

     لحضرة بهاءالله، بخط يد حضرة عبدالبهاء

مطلع الكتاب

 

مقابل صفحة

حضرة عبدالبهاء

     مركز العهد والميثاق، صورة أخذت في أدرنة

16

 

 

بهائية خانم

     الورقة المباركة العليا، ابنة حضرة بهاءالله صورة أخذت في حدود عام 1895م

17

 

 

ميرزا موسى، ملقب بـ"آقاي كليم"   الأخ المخلص لحضرة بهاءالله، وأبرز حوارييه

50

 

 

ميرزا محمد قلي

     الأخ الأصغر لحضرة بهاءالله، المخلص الثابت على دين حضرته

51

 

 

أختام حضرة بهاءالله

     معروضة بتنسيق فارسي منمّق (نقلا عن مجلد "العالم البهائي")

82

 

 

ميرزا زين العابدين

     كاتب وحواري حضرة بهاءالله، لقّبه حضرته بـ"زين المقربين"

83

 

 

ورقة من لوح بخط كاتب الوحي ميرزا آقا جان

     الكلمات الأولى تدل أن الفقرة هي "التجلي الثالث" من "لوح التجليات"

116


 

بعض الأسطر من كتابة الوحي

     مكبرة عن الصفحة السابقة

بين الصفحات

116-117

 

 

ميرزا حسين الإصفهاني

     ملقب بـ"مشكين قلم". خطّاط مميز من حواريي حضرة بهاءالله

مقابل صفحة

117

 

 

الحاج محمد طاهر المالميري

     مؤرّخ ومبلّغ للأمر، والد المؤلف اقتبست بعض مذكراته في هذا الكتاب

150

 

 

لوح لحضرة بهاءالله

     بخط يده المباركة، موجّه إلى الحاج محمد طاهر   المالميري (انظر صفحة 39)

151

 

 

الملاّ محمد رضا من بلدة "محمد آباد"

     أحد أبطال الأمر البارزين

184

 

 

الملاّ محمد القائني

     مبلّغ واسع المعرفة، من حواريي حضرة بهاءالله   لقّبه حضرته بـ"النبيل الأكبر"

185

 

 

الشيخ سلمان

     حامل ألواح حضرة بهاءالله، الذي لم يعرف التعب

218

 

 

الحاج ميرزا محمد تقي أفنان

     ابن خال حضرة الباب، ومن أتباع حضرة بهاءالله المشهورين

219

 

 

الملاّ محمد الزرندي

     المؤرخ، من حواريي حضرة بهاءالله، وشاعره ملقب بـ"النبيل الأعظم"

252

 

 

الحاج السيد جواد الكربلائي

     أحد "مرايا" الدورة البابية، ومن أتباع حضرة بهاءالله البارزين

253


 

تعريف

 

    زينت متن هذا الكتاب مقتبسات من آثار حضرة الباب وحضرة بهاءالله وردت في مصادر مبينة في المراجع والمخطوطات. وهناك الكثير من المقتطفات الأخرى بالفارسية جاءت في المخطوطات قمت بترجمتها ما لم أشر إلى غير ذلك. أما الحواشي فهي صياغتي عدا واحدة أشرت إليها. والآيات البينات المقتبسة من القرآن الكريم ثبتت أرقامها كما وردت في الطبعة العربية. وكتبت الأسماء الفارسية والعربية كما وردت في المراجع البهائية، أما المقتطفات فقد وضعت كما جاءت في الأصل. ولمساعدة القارئ، أشرت أحيانا إلى بعض الشخصيات الإيرانية المعروفة بألقابها بدل أسمائها، ويستطيع القارئ المهتم أن يجدها في الفهرس.

 

    نادرا ما رغب المؤمنون الأوائل في أن تؤخذ لهم الصور الفوتوغرافية الفردية، ولكن في بعض المناسبات أخذت لهم بعض الصور الجماعية، ومن هذه الصور الجماعية استخرجنا لهذا الكتاب بعض الصور الفردية. وإنني على يقين بأن أهميتها التاريخية تفوق كونها باهتة غير واضحة. وأدين بالامتنان لقسم السمعيات والبصريات في المركز البهائي العالمي لتزويدي بأغلب الصور الفوتوغرافية هذه. ولا بد لي أن أذكر أن إحدى هذه الصور جاءتني من المحفل الروحاني المركزي للبهائيين في إيران، واستطاع السيد روحي شكيبائي أن يستخرج صورة عنها بمنتهى المهارة.

 

    وأقدم شكري الجزيل للمحفل الروحاني المركزي للبهائيين في


إيران ودار الطبع والنشر في كل من لندن وويلمت/ إيلينوي على تعاونهم والسماح لي بالاقتباس من منشوراتهم. وأسجل امتناني للسيدة لورا دريفوس بارني لسماحها لي بالاقتباس من كتابها "مفاوضات عبدالبهاء".

 

    وأرغب في تسجيل تقديري العميق للسيدة ماريون هوفمن، التي قامت على مراجعة الكتاب، فكان لنصائحها في كل مرحلة من مراحل إعداده للطبع ما أغناه مبنى ومعنى. كما أخص بالشكر كُلاّ من جوزيف داتسون على قراءته معظم مخطوطات هذا الكتاب وعلى مقترحاته القيمة، والآنسة روزماري ماجيل على مراجعتها الدقيقة للمقتبسات وعلى خدماتها في تصحيح مسودات الطباعة، والسيد بول رينولدز الذي أعد الفهرس بكفاءة كبيرة، والسيدة جاكلين مهرابي التي حولت المسودة إلى مخطوطة مطبوعة أنيقة، وإلى السيدة فرانسيس بيرد للمساعدة في الطباعة الإضافية، والآنسة ماري بيركنز والسيد جون كوتس على قراءتهما مسودة الطباعة بعناية فائقة.

 

    وأخص الصديق الحميم السيد أ. ز. وايتهيد بالامتنان العميق على اهتمامه المستمر وتشجيعي.

 

    وأخيرا وليس آخرا أود أن أعبر عن عميق شكري لزوجتي لزلي على حماسها المتفاني ودعمها المستمر والتي لولاها كان إخراج هذا الكتاب إلى حيز الوجود يغدو أكثر صعوبة.

 

نيسان / إبريل 1974م

أديب طاهر زاده


توطئة

 

    في لغة تعجز عن إيفاء الموضوع حقه، نحاول في هذا الكتاب تقديم وصف، مهما يكن غير كامل، لرسالة حضرة بهاءالله، وهي أسمى ظاهرة روحانية شهدها عصرنا الراهن. فالكلمة الإلهية الخلاقة تعم البشرية عن طريق أنبياء الله ورسله. وما حضرة بهاءالله إلا مظهر هذه الكلمة الإلهية في يومنا هذا، فأتباعه الذين لا حصر لهم في العالم يؤمنون بأنه صاحب أحدث الرسالات السماوية التي تعاقبت على البشرية حتى الآن. ويعتقد هؤلاء أيضا بأن آثار حضرة بهاءالله الفارسية والعربية، المدونة نقلا عنه أو المكتوبة بخط يده، والتي وثقها هو بنفسه إبان حياته، هي آثار دينية مقدسة. ويجدر بالذكر هنا أنه يشار لهذه الآثار أحيانا بعبارة "الألواح المباركة".

 

    ولتوضيح كيفية نزول بعض ألواح حضرة بهاءالله والظروف التي نزلت فيها طوال أربعين عاما من ولايته، كان من الضروري سرد جانب من تاريخ حياته الطاهرة، والإشارة إلى سير بعض صحابته وأتباعه من الذين خاطبهم في ألواحه، أو إلى أولئك الذين تأثروا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالفيض المدرار من آثاره المباركة، بالإضافة إلى أولئك الذين قاموا على كتابة وحيه، ونسخ ألواحه، وتوزيعها بين أتباعه. كما وجبت الإشارة أيضا إلى أولئك الذين بشروا برسالته في رحاب الأرض التي ولد فيها والأقطار المجاورة لذلك الوطن. ولقد اعتمد المؤلف في هذا الكتاب على الروايات والقصص التي تركها لنا هؤلاء فقام على ترجمة معظمها بنفسه.


    هذا الكتاب هو الأول في سلسلة من الكتب تحتوي على مجلدات أربعة، الهدف منها رصد أشهر ما صدر من يراع حضرة بهاءالله إبان فترة ولايته. ولا يُعنَى هذا المجلد الأول إلا ببعض من الألواح التي أنزلها حضرة بهاءالله في العراق أثناء السنوات العشر التي قضاها هناك. ومما لا ريب فيه أنه يستحيل علينا وصف كل لوح من الألواح التي نزلت من قلمه الأعلى آنذاك، كما هو الحال بالنسبة للألواح النازلة في أية فترة أخرى. فالوحي الذي اختص به كان فيضا غزيرا مثيرا للإعجاز لدرجة أنه يستحيل على أحد الإلمام بأطرافه، وتصبح أية محاولة للإحاطة بذلك الفيض محاولة يائسة، تماما كمن يحاول جمع مياه بحر واسع لا قرار له في وعاء ضيق محدود.

 

    وحيث أن معظم الآثار المباركة الصادرة من قلم حضرة بهاءالله لا تزال غير مترجمة حتى الآن، يجد المؤلف نفسه أمام مهمة بالغة الصعوبة مستحيلة التحقيق، وهي مهمة القيام بالتعبير، ولو بلغته القاصرة، عن جانب من تلك الروح الحقيقية والمشاعر الأصيلة الكامنة في تلك الآثار. فمدارك الإنسان ورؤيته للأشياء تعجز عن ذلك، وتستحيل هذه المهمة عليه نسبة لما تتمتع به آثار حضرة بهاءالله من سعة ونفوذ وأهمية لا حد لها ولا حصر. ولكن إذا تم لهذا الكتاب أن يعكس ولو بصورة ضئيلة، قبسا من روعة تلك الآثار وعظمتها، فإنه يكون بذلك قد حقق جزءا مما كان يهدف إليه أصلا.


توضيح

 

    قامت اللجنة المكلفة بتعريب الكتاب على إخراج النصوص الأصلية العربية المتوفرة (وهي مطبوعة بخط عريض) بما فيها آيات القرآن الكريم والكتاب المقدس والأحاديث النبوية الشريفة. أما النصوص الفارسية فقد عربت من الأصل الفارسي مباشرة عندما لم يتوفر تعريب لها في الكتب الأمرية، ويشار إلى أرقام تلك المقتطفات أو تفاصيلها أدناه(1) مع رقم الفصل بين قوسين. وقد تم نقل النصوص والمقتطفات المتوفرة في المصادر المذكورة في بند "مسرد الكتب والمراجع" كما وردت دون تعديل يذكر. وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض النصوص المباركة لحضرة الباب وحضرة بهاءالله التي اقتبست من تلك المصادر لم تميز فيها إن كانت نصوصا أصلية أم معربة، فطبعت هذه بالخط العريض أيضا.

 

    وقد عملت اللجنة على الالتزام بتعريب متن الكتاب ونقل المقتطفات كما وردت في الطبعة الإنجليزية الأصلية، عدا بعض المواقع، خاصة المقتطفات المقتبسة في "كتاب الإيقان" فقد أكملت بالآيات القرآنية في بعض الأحيان عندما وجد ذلك يتناسب مع السياق وفق ما ورد في "كتاب الإيقان" العربي.

__________________________________________________________

(1) 5 و 6 (4)، 2 (6)، 4 (14)، 1 و 2 و 3 (15).

البيانات المباركة المقتبسة من كتاب "ظهور العدل الإلهي" (الطبعة الفارسية) المتبوعة بأرقام صفحات من ذلك الكتاب، والواردة في الفصل 14.

    بيانان لحضرة بهاءالله في مطلع الكتاب.


    وفي متن الكتاب تشير الأرقام الصغيرة في قوسين (مرتفعة قليلاً)، إلى الهوامش المبينة في نفس الصفحة تحت خط. أما الأرقام الكبيرة في قوسين فتشير إلى المصادر المبينة في الصفحات 363-374.

 

نرجو أن نكون قد وفقنا في هذا العمل الذي شرعنا به بعد التماس موافقة المؤلف السيد أديب طاهر زاده، الذي أكرمنا بعبارات التشجيع والدعوات المخلصة لإتمام هذا الجهد المتواضع.

 

شباط (فبراير) 1997م                                                          لجنة الترجمة

 

كلمةُ الناشر

 

    يسرّنا أن نضع بين أيدي القرّاء الأعزّاء التّرجمة العربيّةَ للجزء الأوّل من كتاب "ظهور حضرة بهاءالله" الّذي كان المغفور له السّيّد أديب طاهر زاده قد قام بتأليفه. وإنّه من دواعي الحزن أن تشأ الأقدار أن تكون المنيّة قد وافت المؤلّف قبيل صدور هذه التّرجمة التي نعتبرها إهداءً لذكراه العطرة. ونوّد أيضاً أن نقدّم شكرنا لجميع الأحبّاء الّذين ساهموا في ترجمة الكتاب وتهيئته للطّبع، كما يسرّنا أن نذكر هنا بأن التّرجمة العربيّة للأجزاء الثّلاثة المتبقّية جاهزةٌ ونأمل أن تُنشر تباعاً في وقت قريب إنْ شاء الله. ونسأل ربّنا البهيّ الأبهى أن يشمل أحبّاءه بالتّوفيق والتّأييد في جهدهم للتعمّق في حقائق أمره المبين.

النّاشر


 

    بحركة من القلم الأعلى تشاهد روحاً جديدة من المعاني في أجساد الألفاظ بأمر الآمر الحقيقي، وترى آثارها في جميع الأشياء في العالم ظاهرة باهرة.

بهاءالله

 

 

    قد تنور العالم اليوم بأنوار الظهور، وتصدح جميع الأشياء بالذكر والثناء والفرح والسرور. وتحتفل الكتب الإلهية السابقة بذكرى هذا اليوم المبارك. طوبى لنفس فاز به وأدرك مقامه.

بهاءالله

 

 

    تمضي القرون وتنتهي الدهور وتنقضي آلاف الأعصار حتى تطلع شمس الحقيقة في برج الأسد وتسطع من دارة الحمل.

عبدالبهاء


تمهيد

 

المظاهر الإلهية

 

    أكّد الأنبياء ومؤسسو الأديان العظيمة لأتباعهم وجود الله وقادوهم إلى حبه وعبادته. وبذلك، ومنذ آلاف السنين وعبر العصور المختلفة إلى يومنا هذا، فقد أحاطت مجهودات الإنسان في فهم خالقه أنوار تعاليم أولئك المؤسسين الإلهيين العظام ونمط حياتهم.

 

    ولم يحظ تاريخ الأديان في السابق بمثل ما ألقته تعاليم حضرة بهاءالله من أضواء على هذا الموضوع، ففيها يؤكد أن الله سبحانه وتعالى -خالق هذا الكون- يسمو فوق خلقه، وأن الإنسان، كونه مخلوقا، لا يمكن له أن يسمو إلى تلك المراتب التي تجعله يفهم جوهر خالقه. فأي وصف أو صورة أو تشبيه قد ينسب إلى جوهر الله أو طبيعته لا يمكن أن يعتبر إلا من مخيلة الإنسان. فكيف يمكن للعقل المحدود أن يدرك اللامحدود؟ يؤكد حضرة بهاءالله: "ومن الواضح لدى أولي العلم والأفئدة المنيرة أن غيب الهوية وذات الأحدية كان مقدسا عن البروز والظهور، والصعود والنزول والدخول والخروج، ومتعاليا عن وصف كل واصف وإدراك كل مدرك... لأنه لا يمكن أن يكون بينه وبين الممكنات بأي وجه من الوجوه نسبة وربط وفصل ووصل أو قرب وبعد وجهة وإشارة."(1)

 

    ولكن الله الذي لا يُدرك كنهه أظهر صفاته بكل جلاء في الخليقة التي لا حدود لها، سواء مادية كانت أم روحية. فالجماد -وهو أدنى مراتب الحياة ومحور كافة أشكالها- تظهر فيه بعض


الصفات الإلهية بتجليات في أدنى مستوياتها. فقوة التماسك في المعادن مثلا في حقيقتها هي تجلي المحبة الإلهية في عالم الجماد.

 

    والنبات الذي يمد جذوره بقوة داخل التربة ليأخذ من عالم الجماد حياته ونموه، يعلوه رتبة بقوته النامية وتتجلى فيه الصفات الإلهية بشكل أكمل وأجلى. فالبذرة والزهرة والثمرة كلها مظاهر القدرة الإلهية في عالم التراب.

 

    ويأتي في الرتبة التالية عالم الحيوان وهو المسيطر على عالمي الجماد والنبات. ففيه نجد بعض الصفات الإلهية بدرجة أرقى. فإلى جانب قوتي التماسك والنمو أضيفت قوة الإحساس. وما قوة السمع والبصر إلا انعكاسات غير متكاملة في هذا العالم الأرضي لصفات الله السميع البصير.

 

    أما الإنسان، وهو بالجسد حيوان، فقد وُهب كافة الصفات الإلهية وهو يظهرها بمستوى أسمى بكثير من الحيوان، فهو أوج الخليقة والهدف منها والمهيمن على سائر أشكال الحياة في هذا العالم. ومع أنه خلق على صورة الله ومثاله وفيه كنزت صفاته تعالى كلها، فلا يمكنه أبداً تجاوز رتبته المحدودة التي فرضها عليه الخالق.

 

    ولا يقف ظهور الصفات الإلهية عند هذا الحد. فالدرجة التالية منه تظهر في أنبيائه ورسله. فمع أنهم متشابهون في أجسامهم وأرواحهم مع باقي البشر إلا أن رسل الله موهوبون إضافة إلى ذلك بالروح الإلهية، ولهذا تظهر الصفات الإلهية في تلك الوجودات المقدسة على أكمل صورة وأتم وجه. فوصفهم حضرة بهاءالله في آثاره بـ"المظاهر الإلهية".

 

    في عالم المخلوقات الواسع لا يمكن للمخلوقات الدنيا إدراك


ما فوقها. فعالم النبات لا يدرك وجود عالم الحيوان أو يعرف خصائصه، ولا يقدر الحيوان أن يحيط بالقدرات المتعددة للعقل الإنساني. وكذلك الحال بالنسبة للإنسان، فهو لا يمكن أن يأمل في الوصول إلى حقيقة مراتب المظاهر الإلهية بجهوده الشخصية، ولا يتسنى لأي عقل مهما كان لامعا أن يرتقي إلى تلك المراتب العليا بحيث يدرك فيها جوهرهم أو خاصيتهم.

 

    فمظاهر أمر الله بالروح القدس المتجلية فيهم يعيشون في عالم يسمو على عالم الإنسان وفي قبضتهم مصير البشرية، ومع أنهم في طبيعتهم الإنسانية بشر، إلا أنهم يسكنون عوالم الروح التي لا يرقى إليها أي كائن. ويصفها حضرة بهاءالله بـ"سدرة المنتهى".

 

    في الحقبة المعروفة من تاريخ البشرية ظهر قليل من مظاهر أمر الله الذين أطلوا في فترات متعاقبة امتدت كل واحدة منها ألف سنة تقريبا. فكريشنا وبوذا وزرادشت وموسى والمسيح ومحمد والباب وبهاءالله، كل كان مرآة صافية عكست الأنوار الإلهية المتجلية فيها، فأسس كل منهم لقومه شريعة قدسية وتكلموا بما لديهم من سلطة ربانية. فكل واحد كان سلطان دورته، وتعاليمه أضحت روح العصر وظهرت على قدر استعداد البشرية آنذاك، وأطلق فيها قوى روحانية هدفها دفع روح الإنسان في رحلتها نحو الله.

 

    فالكائنات قاطبة على اختلاف أنواعها -محسوسة كانت أم غير محسوسة- تظهر للوجود بغرس بذرة في أرض خصبة. وهذا نهج للخليقة لا يستثنى منه حتى الديانة السماوية نفسها.

 

    لنتصور نجارا اختار قطعة من الخشب ليصنع منها منضدة. فالقطعة بمثابة الأرض الخصبة وعقل النجار وفنه هما البذرة


الحاملة للحياة. يؤتي التفاعل بين الاثنين ثمرة هي المنضدة التي تجمع بين التناسق والجمال والشكل -وهي صفات البذرة- واللون والمتانة والنوعية من صفات الأرض الخصبة -أي قطعة الخشب.

 

    وبالمثل تولد الحضارة، حيث يلعب فيها مؤسسها دور الأب الذي ينقل أفكاره ومبادئه إلى مجتمع ما، بينما يمثل ذلك المجتمع دور الأم، فبالعلاقة الروحية بين المؤسس والمجتمع تولد الحضارة التي تعكس الخصائص المميزة لمؤسسها ولذلك المجتمع الذي ولدت منه.

 

    فبالعلاقة الروحية بين الله وشخص مظهر أمره تنزل الديانة السماوية، وبالحكمة الإلهية المستورة يختار مِن عباده من يجعله مهبط فيوضاته، فيطلق فيه قوى روحانية قدسية تجعل منه قطب نكران الذات في ذات الله ومحور فناء الإرادة في إرادة الحق، ليكون لائقا لتلك الطاقات الروحية.

 

    عندما تؤسس هذه العلاقة يتم الحمل بطفل الدين الجديد، ثمرة ذلك الوصال الروحاني بين الخالق وعبده المختار الناطق بلسانه. وعند تمام الوقت تتم الولادة بإعلانه الشريعة السماوية الجديدة للبشرية. فقد أعلن حضرة الباب عن مقامه مبشرا بمن يظهره الله بعد سنة تقريبا من اختياره لهذه المهمة الإلهية. أما حضرة بهاءالله فقد انتظر عشر سنوات ليعلن عن رسالته.

 

    كل رسالة سماوية تكتنز في شرعتها خصائص إلهية مميزة في تعاليم روحانية خالدة من جهة، وخصائص مظهره مميزة بتعاليم إنسانية واجتماعية تختلف من عصر لآخر من جهة أخرى. فمجيء الظهور الإلهي الجديد يطلق في هيكل البشرية قوى روحية تهبه إمكانات وقدرات جديدة وتمكّنه من إحراز مرتبة أعلى من التطور الروحي والمادي مثلما تهب أشعة الشمس الطبيعة في


الربيع حياة جديدة.

 

    وكونه المظهر الإلهي لهذا العصر، فقد أطلق حضرة بهاءالله في عالم الإمكان قوى العالمية وقوى وحدة العالم الإنساني، وهي في حد ذاتها تشكل ضغطاً على الإنسانية يزداد يوماً بعد يوم. فأولئك الذين عرفوا حضرة بهاءالله واتبعوه، يجدون أنفسهم مدفوعين قدما بقوة خفية وفي الاتجاه ذاته لقوى الوحدة والاتحاد، لينفذوا مهمتهم في بناء صرح نظامه العالمي الجديد للبشرية جمعاء. وهنالك من يعارض هذه القوى -عن إدراك أو جهل- وهم يؤلفون غالبية البشر بحكامههم وحكمائهم الدنيويين الذين أثاروا في مجتمعاتهم المختلفة قوى الصد والاعتراض الهدامة بطبيعتها، وعليها تقع مسئولية تصدع أركان النظام القديم.

 

    واليوم، فإن ظهور حضرة بهاءالله قد وهب الإنسانية إمكانات وقدرات هائلة وهي الإمكانات والقدرات التي سوف تسمو بالروح البشرية -عند تمام الوقت- إلى أعلى المراتب، وتؤسس ملكوت الله على الأرض تحقيقا لوعود أنبياء الله ورسله منذ القدم.


صفحة خالية
الفصل الأول

 

ميلاد الدين البهائي

 

    قبل نيّف وقرن أضاء الكون وميض إلهي هو أنفس ما في الوجود، سماوي في فيضه، عظيم في جوهره، مثير في ظروف مولده، جليل في مقام صاحبه، مميز في شمولية رسالته، غني بآثاره وفيوضاته التي لا تضاهى، ذلك هو دين حضرة بهاءالله، المظهر الإلهي لهذا العصر. وقد انبثق نور هذا الدين من زنزانة مظلمة نتنة تحت الأرض في سجن سياه ﭽال بطهران، حيث سجن حضرة بهاءالله ومعه بعض البابيين وقد أحاط به مائة وخمسون سجينا من القتلة والمجرمين في الأشهر الأخيرة من عام 1852م.

 

    كان حضرة بهاءالله، واسمه ميرزا حسين علي، نبيلا من نبلاء إقليم نور في بلاد فارس. وقد أكد العلامة البهائي -ميرزا أبو الفضل- في أبحاثه التاريخية الواسعة أن نسبه يرجع إلى زرادشت وملوك بلاد فارس الساسانيين وبذلك يكون مخلّص العالم من عرق فارسي نقي، وفقا لأحاديث معينة. كما يرجع نسبه أيضاً إلى حضرة إبراهيم من ثالث زوجاته -قتورة- فجمع في شخصه فرعي الديانتين الآرية والسامية. ولد حضرة بهاءالله في طهران عام 1817م، وكان والده ميرزا عباس النوري معروفا بميرزا بزرك لدى الدوائر الملكية وأحد الشخصيات المهمة في بلاط الشاه.

 

    قبل تسع سنوات تقريباً من سجنه في سياه ﭽال تسلم حضرة بهاءالله رسالة من مبعوث حضرة الباب يعلن فيها (الباب) أنه المبشر بالمظهر الإلهي الذي وعدت به الأديان السماوية. ولم


يمض وقت طويل حتى قام حضرته بنشر دعوة حضرة الباب بين أقاربه وأصدقائه المقربين في إقليم نور ثم إلى الآخرين فيما بعد. اعتنق الكثيرون رسالة حضرة الباب وقاموا على نشرها ومن بينهم أعمام حضرة بهاءالله وعمّاته وإخوانه وأخواته وأبناء عمومته وغيرهم من البارزين والعلماء في إقليم نور حيث استشهد العديد منهم فيما بعد.

 

    تميزت شخصية حضرة بهاءالله، قبل إعلان دعوة حضرة الباب، بخصال نبيلة وفضائل حميدة، تبلورت بعد ذلك متألقة بنور دين جديد ومدعومة بعنفوان ذلك الدين وقوته. وكان لا بد لشخصية مثله أن تجتذب اهتمام الناس جميعا. فعلمه اللدني، وبصيرته وحكمته، وإيمانه الراسخ، ودفاعه العلني عن دعوة حضرة الباب، وفصاحته الغالبة في شرح أصول الدين الجديد لجماعات المجتهدين والعلماء والعامة، بالإضافة إلى حنكته وحكمه النفاذ وقيادته الحكيمة لجماعة البابيين أثناء حبس حضرة الباب وبعد استشهاده، ما جعل منه محور عشق الجامعة البابية ومحط تقديرها، وبلغ من احترام الأتباع له أن أصبحوا يخاطبونه بضمير الجماعة. وفي مؤتمر بدشت لقب بـ"جناب البهاء" وهو لقب عززه حضرة الباب فيما بعد.

 

    إن مظاهر التبجيل التي أحاطت به، مقترنة بدعوته العلنية للدين البابي، أثارت من حوله مقاومة الأعداء الذين طالما اضطهدوه في مناسبات عدة، وباتوا يتربصون به لسجنه فوجدوا فرصتهم سانحة بعد محاولة اغتيال ناصر الدين شاه من قِبل بعض البابيين الطائشين. فاعتقلوه وأجبروه على المشي أمام الخيالة الملكية بخطى سريعة حافي القدمين تقيدهما السلاسل من نياوران إلى طهران مسافة خمسة عشر ميلا تقريباً تحت أشعة الشمس الحارقة، وقد خلعوا عنه عمامته زيادة في الإذلال إذ


كانت العمامة رمزا لهيبة الرجل في تلك الأيام.

 

    لم يكن سياه ﭽال -الحفرة السوداء- سجناً عادياً بل حفرة كبيرة استخدمت لتجميع مياه أحد الحمامات العمومية في المدينة. له مدخل واحد ويقع في وسط العاصمة قريباً من مقر الشاه ومجاورا لـ"سبز ميدان"، مكان استشهاد شهداء طهران السبعة. زجّ فيه كثير من السجناء الذين حرم بعضهم من اللباس أو الفراش. إنه زنزانة مظلمة نتنة الهواء، كريهة الرائحة، أرضها رطبة مليئة بالقاذورات، إلى جانب قسوة الحرّاس والمسؤولين ووحشيتهم تجاه الضحايا البابيين الذين قيدوا معاً في ذلك المكان الموحش. طوقت عنق حضرة بهاءالله قيود تعرف باسم "قَره كُهَر"(1) ثم السلاسل التي اخترقت لحمه وتركت آثاراً على جسده المبارك حتى أواخر أيامه، ومن شدة ثقلها كانت تعطى للسجين شوكة خشبية لمساعدته على حملها.

 

    في أحد الأيام سُمح لابنه الأرشد حضرة عبدالبهاء، وكان في التاسعة من عمره(2)، أن يزور والده وذلك بفضل طيبة أحد السجانين ومحبته لحضرة بهاءالله. وعندما قطع الطفل نصف الممر أسفل الدرجات رآه والده من بعد فأمر بإبعاده فورا، وسمح له بالانتظار في باحة السجن حتى الظهيرة حينما كانت تعطى للسجناء ساعة واحدة لاستنشاق الهواء النقي. وعندما شاهد حضرة عبدالبهاء والده وهو أشعث الشعر واللحية مقيداً بالسلاسل مع ابن أخيه ميرزا محمود يسير بصعوبة بالغة وقد جرحت عنقه وانتفخت من ثقل السلاسل، وانحنى ظهره، أغمى عليه وحملوه إلى المنزل فاقد الوعي.

____________________________________________________________________

(1)     "قره كهر" أثقل من "السلاسل" وتزن نحو 51 كيلوغراما.

(2)     حسب التقويم القمري. وقد ولد في 23 أيار من سنة 1844م.


    لقد كان مصير ميرزا محمود مأساويا، فبالرغم من عنايات حضرة بهاءالله له وشرف مشاركته القيود نفسها إلا أنه خانه بعد بضع سنين وانضم إلى يحيى أزل -الأخ غير الشقيق لحضرة بهاءالله- وعدوه اللدود وناقض عهد حضرة الباب.

 

    في جو سياه ﭽال النتن وبأرجل مكبلة بالأغلال ورأس منحن أثقلته السلاسل الكبيرة تلقى حضرة بهاءالله، كما بيّن في "لوح ابن الذئب"، نداء الحق له مظهرا إلهيا كليا، ذلك المظهر الذي بشر به سائر الأنبياء السابقين كتجسيد كريشنا، وبوذا الخامس، وشاه بهرام، ورب الجنود، وعودة المسيح في مجد الأب، وروح الله، والذي لقّبه حضرة الباب بـ"من يظهره الله". ووصف حضرته بوادر تجلّي الروح الأعظم(1) على روحه قائلا:

 

        "وبالرغم من أن النوم كان عزيز المنال من وطأة السلاسل والروائح النتنة حين كنت    رهين سجن أرض الطاء (طهران) إلا أنني كنت في هجعاتي اليسيرة أحسّ كأن شيئا ما    يتدفق من أعلى رأسي وينحدر على صدري كأنه النهر العظيم ينحدر من قلّة جبل باذخ    رفيع إلى الأرض فتلتهب جميع الأعضاء لذلك. في ذلك الحين كان اللسان يرتل ما لا     يقوى على الإصغاء إليه أحد."(1)

   

    وبينما كان حضرة بهاءالله مسجوناً في طهران أمر ناصر الدين شاه رئيس وزرائه ميرزا آقا خان أن يرسل جنودا إلى إقليم نور لاعتقال أتباع حضرة الباب في تلك الأنحاء. وحيث أن رئيس الوزراء كان من "نور" وتربطه بحضرة بهاءالله صلة نسب بزواج

___________________________________________________________________

(1)    اعتمد مظاهر أمر الله عبارات مختلفة لوصف نزول روح الله (الوحي) عليهم، ففي المسيحية استعمل لفظ "الروح      القدس"، بينما أشار إليه حضرة بهاءالله بـ"الروح الأعظم"، مؤكدا بذلك الظهور الإلهي في أتم صورة.


ابنة أخيه من ميرزا محمد حسن، الأخ غير الشقيق لحضرته، فقد بذل كل جهد لحماية أقارب حضرة بهاءالله في "نور" إلا أنه فشل.

 

    فكان أن صادر الشاه أملاك حضرة بهاءالله وسوي منزله في "نور" بالأرض، وحتى رئيس الوزراء نفسه استغل الموقف وسجل بعض تلك الأملاك باسمه دون أن يدفع أية تعويضات. كما نهب منزل حضرة بهاءالله الفاخر في طهران وأُفرغ من أثاثه الثمين واستولى رئيس الوزراء على بعض المخطوطات القيمة، من بينها جزء من لوح لا يقدر بثمن، مخطوط على الجلد منذ أكثر من ألف عام بخط يد الإمام علي، ومخطوطة نادرة من شِعر "حافظ" كتبها خطاط مشهور. (1)

 

    ومع أن معظم البابيين اقتيدوا من السجن الواحد تلو الآخر ليستشهدوا في "سبز ميدان" المجاور إلا أن حياة حضرة بهاءالله سلمت بفضل العناية الإلهية ثم أُطلق سراحه بعد أربعة أشهر وأمر بمغادرة بلاد فارس خلال شهر واحد.

_____________________________________________________________________

(1)    كان محمد شاه يتلهف حينا لتملك تلك المخطوطة، ولكنه عندما علم أن عليه دفع عملة ذهبية واحدة ثمنا لكل بيت من أبيات القصيدة، البالغ عددها اثني عشر ألف بيت، تخلّى عن الفكرة.


صفحة خالية
الفصل الثاني

 

حضرة بهاءالله في المنفى

 

    غادر حضرة بهاءالله السجن وقد جرد من ممتلكاته واعتلّت صحته وحنت قامته ثقل القيود وأدمت رقبته وورّمتها حدة السلاسل. لم يصرح لأحد عن تجربته مع الوحي الإلهي إلا أن المقربين منه لم يغب عنهم ما طرأ على شخصيته من تألق وقوة وتغيير روحاني لم يشهدوا له مثيلا من قبل.

 

    ونقتطف من حديث ابنته، الورقة المباركة العليا، تصف مشاعرها بُعيد إطلاق سراحه من سياه ﭽال حيث تفضلت:

     

        "أثناء فترة السجن كان للجمال المبارك مكاشفة إلهية عجيبة. طوق وجوده المبارك    إشعاع نوراني مضيء أدركنا     أهميته بعد سنوات. تملّكنا العجب في ذلك الوقت دون فهم     ذلك الحدث المقدس أو حتى معرفة تفاصيله".(1)

 

      أمضى حضرة بهاءالله الشهر الذي سبق نفيه من بلاد فارس في منزل أخيه غير الشقيق، ميرزا رضا قلي، وكان طبيبا، لم يؤمن بالدين البابي بعكس زوجته مريم وهي ابنة عمّة حضرة بهاءالله، صاحب الفضل في إيمانها، في أوائل أيام الدين الجديد. كانت من المخلصين الأوفياء من أفراد العائلة. وبمنتهى العناية والاهتمام قامت مريم وحرم المبارك، آسية خانم، برعايته حتى تحسنت صحته، ومع أنه لم يتماثل للشفاء تماماً إلا أنه استجمع قواه ليتمكن من مغادرة طهران إلى العراق.


      وخلال فترات نفيه، كثيرا ما كان حضرة بهاءالله يستذكر إخلاص مريم وولاءها فيغدق عليها من بركاته وعناياته. أرسل إليها من العراق بعض الألواح المعروفة بـ"ألواح مريم"، التي تعتبر نادرة في أسلوبها والأشجان التي عبّرت عنها. وبلغة مؤثرة رقيقة شاطرها في أحد الألواح أحزانه القلبية وعدّد ما أثقل كاهله من آلام نتيجة أعمال عديمي الوفاء من الأصحاب والأحباب حيث يتفضل:

 

            "محا ما لحقني من ظلم ما لحق اسمي الأول (حضرة الباب) من لوح الوجود ... يا       مريم إنا وردنا عراق العرب من أرض الطاء (طهران) بعد بلاء لا يعد ولا يحصى بأمر       ظالم العجم.(1) وابتلينا بِغلّ الأحباء من بعد غلّ الأعداء وبعده     الله يعلم ما ورد علي... لقد   تحملت من البلايا والرزايا ما لا يقدر عليه أحد".(2)

 

      كرست مريم حياتها لدين حضرة بهاءالله وكم كانت تتوق للتشرف بمحضر مولاها ثانية، ولكن أعداء الأمر من بعض أفراد العائلة منعوها من مغادرة المنزل، فماتت حزينة وفي قلبها غصة. كانت طوال حياتها محط عناية حضرة بهاءالله وعطفه وأغدق عليها بلقب "الورقة الحمراء" وبعد وفاتها أنزل بحقها لوح زيارة خاص بها.

 

      في الثاني عشر من كانون الثاني عام 1853م غادر حضرة بهاءالله طهران إلى العراق يرافقه ابنه الأكبر عباس، الذي كان في التاسعة من عمره، واتخذ فيما بعد لنفسه لقب "عبدالبهاء". وبفضل بصيرته الروحانية أدرك مقام والده وما يزال بعد طفلا،

__________________________________________________________________

(1)         ناصر الدين شاه. [الفقرة بالخط المائل لم ترد في "كتاب القرن البديع"، ولكنها واردة في الأصل الإنجليزي في God Passes By الصفحة 133. (المترجم)]


واعتاد حضرة بهاءالله في بغداد أن يناديه بالمولى (آقا) رِفعاً لمقامه بالرغم من حداثة سنه، وهو لقب كان حضرة بهاءالله يخاطب به والده في طهران. وأنعم عليه فيما بعد بعدة ألقاب رفيعة منها: "الغصن الأعظم"، و"سر الله"، و"غصن الأمر"، و"من طاف حوله الأسماء". ويعتبر بعد الرسالة الإلهية أثمن هدية من حضرة بهاءالله للبشرية، وقدر له أن يخلف والده مركزاً لميثاقه وأن يعهد إليه بإدارة كامل شؤون دين الله، وبعد صعود صاحب الأمر أن يكون منبع القوى الروحية التي أطلقها حضرة بهاءالله لإحياء الجنس البشري.

 

      ورافق حضرة بهاءالله من أفراد عائلته المباركة ابنته بهائية خانم ذات السنوات الست والملقّبة بـ"الورقة المباركة العليا" وهي التي تبوأت مرتبة فريدة في الدورة البهائية وتعتبر من أبرز نساء هذا العصر. كانت حياتها مفعمة بالتجارب والمحن قلّما تحمّلها أحد من العائلة بمثل ذلك التسليم والثبات، والى جانب مشاركته الآلام، عاشت تحت نير الحزن والكرب بما أصاب حضرة بهاءالله وحضرة عبدالبهاء من معاملة وحشية قاسية. وتعجز الكلمات عن وصف درجة إخلاص الورقة المباركة العليا -ورقة الفردوس الأبهى- في خدمة حضرة بهاءالله وحضرة عبدالبهاء وتعجز الأقلام عن وصف فضائل حياتها الطاهرة.

 

      لقد تخلت الورقة المباركة العليا عن فكرة الزواج حتى تتفرغ لخدمة والدها، وتمكنت عبر السنين بفضل إيمانها الراسخ ومثابرتها أن تخفف عن حضرة بهاءالله وأفراد عائلتها بعض المعاناة، وعكست في حياتها تلك المواهب والخصال التي تميز بها شقيقها حضرة عبدالبهاء، المثل الأعلى لدين حضرة بهاءالله.

 

      أدت الورقة المباركة العليا دورا فريدا في تقدم دين والدها


وازدهاره. فبعد صعود حضرة عبدالبهاء، وقد كانت بلغت سنا متقدمة، أمسكت بزمام الأمور وأدارت دفّة الأمر بكفاءة وقدرة لفترة قصيرة عملت خلالها على جمع شمل المؤمنين ليلتفوا حول حضرة شوقي أفندي الذي عينه حضرة عبدالبهاء وليا لأمر الله. وفي عام 1932م صعدت إلى الملكوت الأبهى ووري جثمانها الطاهر قرب مرقد حضرة الباب على جبل الكرمل.

 

      وفي رحلة حضرة بهاءالله هذه رافقته زوجته آسية خانم التي لقَبها بـ"نوّاب" و"الورقة العليا". وقد كانت آسية خانم، وهي ابنة أحد النبلاء يدعى ميرزا إسماعيل الوزير، صاحبة خلق رفيع وخصال نبيلة تشع عطفا وشفقة. وصفتها ابنتها الورقة المباركة العليا بهذه الكلمات:

 

            "... أستعيد في ذاكرتي أول ذكرياتي فأجدها ملكة في وقارها وجمالها، تراعي مشاعر     الجميع، مثالا للرقة واللطافة، مدهشة في إيثارها، وكل عمل تقوم به لا تستطيع إلا أن       تجد فيه المحبة من قلبها الصافي الطهور. تشع منها المودة وعلائم السعادة أينما حلّت،      وتطوق الزائرين بشذى اللطافة والكياسة."(3)

 

      كان إيمانها بحضرة بهاءالله -وهو في قلبها مولاها- راسخاً لا يتزعزع، فقاست في سبيل محبته الآلام والصعاب بكل صبر وأناة جراء النفي أربع مرات متتالية. وفي لوح وجهه حضرة بهاءالله إليها بعد صعودها عام 1303ه‍ (حوالي 1886م) أسبغ عليها مقاما مميزا فريدا من نوعه فأشار إلى أنها ستكون "صاحبته الأبدية في كل عوالم الله".

 

      ولمحبتهما لحضرة بهاءالله، أبدى اثنان من عائلته المباركة رغبتهما في مرافقته إلى منفاه وهما أخوه ميرزا موسى، الذي يصغره سنا، ولقبه "آقاي كليم"، وأخوه الأصغر غير الشقيق،


ميرزا محمد قلي الذي كان في العقد الثاني من عمره، فلازماه وشاركاه صعاب النفي المتكرر من بلد إلى آخر.

 

      انجذب قلب آقاي كليم واستيقظت روحه في اللحظة التاريخية التي تسلم فيها حضرة بهاءالله الرسالة من مندوب حضرة الباب، وأصبح أكثر إخوانه إخلاصا له ومحطا للثقة ونصيرا أمينا قويا لا يعرف الكلل أو الضعف في حماية حضرة بهاءالله، إلى أن تسلم حضرة عبدالبهاء تلك المهام لينوب عن حضرة بهاءالله في مقابلة الوزراء والمسؤولين في الحكومة والشّخصيات البارزة ورجال الدين. فحياته المليئة بالخدمات والتضحيات رفعته إلى المقام الأول بين حواريي حضرة بهاءالله.

 

      أما الأخ الآخر، ميرزا محمد قلي، الذي كان يكبر حضرة عبدالبهاء بسبع سنوات فقط، فقد كانت تربطه بحضرة بهاءالله علاقة قوية منذ الطفولة لأن والدهما توفي بعد فترة قصيرة من ميلاد ميرزا محمد قلي، فتلقّى الرعاية والتربية اللازمة من حضرة بهاءالله. كان هادئا في طبعه محبوباً من أقرانه، وظل أيام حياته مخلصا وفيا لأخيه البارز الشهير، وقد منح شرف نصب خيمة الجمال المبارك أثناء سفره من بغداد إلى الآستانة، كما كان يقدم الشاي للحاضرين في المحضر المبارك في مناسبات أخرى.

 

      أما الأخوة الثمانية(1) الباقون لحضرة بهاءالله، فإن واحدا منهم هو ميرزا محمد حسن الذي يكبره سنا، كان مؤمنا مخلصا حائزا على التقدير. والآخرون عدا ميرزا يحيى، الذي أصبح الناقض الأكبر لميثاق حضرة الباب ومن ألد أعداء حضرة بهاءالله، فمنهم من مات قبل إعلان دعوتي حضرة الباب وحضرة بهاءالله أو ظلوا بعيدين عن أنوار الدين الجديد.

___________________________________________________________________

(1)            كان أحدهم ابن والدة حضرة بهاءالله من زواج سابق.


      في زمهرير الشتاء والبرد القارس، وعبر جبال بلاد فارس الغربية المغطاة بالثلوج، بدأت الرحلة إلى بغداد. كانت المعاناة شديدة، فأصابت المنفيين بكثير من الأذى والضرر. بقي حضرة بهاءالله في العراق عشر سنوات أمضى منها سنتين وحيداً في جبال كردستان الموحشة، ومعظم السنوات الباقية في بغداد.

 

      ولكن الأعداء، ومن ضمنهم القنصل العام للحكومة الفارسية في بغداد وبعض رجال الدين، نجحوا في مسعاهم لنفيه مرة أخرى. فصدر مرسوم السلطان، بناء على رسالة من الحكومة الفارسية إلى الحكومة العثمانية، باستدعاء حضرة بهاءالله إلى الآستانة. وفي عشية مغادرته العراق عام 1863م، وفي مكان خارج بغداد، كشف عن مقامه لأصحابه على أنه "من يظهره الله" الذي بشر به حضرة الباب، وأنه الموعود المنتظر.

 

      وبعد أن أمضى قرابة خمسة أشهر في العاصمة العثمانية، بدأ أعداؤه سعيهم في نفيه مرة أخرى، فنجحوا في إرساله إلى أدرنة، التي أسماها حضرته بـ"السجن البعيد" وفيها بلغت شمس ظهوره سمتها إذ أعلن دعوته للعالم أجمع. ولمدة خمس سنوات تحمل صنوف البلايا والمحن ثم نفي أخيرا إلى مدينة السجن -عكاء- في الأراضي المقدسة.

 

      أمضى حضرة بهاءالله السنوات الأربع والعشرين الأخيرة من ولايته في عكاء أو في الأرياف المجاورة. فالمحن والآلام التي أحاطت به خلال السنوات التسع الأولى من سجنه داخل أسوار عكاء كانت شديدة القساوة حتى أنه أشار إليها في أحد ألواحه بما يلي: "إن في ورودنا هذا المقام سمّيناه بالسجن الأعظم، ومن قبل كنا في أرض أخرى تحت السلاسل والأغلال (أي طهران)، وما سمي بذلك..."(4)


الفصل الثالث

 

الكلمة الإلهية

 

    لولاية حضرة بهاءالله ميزتان لا مثيل لهما في تاريخ الإنسانية. أولاهما المعاناة والاضطهاد اللذان ابتلي بهما صاحب الظهور الإلهي. وثانيتهما غزارة آثاره وكتاباته. ولا أدل على ذلك سوى التباين بين النور والظلمة، العظمة والعبودية، العزة والذلة. ويمكن وصف حياته بكتاب اسودت صفحاته بما ارتكبه جيل ضال من قسوة ووحشية، إلا أن حروفه لمعت بأنوار الوحي الإلهي وأشرقت ببهائها على عالم غلفته سحب الجهل والتعصب.

 

    إن القوى الروحية الكامنة التي أطلقها حضرة بهاءالله في السنوات الأربعين لولايته، في هذا الظهور الأعظم قدر لها أن تعيد للبشرية حياتها وتؤسس لها حضارة إلهية بشر بها الرسل السابقون على أنها "ملكوت الله على الأرض". فالقناة التي جرت منها هي الكلمة الإلهية التي أظهرها للوجود في هذا العصر. لم تكن تلك الكلمة ثمرة العلم والمعرفة، بل كانت من وحي الروح القدس لأن حضرة بهاءالله لم يتلقَّ إلا تعليما ابتدائيا محدودا.

 

 

الكلمة الإلهية منزهة عن المعرفة المكتسبة

 

    كان معظم سكان بلاد فارس في القرن التاسع عشر أميين تحت سيطرة رجال الدين يطيعونهم طاعة عمياء. فهناك طبقتان متعلمتان: علماء الدين ورجال الدولة ثم عدد قليل من عامة الناس. ولقب "العالِم" لم يكن يطلق إلا على أقطاب الدين ورجاله حيث كانوا


يمضون عقود أعمارهم في دراسة الفقه والشريعة الإسلامية وقوانين التشريع والفلسفة والطب والفلك، وفوق ذلك كله اللغة العربية وآدابها لأنها لغة القرآن، وهذا ما دعا رجال الدين إلى الاهتمام بها حيث قضى العديد منهم سني حياته في صقل ملكة الإبداع فيها لسعتها وغناها في التعبير، واعتبروا أن بحثا لم يكتب بالعربية لا قيمة له، وأي خطبة تلقى من على المنبر لم يستعمل الخطيب فيها كثيرا من الكلمات العربية الصعبة لن تلقى نصيبها من التأثير، وغالبا ما تكون غير مفهومة للعوام. وبهذا النهج كان الوعاظ يسرحون بخيال المستمعين الأميين في غالبيتهم، فيصابون بالذهول وتبدو لهم مليئة بالعلم. فكان مقياس علوم الإنسان معرفته باللغة العربية وحجم عمامته.

 

    أما الطبقة الثانية فتضم رجال الدولة والموظفين وبعض التجار الذين ما أصابوا من العلم إلا قليلا في طفولتهم من قراءة وكتابة ودراسة الخط والقرآن الكريم وبعض أعمال شعراء الأدب الفارسي المشهورين، وكل ذلك يتم خلال سنوات قليلة يختتمها بعضهم بالزواج قبل سن العشرين، كما جرت العادة.

 

    إلى هذه الطبقة كان ينتمي حضرة بهاءالله، وكان لوالده مكانة مرموقة في بلاط الشاه ومشهورا كخطاط مبدع، ذلك الفن الذي يمنح صاحبه منزلة رفيعة لدى الدوائر الملكية. تلقى حضرة بهاءالله تعليمه الابتدائي في طفولته لفترة قصيرة وبرع في الخط كوالده، وهناك نماذج رائعة من خطه في محفظة الآثار البهائية العالمية على جبل الكرمل. وعندما بلغ التاسعة عشرة تزوج من آسية خانم ورزقا بسبعة أولاد بقي منهم ثلاثة على قيد الحياة هم: حضرة عبدالبهاء، الورقة المباركة العليا وميرزا مهدي (الغصن الأطهر).

 

    كان رجال الدولة في تلك الأيام يتنعمون بما توفره لهم السلطة


المستبدة واتصفوا بالغطرسة والعدوانية، ومجرد وجودهم يثير الرعب في نفوس الأبرياء. أما حضرة بهاءالله فكان على العكس من ذلك، ومن قابله في شبابه تملّكه العجب. فوالده يتبوأ منصبا مرموقا في بلاط الشاه وله حظوة لدى رئيس الوزراء، فمن الطبيعي أن تظهر عليه علائم التجبر والاستبداد، إلا أن حياته كانت تجسيدا للرحمة والشفقة والمحبة، فكان لليتيم أبا حنونا وللذليل عونا وللفقير والمحتاج ملجأ وملاذا. فجعلت منه هذه الفضائل الإلهية، التي انعكست على حياته منذ الصغر، موضع حب وافتتان لكل من سمع باسمه والتقى بشخصيته الجذابة.

 

    وعلى الرغم من أن رجال الدولة كانوا في ذلك الزمان ساسة الأمة في بلاد فارس، إلا أن رجال الدين الأقوياء كانوا يعتبرونهم أقل مرتبة منهم وغير لائقين لولوج دنيا العلم والمعرفة. كان حضرة بهاءالله يدهشهم جميعا بسعة علمه وعمق كلماته وبشرحه في أكثر من مناسبة بحضور العلماء معضلات دينية إسلامية غامضة بأسلوب سلس بليغ.

 

    لم تكن الكلمة الإلهية ثمرة العلوم المكتسبة، فحاملو الرسالات السماوية لم يتلقوا تعليما في أغلب الأحيان، فلم يكن موسى وعيسى رجلي علم ولا كان محمد مثقفا. وعند إشراق أنوار الوحي على قلبه نطق بالكلمات الإلهية التي كان يسجلها أحد صحابته في بعض الأحيان فورا وفي مكان نزولها، أو كانت تحفظ في الصدور لتدون فيما بعد. أما حضرة الباب وحضرة بهاءالله فلم يتجاوز تعليمهما المرحلة الابتدائية، إلا أن علمهما الموحى به كان فطريا أحاط البشرية جمعاء.

 

    في أحد ألواحه المباركة المعروف بـ"لوح الحكمة"، الغني بنصائحه وتوجيهاته للفرد في سلوكه، بيّن حضرة بهاءالله جانبا من


المعتقدات الأساسية لبعض فلاسفة الإغريق القدماء، وذكر أنه لم يدخل مدرسة ولم يطلع على علوم الناس، بل إن معرفته بكل هذا أوحيت له من ذي القدرة والجلال وانطبعت على صفحة قلبه ونطق بها لسانه في كلمات. وفي لوح آخر كشف حضرة بهاءالله عن مصدر علمه ومشرق رسالته الإلهية في الكلمات التالية:

 

        "يا سلطان، إني كنت كأحد من العباد وراقدا على المهاد، مرّت عليّ نسائم السبحان وعلّمني علم ما كان. ليس هذا من عندي بل من لدن عزيز عليم... هذه ورقة حرّكتها أرياح مشية ربك العزيز الحميد".(1)

 

 

ظهور حضرة بهاءالله وجوهر رسالته الإلهية

 

    أدى الوصال الرمزي بين الله -باعتباره الأب- والرسول المختار -باعتباره الأم- إلى إنجاب الوحي الإلهي الذي نطق بالكلمة الإلهية. من المستحيل على الإنسان إدراك هذه العلاقة المقدسة، فهي واسطة الاتصال بمظهر أمره، إذ أن معلوماتنا المحدودة في هذا السياق مستقاة من كلمات حضرة بهاءالله، وتظل الكلمات غير قادرة على التعبير عن الحقيقة الروحانية.

 

    فللكلمة الإلهية روح باطنية وشكل خارجي، ولا يمكن الإحاطة بالروح المودعة في باطن الكلمة لأنها تنتمي إلى عالم اللامخلوق ووجدت بقوة الروح القدس، بينما يكون الشكل الخارجي قناة تعبر فيها الروح القدس. وعندما تتعلق الكلمة الإلهية بعالم الإنسان تغدو محدودة.

 

    وبما أن الأم تترك في طفلها شيئا من صفاتها وملامحها، كذلك فإن حامل الرسالة السماوية يؤثر على الشكل الخارجي للكلمة الإلهية. ولنأخذ مثلا النبي e الذي ولد في


الجزيرة العربية وتكلم العربية فارتبطت الكلمة الإلهية في القرآن الكريم بطبيعة المجتمع الذي نشأ فيه ارتباطا وثيقا. ولكون حضرة بهاءالله فارسيا فقد نزلت الكلمة الإلهية بالفارسية والعربية. فشخصيته وأسلوبه وطبيعة اللغة الفارسية ومصطلحاتها وأمثالها والقصص التي أوردها عن حياة معاصريه في ذاك القطر والأماكن التي نفي إليها، أثرت في شكل الكلمة الإلهية المنزلة في هذه الدورة.

 

    وبالرغم من أن حضرة بهاءالله لم يتلق العلم في مدارس الفقه وحلقات الدراسة، فقد شهد له الضالعون بفنون الأدب بأن كتاباته باللغتين العربية والفارسية متفوقة في غناها وجمالها وفصاحتها من الناحية الأدبية. ومع أنه كان غير متمرس باللغة العربية ومفرداتها الواسعة وقواعدها الصعبة، التي كانت تستنفد حياة رجال الدين كلها في سبيل إتقانها، فإنه أثرى الأدب العربي بكتاباته بحيث أوجد أسلوبا جديدا، كما حدث في أيام النبي محمد e بحيث ألهم الباحثين والكتاب البهائيين، وكذا الأمر في كتاباته بالفارسية.

 

    لن يجد القارئ نفسه في أسمى العوالم مفتونا بجمال أسلوبه وفصيح عباراته وتدفق كلماته ووضوح إنشائه وعمق بياناته فحسب، بل سيجد أمامه أيضا ما أبدعه حضرة بهاءالله من مصطلحات جديدة تنقله إلى فهم أوسع وإدراك أعمق لحقائق عالم الروح بدرجة كبيرة.

 

    نزلت كتابات حضرة بهاءالله، المعروفة بـ"الألواح"، بالعربية أو الفارسية وغالبا بالاثنتين معا. فهناك العديد من الألواح نزل جزء منها بالفارسية وجزء بالعربية وقد أشار في أحد ألواحه إلى اللغة العربية بأنها "اللغة الفصحى" وإلى اللغة الفارسية بأنها "اللغة


النوراء" و"اللغة الحلوة". وامتازت كتاباته العربية بالقوة والعظمة، وتبرز بياناته فيها في قمة عظمتها وفصاحتها، وتتصف كتاباته الفارسية بالجمال والدفء وتحريك المشاعر الروحانية. وبعكس الكتّاب الذين ينشدون العمل في جو هاديء، فقد أنزل معظم ألواحه في خضم البلايا خلال نفيه أربع مرات متتالية.

 

    وحتى يستطيع الكاتب أن يكتب، لا بد أن يعتمد على علمه ومعرفته ثم يتفكر ويتأمل في الموضوع ويقوم بالبحث، وبعد عمل مضن قد يتمكن من إنتاج كتاب يخضع دائما للتصحيح والتحسين، وغالبا ما يشعر الكاتب بضرورة إعادة محاولته من جديد. ولكن الأمر مع مظاهر أمر الله مختلف حيث لا يعتمد هؤلاء في ما يبدعونه من آثار على إنجازاتهم البشرية.

 

    كانت الكلمات الإلهية تنهمر من شفتي حضرة بهاءالله عند نزول الوحي، ويقوم كاتب وحيه بتدوينها وأحيانا يكتبها بنفسه، وقد شهد حضرته في أحد ألواحه بأن غالبا ما عجز كاتب الوحي عن تدوينها لغزارة تدفقها.

 

    يتضمن القرآن الكريم حوالي ستة آلاف وثلاثمائة آية نزلت على النبي محمد e خلال ثلاث وعشرين سنة، إلا أن تدفق الآيات في هذا الظهور أفاض على الإنسانية بغزارة بحيث أنزل حضرة بهاءالله في ساعة واحدة ما يعادل ألف آية. وشهد حضرته بقوله: "بلغ اليوم من الفضل أن لو استطاع أحد الكتبة أن ينجز مهمته لنزل في اليوم والليلة من سماء القدس الربانية ما يعادل البيان الفارسي(1)."(2)

 

    أحاطت الكلمة الإلهية بالبشرية في هذا العصر وكأن أبواب

___________________________________________________________________

(1) "كتاب البيان" هو أم الكتاب في الدورة البابية وأنزله حضرة الباب.  


السماء قد فتحت. ففي فترة الأربعين سنة من ولاية حضرة بهاءالله، انغمس الوجود في بحر من الفيض الإلهي أطلق قوى روحية هائلة لا يدرك أحد كنه إمكاناتها. فكتاباته آثار مقدسة للجنس البشري كافة وهي غزيرة وواسعة -بشهادة حضرته- بحيث أنها تؤلف ما لا يقل عن مائة مجلد لو جمعت.

 

    كان كاتب وحي حضرة بهاءالله -معظم فترة ولايته- هو ميرزا آقا جان من كاشان، ولقبه "خادم الله" و"العبد الحاضر"، ذلك لأنه كان دوما حاضرا لخدمة مولاه. لم ينتم إلى طبقة العلماء بل كان تعليمه بسيطا. عمل في شبابه في صنع الصابون وبيعه في كاشان. وقدم إلى العراق بعد فترة وجيزة من وصول حضرة بهاءالله وتشرف بمحضره الأنور بمنزل أحد الأحباء في كربلاء، وهناك شعر بقوة روحية هائلة تنبعث من محياه قلبت كيانه بالكلية واشتعل بمحبة مولاه. فكان أول شخص لمّح له حضرة بهاءالله عن مقامه ثم شرّفه فيما بعد فعيّنه كاتبا للوحي.

 

    ورغم أنه عاش في كنف حضرة بهاءالله أربعين عاما يتنعم بأفضاله وبركاته مصاحبا له في رحلته مع الوحي الإلهي قريبا من مولاه قائما على خدمته ليل نهار، إلا أنه في النهاية خان العهد والميثاق وانضم إلى ناقضي العهد في عدائهم لحضرة عبدالبهاء بعد صعود حضرة بهاءالله.

 

    وكلما كان الوحي ينزل على حضرة بهاءالله، أكان ذلك في بيته المتواضع ببغداد أو في أدرنة في البرد القارس، أو حين كان يسافر بحرا أو برا، أو حين وجوده في زنزانته بسجن عكاء أو قصره الفسيح في البهجة، كان ميرزا آقا جان دائم الحضور في تلك الأثناء برزمة أوراقه ودواة الحبر وحزمة أقلام القصب لتسجيل كلمات الفيض الإلهي المنهمر من الشفتين المباركتين، ولسرعة


نزولها لم يكن من السهل قراءتها قبل إعادة نسخها، وبعد قراءتها والموافقة عليها كان حضرته يزينها بأحد أختامه أحيانا(1).

 

    استعمل حضرة بهاءالله عشرة أختام صنعت له في أوقات مختلفة من ولايته، بالإضافة إلى واحد كان يحمل اسم "حسين علي" ومن الأختام العشرة كان أحدها يحمل اسم "بهاءالله" والأخرى تحوي عبارات تصفه بالمسجون ومظلوم العالمين وفي بعضها ثبّت بلغة مهيبة وعبارات واضحة سلطانه الفريد، وعظمته السامية، ومقامه المجيد مظهرا إلهيا كليا وخليفة الله على الأرض.

 

    ومن الذين قاموا على نسخ الألواح المباركة، حضرة عبدالبهاء الذي عكف على تلك المهمة منذ صباه في بغداد إلى نهاية ولاية حضرة بهاءالله. وقد كتب العديد منها بخط يده المباركة(2).

 

    وكانت العادة أن يدوّن اللوح ثم يعمد إلى كتابة عدة نسخ منه لنشرها بين الأحباء، وفي بعض الأحيان في أيام حضرة بهاءالله كان الفيض ينزل بغزارة متناهية بحيث لم يكن بمقدور عدد من الكتبة العاملين ليلا ونهارا تدوين ألواحه جميعها وقد ترك بعض الكتبة للأجيال القادمة مجلدات كتبت بخط يدهم.

 

    كان الملا زين العابدين من أبرز كتاب الوحي وقد لقبه حضرة بهاءالله بـ"زين المقربين". وكان قبل اعتناقه الدين البابي عالما مجتهدا وقطبا بارزا في مسقط رأسه -نجف أباد- وأثناء حبس حضرة بهاءالله في سياه ﭽال برزت فيه مشاعر الغيرة والحماس للدين البابي حتى أن أصدقاءه المقربين، الذين كانوا في وقت ما

___________________________________________________________________

(1) انظر اللائحة المقابلة للصفحة 82.

(2) انظر اللائحة في بداية الكتاب.


من تابعيه وأكثر المعجبين به، ناصبوه العداء وقاموا على معارضته واضطهاده بشدة.

 

    وفيما بعد انتقل إلى بغداد وأخيرا تشرف بمحضر حضرة بهاءالله بعد عودته من جبال كردستان، ونتيجة لذلك اللقاء وبعد استلامه بعض الألواح المباركة سرت في كيانه روح جديدة بلغت به مقاما رفيعا من الإيمان والتضحية فأصبح في عداد حواريي حضرة بهاءالله البارزين. وبعد فترة طويلة من النفي والسجن في الموصل بالعراق أطلق سراحه وتوجه إلى عكاء حيث قضى بقية أيام حياته في خدمة حضرة بهاءالله ناسخا للألواح معظم الوقت.

 

    كان زين المقربين دقيقا جدا في نسخ ألواح حضرة بهاءالله ويبذل جهودا مضنية في التأكد من صحة تدوينها، فكل لوح بخط يده يعتبر صحيحا ومطابقا للأصل. وقد ترك للأجيال عدة مجلدات بخط يده الرائع تضمنت معظم ألواح حضرة بهاءالله الهامة. واليوم توثّق المنشورات البهائية بالفارسية والعربية بمقارنتها بتلك المجلدات.

 

    وثمة أثر كتابي آخر له علاقة وثيقة بما كان يتحلى به زين المقربين من ذكاء فذ ودقة في تقصي الأمور، وهو الكتاب المعروف بعنوان "رسالة سؤال وجواب". وبما أنه كان مجتهدا كفؤا في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فقد سمح له حضرة بهاءالله بأن يسأل أي سؤال يعنّ له حول تطبيق الأحكام الإلهية المنزلة في "الكتاب الأقدس". وتضمنت الإجابات التي تفضل بها حضرة بهاءالله على أسئلة زين المقربين إيضاحات إضافية وتوسعا في شرح أحكام شريعته السمحاء، ويعد كتاب "سؤال وجواب ملحقا لازما "للكتاب الأقدس".

 

    وتبقى قصة حياة زين المقربين -رغم اختصارها- غير كاملة


دون الإشارة إلى ما كان يتمتع به من روح الدعابة والفكاهة التي كانت دائما تدخل السرور إلى قلوب الأحباء. وكان أحيانا يبدي بعض الملاحظات الباعثة على الفكاهة والضحك في المحضر المبارك، وقد سجل بعض هذه النوادر في ما أُرّخ من الأحداث والقصص.

 

    أما الشخص الآخر صاحب المواهب الفذة الذي قدم أجل الخدمات في مجال تدوين واستنساخ الألواح فقد كان الخطاط المشهور ميرزا حسين الملقب بـ"مشكين قلم" وهو من أهل مدينة إصفهان، وقد تحلى كزميله زين المقربين بروح الدعابة والفكاهة والتندر.

 

    كان "مشكين قلم" قبل إيمانه بالأمر الإلهي مقربا من بلاط ناصر الدين شاه في طهران حيث شغل منصبا بارزا فيه. ولما سمح له الشاه ذات مرة أن يذهب في زيارة قصيرة لمنزله في إصفهان قابل أحد البهائيين هناك واستنار قلبه بالإيمان، الأمر الذي دفعه أن يتوجه إلى أدرنة للتشرف بمحضر حضرة بهاءالله بدل الرجوع إلى بلاط الشاه. ومنذ ذلك الحين كرّس حياته كلها لخدمة أمر الله. وفيما بعد أرسله حضرة بهاءالله في مأمورية هامة إلى الآستانة ليدحض الادعاءات الباطلة التي روّجها السيد محمد الإصفهاني(1) -سيء السمعة- في الدوائر الملكية، إلا أنه بعد وقت قصير سجن "مشكين قلم" مع بعض الأتباع في الآستانة نتيجة لدسائس السيد محمد وأصحابه، ثم أرسلوا إلى جاليبولي لينتظروا وصول حضرة بهاءالله ومرافقيه في طريقهم إلى عكاء، وهناك تقرر مصير "مشكين قلم" حيث أرسلته السلطات مع ثلاثة

____________________________________________________________________

(1) بابي كان قطب الشر والأذى، ناصب حضرة بهاءالله العداء واعتبر دجال الدورة البهائية.


من الأحباء إلى قبرص برفقة ميرزا يحيى، ناقض عهد حضرة الباب وميثاقه فكان العدو الرئيس لحضرة بهاءالله.

 

    بقي "مشكين قلم" منفيا في قبرص لمدة تسع سنوات، ورغم معاشرته الطويلة لميرزا يحيى الخائن الغادر، إلا أنه بقي غير مزعزع الإيمان ثابتا راسخا مستقيما في ولائه لمولاه.

 

    وحالما تنشق نسيم حريته عام 1294ه‍ (1878م) توجه إلى عكاء وتشرف بالمثول بين يدي حضرة بهاءالله الذي سمح له بالإقامة في المدينة. فأصبح أحد حوارييه(1)، مرافقا وخادما مخلصا وفنانا ذا موهبة وخطاطا لا يبز، وعبقريا في ابتكار الأشكال الرائعة من الحروف والكلمات. ومن بين أعماله الفنية المميزة تلك التي خطها بأظافره على ورقة بيضاء.

 

    أمضى "مشكين قلم" سنوات عدة من حياته في نسخ ألواح كل من حضرة بهاءالله وحضرة عبدالبهاء، وهنالك المجلدات العديدة بخطه الجميل، وقد خلد اسمه بفضل رسومه ورموزه وتصميمه لـ"الاسم الأعظم".

 

    إن إحدى الميزات الرئيسة للدورة البهائية تتمثل في أن الكلمات التي أنزلها صاحب الظهور الإلهي وحي أصيل موثوق بصحته. بعكس الظهورات السابقة عندما لم تدون فيها كلمات الرسل حال إنزالها. أما الكلمات التي أنزلها حضرة بهاءالله فقد دونت كما أملاها هو بنفسه على كتّاب وحيه. وفي حالات كثيرة سجلت المناسبات التي نزلت فيها الألواح من قبل كتّاب الوحي، أو غيرهم من الصحابة الموثوق بهم، وأحيانا سجل تلك

___________________________________________________________________

(1) هناك قائمة بأسماء حواريي حضرة بهاءالله وصورهم في مجلد "العالم البهائي"، رقم 3، الصفحتين 80-81.


المناسبات الحجّاج الزائرون، وأحيانا أخرى سجلها أولئك الذين تشرفوا بمحضره المنير.

 

    كان لاندفاع الروح القدس اندفاعا قويا أثناء نزول الوحي أثره المهيب على حضرة بهاءالله من الناحية الجسمانية. فالإنسان العادي يصعق عادة إذا ما وصلته أنباء فائقة الخطورة، فكيف يكون الأمر إذا بالنسبة للهيكل الجسماني للمظهر الإلهي حين يصبح ذلك الهيكل قناة يفيض بواسطتها روح القدس ليغمر الإنسانية جمعاء!

 

    حين نزول الوحي لم يكن يسمح لأحد بالبقاء في المحضر المبارك سوى كاتب وحيه، ولكنه أحيانا كان يأذن لبعض المؤمنين بالبقاء حينئذ لفترة قصيرة. وقد شهد أولئك الذين نالوا هذا الشرف العظمة الخاصة بهيكله المبارك الذي كان يشع أيضا نورا وضياء. ووجد الكثيرون أنفسهم عاجزين عن النظر إلى طلعته البهية وقد بهر أبصارهم ذلك التجلي الإلهي العظيم.

 

    من هؤلاء الحاج ميرزا حيدر علي الإصفهاني الموطن الذي اعتنق الأمر في مطلع ظهوره وتشرف بزيارة حضرة بهاءالله في أدرنة أولا، ومن هناك أرسله مولاه إلى الآستانة ليكون واسطة اتصال حضرته بالأحباء في بلاد فارس والعراق. ثم أرسله فيما بعد إلى مصر حيث اعتقله أعداء الأمر ثم أبعدوه إلى سجن في السودان. لم تعمل الاضطهادات التي لاقاها هناك لسنوات طويلة إلا على رسوخه وازدياد نار العشق لهيبا في قلبه. وبعد إطلاق سراحه توجه مباشرة إلى عكاء حيث نال شرف البقاء إلى جانب مولاه لعدة أشهر، ثم توجه بأمر منه إلى بلاد فارس ليخدم في مجال تبليغ الكلمة الإلهية بشكل بارز لسنوات عدة. وبعد صعود حضرة بهاءالله من هذا العالم أدّى الحاج ميرزا حيدر علي دورا


رئيسا في حماية الميثاق الإلهي بكل جدارة من هجوم تلك العصبة الخائنة من ناقضي العهد والميثاق الذين صمموا على هدم صرح أمره واقتلاع جذور مؤسساته. واختتم الفصل الأخير من حياته المليئة بالأحداث في خدمة حضرة عبدالبهاء في الأراضي المقدسة، وتوفي في حيفا حيث دفن في المقبرة البهائية على جبل الكرمل.

 

    وفي إحدى زياراته لعكاء سمح له بالتشرف بالمحضر المبارك أثناء نزول الوحي، وقد ترك للأجيال القادمة ما كتبه باختصار عن تلك المناسبة التي لا تنسى:

 

"عندما صدر الإذن وأزيح الستار، دخلت الغرفة حيث استوى سلطان سلاطين الملك والملكوت، بل سلطان عوالم الله، على كرسي العظمة. كانت الآيات تتدفق كالغيث الهاطل، وكأن الباب والجدار والبساط والسقف والأرض والهواء في ذلك المقام الأقدس قد تعطر وتنور واهتز وتحرك وتحول كل منها إلى آذان امتلأت بروح من الفرح والحبور... في أي حال كنت وفي أي مقام؟ من لم يذق لم يدر..."(3)

 

    وقيل أن أحد آثار نزول الوحي على حضرة بهاءالله، كان بقاء حضرته فترة من الوقت، بعد ذلك، في حالة من الاضطراب والتأثر بحيث لم يكن باستطاعته تناول الطعام.

 

 

القوة الخلاقة للكلمة الإلهية

 

    إن كلمة الله هي أشرف إبداع للخلق الإلهي وتسمو فوق إدراك البشر. وفي أحد ألواحه حذرنا حضرة بهاءالله من مقارنة خلق الكلمة بخلق باقي الموجودات، وأشار إلى أن كل كلمة من الكلمات الإلهية بمثابة مرآة تنعكس منها الصفات الرحمانية،


وبقوة تأثيرها ظهر عالم الإمكان. وقد جاء في الإسلام أن الله خلق الكون بقوله "كن" وبها ظهرت الموجودات كلها. فوحي حضرة بهاءالله، وهو كلمة الله لهذا العصر، له أيضا قوة خلاقة مماثلة. وفي بعض ألواحه أشار حضرة بهاءالله إلى كلمة "كن" على أنها علة خلق الموجودات. ففي "لوح الزيارة" الذي جمع بين عدة مقتطفات من الألواح المباركة بعد صعوده، يتفضل: "وأشهد أن بحركة من قلمك ظهر حكم الكاف والنون وبرز سر الله المكنون، وبدئت الممكنات وبعثت الظهورات". وفي مثال آخر، يتفضل في "الصلاة الكبيرة": "... والذي ظهر إنه هو السر المكنون والرمز المخزون الذي به اقترن الكاف بركنه النون."(4) فباجتماع حرفي الكاف والنون تتكون كلمة "كن" التي بدئت بها الممكنات.

 

    يشير المقتطف التالي من أحد ألواح حضرة بهاءالله إلى القوة الخلاقة لكلماته:

 

"كلما يخرج من فمه إنه لمحيي الأبدان لو أنتم من العارفين. كلما أنتم تشهدون في الأرض إنه قد ظهر بأمره العالي المتعالي المحكم البديع. إذا استشرق عن أفق فمه شمس اسمه الصانع بها تظهر الصنايع في كل الأعصار وإن هذا لحق يقين، ويستشرق هذا الاسم على كل ما يكون وتظهر منه الصنايع بأسباب الملك لو أنتم من الموقنين. كلما تشهدون ظهورات الصنعية البديعة كلها ظهر من هذا الاسم وسيظهر من بعد ما لا سمعتموه من قبل. كذلك قدر في الألواح ولا يعرفها إلا كل ذي بصر حديد. وكذلك حين الذي تستشرق عن أفق البيان شمس اسمي العلام يحمل كل شيء من هذا الاسم بدايع العلوم على حده ومقداره ويظهر منه في مد الأيام بأمر من لدن مقتدر عليم. وكذلك فانظر في كل الأسماء وكن على يقين منيع. قل إن كل حرف تخرج من فم الله إنها لأم


الحروفات وكذلك كل كلمة تظهر من معدن الأمر إنها لأم الكلمات وإن لوحه لأم الألواح فطوبى للعارفين..."(5)

 

    وفي لوح آخر يشير إلى نفوذ كلماته بقوله الأحلى:

 

"قد أودع في كل حرف يخرج من فمنا قوة بحيث تخلق خلقا جديدا ما اطلع عليه أحد غير الله. إنه على كل شيء محيط".(6)

 

    فكلمات مظاهر أمر الله هي الهيكل الخارجي للقوى الروحية المنبعثة عنهم، وما ستر في جوهر باطنها غير محدود في قوة الخلق والإبداع لأنها تنتمي للعالم الإلهي ولهذا يعجز الإنسان عن إدراكها بتمامها إلا على قدر محدود، ذلك لأن قواه العقلية محدودة.

 

    يمكن تشبيه الكلمة الإلهية بأشعة الشمس التي تنقل حرارتها. فقريبا من قرصها تشتد الحرارة بحيث تستحيل الاستفادة منها في الفضاء الخارجي، إلا أن الأشعة نفسها بمرورها في طبقات الجو وغلاف الأرض وأطباق السحاب يصل قسم محدود من طاقتها إلى سطح الكرة الأرضية. وبالمثل تظهر الكلمة الإلهية في هذا العالم للعقل الإنساني على درجة محدودة بحقائقها ومعانيها الروحانية لأنه، بقواه المحدودة، عاجز عن إدراك هذه الحقائق بتمامها.

 

    تتعاظم الكلمة الإلهية في قوتها ونفوذها وإبداعها وحقيقة معانيها عندما تعرج الروح إلى بارئها مفارقة الجسد لتبدأ ترقيها في العوالم الروحانية الإلهية. ورغم أن هذه المعاني والحقائق تبقى محجوبة عن إدراك البشر، فإن المظاهر الإلهية أصحاب هذه الكلمة يدركون قوة سطوتها وعمق معانيها بصورة كاملة.

 

 

الكلمة الإلهية أصل المعرفة

   

    تلبية لطلب الشيخ محمود، أحد علماء المسلمين الذي اعتنق


الأمر في عكاء فيما بعد،(1) أنزل حضرة بهاءالله لوحا في تفسير سورة "والشمس" الفرقانية، وفيه كشف آفاقا من المعرفة فيما يخص الكلمة الإلهية، وكما نص حضرته، فإنه من كل كلمة منزلة من سماء الوحي جرت الأنهار العذبة السائغة من الأسرار الإلهية والحكم الربانية. وإجابة على سؤال الشيخ نفسه فصّل لكلمة "الشمس" معان عديدة، وأوضح أن لها معان أخرى فوق الحصر بحيث لو انشغل عشرة كتبة في تدوين تفاسيره لها مدة سنة أو اثنتين لما نفدت تلك التفاسير والشروح.

 

    وفيما يلي آيات مقتطفة من ذاك اللوح المبارك الموجه إلى الشيخ محمود:

 

"فاعلم بأنك كما أيقنت بأن لا نفاد لكلماته تعالى أيقن بأن لمعانيها لا نفاد أيضا، ولكن عند مبينها وخزنة أسرارها والذين ينظرون الكتب ويتخذون منها ما يعترضون به على مطلع الولاية إنهم أموات غير أحياء ولو يمشون ويتكلمون ويأكلون ويشربون. فآه آه لو يظهر ما كنز في قلب البهاء عما علمه ربه مالك الأسماء لينصعق الذين تراهم على الأرض. كم من معان لا تحويها قمص الألفاظ وكم منها ليست لها عبارة ولم تعط بيانا ولا إشارة. وكم منها لا يمكن بيانه لعدم حضور أوانها كما قيل (لا كل ما يعلم يقال ولا كل ما يقال حان وقته ولا كل ما حان وقته حضر أهله)، ومنها ما يتوقف ذكره على عرفان المشارق التي فيها فصلنا العلوم وأظهرنا المكتوم. نسأل الله أن يوفقك ويؤيدك على عرفان المعلوم لتنقطع عن العلوم لأن طلب العلم بعد حصول المعلوم مذموم. تمسك بأصل العلم ومعدنه لترى نفسك غنيا عن الذين يدعون العلم من دون بينة ولا كتاب منير..."(7)

___________________________________________________________________

(1) جمع الشيخ محمود كل أحاديث النبي الخاصة بقداسة مدينة عكاء.


    ليست لكلمات المظاهر الإلهية معان باطنية فحسب، بل أن كل حرف منها يكتنز المعاني والأسرار الإلهية. وفي حديث مشهور ينسب للإمام علي بن أبي طالب ورد أن: "كل ما في التوراة والإنجيل والزبور موجود في القرآن، وكل ما في القرآن في الفاتحة، وكل ما في الفاتحة في البسملة، وكل ما في البسملة في الباء، وكل ما في الباء في النقطة..." وليس أدلّ من ذلك صراحة على أن كلمة الله سامية في طبيعتها منزهة عن إدراك الإنسان.

 

    وفي تفسير بعض الحروف المقطعة وبيان معانيها الباطنة أنزل حضرة الباب، المبشر بحضرة بهاءالله، آثارا كتابية لا حصر لها. فعلى سبيل المثال أنزل ما لا يقل عن ثلاثة آلاف آية في شرحه لسورة "والعصر" في القرآن الكريم وفسر فيها حرفها الأول "الواو"، كما أنزل حضرة بهاءالله ألواحا بديعة أسهب فيها في تفسير الحروف المقطعة.

 

 

القلم الأعلى

 

    إن من بين النعم والعطايا النادرة لظهور حضرة بهاءالله ما فاض به قلمه الموصوف بالقلم الأعلى، ويدل هذا الوصف فيما يدل عليه من معان إلى أنه مظهر الروح الأعظم. ولم يسبق في تاريخ الأديان، عدا الظهور البابي، أن ترك المظهر الإلهي للأجيال القادمة تراثا من آثاره الكتابية خطّها بيده. فهناك العديد من الألواح في المواعظ والأدعية والصلوات خطّها حضرة بهاءالله بيده وتشكل هذه الألواح أنفس الآثار البهائية المقدسة.

 

    كثيرا ما كتب الأحباء القدامى رسائل لحضرة بهاءالله يسألونه النصح أو يزودونه بالأخبار، فتنزل الألواح المباركة إجابة عنها، وقد وصف السيد أسد الله القمي كيفية نزولها. فاز هذا المؤمن


بالمحضر المبارك في عام 1886م تقريبا، وأذن له بالإقامة الدائمة في عكاء. فقام على خدمة الأمر الإلهي سنوات عديدة. وقد حظي بخدمة حضرة عبدالبهاء في رحلاته إلى أوروبا وأمريكا طاهيا للطعام. ومما قاله شفاها في وصف تلك الأحداث ما يلي:

 

"أثناء نزول الكلمات الإلهية على حضرة بهاءالله أذكر أن صرير قلم ميرزا آقا جان -كاتب وحيه- كان يسمع من مسافة عشرين قدما(1). ففي تاريخ الأمر لم يرد شيء يذكر في كيفية نزول الألواح. لذلك... سأصفها...

كان للميرزا آقا جان محبرة بحجم الكأس الصغير وأمامه عشرة أقلام إلى اثني عشرة وصحائف كبيرة من الورق مكدّسة أمامه. في تلك الأيام كان آقا جان يتسلم الرسائل الواردة إلى حضرة بهاءالله فيحملها ويتشرف بالمحضر الأبهى ويأخذ في قراءتها بعد صدور الإذن. وبعد ذلك يشير إليه الجمال المبارك أن يمسك بالقلم ليبدأ في تدوين الكلمات النازلة ردّا على الرسالة...

كانت سرعة ميرزا آقا جان في كتابة الألواح حين نزولها لدرجة أن حبر الكلمة الأولى لم يكن ليجف تماما عند كتابة آخر كلمة في الصفحة التي كانت تبدو وكأن أحدا غمس خصلة من شعر في الحبر وحركها على الصفحة بكاملها.

____________________________________________________________________

(1) عادة ما كانت المخطوطات العربية والفارسية تكتب بأقلام صنعت من القصب. وهذا النوع يصدر صوتا عند تحريكه بشكل معين يدعى الصرير. ويستطيع الخطاط أن يسيطر على هذا الصوت إلى حد ما، فبإمكانه إحداث الصوت أثناء الكتابة بحركة معينة أو انحناء في حرف. ولا يدل الصوت على مدى مد الحرف فحسب، بل يثير المشاعر في الخطاط نفسه ومن يشاهده. وقد أشار حضرة بهاءالله في العديد من ألواحه إلى القلم الأعلى للدلالة على مظهر أمر الله وظهوره بالذات، وإلى صرير ذلك القلم تعبيرا عن إعلان رسالته لأهل العالم.


    فالكلمات غير واضحة وليس بمقدور أحد قراءتها سوى   ميرزا آقا جان، حتى هو كان يعجز في بعض الأحيان عن فكّ رموز بعضها فيطلب مساعدة حضرة بهاءالله.(1) وبعد     انتهاء النزول، وحسب الأمر، يعيد آقا جان كتابة الرسالة بخط جميل ويرسلها     لصاحبها...(8)

 

    ووصف ميرزا طراز الله سمندري نزول الألواح بالكيفية نفسها، وهو الذي تشرف في سن السادسة عشر بمحضر حضرة بهاءالله في آخر سنة من ولايته، وقد ولد ميرزا طراز الله في عائلة بهائية في قزوين. كان جدّه من أتباع حضرة الباب ووالده الشيخ كاظم هو أحد حواريي حضرة بهاءالله الذي لقبه بـ"سمندر". قام طراز الله بخدمة الأمر بامتياز كبير، وفي عام 1951م عيّنه حضرة ولي أمر الله أحد أيادي أمر الله(2).

 

    وفي مقابلة معه في طهران ذكر ما يلي:

 

"في تلك الأيام كان حضرة بهاءالله يأمر ميرزا آقا جان أن يتلو على مسامعه الرسائل الواردة، وعند الرد عليها كانت الآيات الإلهية تنزل بسرعة مدهشة بلا تفكر أو تأمل. ولضرورة سرعة الكتابة أثناء نزول الوحي كانت معظم الكلمات غير مقروءة، حتى أن ميرزا آقا جان نفسه كان يجد صعوبة في قراءة بعضها فيلجأ إلى حضرة بهاءالله. وبإعجاز كهذا كانت الكلمات الإلهية تنهمر من سماء إرادة الرحمن على قلب مظهر أمر الله الممرد الصافي، ثم ينطق بها مبرهنة على أحقيته أمام عجز أي من البشر عن الإتيان بمثلها. ويؤكد حضرة بهاءالله على هذه الحقيقة في لوحه المبارك مخاطبا السلطان ناصر الدين شاه بقوله الأحلى:

____________________________________________________________________

(1) انظر نموذج خط ميرزا آقا جان عند نزول الألواح مقابل الصفحة 116.

(2) انظر الحاشية في صفحة 256.


    "ليس هذا من عندي بل من لدن عزيز عليم..."(9) ... شملتني العناية الإلهية مرتين في     المحضر المبارك أثناء نزول الألواح المباركة... كانت الكلمات تنهمر من شفتي المبارك   وهو يذرع الغرفة جيئة وذهابا وكاتب الوحي يدونها... ليس من السهل وصف كيفية نزول     الوحي الإلهي على حضرته."(10)

 

    غالبا ما تشرف الأحباء الأوائل باستلام ألواح مباركة من القلم الأعلى نزلت بحقهم فكانت أثمن ما يملكون، أما أنفسها فهي التي كانت بخط يده ولكن حضرة بهاءالله كان نادرا ما يسبغ هذا الشرف وخاصة بعد فترة أدرنة التي عانى فيها من اعتلال صحته بسبب السم الذي دسه له ميرزا يحيى -الأخ غير الشقيق- حيث ساءت صحته للغاية وفقد الطبيب أي أمل في شفائه لولا القدرة الإلهية التي حفظت حياته. وبقيت الرعشة في يده حتى آخر أيام حياته ونادرا ما أمسك القلم للكتابة إلا في بعض الألواح الخاصة والهامة مثل كتاب عهده وما وجهه لحضرة عبدالبهاء من الألواح والرسائل، ولا بد للقارئ المتفحص أن يلاحظ رعشة اليد في المخطوط من تلك الآثار المباركة.

 

    ترك أحد المؤمنين الأوائل وهو الحاج محمد طاهر المالميري(1) -المؤرخ والمبلغ ذائع الصيت- للأجيال القادمة وصفا ممتعا للكيفية التي استلم بها لوحا بخط يد حضرة بهاءالله. ولد الحاج محمد طاهر في عائلة اعتنقت أمر حضرة الباب في بداية عهده، ولما أصبح شابا يافعا سافر إلى عكاء حيث أمضى تسعة أشهر منجذبا بكلمات مولاه الذي أذن له بالتشرف بمحضره الأنور مرة كل يومين، وبعدها أمره بالرجوع إلى موطنه في يزد بعد أن زوده بما يرشده في تبليغ الأمر الإلهي من تعليمات واضحة. وعلى هذا النحو أنفق السنين الثمانين من باقي عمره في

____________________________________________________________________

(1) والد المؤلف. انظر الملحق رقم 2 للإطلاع على موجز عن حياته.


تبليغ الأمر للمئات من الناس. فروحه التي أنعشها وأحياها إتصالها بحضرة بهاءالله لم تستطع أن تخمد جذوة حماسها وغيرتها أية مصيبة أو محنة. وحتى آخر سني حياته التي بلغت المائة عام تحمل صنوف الآلام وقسوة الاضطهاد بروح لم تعرف إلا الثبات والاستقامة والسرور. وفي ما يلي مقتطف من ذكرياته(1) عن حضرة بهاءالله:

 

"... طلبت في أحد الأيام من ميرزا آقا جان نقل رجائي المتواضع لحضرة بهاءالله أن ينزل لوحا أو سطرا أو حتى بضع كلمات بخط يده. ذلك أنني سمعت أن إحدى نصائح حضرة الباب لمن عاش من أتباعه في أيام "من يظهره الله" أن يسعى في الحصول على لوح أو سطر أو حتى كلمة واحدة من خط يده، لأن امتلاك مثلها لا يعادله شيء في الوجود. رفض ميرزا آقا جان نقل رجائي هذا لعلمه أن مولاه نادرا ما كان يمسك القلم بيده منذ نفيه إلى عكاء. فشعرت بالحزن وخيبة الأمل ولكنني لم أتابع الموضوع. وفي اليوم التالي تشرفت بالمحضر المبارك وكان أول ما أخبرني به هو عن كتابة لوح بخط يده وأنني سأتسلمه فيما بعد. لم تكن الكلمات لتصف سعادتي الغامرة بذلك الفضل غير المتوقع.

       وبعد ذلك بفترة ليست بطويلة سلمت ميرزا آقا جان قائمة بأسماء بعض أحباء يزد وتوسلت بنقل رجائي المتواضع إلى حضرة بهاءالله أن ينزل لوحا بحق كل فرد منهم.(2) وفي

___________________________________________________________________

(1)    لم تنشر بعد مذكرات الحاج محمد طاهر المالميري المكتوبة بالفارسية. ومنذ عام 1951م قدمت النسخة الأصلية منها لولي أمر الله -حضرة شوقي أفندي- حيث تفضل بأنها مخزن غني بالمعلومات الشيقة لمؤرخي المستقبل.

(2) لم يذكر في الطلب كتابة الألواح بخط يد حضرة بهاءالله.


أحد الأيام، بينما كنت في محضره الأنور، أشار إلى قائمة الأسماء هذه وأكد لي نزول لوح لكل واحد منهم، ولم يسمح لي بأخذها معي حفظا على سلامتي، على أن ترسل فيما بعد. وتصورت أن ذلك اللوح الذي وعدني به بخط يده سيرسل إلى يزد مع بقية الألواح. إلا أني كنت مخطئا لأننى تسلمته بعد سنوات...

صدر الإذن في وقت لاحق لوالدتي بالتوجه إلى أرض الأقدس للقاء حضرة بهاءالله، ومنحت الشرف العظيم بالإقامة الدائمة في عكاء. رافق والدتي في رحلتها ابن عمي السيد محمد الذي رجع إلى يزد بعد فترة قصيرة بعد أن استدعاه حضرة بهاءالله وطلب منه عدة أمور من بينها نقل عنايته لهذا العبد وتأكيده على أن لوحا قد نزل في حقي مكتوبا بخط يده كما طلب منه إعلامي بأنني سوف أتسلم ذلك اللوح في مدينة يزد.(11)

 

    وخلال قيامه بتبليغ الأمر المبارك لعدة سنوات واجه الحاج محمد طاهر معارضة شديدة من علماء المسلمين انتهت بإصدار حكم بقتله وقّعه كبير علماء يزد الشيخ محمد حسن السبزواري والذي لقّبه حضرة بهاءالله بـ"ظالم أرض الياء" (يزد). إلا أن الحاج غادر يزد مؤقتا إلى مقاطعة أخرى محافظا على حياته من أجل تبليغ الأمر إطاعة لأمر حضرة بهاءالله. وكتب في مذكراته يقول:

 

"... اتخذت الترتيبات اللازمة لمغادرة المدينة في منتصف الليل، وما أن هممت بالركوب على ظهر الحمار الذي استأجروه لي حتى وصلت سيدة اسمها "بيبي صاحب"، وتعتبر من أكثر نساء يزد المؤمنات تضحية... وسلمتني لوحا بخط يد حضرة بهاءالله. وعندما سألتها كيف


حصلت عليه أجابت: (قبل 24 عاما، عندما عاد "رضى الروح"(1) من بغداد،(2) وضع هذا اللوح عندي أمانة حسب تعليمات حضرة بهاءالله وقال بأن صاحبه سيأتي في وقت لاحق، وبعد مضي اثني عشر عاما على استشهاد "رضى الروح" قادني حدسي أن أسلّمك إياه). فأخذته بسرور لا حدّ له... وأكّد حضرة عبدالبهاء... فيما بعد أنه هو اللوح الذي أنزله حضرة بهاءالله خصيصا لي.(12)

 

 

أصالة الكلمة الإلهية

 

    كانت بعض آثار حضرة بهاءالله، التي كتبت ردا على استفسار الأحباء، تبدو كأنها من إنشاء ميرزا آقا جان نفسه، إذ كانت أحيانا مؤلفة من قسمين واضحين كل منهما بأسلوب خاص يختلف عن الآخر. أحدهما كان يبدو وكأنه كلمات كاتب وحيه والآخر كأنه من كلمات حضرة بهاءالله. أما الحقيقة الثابتة فإن كل كلمة في مثل هذه الآثار بغض النظر عن أسلوبها ومحتواها كان حضرته قد أملاها على كاتب وحيه. ولحكمة نجهلها كان حضرته يملي اللوح وكأن أحد أجزائه من وضع ميرزا آقا جان والآخر من كلماته، وذهب بعض الأحباء خطأ إلى الاعتقاد بذلك.

 

    حتى نستطيع أن نقدر مدى الاضطراب الذي وقع فيه المؤمنون الأوائل نتيجة لذلك، من الضروري أن نزداد معرفة بحياة ميرزا آقا جان. خدم هذا الرجل مولاه قرابة الأربعين عاما، ليس كاتبا لوحيه فحسب، بل مرافقا وخادما خلال فترة ولايته عدا سنتين أمضاهما

___________________________________________________________________

(1)    رجل دين معروف من قرية منشاد قرب يزد. آمن بالدين البابي في بدايته وذهب إلى بغداد حيث تشرف بمحضر حضرة بهاءالله.

(2)    عندها كان الحاج محمد طاهر لا يزال طفلا. مما يعني أن اللوح المبارك نزل بحقه في بغداد قبل طلبه بعدة سنوات.


حضرة بهاءالله معتكفا في كردستان، وخلالها انخرط ميرزا آقا جان في خدمة ميرزا يحيى الذي أرسله إلى طهران في مهمة سرية لاغتيال ناصر الدين شاه. وبعد وصوله طهران بفترة قصيرة استطاع أن يدخل بلاط الشاه متخفيا بلباس عامل، إلا أنه فشل في تنفيذ مهمته المشئومة هذه ورجع على أعقابه إلى بغداد مدركا مدى حماقته وغفلته.

 

    وعادت نار المحبة إلى الاشتعال في قلب ميرزا آقا جان بعد رجوع مولاه إلى بغداد وانتهاء مناورات ميرزا يحيى، وبدأ في خدمته كاتبا للوحي بكل غيرة وإخلاص.

 

    إلا أنه في السنوات الأخيرة من خدمته لحضرة بهاءالله بدأ الغرور يتغلغل في نفسه. وقبل الصعود بفترة قصيرة، وفي مناسبات عدة، تسبب في تكدير خاطر حضرة بهاءالله وإحزان قلبه بسبب تصرفاته ومواقفه مما أفقده تلك الحظوة والعناية. وفي تلك المناسبات كان حضرة عبدالبهاء هو الذي يوبخه على سلوكه.

 

    قبل الصعود المبارك بفترة قصيرة توجه الحاج ميرزا عبد الله -والد زوجة الشهيد ورقاء(1)- بسؤال حضرة بهاءالله شخصيا عن تلك الألواح التي كانت تبدو من إنشاء ميرزا آقا جان مستفسرا عن المصدر الحقيقي لها، إلا أن حضرة بهاءالله بيّن له أن الإجابة يجب أن تصدر من آقا جان نفسه. وقد أشار حضرة عبدالبهاء إلى هذه الحادثة في إحدى خطبه في حيفا عام 1919م حيث ذكر بأن إجابة ميرزا آقا جان لم تكن فورية مما اضطر بعض الأحباء إلى أن يقوموا ضده.

 

    في أحد الأيام التي سبقت صعود حضرة بهاءالله وخلال

___________________________________________________________________

(1) من حواريي حضرة بهاءالله المميزين، سيشار إليه في مجلدات قادمة.


مرضه، وجد حضرة عبدالبهاء بعض الأحباء يتجادلون وقد انقسموا إلى فئتين على رأس إحداهما النبيل الأعظم وعلى رأس الفئة الأخرى فروغية -ابنة حضرة بهاءالله وزوجة الحاج السيد علي أفنان- التي نقضت العهد والميثاق مع زوجها فيما بعد. فما كان منه إلا أن أوقف جدالهم وعنفهم بشدة على هذا الانقسام الذي لا مبرر له في مثل ذلك الوقت الحرج.

 

    وقد علم حضرة عبدالبهاء حينذاك أن ميرزا آقا جان خاطب حضرة بهاءالله بعجرفة مسببا له الحزن العميق وعلى الفور واجه حضرة عبدالبهاء كاتب الوحي ووبّخه على هذا التصرف المشين، ومع ذلك دخل حضرة عبدالبهاء إلى المحضر المبارك ثلاث مرات منطرحا على أقدام الجمال المبارك متضرعا سائلا العفو والغفران لميرزا آقا جان.

 

    بعد تلك الأحداث بفترة قصيرة حدث الصعود المبارك، وعندها طلب حضرة عبدالبهاء من ميرزا آقا جان أن يرسل جوابه، الذي طال انتظاره، للحاج ميرزا عبد الله، وقد استجاب لذلك برسالة واضحة للغاية خطها بيده مؤرخة بشهر واحد بعد الصعود. وفيها ذكر بشكل لا لبس فيه بأن كل كلمة في الألواح التي بدت وكأنها من وضعه هي في الحقيقة ما أملاه عليه حضرة بهاءالله. وفيما يلي شهادته كما كتبها:

 

"لم تصدر من هذا العبد أية كلمة، فكلها نزلت من ملكوت الله ربي وربكم وربّ كل من في السموات والأرضين، بعد صدور الإذن لي، وفي المحضر المبارك، كنت دائما أقرأ الرسائل الموجهة لي ثم يأمرني أن أمسك القلم لأكتب ما ينزل من لسانه المبارك من أوله حتى آخره. فأسلوبه في الإملاء لم يكن هكذا معي فقط، إذ كثيرا ما نطق


لسان العظمة(1) بما يعد كأنه كلمات الأصحاب أو الأحباب الذين يأتون للزيارة من أماكن قصية بما يملأ كتابا هائلا لكل العالم... لم أكن إلا خادما يسجل كلماته في محضره الأبهى...(13)

 

 

المعرفة الحقيقية

 

    في "سورة الهيكل" المنزلة في عكاء تفضل حضرة بهاءالله بأن الآيات الإلهية في هذا الظهور نزلت على تسعة شؤون. وفي دراسة مستفيضة لآثاره المنيعة فصّل العالم البهائي المعروف، جناب فاضل المازندراني، هذه الشؤون(14) بما يلي:

 

1- ألواح نزلت بلحن القوة والسلطنة.

 

2- ألواح نزلت بلحن العبودية والتبتل والمناجاة.

 

3- ألواح تفسر ما سبق من الكتب السماوية وما مضى من العقائد والمذاهب الدينية.

 

4- ألواح تسن القوانين الشرعية بما يلائم العصر وتنسخ الأحكام السابقة.

 

5- ألواح في العرفانيات.

 

6- ألواح في شؤون الحكومة والنظام العالمي وما وجه للملوك.

 

7- ألواح في العلم والحكمة والفلسفة في بيان أسرار الخليقة والطب والكيمياء وغيرها.

 

8- ألواح في التعليم والتهذيب والفضائل السماوية.

 

9- ألواح في التعاليم الاجتماعية.

____________________________________________________________________

(1) حضرة بهاءالله.


    فآثار حضرة بهاءالله الكتابية واسعة شاملة وقد نزلت في أساليب مختلفة وقوالب متنوعة تناولت كل حاجات الإنسان الروحانية والجسمانية. وفتحت للأبصار آفاقا شاسعة من الحكمة والمعرفة، ومع هذا فهي سهلة الفهم لكل قلب طاهر صاف. إن فهمنا لدين حضرة بهاءالله لا يعتمد بالضرورة على العلوم الأكاديمية، إذ أن الأمي البسيط قادر على معرفة المصدر الإلهي لهذا الدين وفهم تعاليمه.

 

    وحقا يقال بأن أبرز أتباع حضرة بهاءالله من الذين أضفت سيرهم النبيلة نورا أضاء تاريخ العصر البطولي لدين الله، فخلدت أسماؤهم ليصبحوا عمالقة روحانيين في هذه الدورة. لقد كان التحصيل العلمي لهؤلاء في الواقع بسيطا أو معدوما.

 

    إن الذين استنارت قلوبهم بأنوار حضرة بهاءالله يمنحون قدرة جديدة تنير عقولهم بمعرفة لا تعتمد على علوم الدنيا المكتسبة، بل تعتمد على علم روحاني وهو ذلك العلم الذي أشير إليه في الإسلام بقول رسوله الكريم بأنه "نور يقذفه الله في قلب من يشاء" ويصفه حضرة بهاءالله بقوله: "وهذا النوع من العلم هو الذي كان ولا يزال ممدوحا، لا العلوم المحدودة الحادثة من الأفكار المحجوبة الكدرة، التي تارة يسرقونها من بعض، ويفتخرون بها على الغير".(15)

 

    إن دراسة أعمق لحقائق دين حضرة بهاءالله ونظرة أنفذ إلى أسرار ظهوره لا تعتمد بالضرورة على القدرة العقلية أو العلوم الأكاديمية، بل أن مثل هذه العلوم غالبا ما تصبح حجابا بين الإنسان وخالقه. وفي أحد ألواحه يستعرض حضرة بهاءالله مشهدا أخاذا للأسرار الإلهية مصورا لنا بلغة رائعة ظهور بعض الصفات الإلهية أمام ناظريه، وكل صفة منها تحكي عن معالمها المميزة


بأسلوب تصويري. وعندما تتكلم صفة العلم عن نفسها تبدأ في البكاء بصوت مرتفع قائلة بأنها كانت أعظم تلك الصفات ومصدر كل العلوم لمن في الإمكان، إلا أن البشرية بسببها غشت أبصارها عن معرفة مظاهر الله.

 

    ليس المقصود مما ذكر أن العلم مذموم، بل على العكس من ذلك، فإن حضرة بهاءالله يعتبر العلم موهبة إلهية عظيمة، وأشار إلى أن الدين والعلم توأمان. وحثّ أتباعه على دراسة العلوم والفنون، وفرض التعليم الإجباري وأثنى على العلماء الذين لا يقودهم علمهم إلى الكبر والغرور بل وأجلّ مقامهم. فإن اقترنت علومهم ومعرفتهم بمعرفة الله حق لهم أن يتلقوا المديح والتقدير، ورفع حضرة بهاءالله من قدر هؤلاء ووصفهم بـ"أمواج البحر الأعظم" وأنجم سماء الحكمة لكل الخلائق أجمعين".(16)


الفصل الرابع

 

أول فيوضات القلم الأعلى

 

 

قصيدة "رشح العماء"

 

    إن أول ألواح حضرة بهاءالله، حسب معرفتنا، قصيدة "رشح العماء" التي نزلت بالفارسية في سجن سياه ﭽال بطهران بعد تجلي الروح الأعظم مباشرة على روحه المتألقة. إنها ترنيمة النصر والفرح، ورغم أنها نزلت بلغة الإشارات والتلميحات فإن تجربته الإلهية معلنة فيها بوضوح. في كل بيت فيها يمجد بهاء الخالق الذي أصبح مظهرا له، وفي كل عبارة يكشف العوالم الروحانية التي ظهرت في روحه.

 

    ومع أن هذه القصيدة تقع في تسعة عشر بيتا فقط، إلا أنها تعتبر مجلدا ضخما يختزن الطاقات والسمة والقوة والمجد الذي ميز السنوات الأربعين اللاحقة من الوحي الإلهي. إنها البشائر تعلن انطلاق قوى روحانية وصفها حضرة بهاءالله بمنتهى الجمال كأنها هبات النسيم تعبق بالمسك الإلهي، وظهور البحر الأعظم لأمر الله. هي نفخة الصور وتدفق ماء الحيوان وشدو ورقة الفردوس ومجيء حورية القدس. وبكلمات رائعة مثيرة للشجون ينسب هذه القوى إلى نفسه. إن بلاغة التعبير وما اختزنته هذه القصيدة، وقصائد أخرى مماثلة، من قوة وعمق وسحر وجمال، جعلت منها بلا شك قصائد تصعب ترجمتها.

 

    في هذه الترنيمة الإلهية كشف حضرة بهاءالله لأول مرة عن إحدى سمات ظهوره الفريدة، مجيء "يوم الله" الذي نسبه إلى نفسه في تلك المرحلة المبكرة من ولايته وأعلن أن ظهوره هو


"اليوم" الموعود في الإسلام عندما يتحقق القول المعروف "أنا هو". حيث "أنا" تعني شخص المظهر الإلهي أي حضرة بهاءالله نفسه و"هو" تعني "الله". وهذا أكبر دليل على عظمة ظهوره. وفي الحقيقة فإن حضرة بهاءالله قد أعلن في العديد من ألواحه المباركة أنه المتكلم باسم الحق بقوله: "أنا الله"، على أن هذه الوحدة مع الله تكون في عالم الصفات لا في جوهر الحق. وهذا ما أوضحه بقوله الأحلى:

 

"... أن غيب الهوية وذات الأحدية كان مقدسا عن البروز والظهور، والصعود والنزول والدخول والخروج، ومتعاليا عن وصف كل واصف وإدراك كل مدرك، لم يزل كان غنيا في ذاته، ولا يزال يكون مستورا عن الأبصار والأنظار بكينونته."(1)

 

    في أحد أحاديث الشيعة ورد أن "القائم الموعود" سينطق بكلمة يفر منها نقباء الأرض. وفي لوح مبارك شرح حضرة بهاءالله بأنها هي التحول من "هو" إلى "أنا". فبدلا من قوله "هو الله" سينطق في هذا اليوم "أنا الله والذين حرموا من نفاذ البصيرة ونعمة الإدراك سينفضون من حوله.

 

    إن نزول هذه القصيدة المبهجة المدهشة في سجن سياه ﭽال، في وقت عانى هيكله المبارك من صنوف الشدائد المروعة، لهي دليل على روحة المحيية النافذة التي لا تقهر، وهي اللوح الوحيد -حسب تقديرنا- الذي نزل في البقعة التي شهدت مولده، تلك الأرض التي أحبها وكانت مهد وحيه.


مدينة طهران

 

    خلال نفيه الذي دام أربعين عاما، غالبا ما كان حضرة بهاءالله يتوجه بأفكاره إلى طهران تراوده ذكرى تلك الأحداث الخطيرة التي رافقت فجر وحيه. وفي كثير من ألواحه مجدها وناداها بـ"أرض الطاء" وأشار بأنها "أم العالم" و"مشرق أمر الله" و"مطلع الوحي" و"المدينة المباركة النوراء" و"مقر الفردوس الأعلى" و"أرض النوراء" و"مطلع فرح العالمين".(2)

 

    كتب حضرة بهاءالله في "الكتاب الأقدس" هذه الكلمات الباعثة على الاطمئنان:

 

"يا أرض الطاء، لا تحزني من شيء قد جعلك الله مطلع فرح العالمين، لو يشاء يبارك سريرك بالذي يحكم بالعدل ويجمع أغنام الله التي تفرقت من الذئاب. إنه يواجه أهل البهاء بالفرح والانبساط، ألا إنه من جوهر الخلق لدى الحق عليه بهاء الله وبهاء من في ملكوت الأمر في كل حين. افرحي بما جعلك الله أفق النور بما ولد فيك مطلع الظهور وسميت بهذا الاسم الذي به لاح نير الفضل وأشرقت السموات والأرضون. سوف تنقلب فيك الأمور ويحكم عليك جمهور الناس إن ربك لهو العليم المحيط. اطمئني بفضل ربك إنه لا تنقطع عنك لحظات الألطاف. سوف يأخذك الاطمينان بعد الاضطراب، كذلك قضي الأمر في كتاب بديع..."(3)

 

    والمراد من الآية "وسميت بهذا الاسم الذي به لاح نير الفضل وأشرقت السموات والأرضون"، إنه بحساب أحرف الجمل العربية فإن قيمة "ط"، الحرف الأول من طهران، تساوي 9 وتساوي القيمة العددية لـ"بهاء" -اسم الله الأعظم- وهو امتياز عظيم عند الباري. وفي أحد ألواحه المباركة أشار حضرة بهاءالله إلى أن حرف


الطاء هو سلطان الحروف. وحتى ندرك هذه المسألة تماما علينا أن نلم ببعض أساسيات اللغة العربية. فهي غنية بمفرداتها معبرة بمصطلحاتها. وحيث أن لكل حرف فيها قيمة عددية أصبح بالإمكان التعبير عن الكلمات بالأعداد أو بالعكس. وقد أثرى طلاب العلم وأهل القلم الأدب العربي باستخدامهم ذلك الفن الذي امتدت جذوره إلى اللغة الفارسية وأصبح شائع الاستعمال فيها. وغالبا ما كانوا يعتبرون استعمال الكلمات للدلالة على الأعداد في هاتين اللغتين أكثر إيضاحا وأبلغ تعبيرا. ولنأخذ مثلا ما كتبه النبيل الأعظم -المؤرخ والشاعر المعروف- في فاجعة صعود حضرة بهاءالله وهي مرثاة شعرية مؤثرة ختمها ببيت أشار فيه إلى سنة الصعود فقال: "قد غادر الرب هذا العالم"، فإذا جمعنا القيمة العددية لأحرف "قد غادر" يكون الناتج 1309 هجرية وتطابق 1892م. وهو أسلوب أفصح بلاغة عنه في التعبير عدديا. وقد تضمنت آثار حضرة بهاءالله وحضرة الباب هذا الفن الأدبي، ليس من أجل تفسير الكثير من نبوءات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة التي ما زالت معانيها مستورة ومقاصدها مخفية فحسب، بل للتعبير عن بعض المعاني للاسم أو الكلمة أو العدد.

   

    لأحد الأحباء الذين تشرفوا بالمحضر المبارك في عكاء، ثم يمّم شطر طهران في الرجوع، وجه حضرة بهاءالله لوحا بث فيه لواعجه للمدينة التي شهدت مولده، حيث تفضل:

 

"إذا رأيت سواد مدينتي قف وقل: يا أرض الطاء، قد جئتك من شطر السجن بنبأ الله المهيمن القيوم. قل يا أم العالم ومطلع النور بين الأمم أبشرك بعناية ربك وأكبر عليك من قبل الحق علام الغيوب. أشهد فيك ظهر الاسم المكنون والغيب المخزون، وبك لاح سر ما كان وما يكون..."(4)


    وفي لوح مبارك آخر نزلت الكلمات التالية إعزازا لها:

   

"يا أرض الطاء، اذكري أيام كنت مقرا للعرش، وأنواره ظاهرة باهرة من أبوابك وجدرانك، كم من نفوس مطمئنة فدوا أنفسهم وأرواحهم لحبك. طوبى لك ولمن سكنك. كل ذي شم وجد منك عرف المقصود، قد ظهر فيك ما كان مستورا، ولاح ما كان مخفيا. من أذكر من العشاق الصادقين الذين فدوا أرواحهم فيك وتواروا في ترابك. لم تنقطع عنك نفحات القميص الإلهي ولن تنقطع. إنّا نذكرك ومن ستر فيك من المظلومين والمظلومات. إنّا نذكر أختي إظهارا لعنايتي وإبرازا لوفائي التي رجعت إلى الحق بالمظلومية الكبرى، ما اطلع بذلك إلا علمي المحيط".(5)

 

 

أخوات حضرة بهاءالله

   

    يشير هذا اللوح المبارك إلى الأخت الشقيقة لحضرة بهاءالله -سارة خانم- التي أنزل بحقها العديد من الألواح المباركة. كانت تكبره في السن إلا أنها كانت أيضا من أتباعه المخلصين الثابتين. توفيت في طهران عام ‍1296ه‍ (حوالي 1879م)، ودفنت على مسافة قريبة من المدينة. لقد حظيت بتقدير كبير من حضرة بهاءالله حتى أنه ذكر في أحد ألواحه بأن من زار مرقدها فله أجر من زاره هو. كان للجمال المبارك خمس أخوات غيرها، إحداهن غير شقيقة وهي سكينة خانم المعروفة بـ"طلان خانم"(1) وبعكس الأخريات كانت مؤمنة مخلصة وعانت الكثير في سبيل أمر الله، وحظيت من حضرة بهاءالله بالمحبة والعطف الكبير، دفنت في قرية تاكور بمقاطعة نور، وأنزل حضرة عبدالبهاء لوح زيارة

_____________________________________________________________________

(1) ابنة والدة حضرة بهاءالله من زواج سابق.


خاص بها. أما باقي الأخوات الأربعة فاثنتان حرمتا من نعمة الإيمان واثنتان انضمتا لأتباع ميرزا يحيى، إحداهما "شاه سلطان خانم" المعروفة بـ"خانم بزرك" التي وقفت ضد حضرة بهاءالله وسببت له الكثير من الألم والأسى حيث أشار إليها في "لوح ابن الذئب" بما يلي:

 

"... حمل حسن المازندراني(1) سبعين لوحا معه وبعد وفاته لم تعط لأصحابها بل عهد بها إلى إحدى أخوات هذا المظلوم التي أعرضت عنا بغير سبب. الله يعلم ما ورد على ألواحه،(1) وتلك الأخت لم تسكن معنا أبدا. قسما بشمس الحقيقة إنه بعد حدوث هذه الأمور لم تر هذه الأخت ميرزا يحيى أبدا ولم تطلع على أمرنا لأنها لم تكن متفقة معنا فكانت حضرتها تقيم في مكان وهذا المظلوم يقيم في مكان آخر... وبعد ذلك اتبعت ميرزا يحيى، ونسمع أن الحال قد اختلف ومن غير المعلوم ما تقوله وما تفعله. نسأل الله تبارك وتعالى أن يرجعها إليه ويؤيدها على الإنابة لدى باب فضله..."(6)

 

 

مناجاة أنزلت أثناء مغادرة حضرة بهاءالله بلاد فارس

 

    إن فيض القلم الأعلى الذي بدأ في طهران بنزول قصيدة "رشح العماء" قد استمر أثناء رحلة نفي حضرة بهاءالله إلى أرض

____________________________________________________________________

(1) ابن عم حضرة بهاءالله وأحد أتباعه المخلصين. تشرف بالحضور المبارك عدة مرات في عكاء وفي كل منها، وحين عودته إلى بلاد فارس، كان يحمل بعض الألواح المباركة لتسليمها للأحباء.

(2) في آخر زيارة له توفي قبل أن ينجز مهمته في إيصال سبعين لوحا إلى أصحابها، فوقعت في يد شاه سلطان خانم، الأخت غير الشقيقة لحضرة بهاءالله، المذكورة في الفقرة أعلاه. وحسب معلوماتنا فإن تلك الألواح المباركة لم تسترد.


العراق. وفيما يلي مقتطف من مناجاة صدحت بها الجبال الغربية للبلاد الفارسية خلال سيره في أشهر الشتاء القاسية تصور لنا شدة المصاعب والمعاناة التي أحاطت به في فجر ولايته:

 

"إلهي وسيدي ورجائي... خلقت ذرة التراب هذه بقدرتك الكاملة وربيته بأياديك المبسوطة... قدرت له يا إلهي من الرزايا والبلايا ما لا يقدر على وصفه لسان، ولا تسعه صفحات الألواح. إن العنق الذي عودته ملمس الحرير قد قيدته آخر الأمر بأغلال غليظة والبدن الذي نعمته بلباس الدمقس والديباج أخضعته في النهاية لذل الحبس، قلدتني قضاؤك قلائد لا تحد، وطوقتني أطواقا لا تفك، وانقضت سنون تنهمر علي فيها البلايا كشآبيب الرحمة... فكم من ليلة حرمتني السلاسل والأغلال فيها الراحة، وكم من يوم عزتني فيه السكينة بما اقترفت أيدي الناس وألسنتهم وحرموا على هذا العبد حينا الخبز والماء اللذين قدرتهما برحمتك الواسعة لوحش الفلاة وآذوني بما لم يؤذوا به من أعرض عن أمرك. وأخيرا نزل حكم القضاء وصدر الأمر بإخراج هذا العبد من إيران تصحبه جماعة من العباد الضعفاء والأطفال الأبرياء في ذلك الحين الذين اشتد فيه البرد حتى ما يستطيع الإنسان أن يتكلم، وكثرت فيه الثلوج والجليد حتى لم تعد هناك قدرة على الحركة".(7)


صفحة خالية
الفصل الخامس

 

بواكر الألواح النازلة في العراق

 

 

الظروف المحيطة بساعة الوحي

 

    حتى نتمكن من فهم آثار حضرة بهاءالله التي نزلت في العراق، علينا أن نلم أولا بالظروف والأحداث التي واكبته في تلك الديار. إن مدة إقامته في العراق التي امتدت عشر سنوات يمكن تقسيمها إلى ثلاث فترات: الأولى شهدت إشراق وحيه والأزمات التي عصفت بجامعة البابيين نتيجة تمرد أخيه غير الشقيق ميرزا يحيى(1). والثانية فترة عانت فيها شمس وحيه كسوفا خاطفا في خلوته الطوعية في جبال كردستان النائية، والثالثة فترة إشراق تدريجي للشمس نفسها وإشعاع متعاظم لنورها لتبلغ سمتها في إعلان دعوته في حديقة الرضوان خارج بغداد.

 

    لم تكن شهرة ميرزا يحيى نتيجة ما تمتع به من مواهب خاصة، بل على الأرجح أنها كانت بسبب صلة القرابة التي كانت تربطه بحضرة بهاءالله. ولكي تتحول أنظار أعداء الدين بعيدا عن حضرته الذي كان محط أنظار المؤمنين الأوائل، رحب حضرة الباب فورا بالاقتراح الذي يسمي ميرزا يحيى، الفتي غير المعروف نسبيا، رئيسا للبابيين. وكان صاحب هذا الاقتراح حضرة بهاءالله، ولم يعلم بهذه الخطة سوى اثنين من المؤمنين فقط وهما: ميرزا موسى (آقاي كليم)، الأخ المخلص لحضرة بهاءالله، والملا عبد الكريم القزويني الذي عهد إليه حضرة الباب قبل استشهاده بصندوق أقلامه وأختامه وكتاباته ليسلمها لحضرة

__________________________________________________________________

(1) عرف بلقب "صبح الأزل".


بهاءالله. وقد استشهد الملا عبد الكريم فيما بعد في طهران أثناء حبس حضرة بهاءالله في سجن سياه ﭽال.

 

    تجلت مزايا هذا التنصيب واضحة فيما بعد، فمع مرور الوقت على هذا التدبير، أدرك الذين أنعم الله عليهم بنفاذ البصيرة والحكمة أن ميرزا يحيى لم يكن أكثر من رئيس صوري، وأن حضرة بهاءالله وحده هو المرشد والمدبر الفعلي لشؤون البابيين بعد استشهاد سيدهم.

 

    وعندما وصلت طهران أخبار استشهاد حضرة الباب اهتزت لها أركان ميرزا يحيى، ابن التسعة عشر عاما، وفزع ثم فر متنكرا إلى جبال مازندران بحثا عن ملجأ للأمان. وكان من عمله الجبان هذا أن كثيرا من المؤمنين خرجوا عن الدين حتى أن بعضهم انضم إلى الأعداء. وبعد أن جاب ميرزا يحيى شمالي فارس وغربها هائما ضالا قرابة سنتين، تتبع آخر الأمر آثار حضرة بهاءالله إلى العراق، إلا أن الرعب والقلق ملكا عليه نفسه من أن ينكشف أمره، فظل معظم وقته متخفيا متنكرا. وكان على درجة من الهلع حتى أنه هدد في إحدى المرات بطرد كل بابي يكشف علنا عن منصبه أو يشير إليه بإشارة قد تفصح عن شخصيته وهو يعبر شوارع بغداد وأسواقها.

 

    لم يكن افتقار ميرزا يحيى الشديد للشجاعة والإخلاص قد آذى الدين الجديد بقدر اعتراضه على من هو "المظهر الكلي الإلهي" لهذا العصر، وأصبح يشعر بالغيرة نحو حضرة بهاءالله لارتفاع شأنه عند الصديق والعدو على السواء، وشاهد بأم عينيه نفوذه وعظمته ومدى تأثيره على أهالي بغداد، رفيعهم ووضيعهم. كان ميرزا يحيى شديد القلق على مركزه الذي قوضته خيبة أمل كثير من البابيين البارزين الذين أدركوا ضحالة علمه وضآلة معرفته


وغارت هممهم بسبب خسته وخداعه. وهكذا، وبدعم من السيد محمد الإصفهاني المعروف بسمعته السيئة، أخذ يبذر زؤان الشك في عقول الذين انجذبوا نحو حضرة بهاءالله وسعى بطرق شتى إلى تشويه سمعته وإحباط مساعيه في بعث الروح من جديد في جامعة البابيين التي ابتليت بالتفسخ والانحلال في صميم مصيرها ومقدراتها.

 

    وتنفيذا لمكائد السيد محمد الشرير الفاسد، وخلافا لتعاليم حضرة الباب وتجاوزا عن أية سلطة أو تفويض، ادعى ميرزا يحيى بأنه خليفة حضرة الباب، وهذا ما لم يشر إليه حضرته في آثاره. وبتعاونه الوثيق مع السيد محمد، أوجد ميرزا يحيى خلافا أحدث شرخا في صفوف المؤمنين. وانشغل الاثنان في نشر الأراجيف ضد حضرة بهاءالله بطرق خبيثة، واتهماه بأنه هادم دين حضرة الباب ومقوض أحكامه.

 

    بهذه المكائد الخبيثة، بلغت محن حضرة بهاءالله وآلامه ذروتها، إلى أن جاء يوم غادر فيه بغداد، دون علم أحد حتى عائلته، واعتزل في جبال كردستان النائية قرابة سنتين. وكتب في "كتاب الإيقان" ما يلي: "وكان مقصودي من ذلك- أن لا أكون علة اختلاف الأحباب، ولا مصدر انقلاب الأصحاب. وأن لا أكون سببا في ضر أحد، ولا علة لحزن قلب".(1)

 

    أما الكلمات الإلهية التي نطق بها حضرة بهاءالله في السنة الأولى من إقامته في العراق وقبل عزلته، فقد بقي الجزء الأكبر منها بلا تدوين، وترك ما دوّن منها على شكل ألواح للأجيال القادمة. وتعكس هذه الألواح الحزن والأسى اللذين شعر بهما حضرة بهاءالله من جراء خيانة ميرزا يحيى وبعض أصحابه الخسيسين.


"لوح كل الطعام"

 

    قبل مغادرة حضرة بهاءالله بغداد إلى كردستان بوقت قصير أنزل "لوح كل الطعام" ووجهه إلى الحاج ميرزا كمال الدين من أهل مدينة نراق، حفيد الحاج الملا مهدي الذي كتب شرحا في استشهاد الإمام الحسين بلغة مؤثرة، ممجدا فضائله، متفجعا على موته، حتى أن حضرة الباب اغرورقت عيناه بالدموع عندما استمع إلى تلاوة ذلك الشرح وهو سجين في قلعة ماه كوه.

 

    كان الحاج ميرزا كمال الدين رجل علم وثقافة، آمن بالدين البابي على يدي شخص يدعى الملا جعفر، الذي تشرف بمحضر حضرة الباب في كاشان. وسافر الحاج ميرزا كمال الدين إلى بغداد ليقابل ميرزا يحيى -المعروف آنذاك برئيس البابيين- ليستنير من علمه. ولما لم يستطع الوصول إلى ميرزا يحيى، كتب رسالة لحضرة بهاءالله يرجوه فيها سؤال ميرزا يحيى تفسير آية في القرآن الكريم طالما حيرته وهي "كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه".(2)

 

    نقل حضرة بهاءالله الرسالة إلى ميرزا يحيى الذي جاء تفسيره سطحيا قاصرا خيب آمال الحاج كمال الدين تماما وزعزع إيمانه بالنسبة لميرزا يحيى. عندها توجه إلى حضرة بهاءالله ورجاه تفسير الآية المذكورة فنزل "لوح كل الطعام" باللغة العربية إجابة على طلبه.

 

    بمجرد أن تسلم الحاج ميرزا كمال الدين اللوح المبارك وتلاه بتمعن، انشرحت نفسه وقويت عزيمته وامتلأ قلبه بنفحة جديدة واستضاءت روحه بنور اليوم الجديد، وفيه وجد ينبوع العلوم وتوصل إلى عرفان مقام صاحبه بأنه "من يظهره الله" فأعلن إيمانه وقدم ولاءه لمولاه الذي حذره من الكشف عن حقيقة ما


وجد وأمره بالرجوع إلى بلدته نراق ومشاركة الأحباء بهذا اللوح.

   

    فأطاع الحاج وأمضى بقية حياته خادما لأمر الله بكل عشق وتفان إلى أن توفي عام 1881م في نراق.

 

    ففي هذا اللوح الذي سبق هجرته إلى كردستان أفصح حضرته عن نيّته مغادرة بغداد، وبث أحزانه وآلامه التي أثقلت كاهله من الذين ادعوا ترويج أمر الله حيث تفضل:

 

"تموجت علي أبحر الحزن التي لن يقدر أحد أن يشرب قطرة منها، وحزنت بشكل تكاد الروح أن تفارق من جسمي... أن يا كمال، اسمع نداء تلك النملة الذليلة المطرودة التي خفي في وكره ويريد أن يخرج من بينكم ويغيب عنكم بما اكتسبت أيدي الناس وكان الله شهيدا بيني وبين عباده... فآه آه... لنسيت كل ما شهدت من أول يوم الذي شربت لبن المصفى من ثدي أمي إلى حينئذ بما اكتسبت أيدي الناس".(3)

 

    ويبدو أن الآية القرآنية حول طعام بني إسرائيل قد نزلت ردا على إصرار اليهود بأن أحكام الإسلام بتحريم بعض أنواع الطعام، خلافا لما يدعيه المسلمون، لا تتفق وأحكام اليهودية. وقد شرح حضرة بهاءالله أن لهذه الآية في العوالم الروحانية الإلهية معان لا تحصى ومعظمها فوق إدراك البشر، وأنه قادر على الكشف عن معانيها لسنوات عدة بعلمه الذي أحاط العالمين، وقد فسر بعضا منها مبينا المعنى الروحاني للطعام. وهكذا كشف النقاب عن المدى الشاسع لما تتمتع به عوالم الله الروحانية المنزهة عن العد والحد، والمقدسة عن الفهم والإدراك، من عظمة وبهاء وأسرار خفية، وآفاق واسعة.

 

    ذكر حضرة بهاءالله في لوحه المبارك هذا أربعة من هذه


العوالم. وحتى ندرك بعض أسرارها، دعونا نوجه أفكارنا إلى المخلوقات على وجه الأرض. فهناك الممالك المختلفة التي تعيش معا، وكل يسعى إلى تحقيق هدفه. ويمكننا القول بأن الإنسان يعمل في ثلاثة محاور في آن معا. فقياسا بالممالك الأدنى مثل النبات والحيوان فإنه هو المتفوق والمهيمن، بينما في مملكته عليه أن يعيش مع أقرانه في وئام واتحاد، أما بالنسبة إلى المظاهر الإلهية فهو في رتبة أدنى. ففي مثالنا هذا يمكننا ملاحظة ثلاث مراتب من المواهب والصفات التي يمكن للإنسان أن يتبوأها مع الحفاظ على إنسانيته: الوحدة، العبودية، التفوق.

 

    وهكذا فإن عوالم الله المذكورة في اللوح المبارك تقع في مراتب متباينة، منها مقام عرش "الهاهوت" وهو "جنة الأحدية" كما وصفه حضرة بهاءالله، وهو أيضا "مقام سر الصمدانية"، و"آنية الأحدانية". وهذا المقام لا تدركه حتى المظاهر الإلهية لسمو قداسته. وقد تفضل حضرة بهاءالله في أحد ألواحه قائلا:

 

"من الأزل الذي لا يعرف، كان الله محتجبا في حقيقة ذاته العليا، وإنه لا يزال مخفيا يكون إلى الأبد في سر جوهره الذي لا يعرف... فقد انصعق عشرات الآلاف من الأنبياء كل كان موسى في سيناء البحث عن صوت الله الناهي (إنك لن تراني) بينما ربوات المرسلين كل كان كالمسيح في عظمته قاموا على عروشهم المقدسة مرتاعين لصوت المنع (إن كينونتي لن تعرفها)."(4)

 

    ويلي ذلك عرش "اللاهوت" وهو "مقام جنة الصمدية" و"ساحة القدس". وفي آثار حضرة بهاءالله يبدو أن عالم اللاهوت ربما يكون عالم الله بالنسبة إلى مظاهره وأصفيائه المختارين. وهم في محضره ما ارتأوا لأنفسهم مقاما لأنهم عدم صرف تلقاء وجهه ولا كينونة إلا كينونته وهم في "مقام هو هو


وليس أحد إلا هو".

 

    وهناك عالم روحاني آخر وصفه حضرة بهاءالله بـ"طمطام الجبروت"، "جنة الواحدية"، "أرض الصفراء". وهو مقام أنت هو وهو أنت، عباد الذين لا ينطقون إلا بإذن الله ولا يعملون إلا بأمره ولا ينهون إلا بحكمه، كما وصفهم الله بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. ويبدو أن هذا العالم هو الملكوت الذي يكون فيه المختارون من خلق الله، بالنسبة إلى المخلوقات، مخولين بسلطته.

 

    هناك الكثير من البيانات المباركة يبين فيها حضرة بهاءالله طبيعة المقام المزدوج للمظاهر الإلهية وأصفياء الله. ففي نسبتهم إلى الله تبدو هذه النفوس المقدسة وكأنها عدم صرف، أما بنسبتهم إلى عالم الخلق فهم حائزون على سائر الصفات الإلهية ومقربون من الله. وكما تفضل حضرة بهاءالله في إحدى مناجاته:

 

        "كلما أنظر إليك أنادي كل الكائنات وأقول إنني أنا الله، وكلما أنظر إلى نفسي أجدها أحقر من الطين."(5)

 

    وفي الآثار الإسلامية نجد مثل هذه البيانات المباركة. فالحديث الشريف التالي عن لسان النبي محمد e يدلل بوضوح على المقام المزدوج لرسل الله بقوله: "لنا مع الله حالات نحن فيها هو وهو نحن وهو هو ونحن نحن".(6)

 

    وعالم آخر من عوالم الله الروحانية هو "قمقام الملكوت" أي "مملكة الله" الذي أشار إليه الأنبياء السابقون مرارا، كما أن حضرة بهاءالله وصفه في "لوح كل الطعام" بـ"جنة العدل".

 

وبمعزل عن هذه العوالم الروحانية الأربعة، أشار حضرته في هذا اللوح إلى عالم "الناسوت" وهو العالم الفاني الذي وصفه


بـ"جنة الفضل". وأكد في العديد من ألواحه أن كلا العالمين: عالم المظاهر الإلهية وعالم الإنسان، ظهر في هذا الوجود بالفضل الإلهي وحده، وإذا ما تبدل لحظة ليجري عدله آل الوجود إلى العدم.

 

    وفي "لوح كل الطعام" يصف حضرة بهاءالله معان أخرى لكلمة "طعام" التي وردت في الآية الفرقانية المذكورة. ففي مقام تعني "كل العلوم" وفي آخر "معرفة صاحب الأمر"، كما بيّن أنها في الدورة الإسلامية يمكن أن تفهم على أنها ولاية أئمة الهدى الذين خلفوا النبي عليه السلام. أما في ظهوره الذي لم يكشف عنه بعد، فقد وصف الطعام بـ"بحر الغيب الذي هو المكنون في صحائف النور والمخزون في ألواح المسطور".

 

    وفي اللوح أيضا فسّر عبارتي "إسرائيل" و"بني إسرائيل" وأشار إلى القدوس، صاحب المقام الأول بين حروف الحي،(1) على أنه "النقطة الأخرى" وهو لقب يقربه كثيرا من مقام حضرة الباب، "النقطة الأولى"، ولمح من طرف خفي إلى عظمة مقام القدوس.

 

    إن "لوح كل الطعام" الذي استحوذ على مجامع الحاج ميرزا كمال الدين وكُشِف فيه النقاب عن العديد من الأسرار والألغاز، يعد مثالا على ما أنزله حضرة بهاءالله في تلك الحقبة. أما أسلوب كتاباته في السنوات الأولى من ولايته، خاصة ما نزل منها باللغة العربية، فيشبه إلى حد ما الآثار الكتابية لحضرة الباب. وبينما كانت شمس ظهور حضرة بهاءالله في السنين التي تلت هذه الفترة ترتفع لتصل سمتها، اتخذ الأسلوب الكتابي لحضرته منحى جديدا بلغ ذروة الكمال بنزول "الكتاب الأقدس" فظهر هذا الكتاب ليدل

___________________________________________________________________

(1) ثمانية عشر شخصا من أوائل المؤمنين بحضرة الباب.


ببلاغة أسلوبه وسلاسة لفظه على ما تمتع به بيان حضرة بهاءالله من الجلال والجمال.

 

 

بعض الألواح المنزلة في كردستان

 

    باعتكاف حضرة بهاءالله في جبال كردستان دخل الأمر الإلهي فصلا جديدا في تاريخه. فقد عاش حضرته فترة من الزمن في عزلة تامة على جبل يدعى "سركلو" بعيدا عن العالم تاركا محبيه والمعجبين به بالإضافة إلى أولئك الذين خانوه وكادوا يطفئون نور دين حضرة الباب بخططهم الشريرة. لم يكن معه سوى لباس إضافي واحد من الملابس الخشنة التي يستعملها الفقراء، وغالبا ما اقتصر طعامه على الحليب وقليل من الأرز في بعض الأوقات. اتخذ مسكنه في كهف أحيانا أو في بناء بسيط من الحجارة أحيانا أخرى. ولم يكن يرافقه حينذاك سوى "طيور الصحراء" و"وحوش العراء"(7) كما ذكره في لوح وجهه لابنة عمته مريم. ويشير أيضا إلى تلك الأيام في "كتاب الإيقان" بقوله:

 

"... جرت العبرات من عيوني كالعيون، وسالت بحور الدم من قلبي. فكم من ليال لم أجد قوتا وكم من أيام لم أجد للجسد راحة... كنت مشغولا بنفسي نابذا ورائي العالم وما فيه..."(8)

 

    وفي وحدته هذه في أواسط البرية كان يرتل بصوت عال أدعية عدة وأشعارا كثيرة يمجد فيها حقيقة ظهوره ومزاياه. كان لهذا الفيض المنهمر أن ينعش أرواح الناس وينور الإنسانية بأسرها، ولكنه بقي للأسف حبيس تلك الأصقاع النائية، ويا حسرة على فقدان هذه الكلمات الإلهية إلى الأبد.

 

    فكّر حضرة بهاءالله مليا في عدة أمور منها دين الله الذي سيعلنه للملأ، والمعارضة الشديدة التي سيواجهه بها أعداؤه،


والبلايا التي لحقته سابقا، وأخيرا فكّر أيضا في ما أقدم عليه زعماء البابيين من الخيانة والانحراف، فشوهوا بذلك سمعة دين حضرة الباب وألحقوا به الخزي والعار.

 

    بعد أن أمضى حضرة بهاءالله في المنطقة فترة من الزمن التقى به زعيم الطريقة الخالدية السنية المدعو الشيخ إسماعيل الذي انجذب بشدة إلى شخصيته، وأقنع حضرته أخيرا بترك مقره هذا إلى بلدة السليمانية، وهناك، وخلال فترة قصيرة، كانت عظمة حضرة بهاءالله قد برزت ليس لأقطاب رجال الدين والعلماء فحسب بل لكافة القاطنين في المنطقة.

 

    إن اعتراف الناس لحضرة بهاءالله بالمناقب الفذة والعلم المتميز جاء في أول الأمر نتيجة ما لاحظه هؤلاء من إبداع يراعه، بالإضافة إلى ما انفردت به رسائله، التي كتبها ردا على بعض القادة من العلماء ورجال الدين، من جمال الأسلوب ومتانة اللفظ. ومن الجدير بالذكر أن هذه الرسائل الموجهة إلى شخصيات مرموقة مثل الشيخ عبد الرحمن، قطب الطريقة القادرية، والملا حميد أحد الفقهاء المشهورين في السليمانية -رسائل ورثتها الأجيال القادمة، وهي تشهد على ما عاناه حضرة بهاءالله من الكروب والأحزان في تلك الأيام. وفي رسالة كتبها للشيخ عبد الرحمن يندب حضرة بهاءالله فيها فقدان خادمه الأمين المسلم، أبي القاسم الهمداني، الذي رافقه حين مغادرته بغداد والذي قتل على يد نفر من الأشقياء وقطاع الطريق.

 

    عمّت شهرة حضرة بهاءالله السليمانية وما جاورها من مدن، وسرعان ما أصبح موضع اهتمام المتعطشين إلى النور والعرفان. ودون أن يكشف عن هويته كان يجول بينهم يوما بعد يوم، فيجيب بالبساطة والبلاغة على أسئلتهم التي كانت تدور حول


العديد من المسائل الدينية التي غمضت عليهم جوانبها وحيّرتهم وسرعان ما انجذب إليه أهالي كردستان بما أفاض عليهم من محبته، كما ذكر حضرة عبدالبهاء، وقد ذهب البعض من المعجبين به إلى الاعتقاد بأنه نبي من الأنبياء.

 

    ومن أبرز أحداث الفترة التي قضاها حضرة بهاءالله في السليمانية تنزيله لـ"لقصيدة الورقائية" باللغة العربية أمام جمهرة من الناس، فأسر قلوبهم واستحوذ على عواطفهم. فقد طلب منه العلماء هناك أن يقدم على إنجاز لم يحققه أحد من قبل، وكان طلبهم أن يكتب قصيدة تضاهي في أسلوبها وقافيتها تائية الشاعر العربي المشهور ابن الفارض.

 

    واستجابة لطلبهم ارتجل حضرة بهاءالله حوالي ألفي بيت من الشعر مما سحر الحاضرين دهشة وإعجابا وأثنوا على القصيدة وأقروا أنها فاقت قصيدة ابن الفارض عمقا وجمالا وروعة. وعلما منه بأن موضوع القصيدة يصعب فهمه على البشر، اختار مائة وسبعة وعشرين بيتا سمح بتدوينها.

 

    وإذا ما تذكرنا بأن حضرة بهاءالله كان فارسيا ولم يدخل مدرسة يتعلم فيها معضلات اللغة العربية، فمن الناحية الأدبية وحدها، تدل القصيدة على عبقريته المستمدة من الروح القدس. ويستعمل حضرة بهاءالله في قصيدته هذه ألفاظا غنية في معانيها تنصهر فيها الكلمات لتنبعث ألحانا روحانية تصدح بها جوقة سماوية. وغالبا ما يستخدم كلمة أو اثنتين ليرمز إلى آية من آيات القرآن الكريم أو إلى حديث من الأحاديث النبوية الشريفة. فيتمكن بهذه الطريقة أن يورد من الإشارات ويجمع بينها في البيت الواحد لتدل على مجموعات من الآيات القرآنية ويكشف عن أسرار الوحي الإلهي. فكل بيت من أبيات القصيدة كالمحيط تغذيه أنهر عديدة تفيض معا وفي أعماقها


تستر لآلئ لا تعد ولا تحصى من الحكمة والعرفان.

   

وبعد عودته إلى بغداد كتب حضرة بهاءالله لقصيدته هذه بعض الحواشي ضمنها المعنى بالفارسية لبعض الكلمات الصعبة وشرحا لبعض الأبيات الغامضة في القصيدة. وفي موقعين أو ثلاثة أشار إلى خروجه عن قواعد اللغة حسب الظاهر وقد برر ذلك ما اقتضته متطلبات القصيدة.

 

    يدور موضوع القصيدة حول تمجيد الروح الأعظم وتبجيلها، فقد تجلت تلك الروح لحضرته في شكل رمزي على هيئة حورية من حوريات الجنة. وهناك حوار بينه، وهو صاحب الرسالة الإلهية، وبين الروح القدس ممثلة بالحورية، فيمجد فيه صفاتها وبهاءها. ويستذكر من جانبه معاناته في السابق متحدثا عن قسوة أعدائه له في سجنه مكبلا بالسلاسل والأغلال، ويصف حزنه ووحدته، ويؤكد بكل عزم تصميمه على مواجهة الرزايا اللاحقة في سبيل الله بكل فرح وثبات.

 

    تستعرض القصيدة العلاقة بين شخص المظهر الإلهي والروح القدس التي تدعمه وتنفخ فيه الحياة، كما تلقي الضوء على مدى سعة ممالك الروح الإلهية التي بُعثت منها الرسل.

 

    أنزل حضرة بهاءالله في كردستان، بالإضافة إلى "القصيدة الورقائية"، بعض الأدعية والمناجاة التي دونها بخط يده مخلفا إياها هبة منه للأجيال القادمة، ونجد ضمن تلك الأدعية والمناجاة قصيدة ثانية مكتوبة باللغة الفارسية عنوانها: "ساقي أز غيب بقا"، وهي كغيرها من قصائده مثيرة للمشاعر وتتسم بالروعة والجمال وتعبر عن اشتياقه ليوم يكشف فيه النقاب أمام الملأ عن بهاء طلعته النوراء لتستنير البشرية بروعة ظهوره. وتؤكد القصيدة أيضا على أن الذين يرغبون في الفوز بمشاهدة أنوار ظهوره،


ينبغي لهم أن ينقطعوا عن كل الشؤون الدنيوية، ويضيف محذرا إياهم بأنهم لن ينالوا شرف القبول في محضره ما لم يكونوا على استعداد لبذل أنفسهم في سبيله.

 

 

يوم الله

 

    يشير حضرة بهاءالله إلى عظمة أمره حين يصرح قائلا بأن سيناء، حيث تجلى مجد الرب المتعالي لحضرة موسى، يدور الآن حول ظهوره هو، وأن روح المسيح تشتاق إلى لقائه. وفي العديد من ألواحه المباركة نجد البيانات المشابهة التي تقر بأن اليوم هو يوم الله نفسه، وهو يوم طالما اشتاق إليه الأنبياء والمرسلون منذ القدم:

 

"الهدف من الخليقة هو ظهور هذا اليوم الأمنع الأقدس المعروف بيوم الله في الكتب والصحف والزبر الإلهية. يوم كان رجاء وأمل الأنبياء والمرسلين والأصفياء والأولياء المقربين."(9)

 

    وفي مقام آخر أعلن حضرة بهاءالله:

 

"الحق أقول، لا أحد يعلم أصل هذا الأمر". "في هذا اليوم على الجميع أن ينظروا بالعين الإلهية ويسمعوا بالأذن الرحمانية. من ينظرني بعين غيري لن يعرفني أبدا. لا يعلم أحد من المظاهر السابقين طبيعة هذا الظهور بأكمله إلا على قدر معلوم."(10)

 

    إن البيان المبارك القائل بأن ظهور حضرة بهاءالله هو أعظم الظهورات السابقة، ولم يكن الأنبياء السابقون على علم تام بطبيعته يبدو مناقضا للبيان الآخر الذي يؤكد حقيقة أن جميع


المظاهر الإلهية واحدة، وفي جوهرها متحدة، وهو ما يشهد به حضرته بقوله:

 

"... كلهم يسكنون خيمة واحدة، ويطيرون في سماء واحد، ويجلسون على عرش واحد، وينطقون بكلام واحد، ويعلنون دينا واحدا..."(11)

 

    ومع هذا فإن دراسة دقيقة للآثار المباركة ستوضح أن كلا البيانين على صواب. فكما تطور الجنس البشري من مرحلة الرضاعة إلى الطفولة إلى المراهقة ثم إلى البلوغ والنضج في النهاية فإن تطور الوحي الإلهي يمر بالمراحل نفسها تدرجا.

 

    دعونا نتأمل الكائن البشري في مراحل نموه من الرضاعة حتى الرجولة. فبينما هو ينمو تزداد قدرته وقواه، إلا أنه في كل مرحلة يبقى الشخص نفسه محتفظا بهويته. ففي الطفولة يظهر صفات الطفل، وبالرغم من تطلعه نحو البلوغ فإنه عاجز عن فهمه في تلك المرحلة، وتتغير تصرفاته واهتماماته بعد بضع سنين وتتطور قدراته بحيث يصعب أن ينظر إلى نفسه على أنه الشخص ذاته، فلم يعد للطفل وجود بالنسبة لما هو عليه، وما تبقى لا يتعدى الذكرى أو الصورة، إلا أنه الشخص نفسه في جوهره. وينطبق المبدأ ذاته على بقية مراحل حياته: وحدة في الهوية ونمو تدريجي في القدرة.

 

    وبالمثل فإن حاملي الرسالات الإلهية جوهرهم واحد ويمثلون حقيقة واحدة، ففي كل عصر يظهر الرسول الجديد قدرا أكبر من الحقيقة بينما يبطن في نفسه وظهوره جوهر حقيقة الديانات السابقة. عندما يبعث الله برسالة جديدة، فإن الرسالة السابقة تفقد روحها ولا يبقى منها سوى الشكل، لأن القوة الإلهية الكامنة فيها قد سحبت، والأحكام التي كانت عماد مؤسساتها الاجتماعية آنذاك قد نسخت. وإذا كان أتباعه مخلصين له أوفياء لرسولهم فسيتوجهون للرسول


الإلهي الجديد الذي يبطن بداخله أيضا روح الرسالات السماوية السابقة. وإن لم يفعلوا، فإنهم ما عبدوا الهيكل دون الروح، وما غرقوا في وهدة الظلام فحسب، بل بإنكارهم هذا أنكروا حقيقة رسولهم. وقد أكد على ذلك حضرة بهاءالله في أحد ألواحه:

 

"... وإنك أنت أيقن في ذاتك بأن الذي أعرض عن هذا الجمال(1) فقد أعرض عن الرسل من قبل ثم استكبر على الله في أزل الآزال إلى أبد الآبدين."(12)

 

    ظهر حضرة بهاءالله في المرحلة التاريخية التي بلغت فيها البشرية مرحلة النضج والبلوغ. وكل ما أسبغه على الجنس البشري كان مكنونا في الرسالات والظهورات السابقة. ولو ظهر قبل ذلك لكان قبل أوانه. ولتوضيح هذه الحقيقة يمكن تشبيهها بالإنسان، فالطفل يملك سائر الأطراف والأعضاء والقدرات التي يملكها الشخص البالغ، إلا أنه لا يستطيع استعمالها بطاقتها الكاملة إلا في سن النضج.

 

    بظهور حضرة بهاءالله انكشفت للوجود عظمة الظهور الإلهي، تلك العظمة التي تنبأت بها الرسالات السابقة. وما كان هدفها في الحقيقة على مر العصور سوى التبشير بمجئ حضرته وتهيئة الجنس البشري لظهوره. كان محمد e آخر من تنبأ بذلك مشيرا إلى نفسه أنه "خاتم الأنبياء" ذلك لأن ظهوره كان الآخر في سلسلة الأديان التي تنبأت بحضرة بهاءالله. وبظهور حضرة الباب أغلقت تلك الدورة وأعلن أن حضرة بهاءالله لم يأت ليخبرنا بيوم الله بل ليؤسسه ويفتتحه بمظهر إلهي كلي. والكلمات التالية المقتطفة من ألواح حضرته تلقي الضوء على عظمة ظهوره:

 

        "أنصفوا يا أهل العالم، أيليق بكم أن تعترضوا على الذي

____________________________________________________________________

(1) حضرة بهاءالله.


    اشتاق الكليم (موسى) لمحضره، وحنّ الحبيب (محمد) لمشاهدة جماله، وصعد روح الله   (المسيح) إلى السماء بحبه، وأنفق النقطة الأولى روحه في سبيله؟"(13)

 

"اغتنموا الفرصة، فإن لحظة واحدة في هذا اليوم لأفضل من قرون فيما مضى... لا الشمس ولا القمر شهد مثل هذا اليوم... ومن المعلوم أن كل عصر ظهر فيه مظهر الله كان بتقدير إلهي، وأنه يعرف بيوم الله الموعود. ولكن هذا اليوم فريد ممتاز عن الأيام التي سلفت وأن كلمة (خاتم النبيين) تبين وتوضح مقامه الرفيع."(14)

 

 

رجوع حضرة بهاءالله إلى بغداد

 

    تجاوزت شهرة "الدرويش محمد"(1) حدود كردستان، وعندما وصلت بغداد تقارير تحكي عن سمو علمه وما فطر عليه من عظمة، عرفت عائلته كما عرف المؤمنون من أتباعه أن الدرويش هذا لا يمكن أن يكون سوى حضرة بهاءالله. وما أكد هذا الحدس اكتشاف السلطات لوصية خادمه القتيل أبي القاسم الهمداني حيث أوصى بكل ما يملك لـ"الدرويش محمد" في جبال كردستان. وعندما سمعت العائلة المباركة بهذه الأنباء أرسلت إلى كردستان رجلا جليلا يدعى الشيخ سلطان(2) ليبحث عن حضرة بهاءالله. ظل الشيخ، ومعه خادم، يتنقل مدة شهرين قبل أن يستدل على بغيته في أطراف السليمانية. وأمام رجاء الشيخ سلطان وإصراره قرر حضرة بهاءالله وضع حد لسنتي الاعتزال هذه وعاد إلى بغداد مخلفا وراءه حشدا من المؤيدين والمعجبين الذين

___________________________________________________________________

(1) الاسم الذي اتخذه حضرة بهاءالله لنفسه أثناء غيابه عن بغداد مدة سنتين.

(2)  والد زوجة ميرزا موسى، أخ حضرة بهاءالله المخلص (انظر فهرس "مطالع الأنوار"، تحت اسم الشيخ سلطان الكربلائي ).


بكوا على رحيله بمرارة.

 

    وبوصول حضرة بهاءالله إلى بغداد في آذار عام 1856م، طلع على جماعة المنفيين في العراق يوم جديد. وفي مدة غيابه كان واضحا للعدو والصديق أن جماعة البابيين، التي تركت تحت قيادة نفوس عديمة الوفاء مثل ميرزا يحيى والسيد محمد الإصفهاني، قد فسدت تماما وانتاب اليأس معظم أفرادها، بعكس ما حصل مع الأبطال والشهداء في مطلع الأمر قبل عقد من الزمن حيث خلدوا بدمائهم قوة إيمانهم وسمو أخلاقهم وفرط عشقهم، أما هم الآن فإنهم محرومون من هذه المواهب والخصال وميتون بالروح، منقسمون متشيعون. ففي قزوين مثلا، موطن الطاهرة، البطلة الخالدة في الظهور البابي، أوجدوا أربع فرق دينية اتخذت كل واحدة لنفسها اسما. فبعضهم اتبع ميرزا يحيى وآخرون ربطوا عقيدتهم بالقدوس أو الطاهرة بينما اعتبر البعض أنفسهم أتباعا لـ"البيان"، أمّ الكتاب في الظهور البابي.

 

    وكان في تلك الفترة أيضا، أن أعلن ما لا يقل عن خمسة وعشرين شخصا، وبكل صفاقة، على أن كل واحد منهم هو "من يظهره الله"، وهي عبارة أراد بها حضرة الباب الإشارة إلى حضرة بهاءالله موعود كل الأزمنة والذي كان به مبشرا. وقد ذهب بعضهم إلى حد بعيد في دعم ادعاءاتهم بتوزيع كتاباتهم الخاصة بين أفراد من الجامعة. إلا أن بعضا آخر، ممن حظي بالمثول بمحضر حضرة بهاءالله بهدف تحويله إلى جانبهم، عرفوا مقامه وارتموا على قدميه راجين العفو عن خطيئاتهم. فنال بعض هؤلاء حقا مقامات عليا في العبودية والإيمان وأصبحوا من أبرز حواريي حضرته.

 

    ومرة أخرى أمسك حضرة بهاءالله بزمام الأمر وابتدأت غيوم الشك والمحنة التي خيمت على أفراد الجامعة البابية في غيابه


تنقشع. وبفضل نصائحه وتشجيعه، كتابة وشفاها، استطاع أن ينفث حياة جديدة في جامعة تحتضر، وتمكن في فترة وجيزة من أن يخلق من أفراد تلك الجامعة العمالقة الروحانيين لدورته.

 

وقد شهد حضرة بهاءالله على ذلك بنفسه فتفضل:

 

"بعد ورودنا نزلت الآيات كالغيث الهاطل بالعون الإلهي والفضل الرباني، وأرسلناها إلى كل الجهات. ونصحنا العباد، وبخاصة هذا الحزب، بالنصائح المشفقة والمواعظ الحكيمة، ونهيناهم عن الفساد والنزاع والجدال والمحاربة إلى أن تبدلت بفضل الله الغفلة والجهل بالبر والعرفان والسلاح بالإصلاح."(15)

 

    بعد عودة حضرة بهاءالله إلى بغداد فاض عليه الوحي بغزارة، ونزلت الكلمات بحضور بعض المؤمنين إلا أن معظم ما نزل لم يتم تدوينه. وكتب النبيل الأعظم مؤرخ الدورة البهائية خالد الذكر بأنه في يوم وليلة أنزل حضرة بهاءالله من الآيات ما يعادل القرآن الكريم واستمر على هذا المنوال سنتين كاملتين بعد عودته من كردستان.

 

    أضف إلى ذلك ألواحا مباركة كتبت بخط يده وأخرى أملاها على كاتب وحيه ميرزا آقا جان. وكان من نصيب قسم كبير من الأوراق التي احتوت مئات الآلاف من الآيات أن محيت بالماء وألقيت في النهر بأوامر حضرة بهاءالله حيث أكد بأنه "ليس هناك من يستحق أن يستمع إلى هذه النغمات في هذا الزمان".(16)

 

    أما الألواح المباركة التي تم حفظها فقد كان لها تأثير كبير على أفراد جامعة البابيين. ففي فترة قصيرة انتعشت أرواحهم واتسعت رؤاهم وتغيرت أخلاقهم واستنارت عقولهم وأصبح الأصحاب، بنزول هذه الآيات واتصال حضرته بهم مباشرة، خلقا جديدا تملأ أركانهم قوى روحانية جبارة.


الفصل السادس

 

"الكلمات المكنونة"

 

 

    تطل علينا "الكلمات المكنونة" من بين أثار حضرة بهاءالله في تلك الفترة، وكأنها دستور عظيم لخلاص النفس البشرية ومنارة الهدى للضالين الهائمين في بيداء الظلام والمادية، فتمنحهم النور ليجدوا طريقهم إلى ربهم، وتحذرهم أيضا من المهالك والمخاطر العديدة التي ستعترضهم وتمدهم بالمساعدة عند كل منعطف في رحلتهم.

   

    نزلت "الكلمات المكنونة" على ضفاف نهر دجلة من يراع حضرة بهاءالله عام 1858م تقريبا. وفي أحد ألواحه المباركة بين أن بعض فقراتها نزلت في مناسبة واحدة ودونت في لوح واحد، أما باقي الفقرات فقد نزلت في أوقات مختلفة ثم أضيفت بعدها إلى المجموعة الأولى التي عرفت في مطلع الظهور باسم "الصحيفة المخزونة الفاطمية".

   

    وفاطمة هي ابنة الرسول e وهي أشرف وأبرز امرأة في الدورة الإسلامية. تزوجت في سن مبكرة من الإمام علي بن أبي طالب وأنجبت له عدة أولاد من بينهم الحسن والحسين، الإمامان الثاني والثالث للشيعة. كانت مؤمنة صادقة مخلصة لوالدها الرسول الكريم، وبعد صعوده إلى الرفيق الأعلى غرقت في حزن وألم شديدين.

 

    وكما يعتقد أهل الشيعة فإن الروح القدس قد تجلى لفاطمة بواسطة جبريل وخاطب زوجها الإمام علي بكلمات جلبت لها العزاء في مصابها الأليم، ولم يمض وقت طويل حتى لحقت


بالرسول الكريم.

 

    لقد ماثل حضرة بهاءالله "الكلمات المكنونة" بما نزل لفاطمة. ويميزها في مطلعها بقوله الأحلى "هذا ما نزل من جبروت العزة بلسان القدرة والقوة على النبيين من قبل..."(1)

 

    ويمكن اعتبار هذا السفر الرائع من النصائح والتحذيرات الإلهية دليلا شاملا للإنسان في رحلته إلى عوالم الله الروحانية. فروح الإنسان لا تخضع لقوانين الطبيعة العاملة في الوجود المادي، بل أنها تحيى وتتحرك خاضعة لقوة الميثاق الأعظم الخالد المبرم بين الله والإنسان، ولا تقف "الكلمات المكنونة" عند شروط هذا العهد الأبدي الذي يربط الإنسان بخالقه، ولكنها ترسم له نهجا يقوده إلى الاستقامة والإخلاص لذلك العهد.

 

    وحتى نفهم "الكلمات المكنونة" علينا أن ندرك طبيعة الإنسان المزدوجة المكونة من قوتين متضادتين: الروحية والمادية أي الروح والجسد.

 

    تنتمي الروح في جوهرها إلى عوالم الله الروحانية، وهي سامية المقام تعلو فوق عالمي المادة والطبيعة. وولادة فرد من الأفراد تحدث عندما ترتبط هذه الروح النابعة من عوالمها الروحانية تلك بالجنين لتهبه الحياة قبل الولادة. إلا أن هذا الاتحاد منزه عن العلاقات المادية وصفاتها كالصعود والنزول والدخول والخروج، لأن الروح ليست من عالم المادة. ويمكن تشبيه العلاقة بين الروح والجسد كعلاقة الضوء بالمرآة. فالضوء ليس له وجود بداخلها، بل انعكاس الأشعة الآتي من خارجها. وبالمثل فليس للروح وجود داخل الجسم بل لها علاقة خاصة به وكلاهما يشكلان الوجود الإنساني، وتبقى العلاقة قائمة طالما بقي الإنسان حيا. وبعد مفارقة الحياة للجسد يرجع الجسد إلى التراب


وتعود الروح إلى عوالم الله الروحانية. وبهبوط الروح من عوالمها الروحانية تكتسب وجودا إنسانيا مخلوقا على أحسن صورة وقدرة على التحلي بالصفات والكمالات الربانية. وحين تفارق هذه الروح الجسد لا يتوقف ترقيها بفضل ما اكتسبته بل يستمر ذلك إلى أبد الآبدين.

 

    ولكن حالة الروح بعد الوفاة تعتمد على ما اكتسبته من فضائل إلهية خلال وجودها الإنساني، فلو ولد الطفل دون أحد أطراف جسمه، لا يمكنه تعويضه بعد الولادة وسيبقى محروما منه فترة حياته. وبالمثل، فالروح التي لم تتوجه إلى الله في هذه الحياة لتستنير من هداه ستبقى نسبيا محرومة قابعة في الظلام رغم استمرارها في الترقي.

 

    فالروح لا تحمل معها السيئات للعالم الآخر بل الحسنات، لأن الشر هو انعدام الخير كما أن الفقر غياب الغنى، والشرير هو شخص يفتقر إلى الفضائل الملكوتية لا يحمل معه سوى كمية ضئيلة، ولكن الإنسان الذي أمضى حياته الدنيوية متحليا بالفضائل والكمالات فسيحمل معه زادا أوفر. ومع ذلك سيشمل الفضل الإلهي كلا الشخصين لتستمر كل روح منهما بالترقي، حسب مقامها.

 

    ففي العالم الآخر، طبقا لتعاليم حضرة بهاءالله، مقامات ودرجات كما هي الحال في هذا العالم. فالروح في المقامات الدنيا لا تستطيع أن تدرك صفات الأرواح وكمالاتها التي تعلوها مرتبة.

 

    إن أعلى مقام قدر للإنسان أن يصله هو الاستنارة "بروح الإيمان" عن طريق معرفة المظهر الإلهي للعصر الذي يعيش فيه والعمل على إطاعة أوامره وأحكامه. فالوصول إلى هذا المقام هو


الغاية التي من أجلها خلق الله الإنسان.

 

    فرؤية الإنسان في هذا العالم الفاني محدودة جدا مثل السجين الذي لا يستطيع رؤية اتساع الكون الذي يحيط به أو يشاهد جماله ونظامه، وكذا الأمر بالنسبة لرؤيته لعوالم الله الروحانية. فمهما كان الإنسان واسع العلم والمعرفة ومهما كانت مواهبه العقلية فذة، فإنه لن يتمكن من إدراك الحقائق الروحانية إلا بالإذعان لحضرة بهاءالله والتوجه إليه كما تتوجه النبتة لضوء الشمس، وعندها يستضيء فؤاده بأنوار الفضائل الربانية لأنه مكان إشراق هذه المواهب، وعندها يستطيع الإنسان أن يدرك ما بطن في كلمات حضرته من معان سامية وبذلك تتنور الروح وتنجذب إلى الله.

 

    إن التوجه لحضرة بهاءالله هو مفتاح النمو الروحاني، وفي علاقته معه يمثل المؤمن دور الأرض الخصبة، ويفني إرادته في إرادة المظهر الإلهي بالكلية ويفتح قلبه لتأثيراتها، ونتيجة لهذا البذر الروحاني تنتج روح الإنسان نبتا جديدا هو "روح الإيمان". و"روح الإيمان" هذه هي الثمرة النفيسة التي تثمرها روح الإنسان نتيجة تأثيرات حضرة بهاءالله في قلب المؤمن، فهو الذي يسبغ على روح المؤمن قسطا من قوته وجماله ونوره.

 

    وإذا ما ولدت "روح الإيمان" في روح الإنسان فإنها تحتاج إلى غذاء لتنمو وتنضج، ومرة أخرى يزود فيض حضرة بهاءالله وكلمته ذلك الغذاء. فبتلاوة آياته والتأمل فيها والانغماس في بحرها يستطيع الإنسان أن ينمي في نفسه الصفات الرحمانية لتزداد بصيرته الروحانية عمقا ويتنور عقله، وحتى لو كان ضحل الثقافة أو أميا سيتمكن من إدراك جوهر الرسالة الإلهية التي جاء بها حضرة بهاءالله واكتشاف الأسرار المودعة فيها.


    وعندما يفوز الإنسان "بروح الإيمان" يغدو متواضعا، فالتواضع ونكران الذات من علامات النمو الروحاني، بينما افتخار الإنسان بنفسه ومنجزاته عدو قاتل له.

 

    فالروح الإنسانية لا تستنير دائما "بروح الإيمان" لأنها مثقلة بالقيود الدنيوية، وفي أحد ألواحه المباركة مخاطبا أحباءه شبّه حضرة بهاءالله روح الإنسان بطائر، فتفضل قائلا:

 

"مثلكم مثل طير يطير بجناحي القوة بكمال الروح والريحان في لطيف هواء السبحان في غاية الاطمئنان. ولدى تفكيره في الحَب يتجه إلى ماء الأرض وطينها، ويمرغ نفسه في الماء والتراب بغاية الحرص. فإذا ما أراد الصعود يجد نفسه عاجزا مغلوبا على أمره لأن الأجنحة الملوثة بالماء والطين لم ولن تكون قادرة على الطيران. عندها يجد ذلك الطائر في السماء العالية نفسه ساكنا في الأرض الفانية."(2)

 

    ولحضرة بهاءالله في "الكلمات المكنونة" هدف رئيس هو تنزيه الإنسان عن العالم الفاني وحماية روحه من ألد أعدائها، النفس البشرية. وكما ورد في البيان المبارك فإن "الكلمات المكنونة" تضمن للإنسان سبلا تمكن طائر الفؤاد من أن ينفض عن جناحيه ما علق بهما من زفر الدنيا ليعاود طيرانه في العوالم الإلهية.

 

    يمكننا تعريف التعلق بهذا العالم على أنه كل ما يحول دون الروح وتقربها إلى الله. وقد بيّن لنا حضرة بهاءالله في آثاره بأن العالم وما فيه خلق لمنفعة الإنسان، ويحق له امتلاك كل ما يمكنه من الخيرات والاستمتاع بمباهج الحياة المشروعة شريطة عدم التعلق بها في حال من الأحوال. ويحث حضرة بهاءالله الإنسان في تعاليمه أن يبذل الاهتمام الكبير في حياته فيعمل على


إصلاح العالم وبناء نظام جديد للإنسانية.

 

    ويتفضل في أحد ألواحه:

 

"إن الذي لن يمنعه شيء عن الله لا بأس عليه لو يزين نفسه بحلل الأرض وزينتها وما خلق فيها، لأن الله خلق كل ما في السموات والأرض لعباده الموحدين. كلوا يا قوم ما أحل الله عليكم ولا تحرموا أنفسكم عن بدايع نعمائه ثم اشكروه وكونوا من الشاكرين."(3)

 

    إلا أن حضرته حذر الأغنياء بقوله:

 

    "أيها المغرورون بالأموال الفانية

    اعلموا أن الغنى سد محكم بين الطالب والمطلوب والعاشق والمعشوق، هيهات أن يرد مقر القرب من الأغنياء أو يدخل مدينة الرضا والتسليم منهم إلا القليل. نعمت حال غني لا يمنعه غناه عن الملكوت الخالد، ولا يحرمه من الدولة الأبدية. قسما بالاسم الأعظم إن نور ذلك الغني ليفيض على أهل السماء كما يفيض نور الشمس على أهل الأرض."(4)

 

    وكما أن الغنى قد يصبح حائلا عظيما بين الإنسان وخالقه، والأغنياء هم غالبا في خطر عظيم من التعلق بالشؤون الدنيوية فإن من يملكون القليل من متاعها هم في خطر التعلق بها أيضا. وقصة "الملك والدرويش" التالية، وهي قصة فارسية، توضح ذلك: كان في غابر الزمان ملك عرف بصفاته الروحانية إلى جانب العدل والمحبة والشفقة، وكثيرا ما كان يحسد الدرويش الذي نبذ الدنيا وتحرر من قيودها، يجوب البلاد وينام في أي مكان تحت الظلام ويتغنى نهارا بمديح ربه. يعيش حياة الفقر، ولكنه يملك الدنيا وما فيها حسب اعتقاده. له من الدنيا ثياب تستره وسلة يضع فيها


صدقات أهل الإحسان. حقا لقد افتتن الملك بنمط الحياة هذا.

 

    وذات يوم دعا الملك درويشا معروفا إلى قصره ثم جلس عند قدميه راجيا إعطاءه دروسا في الزهد والانقطاع. سرّ الدرويش لهذه الدعوة ومكث في القصر عدة أيام كان يعظ فيها الملك بفضائل حياة الدروشة في ساعات فراغه، وأخيرا اقتنع الملك وأحب أن يدخل هذه الحياة عمليا، فترك القصر ذات يوم بلباس رجل فقير وبصحبة الدرويش، وما أن قطعا مسافة قصيرة حتى انتبه الدرويش إلى أنه نسي سلته في القصر، فانزعج لذلك كثيرا وأخبر الملك أنه لا يستطيع أن يمضي دون السلة وطلب الإذن بالرجوع، ولكن الملك وبخه كيف أنه ترك وراءه قصوره وثروته وسلطانه في حين أن الدرويش الذي أمضى حياته في الوعظ بفضائل الانقطاع وقع تحت الامتحان وأثبت تعلقه بالدنيا بسلته الصغيرة.

 

    كثيرا ما يقودنا سوء الفهم إلى الاعتقاد بأن امتلاكنا لمتاع الدنيا هو المظهر الوحيد لتعلقنا بها، إلا أن الأمر ليس كذلك. فافتخار الإنسان بإنجازاته وعلمه ومكانته ومقامه بين أفراد مجتمعه، وفي المرتبة الأولى أنانيته وحبه لنفسه، هي بعض الحجبات التي تمنع الإنسان عن ربه، والتخلص من التعلق بشؤون الدنيا ليس سهلا بل إنه عمل شاق قد يتحول إلى صراع حقيقي يشغل الروح طوال عمر الإنسان.

 

    ويمكن "للكلمات المكنونة" أن تعمل بفعالية على تحرير الإنسان من أغلال المادية لينتصر على نفسه. وفي لوح مبارك موجه إلى المُبلّغ ميرزا عباس المعروف بـ"قابيل" من أهالي آبادة،(1) يحثه حضرة عبدالبهاء على التمعن في "الكلمات

___________________________________________________________________

(1) برزت بلدة آبادة في التاريخ حيث دفن فيها أكثر من مائتين من رؤوس شهداء الأمر وقد جلبت تلك الرؤوس عبر شيراز مرفوعة على الحراب=


المكنونة" ليل نهار والتضرع إلى الله أن يمكّنه من اتّباع نصائح الجمال المبارك، ويوضح في اللوح نفسه أن حضرة بهاءالله لم ينزلها فقط ليقرءها الناس، بل أنزلها للمؤمنين لكي يساعدهم على تنفيذ أوامره وأحكامه.

 

     إن حياة قابيل في الخدمة والتضحية لهي، إلى حد بعيد، إنعكاس لذلك التأثير الفاعل على روحه من تلاوة "الكلمات المكنونة" كل يوم.

 

    كان غيورا مقداما وشاعرا موهوبا ومبلغا ذائع الصيت، وفوق هذا كله، كان مخلصا لحضرة بهاءالله. تحمل الكثير من الاضطهاد وعاش معظم عمره الطويل مشغولا بالسفر والتبليغ حيث كان يمكث مع عائلته بضعة أشهر من السنة ويقضي بقيتها متنقلا على دابته بين القرى والمدن. فمحبته العميقة لحضرة بهاءالله وروحه الوثابة كانت ترفع من معنويات من كان يقابله من الأحباء ويدخل البهجة والسرور إلى قلوبهم، لذلك كانوا يهرعون للقائه، وكثيرا ما كان يرجوهم تلاوة بعض ألواح حضرة بهاءالله وأشعاره كلما سنحت الفرصة، فيسترسلون بذلك بصوت جماعي، كما كان يعلمهم بعض أشعاره الجميلة التي ألّفها في مدح وتمجيد حضرة بهاءالله أو حضرة عبدالبهاء أو حضرة شوقي أفندي(1) فيغرقون في نشوة روحية عارمة.

 

    وفي ذلك الوقت كان استعمال الآلات الموسيقية يعتبر عملا غير مقبول بالنسبة إلى رجال الدين المسلمين، فكان البهائيون

___________________________________________________________________

=يواكبها جمهرة من النساء المنتمين إلى أصحاب تلك الرؤوس بصلة القرابة وقد أجبرن على المشي جزءا من الطريق من نيريز التي تبعد حوالي 200 ميلا.

(1) أكبر أحفاد حضرة عبدالبهاء، والذي عيّنه خليفة له و"وليا لأمر الله".


حريصين على عدم إثارة حفيظة المتعصبين من مواطنيهم بالعزف عليها. أما قابيل فكان موهوبا بنوع خاص من التصفيق بيديه ليخلق توقيعا يصاحب به ترانيم العشق والتسبيح التي كان ينشدها الأحباء، وإذ كان يجد متسعا من الحرية، يبدأ في النقر على طبل من صنع يدوي ليصاحبه في تغنيه بمحبوبه، ومع أن الأحباء غالبا ما كان يحيط بهم الكبت والاضطهاد، إلا أنهم كانوا يرحبون بالأيام التي يقضونها مع قابيل لأنه كان يخلق لهم جوا من السرور والحماس أينما حلّ.

 

    أشار حضرة بهاءالله إلى نزول "الكلمات المكنونة" بما يلي:

 

"إن عروس المعاني البديعة التي كانت وراء أستار البيان مخبأة مستورة ظهرت بالعناية الإلهية وتجلت بالألطاف الربانية كشعاع جمال المحبوب المنير. إني أشهد يا أيها الأحباء أن النعمة قد تمت والحجة قد كملت، والبرهان قد ظهر، والدليل قد قام. فلننظر الآن ماذا تبديه همتكم من مراتب الانقطاع، كذلك تمت النعمة عليكم وعلى من في السموات والأرضين، والحمد لله رب العالمين."(5)

 

    في هذا الكتاب بصفحاته القليلة المعدودة، وصف حضرة بهاءالله للإنسانية علاجا تصون به وجودها وسعادتها. وخاطب الإنسان بصوت الحق أن يملك "قلبا جيدا حسنا منيرا" وأكد على أهمية تطهيره من كل دنس لأنه محط إشراق الظهور الإلهي، داعيا إياه أن يطرد "الغريب حتى يدخل الحبيب منزله"، وينصحه بعدم مرافقة الأشرار لأن "مجالسة الأشرار تبدل نور الروح بنار الحسبان"، ويؤكد على خلود الروح وأن الله وضع فيها "جوهر نوره" الذي "لا يطفى"، ويجزم بثقة بأن الله "جعل الموت بشارة" للإنسان، ويؤسس ميثاقا معه لمحبته، ويفرض عليه


التمسك بالإنصاف والصبر والمحبة، ويذكّره بأن "طبيب" كل علله "ذكر الله"، ويصف طيب التوجه إلى الله بالدعاء في الأسحار، وينصح الإنسان بالانقطاع عن هذا العالم وأن لا يترك هذه "الدولة الباقية الأبدية" إلى "الدولة الفانية الزائلة"، ويوبخه على غفلته وانغماسه في أهوائه وشهواته النفسية، ويوجهه لاجتناب الغيرة والحسد والتكبر والغرور، ويعلن أن اللسان قد خلق لذكر الله فلا ينبغي أن يدنس بالغيبة والحطّ من شأن الآخرين، ويذكر أن "خير الناس الذين يحصلون على أرزاقهم بالعمل، وينفقون منه على أنفسهم وعلى ذوي قرباهم حبا لله رب العالمين"، ويشجب "النفوس المعطلة المهملة" الذين "يظهرون في الأرض بلا ثمر" ويصفهم بأنهم "شر الناس"، ويتحدث عن عظمة ظهوره ويبدي حزنه لأن نفوسا قليلة استمعت نداءه "وحتى من هذا القليل" لم يجد "ذا القلب الطاهر والنفس المقدسة إلا أقل القليل"، ويحذر الإنسان بأن "يكف" يده عن "الظلم" ويأخذ على نفسه عهدا ويقسم "ألا يتجاوز عن ظلم أحد" في هذا اليوم. ويرى "بلاء مباغتا وعقابا عظيما" يتعقب البشر بسبب ما ارتكبوه، ويهيب بالأغنياء "إنفاق مالهم على الفقراء"، وينص على أن "الغنى سدّ محكم بين الطالب والمطلوب والعاشق والمعشوق"، ويرفع من شأن الغني الذي "لا يمنعه غناه عن الملكوت الخالد" بحيث "إن نور ذلك الغني ليفيض على أهل السماء كما يفيض نور الشمس على أهل الأرض"، ويحث كل إنسان على القيام "بالأفعال الطاهرة المقدسة".(6) ويصف القوى المخزونة في الإنسان بكلماته التالية:

 

    "يا ابن الروح

    خلقتك غنيا كيف تفتقر، وصنعتك عزيزا بم تستذل ومن جوهر العلم أظهرتك لم تستعلم عن دوني، ومن طين الحب عجنتك كيف تشتغل بغيري. فارجع البصر إليك لتجدني فيك


قائما قادرا مقتدرا قيوما."(7)

 

    تشير بعض فقرات "الكلمات المكنونة" ضمنا إلى ميثاق حضرة بهاءالله الذي أضحى صريحا بإعلان وصيته في "كتاب عهدي".

 

    وقد فسر حضرة عبدالبهاء، مركز ذلك الميثاق ومبين كلمات الله، معنى بعض هذه الفقرات، وإحداها "الكلمة المكنونة" التالية على سبيل المثال:

 

    "يا أحبائي

أنسيتم ذلك الصبح الصادق المنير الذي اجتمعتم فيه جميعا بين يدي في ذلك الفضاء المقدس المبارك في ظل شجرة أنيسا التي غرست في الفردوس الأعظم، وقلت لكم ثلاث كلمات طيبات، فاستمعتم جميعا لتلك الكلمات واندهشتم وكانت تلك الكلمات هي: "يا أيها الأحباء لا تختاروا رضاكم على رضاي ولا تريدوا ما لا أريده لكم أبدا، ولا تأتوني بقلوب ميتة تلوثت بالأماني والآمال. فلو قدستم صدوركم لتذكرتم الآن تلك الصحراء وذلك الفضاء ولاتّضح بياني لكم جميعا."(8)

 

    وتفضل حضرة عبدالبهاء بأن "الصبح الصادق المنير" يشير إلى ظهور حضرة الباب "وشجرة أنيسا" أي شجرة الحياة تشير إلى حضرة بهاءالله، و"الصحراء" و"الفضاء" إشارة إلى قلب الإنسان. وبين أن الاجتماع الذي أشير إليه في هذه "الكلمة المكنونة" ليس ماديا بل روحيا. فالنداء الإلهي ارتفع في حرم قلوبهم، إلا أنهم صدوا عنه فذهلوا وامتلأت نفوسهم رهبة.

 

    وفي ألواح أخرى يوضح حضرة عبدالبهاء معنى الاجتماع


تحت ظل شجرة الحياة أي شجرة أنيسا بأنه تأسيس ميثاق حضرة بهاءالله حيث تفضل: "إن الرب المجيد أبرم تحت شجرة أنيسا -شجرة الحياة- عهدا جديدا وأخذ ميثاقا عظيما..."(9) وإن تأسيس هذا العهد في مرحلة مبكرة من ولايته هو أحد أسرار الظهور الإلهي. وفي الحقيقة فإن حضرة عبدالبهاء قد ذكر في أحد ألواحه أنه بإشراق نجم ظهور حضرة بهاءالله فإن أول شعاع ألقى ضوءه على أولئك الذين تجمعوا في ظل شجرة أنيسا كان عهده.

 

    وهناك فقرة أخرى في "الكلمات المكنونة" تشير إلى هذا العهد:

 

    "يا أحبائي

    اذكروا العهد الذي عاهدتموني عليه في جبل فاران الواقع في بقعة الزمان المباركة والذي أشهدت عليه الملأ الأعلى(1) وأصحاب مدينة البقاء. فإني الآن لا أرى من أحد أقام عليه وما أشك في أن الغرور والعصيان قد محواه من القلوب محوا لم يبق له على أثر، علمت بذلك وصبرت عليه ولم أظهر أمره."(10)

 

    ويتفضل حضرة عبدالبهاء أن العهد على جبل فاران إشارة إلى عهد حضرة بهاءالله الذي نزل من قلمه الأعلى في الأراضي المقدسة وأعلن بعد صعوده من تلك البقعة المباركة.

 

    وأخيرا فقد فسر حضرة عبدالبهاء "الأجنحة" و"المشط" المذكورين في "الكلمة المكنونة" التالية بأنهما عهد حضرة بهاءالله:

____________________________________________________________________

(1) اجتماع الأرواح المقدسة في العالم الآخر.


    "يا ابن الهوى

        إلى متى تطير في الهواء النفساني. وهبت لك جناحا لتطير به في هواء قدس المعاني    لا في فضاء الوهم الشيطاني، أنعمت عليك بالمشط لترجل به غدائري المسكية لا لتخدش    به جيدي."(11)

 

    وذكر حضرة بهاءالله في "الكلمات المكنونة" بعض الألواح مثل "اللوح الخامس من ألواح الفردوس" و"اللوح الياقوتي" مع بعض الأسطر منهما،(12) وبيّن حضرة عبدالبهاء بوضوح بأن أيّا من هذه الألواح لم تنزل في هذا العالم بل حفظت في عوالم الملكوت الإلهية.

 

    وهناك "كلمة مكنونة" أخرى على غاية من الأهمية لما تبينه من طبيعة ظهور حضرة بهاءالله وقوته ورفعة مقامه وهي:

 

    "يا ابن الإنصاف

في الليل عاد جمال هيكل البقاء من عقبة الوفاء الزمردية إلى سدرة المنتهى، وبكى بكاء بكى لأنينه الكروبيون وجميع الملأ العالين، ثم سئل عن سبب نواحه وندبه، فذكر أن قد انتظرت على عقبة الوفاء كما أمرت ولم أتنسم من أهل الأرض رائحة وفاء فعدت أدراجي، ولاحظت أن الحمامات القدسية وقعت بين براثن كلاب الأرض. عندئذ أسرعت الحورية الإلهية من القصر الروحاني بلا ستر وحجاب وسألت عن أسمائها فذكرت جميع الأسماء إلا اسما واحدا، فلما اشتد الإصرار جرى على اللسان الحرف الأول من ذلك الاسم فأهرع أهل الغرفات من مكامن عزهم فما قيل الحرف الثاني حتى خروا على التراب جميعا. عند ذاك صدر النداء من مكمن القرب، لا يجوز أن يذكر أكثر من هذا (إنا كنا شهداء على ما


    فعلوا وحينئذ كانوا يفعلون)."(13)

 

    أما سدرة المنتهى، المذكورة في الفقرة السابقة، فإن أصل هذه التسمية جاء من عادة العرب أن يزرعوا أشجارا على جانب بعض الطرق، وآخر شجرة تشير إلى نهاية الطريق حيث لا يستطيع الإنسان أن يواصل سيره بعدها، ومن هنا جاءت تسمية هذه الشجرة بـ"سدرة المنتهى". وهو معناها الحرفي للفقرة الواردة في "الكلمة المكنونة" وأحد معانيها في كثير من آثار حضرة بهاءالله هو رمز لمقام المظهر الإلهي الذي يفوق إدراك البشر، أما الحورية فهي في آثاره صيغة رمزية لمعان مختلفة (1).

 

     والحرفان المذكوران في "الكلمة المكنونة"، كما فسرها حضرة عبدالبهاء هما "باء" و"هاء" من كلمة "بهاء"،(14) وهذا يعني أن الأهمية والقدرة الكاملة لظهور حضرة بهاءالله التي كنزت رمزيا ضمن هذه الأحرف الثلاثة(2) من اسمه لم تكشف للإنسانية، وأن مقدارا محدودا من ضيائه وبهائه قد أشرق على البشرية في هذا العصر.

 

    وأشار حضرة بهاءالله إلى ذلك في أحد ألواحه حيث يتفضل:

 

        "ثم اعلم يا كمال بأنا ما كشفنا الغطاء حق الكشف. أظهرنا أنفسنا على مقدار طاقة الناس، وإلا لو يظهر جمال القدم بجماله لن يقدر أن يشهده أحد عما خلق بين السموات   والأرض."(15)

___________________________________________________________________

(1) انظر صفحة 257.

(2) كلمة بهاء مؤلفة من ثلاثة أحرف، ويجب ألا يخلط بين هذا النص والحديث الإسلامي المعروف "العلم 27 حرفا فجميع ما جاءت به الرسل حرفان، ولم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين. فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفا". انظر صفحة 230.


الفصل السابع

 

من أوائل المؤمنين

 

 

    لم يمض وقت طويل على عودة حضرة بهاءالله من السليمانية حتى بدأت آثاره الكتابية تصل تباعا إلى البابيين في بلاد فارس، فبعثت فيهم الأمل ثانية ومنحتهم رؤية جديدة أنعشت أرواح بعضهم وألهبت مشاعر الآخرين وأضرمت فيهم نار الهمة حتى أنهم شرعوا في رحلتهم الطويلة الشاقة إلى بغداد سيرا على الأقدام تعوزهم أبسط أسباب الحياة لعلهم يفوزون بالمحضر المبارك ويكتشفون سر المظهر الإلهي الآتي في شخصه، وأدركت قلة منهم ممن وهبوا بصيرة روحانية نتيجة اطلاعهم على آثار حضرة بهاءالله الكتابية تلك بأنه هو "من يظهره الله" الذي أشار إليه حضرة الباب.

 

 

الملا رضا من أهالي "محمد آباد"

 

    إن أصدق مثال للرجل صاحب البصيرة النافذة هو الملا محمد رضا من أهالي "محمد آباد" في إقليم يزد. كان فقيها معروفا بتقواه وفصاحته وشجاعته. اعتنق الدين البابي في مطلع ظهوره وأصبح لامعا بين الأتباع في يزد. وفيما يلي مختصرا للكيفية التي أدرك بها الملا رضا مقام حضرة بهاءالله:

 

    بعد عودة حضرة بهاءالله من كردستان بقليل تشرف بمحضره الأسنى بابي معروف ملقب بـ"رضى الروح" مشهود له بالعلم والمعرفة. ومع أنه التقى بالجمال المبارك وجها لوجه إلا أنه لم يدرك عظمته وسمو مقامه آنذاك. وبعد عودته إلى يزد شارك رضى


الروح رفيقه الملا رضا بقصيدة "عز ورقائية" التي نزلت من القلم الأعلى، وبمجرد قراءتها والتمعن فيها،   وبفضل طهارة قلبه ونفاذ بصيرته، آمن وأيقن وصاح بفرح عظيم: "أستطيع أن أرى موعود البيان قد أظهر نفسه متربعا على عرش الكلمات التي نزلت في هذا اللوح".(1) اضطربت حال رضى الروح قليلا لما قاله الملا رضا، وهو الذي التقى حضرة بهاءالله في بغداد، وأشار بأن حضرة بهاءالله نفسه لم يدع مثل هذا الادعاء. ولكنه بعد وقت قصير دخل الإيمان قلبه وعانى الكثير من الاضطهاد في سبيل محبوبه، وفي عام 1868م استشهد في قرية مهريز خارج يزد.

 

    إن قصة حياة الملا رضا هي قصة مدهشة، وتحكي السطور التالية، التي تعتمد على مذكراته، جانبا منها:

 

انتسب الملا رضا إلى عائلة مشهورة، وتلقى تعليما يؤهله ليكون رجل دين مسلم. ومنذ اعتناقه الأمر الكريم إلى حين استشهاده في سجن طهران كرس جل حياته لأعمال التبليغ، ويجدر اعتباره بطلا عظيما أقامته يد القدرة الربانية في فجر أيام الظهور ليعلن الكلمة، وأنعم الله عليه بلسان كحد السيف فرق به حجبات الجهل والخرافات، فعرض نفسه دوما لشتى صنوف العذاب. ولم يكد يمر عليه يوم إلا وكان فيه يتجرع كأس التجارب والامتحانات المؤلمة بالفرح والرضا حتى الثمالة.

كان الملا رضا مسنا، حسن الهيئة، ممشوق القامة، مما كان يزيده وقارا ورزانة. أما نمط سلوكه فقد كان مزيجا فريدا من الصراحة وخفة الظل والفصاحة والشجاعة النادرة، بالإضافة إلى ما كان يكنّه من محبة عارمة لحضرة بهاءالله. لا يعرف من الناس من كان أقدر منه على التحمل والثبات، ومما يتداوله الأحباء من مصادر موثوق بها عن أيام سجنه في


يزد بسبب نشاطاته البهائية، وقبل طرده منها، أن الحاكم أمر بجلده على قدميه أمام العامة في سبع مواقع عند مفترقات الطرق في المدينة وفي يوم واحد، وذلك لإدخال الرعب والرهبة إلى قلوب الناس فيمنعهم ذلك عن الانضمام إلى صفوف الدين الجديد. وفي كل موقع كان الملا رضا يخلع عباءته وعمامته وجواربه ويضعها على منديل يفرشه بجانبه ثم يستلقي على الأرض ويدخل قدميه داخل الفلقة(1) ويغطي وجهه بطرف ثوبه ويطلب من الجلادين المباشرة بعملهم وفي سائر هذه الجولات التي شهدت ضربا مبرحا لم يتنفس بكلمة أو يبدي إشارة تنم عن شعوره بالألم. وفي أحد المواقع ظن المشاهدون المدهوشون أن الضحية قد انهارت تماما أمام الجلد القاسي لما بدا عليه من هدوء تام، ولما كشفوا عن وجهه وجدوه منشغلا في تنظيف أسنانه بالمسواك بكل هدوء وسكينة.

    ولأنه مُبلِّغ للأمر كان على درجة عالية من الكفاءة، جريئا حسن الإطلاع. لم يكن من يباريه خطابة أو يبزه معرفة بالقرآن الكريم أو الشريعة الإسلامية أو الأحاديث الشريفة. وفي سجن طهران، استدعي مرات عديدة للإجابة عن أسئلة حول الدين أمام جمع من أمراء المملكة ووجهائها وفي كل جلسة كان يتفوق على خصومه البارزين في النقاش ويبين مدى جهلهم وسخف أفكارهم.

كان رجلا واسع الرؤية محبا للابتكار والمغامرة، إلا أنه كان يسرح في خياله أحيانا. فمثلا كانت لديه القناعة الأكيدة بأن الوحدة العضوية لكافة المواد سوف تتأسس في الدورة البهائية، ويقال بأنه ذكر مرة: ’إذا ما اهتديت إلى الكيمياء

___________________________________________________________________

(1)    الفلقة :- آلة توضع فيها القدمان ويربطان بحبل ويرفعان إلى أعلى، بينما يستلقي من يُضرب على ظهره، ثم تضرب بطن القدمين بعصا أو بسوط.

 


التحويلية فسأبني بلدا أقيم فيه مشرق أذكار(1) من البلور تتوسطه قاعة قائمة على خمسة وتسعين عمودا، وكل بوابة من بواباته البالغة قياساتها 19x 9 أمتار ستصنع من الذهب الخالص‘. وبعيدا عن الحيطة والحذر والتروي، كان الملا رضا جريئا وصريحا في كل أعماله وسلوكه وإصراره على الحق، وكان يرتجل الكلام المؤثر دون تحفظ دائما. لم يكن ذلك الإنسان الذي يبحث عن فرص التبليغ فينتهزها أكثر مما كان يخلقها لنفسه ليتكلم في الدين أمام كل من يصادفه. لقد أخفقت حياة السجن الكئيبة الموحشة أن تكبح جماح روحه الوثابة أو تحد من اقداماته الجريئة في التبليغ، بل على العكس فقد هيأت له فرصا وقوى روحانية عديدة استمسك بها واستغلها استغلالا كاملا متجاهلا حقيقة ما ستجره عليه وعلى باقي الأحباء من أخطار وآلام وعذاب جديد نتيجة هذا التهور في التبليغ العلني بين السجناء المتعصبين ورجال السلطة. ويقص علينا السيد أسد الله القمي، زميله في السجن، فيقول: ’كانت مناقشاته العلنية تتحول أحيانا إلى جدل وخلاف يثير حفيظة المتعصبين الذين يتطلعون إلى مثل هذه الفرص لينضموا إلى الجمع بكلمات الاستهزاء والتحقير، وكنا ننبهه إلى أن هؤلاء الذين يتقولون على الأمر المبارك بألفاظهم البذيئة ليسوا طلاب حقيقة، بل مثيرون للشغب ليس إلا. ولكنه كان يجزم بأن الأمر عظيم ولذلك سوف يواجه معارضة عظيمة، وهؤلاء الذين يسعون إلى تدنيس اسمه الجميل بالشتم والذم لن ينجحوا بالتأكيد في مسه، وإن ما يفعلوه يظهر للجميع سحق غبائهم. وما مثلهم إلا كمثل باصق على الشمس وليس ببالغها‘.

___________________________________________________________________

(1) مكان العبادة البهائي.


    ويضيف السيد أسد الله: ’كم مرة ناقشناه متوسلين أن يعتدل في كلامه ويوجزه، إلا أن محاولاتنا كلها باءت بالفشل.(1) وعندما ساء الوضع ولاحت في الأفق أخطار جديدة، دفعنا إحساسنا بالخوف والقلق إلى خطوة خطوناها تسببت له في امتحان مؤلم وجلبت لنا جميعا الكثير من الحزن والأسى. ولاتقاء شر الأحداث المقبلة قابلنا السجان مشهدي علي وعرضنا عليه أن يستعمل نفوذه مع الملا رضا ويطلب منه الكف عن التكلم علنا عن الأمر لعل ذلك يغير موقفه. ولكن يا للحسرة، لم ندر أنه لا توجد قوة أرضية - مهما بلغ العذاب والآلام- تستطيع أن تخفف من تصلبه وعناده أو تثني هذا الرجل الطاعن في السن المنقطع إلى الله، عن أمر التبليغ الذي كان بالنسبة له أهم من سلامته أو من أية اعتبارات شخصية أخرى. وهكذا عندما لم يذعن لأمر السجان استشاط الأخير غضبا وأمر رجاله أن يعاقبوه بالجلد، فاقتادوه إلى ساحة السجن وأثخنوا ظهره العاري بلسعات السوط بغاية الوحشية. وبالرغم من كبر سنه وقسوة الحياة في السجن ظل ثابتا كالصخرة أثناء التعذيب ولم يتزحزح عن موقفه ولم تسمع منه ولو صرخة خافتة ولا ظهرت على وجهه أبسط أمارات الألم وكأنه في لحظة فقد إحساسه. وإزاء هذه المعاناة صدمنا جميعا صدمة هزت كياننا. وبعد انتهاء التعذيب، أسرعت إليه لأخفف عنه وأواسيه وأضمد جراحه. ولكن على العكس فقد أدهشه تصرفي لدرجة كبيرة وصاح في وجهي وكأنها صرخة النصر: ’’يا سيد أسد الله، هل تعتقد أنني أوذيت فعلا ؟! كنت أثناء الجلد كالفيل الذي يترنح سكرا، ولم أشعر بأي ألم. كنت في حضور حضرة بهاءالله

___________________________________________________________________

(1)  رغم نصائح حضرة بهاءالله لأتباعه باتباع الحكمة عند التبليغ، إلا أن حماس الملا رضا وإخلاصه ربما أديا إلى نسيانه تلك النصائح.


أتكلم معه‘‘.

من بين السجناء غير البهائيين الذين شاهدوا هذا المنظر المرعب رجل مشهور اسمه غلام رضا خان وقد هزته من ذلك السجين طاقة التحمل التي تفوق قدرة البشر وتأثر قلبه بما شهده مما دفعه إلى التحري عن حقيقة الموضوع، وسرعان ما كوفئ سعيه بالإيقان وأصبح في النهاية مؤمنا مخلصا. وعندما أخلي سبيله سئل عما حصل له حتى أصبح بهائيا فأجاب: ’لقد اهتديت إلى نور الإيمان من مشاهدتي للجلد والتعذيب‘. ثم أضاف: ’لو تليت على مسمعي مئات الآيات من القرآن الكريم أو طرح أمامي ألف دليل لإقناعي بأحقية هذه الرسالة، ما تأثرت كما أثر فيّ ذلك الهدوء الذي سيطر على ذلك الرجل المسن، جريء القلب، الملا رضا تحت وطأة كل هذا التعذيب‘.

وفيما يلي قصة أخرى على لسان السيد أسد الله: ’كان بيننا سجين يهودي مسكين وذات يوم ناداني الملا رضا وقال: ’’هل ترى ذلك اليهودي، كم هو بائس ووحيد! فلا يتكلم معه أحد من المسلمين أو يصاحبه، ولا يدعوه يدخل الحمام العام لأنه بنظرهم نجس، وانظر إلى ملابسه القذرة الرثة. والآن هلا ساعدتني في غسله عند حافة بركة السجن؟‘‘ وقد أصرّ بشدة إلى أن وافقت أن أساعده في هذا العمل الكريه. فأجلسنا اليهودي على حافة البركة وخلعنا عنه ثوبه الرث الذي غطى جسمه الوسخ بصعوبة. ثم واصلت صب الماء عليه بينما انهمك الملا رضا في فرك جسمه وتنظيفه. وبعد إتمام غسله أحضر له الملا رضا بعض الملابس النظيفة ليلبسها وخلال هذا الوقت كله كان اليهودي يتمتم كمن فقد صوابه ويقول: ’’هل أنتم ملائكة أم بشر؟! لستم من اليهود حقا، لكنكم كرماء ولطفاء جدا‘‘. ثم صاح الملا رضا: ’’أيها الرفيق البائس،


ليس هذا بشيء، ولكنها كلمة الرب أبيك التي دفعتني لغسلك وكسوتك، لكن واحسرتاه، أنت لا تعرف الرب أباك. أليس كذلك؟! حتى أنك لم تسمع منه هذه الكلمة: ’عاشروا مع الأديان بالروح والريحان‘‘.‘

كان الملا رضا رجلا غريب الأطوار وذا نزعة غريبة في التفكير بمقاييسنا، وقد فاز بمقام رأى منه في كل شيء آية أو تجليا لعظمة حضرة بهاءالله. وكان الحب الذي يكنه لمولاه قد ملك عليه نفسه، وفي سبيل ذلك الحب أغفل أي شعور آخر. يروي ميرزا حسين الزنجاني -وهو سجين بهائي آخر- قصة أخرى عن الملا رضا فيقول: ’كنت الرفيق الملازم له مدة ستة عشر شهرا مكرسا نفسي لخدمته. أجهز طعامه وأغسل ملابسه وأسعى لراحته. ومع هذا لم يكن ليشكرني إلا نادرا، وبدل ذلك كان يقول: ’’أشكر الجمال المبارك على ما يوفره لي من راحة وعون‘‘. وفي كل مرة أقدم له الطعام اعتاد أن يقول: ’’أنا مدين لك بالشكر يا حضرة بهاءالله‘‘. وعندما كان يوزع صدقة أو يقدم خدمة للآخرين كان يقول: ’’أنا أعطي هذا لحضرة بهاءالله...‘‘ وفي أحد الأيام أحضروا سجينا بلا قميص، وعندما شاهده الملا رضا استدار نحوي وقال: ’’هذا الشاب المسكين هو خادم حضرة بهاءالله حتى لو لم يعرف مولاه، وبما أنه نصف عار، جدير بنا أن نعطيه القميص الاحتياطي الذي نستعمله بيننا، فلا نحتاج إلى قميص احتياطي في السجن، إنه نوع من الترف يمكننا الاستغناء عنه‘‘. فقلت: ’’حسن جدا، فالبس أنت القميص الاحتياطي الذي غسلته لتوك وأعطه القميص الذي تلبسه‘‘. وبمجرد سماعه اقتراحي فقد الملا رضا أعصابه وصاح بي بسخط قائلا: ’’هل تقصد أن ألبس القميص النظيف وأعطي الجمال المبارك القميص المستعمل؟ كيف تجسر على هذا الاقتراح


القاسي؟ ألست بهائيا؟! فحضرة بهاءالله يتفضل: لن يكون إحسانا ما لم تقدم أعز ما تملك. وأني لأعجب كم من الوقت تحتاج لإدراك ذلك‘‘.‘

واستطرد ميرزا حسين قائلا: ’في أوائل حكم مظفر الدين شاه (1896-1907م) سعى الأحباء في طهران لدى الشاه في مناسبات عدة ونجحوا أخيرا في الحصول على أمر بالإفراج عنا، ويوم إطلاق سراحنا ساقونا مكبلين بالسلاسل إلى دار رئيس الشرطة وسط طريق مزدحم يعج بالنظارة. وهناك احتجزونا بانتظار إجراءات إخلاء السبيل. وخلال تلك اللحظات المشحونة بالقلق والتلهف توسلنا إلى ميرزا رضا أن يتخذ جانب الحيطة فيبقى هادئا وصامتا خشية وصول كلمة طائشة إلى السلطات فتخلق لنا المتاعب والعذاب من جديد. وبالرغم من تحذيراتنا المتواصلة وبعكس نصائحنا فقد ذهب الملا رضا إلى غرفة مجاورة ليتحدث إلى جماعة من طلاب الفقه الإسلامي يتزعمهم "سيّد" متعصب خبيث. فتطور الحديث معهم إلى جدال عنيف كنا نسمعه عن بعد، وكان الملا رضا يقذفهم بالبراهين الدامغة وسيل من الآيات القرآنية. فارتبكت الجماعة المعادية تماما، ولما لم يبق منهم من يستطيع مقارعته بالحجج والبراهين، ثارت ثائرتهم وقاموا عليه بكل جنون وأساءوا معاملته ثم ضربوه وأبعدوه عنهم. ولم تنته المأساة عند هذا الحد، بل جلبت العواقب الوخيمة، ذلك أن ذلك "السيد" الماكر الخبيث، حاك ضد الملا رضا، في اليوم نفسه، المفتريات والأكاذيب مما تسبب في إصدار أمر جديد بإعادته إلى السجن بينما أطلق سراح الباقين.

هذا التطور الجديد جلب علينا القلق والحزن إلا أنه أخفق في أن يسبب للملا رضا أقل إزعاج. فبقي جريئا سعيدا هادئا


رابط الجأش وعلى درجة من المرح والدعابة كما عهدناه. ولما لم يكن في هذه المرة من يعتني به في السجن، تكاتفت عليه براثن الحرمان والمشقات بكل قواها لتنهش في جسمه النحيل وتتمكن من تعجيل رحيله إلى شواطئ الأبدية، حيث رفت روحه وقصدت مقام المحبوب بعد عشرة أيام من إعادته إلى السجن‘.

إن اللوحين الرائعين المنزلين بقلم حضرة عبدالبهاء تخليدا لذكراه يبرزان علو مقامه كمبلغ وشهيد ويبينان المثال الذي ضربه في البطولة خادما مخلصا للأمر الإلهي.(2)

 

    وفي حين استطاع الملا رضا إدراك مقام حضرة بهاءالله خلال تمعنه في أحد ألواحه المباركة، كان الآخرون يجهدون في البحث عن الحقيقة إلا أنهم حرموا من نعمة البصيرة بسبب علومهم ومعرفتهم الدنيوية مما جعلهم يستغرقون بعض الوقت في الوصول إلى حقيقة الرسالة الإلهية.

 

 

النبيل الأكبر

 

    من بين الذين وفدوا إلى بغداد مشيا على الأقدام وتشرفوا بالحضور المبارك، وكان أكثرهم علما وأوسعهم معرفة وإطلاعا، الملا محمد القائني الذي لقبه حضرة بهاءالله فيما بعد بـ"النبيل الأكبر". أنعم الله على هذا الرجل الجليل بمواهب وقدرات عقلية غير عادية واعتبره البعض معجزة بين أقرانه من العلماء والمثقفين. ومما يدل على علو مقامه أنه بعد عدة سنوات من الدراسة في منزله أمضى في العراق ما يقارب ست سنوات في دراسة العلوم الدينية ومواضيع أخرى ترتبط بفلسفة الفقه الإسلامي. كان معلمه مجتهد كربلاء المشهور الشيخ مرتضى الأنصاري، كبير جماعة الشيعة وصاحب مواقف ودية تجاه الأمر، وكان عالما له ميزانه الدقيق، وطوال فترة حياته لم يمنح


الشيخ لقب مجتهد(1) إلا لثلاثة من طلابه، كان النبيل الأكبر أحدهم. وقد مجد حضرة بهاءالله الشيخ مرتضى في آثاره المباركة وعدّه من زمرة العلماء الذين تشربوا من الحقيقة، ووصفه حضرة عبدالبهاء بأنه: "العالم النحرير الجليل والفاضل الشهير، خاتمة المحققين".(3)

 

    كان مشهودا للنبيل على أنه أحد أبرز العلماء في بلاد فارس، وعمت شهرته أنحاء البلاد حتى أنه ذات مرة عندما كان يتحدث إلى جمع من رجال الدين في كرمان البعيدة -دون الإفصاح عن شخصيته- ثمل المستمعون من حديثه الرائع وسمع بعضهم يقول: "لا يستطيع أحد في البلاد مضاهاة مثل هذا الرجل في ميدان العلم والمعرفة سوى الملا محمد القائني الشهير (أي النبيل الأكبر)."

 

    اعتنق الدين البابي عام 1853م تقريبا. وبعد ست سنوات، تشرف بالمحضر الأنور في بغداد واستقبله حضرة بهاءالله بحرارة ومنحه شرف الإقامة في الغرف الخارجية لمنزله المبارك والمخصصة عادة للزائرين، وأصدر تعليماته لميرزا آقا جان ليقوم على راحة الضيف. وفيما يلي بعض ما ذكره النبيل الأكبر شفاها في سرده أحداث تلك الأيام القليلة بالحضور المبارك:

 

بعد ظهر أحد الأيام كنت جالسا في الغرفة أتبادل الحديث مع الملا محمد صادق الخراساني المعروف بـ"المقدس"(4) وهو رجل علم يعلو وجهه الوقار والمهابة. وبينما نحن كذلك وصل حضرة بهاءالله إلى السكن الخارجي عائدا لتوه من بغداد ومعه الأمير "مُلك عَرا" ممسكا بيده. أما الملا صادق، وهو مثال الوقار، فقد انتصب على قدميه وألقى

___________________________________________________________________

(1) ما يعادل درجة مشرع في الفقه الإسلامي.


    بنفسه على قدمي حضرة بهاءالله الذي لم يريحه هذا التصرف فوبخه بغضب وأمره أن   ينهض فورا، ثم غادر الغرفة وبصحبته الأمير. لقد أدهشني وحيرني الملا صادق بتصرفه الذي لم أتوقعه من شخص مثله. ولكوني شاهدت ما حدث، عبرت للملا صادق عن    استهجاني لفعلته ولمته قائلا: "لك مقام رفيع في أوساط العلم والمعرفة، وفوق هذا كله     تشرفت بحضور حضرة الباب. إن مقامك يلي حروف الحي مباشرة وأنت أحد الشاهدين(1)   على دين حضرة الباب. من المعروف أن حضرة بهاءالله يتمتع بمنزلة رفيعة اكتسبها من    أسلافه الذين شغلوا مناصب عالية في الدولة وقد قاسى من الاضطهاد والسجن لاعتناقه   الدين حتى أن كافة ممتلكاته صودرت وانتهى به النفي إلى هذه البقعة، ولكن تصرفك     أمامه بعد ظهر اليوم هو تصرف خادم وضيع أمام مولاه العظيم".

        أمسك الملا صادق عن الإجابة، وكان فيه نشوة روحية، يشع وجهه بشرا وفرحا،     واكتفى بالقول: "أتضرع إلى الله أن يرفع عن وجهك النقاب ويمطرك بعنايات فضله   العميم".

        بعد هذه الحادثة عقدت العزم على تحري الحقيقة، وبدأت أراقب شخص حضرة بهاءالله وأتفحص تصرفاته بكل عناية، وكلما أمعنت في المراقبة وجدت نفسي عاجزا عن     اكتشاف ما يشير إلى ادعائه مقاما لنفسه، بل بالعكس فلم ألحظ منه أي شيء، قولا أو عملا، سوى التواضع ونكران الذات والعبودية والعدم الصرف. ونتيجة لذلك

___________________________________________________________________

(1)    مؤمنون محددون لقبوا بـ"الشاهدين" في كتاب البيان -أم الكتاب في الدورة البابية- ليشهدوا على أحقيته بأنه كلمة الله إلى حين ظهور "من يظهره الله" -حضرة بهاءالله- وبعدها تنتهي مهمتهم.


    وقعت في خطأ فادح حيث فضلت نفسي عليه لأنني اعتقدت أنني أعلى منه مرتبة في كل    شيء.

كنت معتادا في اجتماعات الأحباء أن أعتلي مقعد الشرف لأبدأ في الحديث دون إعطاء حضرة بهاءالله وغيره فرصة التكلم. وبعد ظهر أحد الأيام نظم حضرة بهاءالله اجتماعا للأحباء في منزله المبارك، وتجمع كل الأحباء كالعادة في الغرفة الواسعة، التي يطوف حولها أهل البهاء، كما نزل من القلم الأعلى. ومرة أخرى أخذت مقعد الشرف، أما حضرة بهاءالله فكان يجلس وسط المجموعة يقدم لهم الشاي بيديه المباركتين. طُرح سؤال، وضمرت في نفسي أن لا أحد بمقدوره الإجابة عنه غيري. فبدأت في الكلام والأحباء يصغون باهتمام عدا حضرة بهاءالله الذي كان يعلق أحيانا مع أنه كان يوافقني على تفسيري. وجدت نفسي في النهاية صامتا وحضرة بهاءالله يأخذ بزمام الحديث. فكانت تفاسيره غاية في البلاغة، وبحر كلماته يموج على درجة من القوة بحيث استولت الرهبة على كياني بالكلية. كنت مفتونا بسحر كلماته ووجدت نفسي غارقا في الحيرة والانبهار، وبعد دقائق من استماعي لكلماته التي لا مثيل لها في الروعة والجلال أصبحت مدهوشا مصعوقا لدرجة عجزت بعدها عن سماع صوته، ومن حركة شفتيه كنت أعرف أنه ما زال يتكلم، وبعدها شعرت بخجل واضطراب لا يوصفان جراء جلوسي على مقعد الشرف.

انتظرت بفارغ الصبر سكون شفتيه، وعندما أدركت أنه قد أنهى حديثه، نهضت منتصبا كطير ضعيف أفلت من مخالب الصقر وغادرت الغرفة. وفي الخارج بدأت أوبخ نفسي على ما أنا فيه من عمى البصيرة وما كان مني إلا أن ضربت رأسي بالحائط ثلاث مرات.(5)


    وأخيرا تفتحت عينا النبيل الأكبر فقد حضر اجتماعا آخر في الكاظمين، في منزل الحاج عبد المجيد الشيرازي، وكان حضرة بهاءالله قد شرف ذلك الاجتماع. وتحدث عن أسرار الخلق ونشوئه. وهناك انكشف أمام النبيل الأكبر عالم جديد زاخر بمعان لم يعرفها من قبل واعتبر أن كل كلمة من حضرة بهاءالله هي جوهرة لا تقدر بثمن. وأيقن بأن كل ما درسه وسمعه في حياته لم يكن سوى ثرثرة أطفال.

 

    عندها قرر أن يعرف من حضرة بهاءالله نفسه حقيقة مقامه فحرر خطابا إليه ورجا حضرة عبدالبهاء أن يسلمه إياه. وفي اليوم التالي تسلم لوحا مباركا يشير فيه حضرته إلى مقامه الإلهي الرفيع، وكان هذا نهاية المطاف في بحثه فكتب خطابا آخر يذعن فيه لحضرته بكل خضوع على أنه "المظهر الكلي الإلهي" متوسلا أن يهديه ويسدد خطاه في خدمته فصدر الأمر له من مولاه أن يعود إلى بلاد فارس لينشغل في تبليغ أمر الله.

 

    كرس النبيل الأكبر جل حياته لخدمة الأمر وعانى الكثير من اضطهاد أعداء الدين وتبوأ في مجالي الخدمة والانقطاع مقاما لم يبزه فيه سوى قلة من حواريي حضرة بهاءالله.

 

    توفي عام 1892م بعد صعود حضرة بهاءالله ودفن في بخارى. وفي ذلك الحين طلب حضرة عبدالبهاء من تسعة مؤمنين زيارة قبره نيابة عنه وتلاوة لوح أنزله بيراعه خصيصا له. وبعد عدة سنوات أصدر حضرة عبدالبهاء أمره لابن أخت النبيل الأكبر بنقل رفاته من بخارى إلى عشق آباد، ذلك القرار الذي رعته العناية الإلهية لأن السلطات في بخارى دمرت المقبرة بعد ذلك النقل مباشرة.

 

    وبالكيفية نفسها التي تشرف فيها النبيل الأكبر بالحضور المبارك وشاهد نور الظهور الإلهي، تشرف العديد من البابيين،


بعضهم علماء وآخرون غير متعلمين، وخضع الكل لسلطان حضرة بهاءالله واستفاضوا من فيضه كل حسب استعداده وقدرته. وإعزازا لهؤلاء نزلت بحقهم معظم الألواح المباركة التي حظيت بها تلك الفترة.


الفصل الثامن

 

"الوديان السبعة"

 

 

    من آثار حضرة بهاءالله التي نزلت بعد رجوعه من السليمانية كتاب "الوديان السبعة". ويعد هذا الكتاب تحفة من الآثار العرفانية الرائعة، وقد نزل ردا على أسئلة الشيخ الصوفي محي الدين قاضي مدينة خانقين. ورغم أن الشيخ لم يكن من أتباع حضرة الباب، كان من المعجبين بحضرة بهاءالله وكتب إليه رسالة ضمّنها أفكارا وقضايا رمزية باطنية.

 

    يدور موضوع "الوديان السبعة" حول رحلة الروح من عالم الوجود إلى عوالم القرب لله المعبود، والمراحل السبعة لهذه الرحلة معروفة عند المتصوفين، وصفها في وقت مبكر من تاريخهم أحد أقطابهم البارزين وهو الشيخ فريد الدين العطار. إلا أن حضرة بهاءالله هو الذي أسهب في شرح هذه المراحل السبع فكشف عمق معانيها وأسرار مغازيها.

 

    أول هذه المراحل (أو الوديان) السبع وادي الطلب وفيه وصف لطريق الباحث الجاد في سبيله إلى مبتغاه وهو عرفان المظهر الإلهي في عصره. ففي البدء وقبل كل شئ عليه أن يطهر قلبه، منبع الكنوز السماوية، من كل وشم، ويعرض عن اقتفاء "آثار الآباء والأجداد" ويسد أبواب الصداقة والعداوة مع ملل الأرض،(1) ويترك وراءه ما شاهد وسمع وأدرك،(2) زاده في رحلته: الغيرة والحماس والصبر.

 

    وثانيها وادي العشق، والسالك فيه كالفراش الذي وجد لهبا فتراه يتحرق شوقا للوصول إليه فيدور حوله مقتربا شيئا فشيئا إلى أن


يحترق أخيرا بشعلة الفداء.

 

    هذه مرحلة يمس شغاف القلب فيها بهاء مظهر الله الذي بحث عنه فوجده. وهنا لا يفهم السالك فيها أسبابا أو براهين لأن قلبه انجذب وهوى في عشق محبوبه. وما سيرة كل دين إلا وكتبت حقا بمداد العشق. ولنأخذ مثالا على ذلك أوائل الظهور الإلهي لحضرة بهاءالله، فمن بين الألوف الذين اتصلوا بالمظهر الإلهي وانجذبوا إليه قليل منهم كان يعرف شيئا عن تاريخ الأمر وتعاليمه وبراهينه وأحكامه ومع ذلك هاموا بعشق حضرة الباب وحضرة بهاءالله، وثملوا بخمر الحيوان من فيض جود المنان، وأضحوا على استعداد للتضحية بأرواحهم عند الضرورة، وبلغ بهم العشق أن طلب من فاز بالحضور المبارك قبول استشهادهم في سبيله وبلغوا درجة من الانجذاب لم يقبلوا بعدها فكرة الابتعاد عنه.

 

    فعندما وصلت للأصحاب في بغداد أنباء اقتراب مغادرة حضرة بهاءالله إلى الآستانة تملكهم الأسى والاضطراب. ففي الليلة الأولى عفت نفوسهم النوم والطعام، وبعضهم قرر إنهاء حياته إذا حرم من شرف مرافقته في رحلته، والكل عازم على تنفيذ ما بخاطره لولا كلمات النصح والعزاء من محبوبهم التي جعلتهم يستسلمون لإرادة الله.

 

    لا شيء يفوق قصة الحاج محمد جعفر التبريزي ومحبته العارمة وإخلاصه لحضرة بهاءالله. كان الحاج محمد من الأحباء المخلصين، وتشرف بالحضور المبارك لأول مرة في بغداد فأدرك مقام حضرة بهاءالله، ومنذ ذلك الحين وهب حياته لخدمة مولاه. ولما استقر الجمال المبارك في أدرنة لحق به الحاج جعفر وشقيقه المؤمن وأقاما هناك. كان منجذبا لمولاه لدرجة أنه حاول قطع حنجرته بيده عندما علم أن السلطات لم تشمله ضمن من سيرافق


حضرته إلى عكاء، إلا أن بعض الأحباء وصلوا في الوقت المناسب وأنقذوا حياته.

 

    ونتيجة لذلك عدلت السلطات من موقفها السابق بعدم السماح لأحد من أتباع حضرة بهاءالله بمرافقته إلى عكاء فأذنت لمعظم من كانوا معه في بغداد بالسفر معه. لم يتمكن الحاج جعفر من مرافقة سيده بسبب نقله إلى المستشفى لمعالجة حالته الخطرة، فقد كان الجرح الغائر في حنجرته ينزف بشدة. فوعدته السلطات والحالة هذه أنه حالما يشفى من جراحه سيسمح له بالتوجه إلى عكاء مع شقيقه، وبعد مرور شهرين وصل الشقيقان إلى عكاء لينضما إلى حضرة بهاءالله في السجن الأعظم.

 

    أما وادي المعرفة فهو ثالث المراحل السبعة تلك، والمعرفة هنا لا تعتمد أساسا على العلم الدنيوي، فمعرفة الله تشرق على الإنسان من أفق قلبه، فافتخار الإنسان بعلمه وإنجازاته حجاب له عن نور المعرفة الحقّة في معظم الأحيان. إن روح السالك في هذا الوادي تدرك الحقيقة وتصل إلى اليقين "فتتنور بصيرته وينشغل بمناجاة حبيبه"،(3) ويكتسب رؤية جديدة ويبدأ في فهم أسرار الظهور الإلهي وخلق الوجود. فلا قنوط مع المحن والآلام بل يقابلها بالرضا والتسليم لأنه "يرى الأول مثل الآخر"،(4) ويكتشف أن في البلايا والمحن رحمة الله وبركته، ويرى الحكمة في كل شيء. "وفي هذا المقام يرضى بالقضاء ويرى الحرب كأنها سلام ويشاهد في الموت أسرار البقاء... ويجد من البحر قطرة، وفي القطرة أسرار البحر".(5)

 

    وأما وادي التوحيد، فيرتقي فيه السالك من عالم التحديد إلى عالم التجريد. فلا يرى عالم الخلق بقصور عينه الذاتية، بل يرى بعين الله مجردا عن الغرض ويكتشف أن الله متجل على


المخلوقات ببعض صفاته كل حسب استعداده. ويختلف مقدار التجلي هذا باختلاف عوالم الوجود.

 

    فإذا تحرر السالك من قفص النفس والهوى وتخلص من قيود التحديد يدخل عالم الكون الفسيح كمن يحلق في الفضاء الخارجي وينظر نحو الأرض برؤية شاملة، فتتسع رؤيته ولا ينظر إلى نفسه أو يتعلق بهذا العالم، "بل يرى الله في كل شيء وينظر إلى الأشياء بنظر التوحيد ويشاهد إشراق تجلي الشمس الإلهية من مشرق الهوية على الوجود إشراقا واحدا وأنوار التوحيد موجودة ظاهرة على جميع الموجودات." فلا مكان للذات في هذا الوادي، وهنا "يدخل السالك في خلوة المعشوق ويصبح محرم سرادق المحبوب... ولا يرى في نفسه وصفا ولا اسما ولا رسما بل يرى وصفه في وصف الحق واسم الحق يراه في اسمه".(6)

 

    وبوصوله إلى ذاك المقام الرفيع من الانقطاع عن الدنيا، يجد السالك نفسه مستغنيا عن كل الموجودات ويدخل وادي الاستغناء. ومع أنه قد يكون فقيرا في الظاهر ففي الباطن وهب الغنى والقدرة من عالم الروح.

 

    يحتوي تاريخ الأمر الكريم على سجل مثير لسير المؤمنين الأوائل من الذين احتلوا المناصب العالية وتمتعوا بالثروة والرخاء، ويقص علينا كيف أن هؤلاء حال دخولهم حظيرة الإيمان جردهم الأعداء من مناصبهم وممتلكاتهم الدنيوية، وكيف أن العديد منهم ولجوا وادي الاستغناء لأنهم لم يتعلقوا بمتاع الدنيا، فلم يتأثروا بما أصابهم من فقر وتشريد واضطهاد ومعاناة.

 

    فالسعادة إحدى سمات المؤمن الصادق، ولا يمكن الوصول إليها بمباهج الحياة وملذاتها، لأنها مؤقتة قد تبطن لنا الحزن


والأسى. والذين دخلوا وادي الاستغناء هم وحدهم عاشوا السعادة الحقّة حتى لو عجنتهم البلايا والمحن. ويتفضل حضرة بهاءالله أن السالك في وادي الاستغناء "يحرق حجبات الفقر وينتقل من الحزن إلى السرور ومن الغم إلى الفرح ويتبدل انقباضه بالانبساط".(7)

 

    تبرز حياة حضرة عبدالبهاء، المثل الأعلى لتعاليم حضرة بهاءالله، مثلا وضاء لمعنى السعادة الحقيقية، فمنذ التاسعة من عمره كان شريك والده في البلايا والمصائب حيث أمضى أربعين سنة من حياته في عكاء سجين أعتى حاكمين مستبدين من الأتراك العثمانيين، ومع ذلك، بقي في حلكة تلك السنوات المظلمة أكثر مرافقي والده بشرا وبشاشة يغدق محبته على كل من يلتقي به.

 

    وبعد بضع سنوات من إطلاق سراحه تفضل بالبيان التالي:

 

"الحرية ليست بالمكان بل حالة نفسية. كنت سعيدا في السجن لأني قضيت أيامي بالخدمة. فالسجن لي كان حرية، والمصائب راحة، والموت حياة، والذلة عزة، ولذلك غمرتني السعادة وقت السجن.

فالنفس البشرية أعظم سجن، فإذا تحرر الإنسان من ربقتها عاش في حرية تامة، ولن يكون بعدها إنسان مسجونا. وما لم يواجه الإنسان تلك التقلبات المؤلمة بالرضا والاطمئنان بدل الكآبة والإذعان، لن يستطيع الفوز بالحرية."(8)

 

    بعد أن يقطع السالك مراتب الاستغناء يصل إلى وادي الحيرة "فيصعق من جمال ذي الجلال"،(9) ويكون كمن غاص في المحيط ووجد نفسه فجأة أمام وسعه الهائل وعمقه السحيق. فالسالك في هذا الوادي يدرك سعة الوجود اللامتناهية، ويكتشف هنا جوهر الأسرار المودعة في الظهور الإلهي برؤية صافية وبصيرة


نافذة تقوده من سر إلى ألف سر منها. "وفي كل لحظة يرى عالما بديعا وخلقا جديدا فيزداد حيرة بعد حيرة، ويضيع في رهبة صنع سلطان الأحدية".(10)

 

    والوادي الأخير الذي يجهد السالك في الوصول إليه "وادي الفقر الحقيقي والفناء المحض" وهو "منتهى رتبة العارفين ومنتهى وطن العاشقين"،(11) ويؤكد حضرة بهاءالله على هذا المقام فيتفضل:

 

"إنه مقام الفناء عن النفس والبقاء في الله، الفقر في النفس والغنى بالمقصود، والفقر هو الافتقار إلى موجودات عالم الخلق والغنى هو الاغتناء بما في عالم الحق. ذلك لأن العاشق الصادق والحبيب الوفي عندما يرد فناء المعشوق تتحد شرارة الجمال المحبوب بحرارة قلبه لتطلق لهيبا يحرق كل سرادق وحجاب وما لديه، من قلبه إلى جلده، ولا يبقى سوى العاشق."(12)

 

 

السيد إسماعيل الزواري -الملقب بالذبيح-

 

    لقد فاز بعض الأحباء، الذين تشرفوا بالمحضر المبارك، بهذا المقام الرفيع، "مقام الفناء من النفس والبقاء في الله". فرأوا وميضا من ذلك النور الخفي الذي احتجب في هيكله المبارك وصعقوا وما طاقوا البقاء في ظلمة هذا العالم.

 

    كان أحد هؤلاء السيد إسماعيل من أهل مدينة زوارة الذي لقّبه حضرة بهاءالله بـ"الذبيح"(1). كان ورعا، جليل القدر لتقواه

___________________________________________________________________

(1)    هناك شخص آخر لقب بالذبيح أيضا وهو الحاج محمد إسماعيل من كاشان، وسيشار إليه في المجلد الثاني.


واستقامته وعلمه ومعرفته. آمن في مطلع الدورة البابية وتشرف بمحضر حضرة الباب في منزل إمام الجمعة بإصفهان. وقد شاهد تنزيل حضرة الباب تفسيره لسورة "والعصر" وأسرت لبّه سرعة جريان قلمه وقوة بياناته وهو يتغنى ببعضها بحضور جمع من العلماء البارزين، فأصبح من أتباعه المخلصين. وبعد ما ينوف على عقد من الزمن قدم الذبيح إلى بغداد وتشرف بمحضر حضرة بهاءالله، وأقام في منزل أحد المؤمنين المدعو آقا محمد رضا في منطقة مجاورة للبيت المبارك. وذات يوم دعا محمد رضا حضرة بهاءالله إلى بيته لينال شرف استضافته، فلبّى الدعوة بعد بضعة أيام وشرف منزله بعد الظهر.

 

    وفي "الكتاب البديع" الذي نزل في أدرنة بعد بضع سنوات، وصف حضرة بهاءالله، ذلك الاجتماع مع الذبيح. وكما جرت العادة فقد هيأ مضيفه صحاف الفاكهة وصحون الحلوى المتنوعة، وأمر حضرته الذبيح أن يتناول شيئا منها، وبكل خضوع وبغاية الشوق، أبدى شغفه بشيء من الطعام الروحاني من مخزن علم حضرته المستور بدل ذلك الطعام المادي. فاستجاب له مطلع الإلهام واستدعاه ليجلس أمامه ويصغي لكلماته التي كانت تفيض هيمنة وروعة لا تضاهى، زاخرة بالمعاني الروحية، التي لا توصف، بشهادة حضرة بهاءالله نفسه.

 

    تبدل حال الذبيح لدى سماعه الآيات البينات وانفتحت أمام عينيه عوالم الروح، وبقي بعدها ثملا بالنشوة الغامرة وكرس نفسه كلية لمولاه، وأخذت نار العشق في قلبه تزداد اشتعالا يوما بعد يوم.

 

    وإظهارا لولائه لمولاه وتعبيرا عن مشاعر الخضوع والمحوية له أخذ الذبيح على نفسه عهدا أن يكنس مداخل بيت محبوبه كل يوم ساعة الفجر -من واجب