من
مفاوضات عبد البهاء
D/1574/1980/10
من
مفاوضات
عبد البهاء
محادثات
على المائدة
من
منشورات دار النّشر البهائيّة في بلجيكا
MAISON
D'ÉDITIONS BAHÁ'ÍS
205, RUE DU
TRÔNE
1050 BRUSSELS, BELGIUM
صفحة
خالية
مقدّمة
وضعتها
ناشرة الكتاب باللّغة الإنجليزيّة
(معرّبة
عن الإنجليزيّة)
بسمه
تعالى
حمداً لله
وثناءً إذ إنّه جلّ شأنه زيّن بكمال عنايته الإنسان بطراز العقل والنّهى وبذلك
هداه لاكتشاف أسرار الكائنات ومعرفة رموز الأسماء والصّفات، وشاءت إرادته الأزليّة
في هذا الدّور الأعلى الّذي هو مظهر شروق النّور الأبهى أن يرتبط الشّرق والغرب
برابطة المحبّة الإلهيّة، وأن تزول الاختلافات المذهبيّة والفوارق القوميّة
والوطنيّة، وأن يكون سطح الكرة الأرضيّة كلّه وطناً واحداً يشترك فيه كافّة أفراد
النّوع الإنساني. نعم إنّ العباد جميعاً في هذا اليوم البديع هم أوراق غصن واحد
وقطرات بحر واحد. فالمنّة لله تعالى الأزليّ السّرمديّ الّذي وفّق هذه الذّرّة
الفانية مع قلّة البضاعة وعدم الاستحقاق واللّياقة للعبوديّة والطّاعة، فتشرّفت
بفيض لقاء حضرة "عبد البهاء" روحي لتراب أقدامه الفداء، وأشربني ذلك
السّاقي الأزليّ بيده الفيّاضة كأس المعاني.
وبعد أن
تشرّفت هذه الذّرّة الفانية عدّة مرّات بزيارة أرض المقصود (الأراضي المقدّسة)،
ونالت منتهى آمالها وأمانيها، كان كلّ أعضائها وجوارحها شوقاً لإدراك الحقائق
الرّوحيّة والاغتراف من ذلك البحر بحر المعاني الّذي لا ساحل له، فسألت حضرة عبد
البهاء عدّة أسئلة تتعلّق بالأمر الأبهى وبعض المسائل الإلهيّة وأجاب حضرته على
هذه الأسئلة كلّها بحسب مدركاتي الضّعيفة بنهاية الرّأفة والشّفقة مع مشاغله
اليوميّة المستمرّة الّتي لم يكن يستطيع معها أن يستريح لحظة واحدة، ولكي
تستطيع هذه الفانية أن تتأمّل عند سنوح الفرصة وفراغ
البال في تلك المسائل الغامضة، عيّن حضرته كاتباً نشيطاً ليدوّن بياناته حين
التّكلّم.
ولمّا لم
يكن لي إلمام باللّغة الفارسيّة ولا كفاية للخوض في عباب المسائل المعضلة
الإلهيّة، كان في غالب الأحيان يضطرّ حضرة عبد البهاء أن يكرّر المسألة الواحدة في
مواضع متعدّدة، والاستعارات والتّشبيهات الّتي كان يستعملها في موضوع معيّن كان
يستعملها أيضاً في مواضع أخرى، ومع أنّ هذه الحقائق العالية كان يستلزم ذكرها أن
تصاغ في عبارات أسمى، إلاّ أنّ حضرته بيَّنها بعبارات سهلة بسيطة وكانت النّتيجة
بعد مدّة أن تكوّنت مجموعة وجيزة من تلك الأسئلة والأجوبة، وقد كانت هذه الفانية
تتمتّع بالتّأمّل في حقائقها الباهرة فجال بخاطري ألاّ يحرم الظّمأى لزلال المعرفة
من ماء الحياة الأبديّ هذا ليستفيض النّفوس من البهائيّين وغيرهم من الطّوائف
الأخرى من الحقائق المندرجة في آيات ذلك الفيض السّرمديّ.
فلهذا
استأذنت حضرة عبد البهاء أن أطبع وأنشر تلك الأسئلة والأجوبة بهيئة كتاب يستفيد
منه العموم، فقمت بعد صدور الإجازة بتنظيم وترتيب هذه الفصول حسبما رأى نظري
القاصر حتّى أصبحت هذه اللّئالئ المنثورة عقداً منظوماً وباشرت بطبعها ونشرها عن
رضاء وطيب خاطر ليكون هديّة قيّمة وكنزاً ثميناً لأولي الفضل والمعرفة، ولي الأمل
أن يكون هذا الكتاب وسيلة لأن يصل الأمر الأقدس الأبهى (الّذي أنار الآفاق وغيّر
وجهة العالم) إلى مسامع كافّة النّفوس في أنحاء الكرة، ويصل صيته الّذي أحاط
العالمين إلى مسامع القريب والبعيد من أمم العالم.
كليفورد
بارني أمريكانية
باريس في
16 يناير 1908 11 ذي
الحجّة 1325
كلمة
لجنة التّرجمة والنّشر
قامت هذه
اللّجنة تلاحظها العناية الإلهيّة بتعريب كتاب "مفاوضات حضرة عبد
البهاء" بعد أن صدر بذلك قرار المحفل الرّوحاني المركزي للبهائيّين بالقطر
المصريّ وبتوفيق الله تعالى وعونه وعنايته بذلت قصارى جهدها في هذا العمل وكان نصب
عينها ومطمح نظرها أن تقدّم لقرّاء العربيّة كتاباً من خير الكتب الّتي أخرجت
للنّاس في هذا الظّهور المبارك (والمفاوضات) وأيم الحقّ كتاب قيّم تتضوّع من بين
سطوره روائح الحقيقة وترفع الحجب والأستار لقارئه بنفحات القدس عن المعاني
الحقيقيّة لبعض المسائل المعضلة الإلهيّة.
وإنّ
اللّجنة لتعتقد أنّها وإن كانت بذلت غاية الجهد في ترجمته إلاّ أنّها مع ذلك ترى
أن الأصل الفارسيّ للكتاب المترجم كاللّب والتّرجمة بمثابة القشر. وفي يقينها أيضاً أنّها قد تحرّت الحقيقة في
التّرجمة وتوخّت جهد الاستطاعة أن تجعل التّرجمة مطابقة للأصل، وكان شعارها في هذا
العمل المجيد التّفاني في خدمة أمر الله وانتشاره بين بقاع العالم ليتمتّع الإنسان
في الشّرق والغرب بنفحات أمره المبارك وآثاره التّي كمنت فيها سعادة العالم وهناءته.
هذا وإنّ
اللّجنة لتتمنّى وترجو من قرارة النّفس وحبّة القلب أن يرى هذا الكتاب الجليل
منتفعاً به محقّق الأثر بين ربوع العالم الإنساني في أنحاء الكرة الأرضيّة عامّة.
هدى الله به أهل العالم إلى سواء السّبيل.
هذه الطّبعة
كلمة
النّاشر
نشر هذا
الكتاب القيّم لأوّل مرّة باللّغة الفارسيّة في عام 1908، ثمّ نشرت ترجمته
الإنجليزيّة عدّة مرّات تحت عنوان Some Answered Questions وتلا نشره باللّغات الحيّة الأخرى
ومن جملتها التّرجمة العربيّة الّتي نشرت عام 1928 في مصر.
والآن
يسرّ هذه الدّار أن تعيد طبع التّرجمة العربيّة تلبية لرغبة الكثيرين من الأحبّاء
الأعزّاء، ومن الجدير بالذّكر أنّ ما أوردناه في هذه الطّبعة تمّت مقارنتها بالنّسخة الفارسيّة المنشورة في عام
1908 بكلّ دقّة وتمحيص فنقِّح بعض عباراتها وأدخل فيها ما كان ساقطاً سهواً من
الكتاب في الطّبعة الأولى.
إنّنا إذ نسدي الشّكر خالصاً للسّيدة الفاضلة كليفورد بارني
الّتي اهتمّت بجمع هذه البيانات المباركة وجعلها كتاباً ينطق بكثير من الحقائق
الرّوحانيّة ويحلّ عديداً من المعضلات الاجتماعيّة والإنسانيّة، نقرّ أيضاً بجهود
أولئك الّذين أتحفوا النّاطقين بالضّاد بهذه النّادرة الفريدة في طبعتها الأولى.
ولعلّ من واجبنا كذلك أن نثني على المساعي الّتي بذلت لمراجعة
الكتاب مرّة أخرى إعداداً لهذه الطّبعة، راجين الله القويّ القدير أن يقدّر لهم
جميعاً مثوبة العاملين المخلصين بمنّه وجوده.
دار النّشر البهائيّة في بلجيكا
القسم الأوّل
مقالات حول
تأثير الأنبياء في تربية النّوع الإنسانيّ وترقيته
(محادثات على المائدة)
صفحة خالية
(1)
هو الله
الطّبيعة خاضعة لقانون عام
الطّبيعة هي كيفيّة أو حقيقة ينسب إليها بحسب الظّاهر الحياة أو
الموت أو بعبارة أخرى يرجع إليها تركيب جميع الأشياء وتحليلها، وهي خاضعة لنظم
صحيحة وقوانين ثابتة وترتيبات كاملة وهندسة بالغة لا تتجاوزها أبداً إلى درجة أنّك
لو تلاحظ بنظر دقيق وبصر حديد تجد أنّ الكائنات في عالم الوجود من الذّرّات غير
المرئيّة إلى أعظم الكرات الجسيمة ككرة الشّمس وسائر النّجوم العظيمة والأجسام
النّورانيّة في نهاية درجة من الانتظام سواء من حيث التّرتيب أو التّركيب أو من
حيث الهيئة أو الحركة، وتراها جميعاً تحت قانون كلّيّ واحد لا تتجاوزه أبداً، وإذا
نظرت إلى الطّبيعة ذاتها، تجدها بلا شعور ولا إرادة، فمثلاً النّار طبيعتها
الإحراق وتحرق بلا إرادة ولا شعور، والماء طبيعته الجريان ويسيل بلا إرادة ولا
شعور، والشّمس طبيعتها الضّياء وتضيء بلا إرادة ولا شعور، والبخار طبيعته الصّعود
ويصعد بلا إرادة ولا شعور، ويتّضح من هذا أنّ الحركات الطّبيعيّة لجميع الكائنات
جبريّة، ليست لكائن ما حركة إراديّة سوى الحيوان ولا سيّما الإنسان، فالإنسان يقدر
على مخالفة الطّبيعة ومقاومتها، لأنّه كشف طبائع الأشياء، وبذلك يحكم على الطّبيعة
وأنّ ما وصل إليه من الاختراعات والصّنائع كانت نتيجة كشفه النّقاب عن طبائع
الأشياء
كاختراعه البرق (التّلغراف)
الّذي اتّصل به الشّرق والغرب، ومن هذا نعلم أنّ للإنسان سلطاناً وحكماً على
الطّبيعة.
فهل يمكن أن يقال أنّ تلك النّظم والتّرتيبات والقوانين الّتي
تشاهدها في الوجود هي من تأثيرات الطّبيعة، مع أنّها لا إدراك لها ولا شعور؟ إذاً
فالطّبيعة ليس لها إدراك ولا شعور وهي في قبضة الحقّ القدير، المدبّر لعالم
الطّبيعة ويظهر منها ما يشاء.
يقولون إنّ من جملة الأمور الّتي تحدث في عالم الوجود من
مقتضيات الطّبيعة هو وجود الإنسان، إن صحّ ذلك يكون الإنسان فرعاً والطّبيعة
أصلاً، وهل من الممكن أن توجد إرادة وشعور وكمالات في الفرع ولا يوجد لها في
الأصل؟ فتبيّن من هذا أنّ الطّبيعة من حيث ذاتها في قبضة الحقّ الحيّ القدير الّذي
حكمها وأخضعها لقوانين ونظم ثابتة.
(2)
دلائل الألوهيّة وبراهينها
ومن جملة دلائل الألوهيّة وبراهينها أنّ الإنسان لم يخلق نفسه
بل الخالق والمصوّر له غيره، ومن اليقين الّذي لا مرية فيه أنّ خالق الإنسان ليس
مثل الإنسان لأنّ الكائن الضّعيف ليس في مقدوره أن يخلق كائناً آخر مثله، والخالق
الفاعل يجب أن يكون حائزاً لجميع الكمالات حتّى يمكنه أن يخلق ويصنع، فهل من
الممكن أن يكون الصّنع في نهاية الكمال والصّانع ناقص؟ وهل يمكن أن يكون النّقش في
نهاية الإتقان والنّقّاش غير ماهر في صنعه؟ مع أنّ النّقش من عمله وصنعه، والنّقش
لن يكون
مثل صانعه وإلاّ لنقش نفسه.
ومهما كان النّقش في نهاية الكمال فإنّه إذا قورن بالنّقّاش يبدو في نهاية النّقص،
وعليه فالإمكان معدن النّقائص والله تبارك وتعالى مصدر الكمال، وإنّ وجود النّقائص
في عالم الإمكان لدليل على كمالات الله، فمثلاً إذا نظرت إلى الإنسان ترى أنّه
عاجز فعجز الخلق دليل على قدرة الحيّ القدير، فإن لم تكن القدرة لما أمكن تصوّر
العجز، إذاً فعجز الخلق دليل على قدرة الحقّ ولو لم تكن القدرة لما تحقّق العجز
ومن هذا العجز ندرك أنّ في العالم قدرة.
مثلاً في عالم الإمكان فقر، فلا بدّ من وجود الغنى الّذي يتحقّق
به الفقر، وفي العالم جهل فلا بدّ من وجود العلم الّذي يتحقّق به الجهل، لأنّه لو
لم يكن العلم لما تحقّق الجهل، لأنّ الجهل عدم العلم، ولو لم يكن الوجود لما تحقّق
العدم.
ومن المسلّم به أنّ عالم الوجود خاضع لأحكام ونظم لا يتجاوزها
أبداً، وحتّى الإنسان مجبر على الموت والنّوم وغيرهما، أي أنّه محكوم في بعض
المراتب، ولا بدّ لهذا المحكوم من حاكم، وما دام الاحتياج صفة الممكنات ومن
لوازمها الذّاتيّة، فلا بدّ من وجود غنيّ بذاته، مثلاً يعلم من وجود المريض أنّ
هناك صحيحاً ولو لم يكن هناك الصّحيح لما ثبت وجود المريض، وعليه صار من المعلوم
أنّه يوجد حيّ قدير حائز لجميع الكمالات لأنّه إن لم يكن متّصفاً بالكمالات بأسرها
لكان كالخلق أيضاً، كما وأنّ أدنى صنعة من الصّنائع في عالم الوجود تدلّ على صانع
لها، فهذا الخبز مثلاً يدلّ على أنّ له صانعاً، سبحان الله ألا يدلّ تغيير هيئة
الكائنات الجزئيّة على صانع؟ وهذا الكون العظيم اللاّمتناهي أوجد من تلقاء نفسه وتحقّق من تفاعل المواد
والعناصر! فما أوضح بطلان هذه
الفكرة! هذه أدلّة نظريّة
للنّفوس الضّعيفة، ولو فتحت عين البصيرة لشاهدت مائة ألف دليل من الدّلائل
الباهرة، مثال هذا لو كان للإنسان إحساس روحيّ لاستغنى عن دليل لإثبات وجود
الرّوح، أمّا النّفوس المحرومة من الفيض الرّوحيّ فتحتاج لإقامة الدّلائل الخارجة
عن عالم الرّوح.
(3)
إثبات لزوم المربّي
لو نمعن النّظر في عالم الوجود نلاحظ أنّ عالم الجماد والنّبات
والحيوان والإنسان كلاًّ وطرّاً في حاجة إلى مربٍّ، فإذا لم يكن للأرض مربٍّ
يتعهّدها تصير غابة وتخرج نباتاً لا فائدة فيه، أمّا إذا وجد لها من يتعهّدها
ويرعاها فإنّها تؤتي أكُلاً يقتات به ذوو الأرواح، إذاً صار من المعلوم أنّ الأرض
تحتاج إلى عناية الزّارع ورعايته لها، انظروا إلى الأشجار إنّها لو تركت بدون
مربٍّ فإنّها لا تأتي بثمر وتكون عديمة الفائدة، أمّا إذا تربّت وتعهّدت فذلك
الشّجر غير المثمر يصبح مثمراً، وبالتّربية والتّلقيح والتّطعيم تعطي الأشجار ذات
الأثمار المرّة فواكه شهيّة، وهذه أدلّة عقليّة وأهل العالم اليوم في حاجة إلى
الدّلائل العقليّة.
وكذلك انظر إلى الحيوان تجده بالتّربية يصبح أليفاً، وإذا ترك
إنسان بلا تربية يصير حيواناً بل لو ترك والطّبيعة صار أحطّ من الحيوان أمّا إذا
ربّيته ألفيته ملاكاً، لأنّ أكثر الحيوان لا يأكل أبناء نوعه، أمّا الإنسان في
السّودان بأواسط أفريقيا فإنّه يفتك بأبناء نوعه ويأكلهم،
ومن هذا ترون أنّ التّربية هي
الّتي تجمع الشّرق والغرب تحت راية حكم الإنسان، والتّربية هي الّتي تظهر كلّ هذه
الصّنائع العجيبة، والتّربية هي الّتي تروّج هذه الفنون والعلوم العظيمة،
والتّربية هي الّتي تظهر هذه المكتشفات، فولا المربّي لما تهيّأت بأيّ وجه من
الوجوه أسباب الرّاحة والمدنيّة هذه كما ترى، ولو ترك إنسان في صحراء بحيث لا يرى
أحداً من أبناء نوعه فلا مرية في أنّه يصبح حيواناً محضاً.
يعلم من هذا أنّه لا بدّ من
المربّي، ولكنّ التّربية على ثلاثة أنواع تربية جسمانيّة، وتربية إنسانيّة، وتربية
روحانيّة، فالتّربية الجسمانيّة هي لنشوء الجسم ونموّه وذلك يكون بتسهيل سبل
المعيشة وتوفير أسباب الرّاحة والرّفاهية الّتي فيها يشترك الإنسان والحيوان، وأمّا
التّربية الإنسانيّة فهي عبارة عن المدنيّة والتّرقّي والسّعادة، يعني السّياسة
والنّظام والتّجارة والصّناعة والعلوم والفنون والاستكشافات العظيمة والاختراعات
الجليلة الّتي بها يمتاز الإنسان عن الحيوان، وأمّا التّربية الإلهيّة فهي تربية
ملكوتيّة، هي اكتساب كمالات إلهيّة، هي التّربية الحقيقيّة، إذ بها يكون الإنسان
في هذا المقام مركز السّنوحات الرّحمانيّة ومظهر (لنعملنّ إنساناً على صورتنا
ومثالنا)، وهذا هو المقصد الأسمى للعالم الإنساني.
فنحن الآن نريد مربّياً يكون مربّياً جسمانيّاً ومربّياً
إنسانيّاً ومربّياً روحانيّاً نافذ الحكم في جميع الشّؤون.
ولو يقول أحد إنّني كامل العقل والإدراك وغير محتاج لذلك
المربّي إنّه منكر للبديهيّات ومثله كمثل طفل يقول إنّني لست محتاجاً للتّربية
وأعمل حسب ما يوحيه إليّ فكري وبنفسي يمكنني الحصول على
كمالات الوجود، أو كمثل أعمى يقول
إنّني في غنى عن البصر لأنّ هناك عميان كثيرين وهم عائشون، إذاً صار من الواضح
المشهود أنّ الإنسان محتاج إلى المربّي ولا شكّ أنّ هذا المربّي يجب أن يكون
كاملاً في جميع المراتب وممتازاً عن جميع البشر في كلّ الشّؤون لأنّه لو كان كسائر
البشر لا يكون مربّياً، خصوصاً وأنّه يجب أن يكون مربّياً جسمانيّاً ومربّياً
إنسانيّاً ومربّياً روحانيّاً، أي ينظّم ويدبّر الأمور الجسمانيّة ويشكّل الهيئة
الاجتماعيّة حتّى يحصل التّعاون والتّعاضد في المعيشة وتنظّم وترتّب الأمور
المادّيّة في كلّ الأحوال.
وكذلك يؤسّس التّربية الإنسانيّة، أي يجب أن يربّي العقول
والأذهان بحيث تصبح قابلة للتّرقّيات الكلّيّة، فتتّسع دائرة العلوم والمعارف
وتكشف حقائق الأشياء وأسرار الكائنات وخاصّيّات الموجودات، وتزداد يوماً بعد يوم
التّعاليم والاكتشافات، ويستدلّ من المحسوسات على المعقولات، وكذلك يربّي تربية
روحانيّة حتّى تهتدي العقول والمدارك لمعرفة ما وراء الطّبيعة وتستفيض من نفحات
روح القدس وترتبط بالملأ الأعلى وتصبح الحقائق الإنسانيّة مظاهر السّنوحات
الرّحمانيّة حتّى تتجلّى جميع الأسماء والصّفات الإلهيّة في مرآة حقيقة الإنسان
وتتحقّق الآية المباركة (لنعملنّ إنساناً على صورتنا ومثالنا).
ومن المعلوم أنّ القوى البشريّة لا تستطيع القيام بأمر عظيم
كهذا، ولا يمكن أن تكفل النّتائج الفكريّة أمثال هذه المواهب، فكيف يمكن لشخص واحد
بدون ناصر أو معين أن يؤسّس هذا البنيان الرّفيع، إذاً
لا بدّ له أن تؤيّده القوّة
المعنويّة الرّبّانيّة ليتسنّى له القيام بهذا العمل الجليل.
إنّ ذاتاً واحدة مقدّسة تحيي العالم الإنساني وتغيّر هيئة الكرة
الأرضيّة وترقّي العقول وتحيي النّفوس وتؤسّس حياة جديدة وتضع أسساً بديعة وتنظّم
العالم وتدخل الأمم والملل في ظلّ راية واحدة وتنجي الخلق من عالم النّقائص
والرّذائل وتحثّهم وتشوّقهم إلى الكمالات الفطريّة والاكتسابيّة، فلا بدّ وأن تكون
هذه القوّة قوّة إلهيّة ليتسنّى لها القيام بهذا العمل العظيم، ويجب أن ينظر بعين
الإنصاف لأنّ هنا مقام الإنصاف، إنّ الأمر الذي لا يمكن لجميع دول العالم وملله إجراؤه
وترويجه بكلّ القوى والجنود أجرته نفس مقدّسة بدون ناصر أو معين، فهل يمكن إجراء
هذا بالقوّة البشريّة؟ لا والله، فحضرة المسيح مثلاً رفع علم الصّلح والصّلاح وهو
وحيد فريد بينما جميع الدّول القاهرة تعجز عن هذا العمل مع جميع قواها.
فانظر كم من الدّول والملل المختلفة مثل الرّوم وفرنسا وألمانيا
والرّوس والإنكليز وغيرهم استظلّوا تحت خيمة واحدة، فظهور حضرة المسيح كان سبب
الألفة بين تلك الأقوام المختلفة حتّى أنّ بعضهم من الّذين آمنوا بحضرته ائتلفوا
لدرجة أن فدوا بأموالهم وأرواحهم بعضهم بعضاً واستمرّ ذلك إلى زمن قسطنطين الّذي
كان سبب إعلاء أمر حضرة المسيح ثمّ دبّ الخلاف فيما بينهم لأغراض مختلفة، وخلاصة
ما تقدّم أنّ حضرة المسيح جمع هذه الأمم ولكن بعد مدّة مديدة أصبحت الدّول سبب
الاختلاف مرّة أخرى.
والمقصود من هذا هو أنّ حضرة
المسيح وفّق إلى أمور عجز عنها جميع ملوك الأرض لأنّه وحّد الملل المختلفة، وغيّر
العادات القديمة.
انظروا إلى الرّومان واليونان والسّريان والمصريّين
والفينيقيّين والإسرائيليّين وسائر الملل الأوروبيّة، كم كان بينها من الاختلافات
فقضى عليها وأزالها السّيّد المسيح وكان سبباً لإيجاد المحبّة بين جميع هذه
القبائل، نعم ولو أنّ الدّول بعد مدّة غير قصيرة أخلّت بهذا الاتّحاد إلاّ أنّ
المسيح كان قد قام بعمله.
والخلاصة إنّ المربّي الكلّيّ يجب أن يكون مربّياً جسمانيّاً
ومربّياً إنسانيّاً ومربّياً روحانيّاً مؤهّلاً بقوّة أخرى فوق عالم الطّبيعة حتّى
يحوز مقام المعلّم الإلهي، فإن لم يظهر مثل تلك القوّة القدسيّة لا يقدر على
التّربية لأنّه في ذاته ناقص فكيف يستطيع أن يربّي تربية كاملة، مثلاً إذا كان
المربّي جاهلاً فكيف يستطيع أن يعلّم غيره، وإذا كان ظالماً فكيف يجعل غيره
عادلاً، أو ناسوتيّاً فكيف يجعل غيره إلهيّاً، إذاً يجب علينا أن ننظر بعين
الإنصاف، هل المظاهر الإلهيّة الّذين ظهروا كانوا حائزين لجميع هذه الصّفات أم لا؟
فإن لم يكونوا حائزين لهذه الصّفات وهذه الكمالات لما كانوا مربّين حقيقيّين،
بناءً على ذلك يجب أن نثبت للمفكّرين بالدّلائل العقليّة نبوّة حضرة موسى ونبوّة
حضرة المسيح وسائر المظاهر الإلهيّة، وهذه الدّلائل والبراهين الّتي نذكرها هي
دلائل معقولة لا منقولة، وقد ثبت بالدّلائل العقليّة أنّ العالم في حاجة قصوى إلى
المربّي وتلك التّربية يجب أن تحصل بالقوّة القدسيّة ولا شبهة في أنّ تلك القوّة
القدسيّة هي الوحي وبهذه القوّة الّتي هي فوق البشر يلزم تربية الخلق.
(4)
حضرة إبراهيم
وممّن أوتي هذه القوّة وأيّد بها حضرة إبراهيم، والبرهان على
ذلك أنّ حضرته ولد في ما بين النّهرين من أسرة غافلة عن وحدانيّة الله فخالف ملّته
ودولته حتّى عائلته وأنكر جميع آلهتهم وقاوم وحيداً فريداً قوماً قويّاً، وما كانت
هذه المخالفة بالسّهل الهيّن، فهو كمن يعترض اليوم على حضرة المسيح عند الملل
المسيحيّة المتمسّكة بالتّوراة والإنجيل، أو كمثل من يسبّ المسيح (أستغفر الله) في
مركز البابا (الفاتيكان) ويقاوم الملّة بأسرها ببالغ القدرة والمهابة، وما كان
لهؤلاء إله واحد بل كانوا يعتقدون بآلهة متعدّدة، ويروون عنها المعجزات، ولذا قام
الكلّ على حضرة إبراهيم، ولم يتبعه أحد سوى ابن أخيه لوط وواحد أو اثنان ممّن لا
شأن لهم، ثمّ خرج حضرته من وطنه مظلوماً مضطهداً من شدّة ما لقيه من مقاومة
الأعداء، وفي الحقيقة أنّهم أخرجوا حضرته من وطنه كي يهلك وينعدم ولا يبقى له أثر،
فجاء حضرته إلى هذه الجهات أي الأراضي المقدّسة، وخلاصة القول أنّ أعداءه اعتبروا
أنّ هذه الهجرة ستؤدّي إلى انعدامه واضمحلاله، وحقيقة الواقع أنّ من يطرد من وطنه
المألوف ويحرم من حقوقه ويحيق به الظّلم من جميع الجهات لينعدم ولو كان سلطاناً،
ولكنّ حضرة إبراهيم ظلّ ثابت القدم وأظهر استقامة خارقة للعادة، وجعل الله هذه
الغربة له عزّة أبديّة حتّى أسّس الوحدانيّة الإلهيّة، لأنّ جميع البشر كانوا عبدة
أوثان، فكانت هذه الهجرة سبباً
لترقّي سلالة إبراهيم، كانت هذه
الهجرة سبباً في إعطاء الأرض المقدّسة لسلالة إبراهيم، وكانت هذه الهجرة سبباً في
انتشار تعاليم إبراهيم، وكانت هذه الهجرة سبباً لظهور يعقوب ويوسف الّذي صار عزيز
مصر وهما من سلالة إبراهيم، وكانت هذه الهجرة سبباً لظهور مثل حضرة موسى من سلالة
إبراهيم، وكانت هذه الهجرة سبباً لظهور مثل حضرة عيسى من سلالة إبراهيم، وكانت هذه
الهجرة سبباً لظهور هاجر الّتي ولدت إسماعيل فظهر من سلالته حضرة محمّد، وكانت هذه
الهجرة سبباً في ظهور حضرة الأعلى من سلالته، وكانت هذه الهجرة سبباً لظهور أنبياء
بني إسرائيل من سلالة إبراهيم، وكذلك يستمرّ إلى أبد الآباد، وكانت هذه الهجرة
سبباً لدخول أوروبّا وأكثر أمم آسيا في ظلّ إله إسرائيل، فانظر ما أعجب هذه القدرة
الّتي تجعل شخصاً مهاجراً يكوّن أسرة كهذه ثمّ ملّة كهذه ثمّ يروّج تعاليم كهذه!
فهل يمكن الآن لأحد أن يقول بأنّ كلّ ذلك يحدث عن طريق الصّدفة؟
إذاً يلزم الإنصاف، هل كان هذا الشّخص مربّياً أم لا؟ ويجب التّأمّل قليلاً في أنّ
هجرة إبراهيم كانت من أرفة بحلب إلى سوريّة، وكانت تلك نتائجها، فماذا تكون نتيجة
هجرة حضرة بهاء الله من طهران إلى بغداد ومن هناك إلى إسلامبول ومنها إلى الرّوملِّي
(أدرنة) ومنها إلى الأرض المقدّسة؟
إذاً فانظر كيف أنّ حضرة إبراهيم كان مربّياً ماهراً.
(5)
حضرة موسى
أمّا حضرة موسى فقد لبث يرعى الأغنام في البادية مدّة مديدة،
وفي الظّاهر تربّى في بيت الظّلم واشتهر بين النّاس بأنّه ارتكب جريمة القتل، ثمّ
صار راعياً، وأصبح مكروهاً مبغوضاً لدى فرعون وقومه، فشخص كهذا أنقذ من قيد الأسر
ملّة عظيمة، وأقنعها ثمّ أخرجها من مصر وأوصلها إلى الأرض المقدّسة، وكانت تلك
الملّة (أي بني إسرائيل) في نهاية الذّلّة، فوصلت إلى أوج العزّة، كانوا أسرى
فأصبحوا أحراراً، وكانوا أجهل الأقوام فأصبحوا أعلمها، وبفضل تعاليمه وصلوا إلى
درجة أكسبتهم الفخار بين جميع الملل، وطبّق صيتهم الآفاق إلى درجة أنّ الأمم
المجاورة إذا ما أرادت مدح شخص قالت لا ريب هذا إسرائيليّ، وقد أحيا ملّة إسرائيل
بفضل تشريعه وقوانينه، فوصلت بذلك إلى أعلى درجة في المدنيّة في ذلك العصر، ووصل
الأمر إلى أنّ حكماء اليونان كانوا يأتون إلى بني إسرائيل لكسب الكمالات من
أفاضلهم، كسقراط الّذي أتى إلى سوريّة وتلقّى عن بني إسرائيل علم التّوحيد وخلود
الأرواح بعد الممات، وبعد رجوعه إلى اليونان نشر هذه التّعاليم فخالفه قومه ثمّ
حكموا بقتله وأحضروه إلى مجلس الحكم وسقوه السّمّ.
فشخص كموسى بلسانه لكنة نما وترعرع في بيت فرعون، واشتهر
بين النّاس بالقتل وتوارى عن
الأنظار مدّة مديدة من شدّة الخوف، وهو يرعى الأغنام، كيف لمثله أن يأتي ويؤسّس
أمراً عظيماً في العالم يعجز أعظم فيلسوف عن عمل جزء من ألف ممّا قام به، فبديهيّ
أنّ هذا العمل خارق للعادة.
إنّ الإنسان الّذي بلسانه لكنة ويصعب عليه أن يتحدّث حتّى
بالكلام العاديّ، كيف يتسنّى له أن يقوم بتأسيسات كهذه، فلو لم يكن هذا الشّخص
مؤيّداً بالقوّة الإلهيّة لما وفّق أبداً للقيام بهذا الأمر العظيم وليست هذه من
الأدلّة الّتي يستطيع أحد إنكارها.
إنّ العلماء الطّبيعيّين وفلاسفة اليونان وعظماء الرّومان
الّذين ذاع صيتهم في الآفاق لم يبرع أحد منهم إلاّ في فنّ من الفنون، فمثلاً برع
جالينوس وبقراط في الطّبّ، وأرسطو في النّظريّات والدّلائل المنطقيّة، وأفلاطون في
الأخلاق والإلهيّات، فكيف يمكن لشخص راعٍ أن يأتي بكلّ هذه المعارف والفنون، لا
شكّ أنّ هذا الشّخص كان مؤيّداً بقوّة خارقة للعادة، فانظروا كيف تتهيّأ أسباب
الامتحان والافتتان للخلق، فحضرة موسى في مقام دفع الظّلم وكز شخصاً من أهل مصر
وكزة واحدة، فاشتهر بين النّاس بأنّه ارتكب جريمة القتل، سيّما وأنّ المقتول كان
من رعايا الفراعنة الوطنيّين، فهرب حضرته ثمّ بعث بعدئذٍ بالنّبوّة فمع هذه
السّمعة السّيئة، كيف وفّق بقوّة خارقة للعادة أن يقوم بهذه التّاسيسات العظيمة
والمشروعات الجليلة.
(6)
حضرة المسيح
ثمّ جاء السّيّد المسيح قائلاً إنّي ولدت من روح القدس، ولو أنّ
تصديق هذه المسألة عند المسيحيّين من السّهل الهيّن الآن، إلا أنّها كانت صعبة
جدّاً في ذلك الزّمان، وبنصّ الإنجيل كان الفرّيسيّون يقولون أليس هذا هو ابن يوسف
النّاصريّ ونحن نعرفه، فكيف يقول إنّي جئت من السّماء، وبالاختصار إنّ هذا الشّخص
الّذي كان في الظّاهر وفي نظر العموم وضيعاً محتقراً، قام بقوّة نسخت شريعة ألف
وخمسماية سنة، مع أنّه لو تجاوز أحد أدنى تجاوز لتلك الشّريعة لوقع في خطر عظيم
وانمحى وانعدم، وفوق هذا فإنّ الأخلاق العموميّة وأحوال بني إسرائيل كانت في عهد
حضرة المسيح فاسدة مختلّة اختلالاً كلّيّاً، وكان بنو إسرائيل في منتهى الذّلّة
والأسر والانحطاط، فيوماً كانوا أسرى لإيران وكلدان، ويوماً كانوا تحت حكم دولة
آشور، ويوماً كانوا رعيّة تابعة لليونان، ويوماً كانوا مطيعين أذلاّء للرّومان،
فنسخ هذا الشّخص الشّاب أي السّيّد المسيح الشّريعة الموسويّة العتيقة بقوّة خارقة
للعادة وقام على تربية الأخلاق العموميّة وأسّس العزّة الأبديّة لبني إسرائيل مرّة
أخرى، ونشر تعاليم لم تكن مختصّة بإسرائيل، بل أسّس السّعادة الكلّيّة للهيئة
الاجتماعيّة البشريّة وأوّل حزب قام على محوه هم بنو إسرائيل قوم المسيح وقبيلته،
فقهروه بحسب الظّاهر فأصابته منهم الذّلّة الكبرى، حتّى وضعوا على رأسه إكليلاً من
الشّوك، ثمّ علّقوه على الصّليب، غير أنّ ذلك الشّخص عندما كان بحسب الظّاهر في
الذّلّة الكبرى، أعلن أنّ شمسه ستشرق ونوره سيسطع وفيوضاته
ستحيط ويخضع لها جميع الأعداء،
ولقد تحقّق ما قال ولم يستطع مقاومته جميع ملوك العالم، بل إنّ أعلام جميع الملوك
نكّست وارتفع علم ذلك المظلوم إلى الأوج الأعظم، فهل يسلّم العقل البشريّ بحدوث
مثل هذا لا والله، إذاً صار من المعلوم الواضح أنّ ذلك الشّخص الجليل كان مربّياً
حقيقيّاً للعالم الإنسانيّ موفّقاً مؤيّداً بقوّة إلهيّة.
(7)
حضرة محمّد
أمّا حضرة محمّد فقد سمع عنه أهل أوروبّا وأمريكا بعض الرّوايات
واعتبروها صدقاً، والحال أنّ الرّاوي إمّا أنّه كان جاهلاً أو مبغضاً وأكثر
الرّواة كانوا قسّيسين، وكذلك نقل بعض جهلة الإسلام روايات لا أصل لها عن حضرته
زاعمين أنّها مدح، فمثلاً رأى بعض هؤلاء الجهلاء أنّ تعدّد الزّوجات محور مدح
لحضرته وعدّوها كرامة له لأنّ هذه النّفوس الجاهلة كانت تعتبر تكاثر الزّوجات من
قبيل المعجزات، واستند أكثر مؤرّخي أوروبّا على أقوال هذه النّفوس الجاهلة، مثلاً
قال شخص جاهل لقسّيس بأنّ دليل العظمة هو الشّجاعة وسفك الدّماء وبأنّ شخصاً
واحداً من أصحاب حضرة محمّد قطع بحدّ السّيف في يوم واحد مائة رأس في ميدان الحرب،
فظنّ ذلك القسّيس أنّ القتل هو البرهان الحقيقيّ لدين محمّد، والحال أنّ هذا مجرّد
أوهام، بل إنّ غزوات حضرة محمّد جميعها كانت دفاعيّة، والبرهان الواضح على ذلك أنّ
نفس محمّد وأصحابه تحمّلوا في مدّة ثلاث عشرة سنة في مكّة كلّ الأذى وكانوا في هذه
المدّة هدفاً لسهام الأعداء، فقتل بعض الأصحاب ونهبت الأموال
وترك الباقون وطنهم المألوف
وفرّوا إلى ديار الغربة، وبعد أن أسرفوا في إيذاء حضرة محمّد صمّموا على قتله،
ولذا خرج من مكّة نصف اللّيل وهاجر إلى المدينة، ومع هذا لم يكفّ الأعداء عن
الإيذاء بل تعقّبوهم إلى الحبشة والمدينة، وكانت قبائل العرب وعشائرهم هذه في
نهاية التّوحّش والقسوة فبرابرة أمريكا ومتوحّشوها بالنّسبة إليهم كأفلاطون
بالنّسبة إلى أهل زمانه، لأنّ برابرة أمريكا ما كانوا يدفنون أولادهم أحياء تحت
التّراب، أمّا هؤلاء فكانوا يئدون بناتهم معتقدين أنّ هذا العمل منبعث عن الحميّة
وكانوا يفتخرون به، فمثلاً كان أكثر الرّجال يتوعّدون زوجاتهم بالقتل إن هنّ ولدن
إناثاً، ولا تزال القبائل العربيّة حتّى الآن تنفر من ذرّيّة البنات، وكذلك كان
الشّخص الواحد يتّخذ لنفسه ألف امرأة، وكان لكثير منهم في بيته ما يزيد عن عشر
زوجات، وإذا ما نشبت الحرب والقتال بين هذه القبائل تأسر القبيلة الغالبة نساء
القبيلة المغلوبة وأطفالها ويعدّون هؤلاء الأسرى أرقّاء يتصرّفون فيهم بالبيع
والشّراء، وإذا مات أحدهم وترك عشر نسوة استحوذ أولاده منهنّ بعضهم على أمّهات
البعض، وعندما كان يلقي أحد هؤلاء الأولاد عباءته على رأس زوجة أبيه وينادي هذه
حلالي، تصير تلك المرأة المسكينة على الفور أسيرته ورقيقته وله الحرّيّة التّامّة
أن يفعل بها ما يشاء، فإن أراد قتلها أو سجنها في جبّ عميق أو شتمها أو ضربها
وزجرها كلّ يوم حتّى يقضي على حياتها تدريجيّاً، ولا ضير عليه فيما يختار من هذه
المعاملة حسب العرف وعادات العرب.
وغنيّ عن البيان ما ينشأ بين نساء الشّخص الواحد وبين أولادهنّ
من الحقد والحسد والعداوة والبغضاء، فانظروا كيف كانت حال هؤلاء النّسوة المظلومات
ومعيشتهنّ.
وفوق ما ذكر فإنّ حياة القبائل
العربيّة كان قوامها نهب بعضهم بعضاً، لذا كانت في حروب وغارات مستمرّة، يقتل
ويسلب بعضهم بعضاً، يأسرون النّساء والأطفال ثمّ يبيعونهم للأجانب، وكم من بنات
أمير وبنيه قضوا يومهم في النّعمة والرّخاء ثمّ أمسوا في منتهى الذّلّة والأسر
والهوان بالأمس كانوا أمراء واليوم أصبحوا أسراء، بالأمس كنّ سيّدات محترمات
واليوم أصبحن أرقّاء ذليلات، فبين هذه القبائل بعث حضرة الرّسول عليه الصّلاة
والسّلام، وما من بلاء إلاّ وتحمّله من هؤلاء مدّة ثلاث عشرة سنة، ثمّ خرج مهاجراً
ومع ذلك لم يكفّوا عن إيذائه بل حشدوا جموعهم وخرجوا عليه بالجند والمحاربين
مهاجمين ليعدموا كلّ من اتّبعه من رجال ونساء وأطفال، فاضطرّ حضرته لمحاربة تلك
القبائل في مثل تلك الظّروف.
هذه هي حقيقة الحال ولسنا بمتعصّبين ولا بمدافعين عنه بل نحن
منصفون لا نقول غير الحقّ.
فانظروا بعين الإنصاف لو كان حضرة المسيح في موقف كهذا بين
قبائل متوحّشة طاغية كهذه وتحمّل صابراً مع الحواريّين مدّة ثلاث عشرة سنة كلّ
جفاء من هؤلاء، ثمّ هاجر أخيراً من وطنه ومسقط رأسه إلى البادية فراراً من الظّلم،
ومع ذلك ظلّ هؤلاء الطّغاة يتعقّبونه جادّين في قتل عموم الرّجال ونهب الأموال
وأسر النّساء والأطفال، فأيّ سبيل كان يسلكه السّيّد المسيح مع أمثال هؤلاء؟
نعم لو لحق الضّير حضرته وعفا وصفح لكان هذا العفو والصّفح من
الأعمال المقبولة والمحمودة جدّاً، ولكنّه لو رأى بأنّ ذلك الظّالم القاتل السّافك
للدّماء يريد أن يقتل جمعاً من المظلومين وينهب أموالهم
ويأسر نساءهم وأطفالهم، فلا شكّ
أنّه كان يعمل لحماية هؤلاء المظلومين ويمنع عنهم ظلم الظّالمين.
إذاً فلِمَ الاعتراض على حضرة الرّسول؟ ألأنّه لم يسلّم نفسه مع
الصّحابة والنّساء والأطفال لهذه القبائل الطّاغية؟
وفضلاً عن هذا فإنّ تهذيب أخلاق تلك القبائل ومنعها من سفك
الدّماء هو عين الموهبة، وردع تلك النّفوس وزجرها محض الرّحمة والعناية، مثل ذلك
كمن بيده قدح من السّمّ يريد أن يشربه، فالصّديق المحبّ هو من يكسر القدح وينجّي
الشّارب ويزجره، فلو كان حضرة المسيح في موقف كهذا لا بدّ أنّه كان يعمل لنجاة
الرّجال والنّساء والأطفال من براثن تلك الذّئاب الكاسرة، على أنّ حضرة محمّد لم
يحارب النّصارى بل كثيراً ما شملهم برعايته ومنحهم كامل الحرّيّة، وكان في نجران
طائفة من المسيحيّين فقال حضرة محمّد إنّي خصم لكلّ من يعتدي على حقوق هؤلاء وعليه
أقيم الدّعوى أمام الله.
وصرّح في أوامره بأنّ أرواح النّصارى واليهود وأموالهم في حماية
الله، فلو كان الزّوج مسلماً والزّوجة مسيحيّة لا يجوز أن يمنعها عن الذّهاب إلى
الكنيسة أو يرغمها على التّحجّب، وإذا ماتت وجب عليه أن يسلّم جثمانها إلى
القسّيس، وإذا أراد المسيحيّون بناء كنيسة فعلى المسلمين أعانتهم، وعلى الحكومة
الإسلاميّة أيضاً حين محاربتها لأعداء الإسلام أن تعفو عن النّصارى الخدمة
العسكريّة ما لم يتطوّعوا بمحض اختيارهم لمعاونة الإسلام لأنّهم تحت حمايته، وفي
مقابل هذا العفو عليهم أن يدفعوا كلّ سنة مبلغاً ضئيلاً.
وقصارى القول أنّه يوجد سبعة مناشير مفصّلة في هذا الشّأن
بعضها موجود في القدس إلى
اليوم، وليس هذا القول من عندي، بل هو الحقيقة الواقعة، فإنّ فرمان الخليفة
الثّاني وأوامره موجودة عند بطريرك الأرثوذكس بالقدس، وهذا ممّا لا ريب فيه، ولكن
حدث بعدئذٍ أن حلّ الحقد والحسد بين المسلمين والنّصارى، فتجاوز كلاهما حدّه وما
يقوله كلا الطّرفين أو غيرهم خلافاً لهذه الحقيقة حكايات وروايات ناشئة إمّا عن التّعصّب
والجهالة أو صادرة من شدّة العداوة، فمثلاً يقول المسلمون إنّ النّبيّ صلّى الله
عليه وسلّم شقّ القمر فوقع على جبال مكّة متصوّرين أنّ القمر جرم صغير فشقّه نصفين
ألقى بأحدهما على هذا الجبل وبالثّاني على جبل آخر، فالتّمسّك بظاهر هذه الرّواية
تعصّب محض، وكذلك ما يرويه القسّيسون قدحاً وذمّاً كلّه مبالغ فيه وأكثره لا أساس
له.
وبالاختصار فقد ظهر حضرة محمّد في صحراء الحجاز بجزيرة العرب
حيث لا زرع ولا شجر ولا عمران، وبعض بلادها كمكّة والمدينة شديدة الحرارة،
والأهالي من سكّان البادية فأخلاقهم وطباعهم بدويّة، وما كان لهم نصيب قطّ من
العلوم والمعارف حتّى أنّ حضرة محمّد نفسه كان أمّيّاً وكانوا يكتبون القرآن على
عظام أكتاف الخراف أو على ورق النّخيل "خوص"، فمن هذا المثال يمكنك أن
تدرك حالة القوم الّذين بعث بينهم حضرة محمّد.
وكان أوّل اعتراض عليهم قوله لماذا لم تقبلوا التّوراة والإنجيل
ولم تؤمنوا بعيسى وموسى، فثقل عليهم هذا القول وأجابوا كيف كان حال آبائنا
وأجدادنا وهم لم يؤمنوا بهذين الكتابين، فرد عليهم أنّهم كانوا ضالّين وعليكم أن
تتبرّءوا من تلكم النّفوس حتّى ولو كانوا آباءكم وأجدادكم، ففي أقليم كهذا وبين
قبائل كهذه جاء رجل أمّيّ
بكتاب شامل للصّفات الإلهيّة
وكمالات ونبوّات الأنبياء والشّرائع الرّبّانيّة مبيّن فيه بعض العلوم والمسائل
العلميّة بنهاية الفصاحة والبلاغة، فمن ذلك تعلمون أنّه في القرون الأولى والوسطى
وحتّى القرن الخامس عشر الميلادي قبل الرّاصد الشّهير الأخير[1]
اتّفق جميع الرّياضيّين في العالم على مركزيّة الأرض وحركة الشّمس، وكان هذا
الرّاصد الأخير أوّل من قال بالرّأي الجديد من أنّ السّكون للشّمس والحركة للأرض،
وإلى ذلك الوقت كان جميع الرّياضيّين والفلاسفة في العالم متّبعين نظريّة بطلميوس
ويرمون بالجهل من يقول بغير ذلك.
نعم لقد تصوّر فيثاغورث وأفلاطون في أواخر أيّامهما بأنّ الحركة
السّنويّة للشّمس في منطقة البروج ليست ناشئة من هذا الجرم، بل من حركة الأرض حول
الشّمس ولكن هذا الرّأي بات نسياً منسيّاً وأصبح ما قاله بطلميوس هو المسلّم به
لدى جميع الرّياضيّين، ولكن نزلت في القرآن آيات تخالف رأي بطلميوس وقواعده، ومن
ذلك الآية الكريمة (والشّمس تجري لمستقرّ لها)[2]
المتضمّنة ثبوت الشّمس وحركتها على محورها، وكذلك الآية (وكلّ في فلك
يسبحون)[3]
فقد صرّح بأنّ الشّمس والقمر وسائر النّجوم متحرّكة، فلمّا انتشر القرآن
استهزأ الرّياضيّون بهذا الرّأي ونسبوه إلى الجهل، حتّى أنّ علماء الإسلام لمّا
رأوا مخالفة هذه الآيات لقواعد بطلميوس اضطرّوا إلى تأويلها لأنّ نظريّة بطلميوس
كانت شائعة ومسلّماً بها وصريح القرآن يخالفها وذلك حتّى القرن الخامس عشر
الميلادي أي بعد ظهور حضرة محمّد بنحو تسعمائة سنة تقريباً حيث رصد الرّياضيّ
الشّهير رصداً جديداً واخترعت
الآلات التّلسكوبيّة وحدثت
الاكتشافات المهمّة فثبتت حركة الأرض وسكون الشّمس، وكذلك عرفت حركة الشّمس حول
محورها، وصار من المعلوم أنّ صريح الآيات القرآنيّة يطابق الواقع وأصبحت القواعد
البطلميوسيّة محض أوهام.
وبالاختصار فلقد تربّى في ظلّ الشّريعة المحمّديّة جمّ غفير من
الأمم الشّرقيّة مدّة ألف وثلثمائة سنة، وفي القرون الوسطى حيث كانت أوروبّا في
منتهى الوحشيّة تفوّق العرب في العلوم والصّنائع والرّياضيّات والمدنيّة والسياسة
بل وفي سائر الفنون على سائر ملل العالم، وكان مربّي هذه القبائل البدويّة
العربيّة ومحرّكها والمؤسّس للمدنيّة والكمالات الإنسانيّة بين تلك الطّوائف
المختلفة هو ذلك الشّخص الأمّيّ وأعني به حضرة محمّد، فهل كان هذا الشّخص المحترم
مربّياً للكلّ أم لا؟ يجب الإنصاف.
(8)
حضرة الأعلى (الباب)
أمّا حضرة الباب روحي له الفداء فقد قام بالأمر في سنّ الشّباب
أي لمّا مضى من عمره المبارك خمس وعشرون سنة.
ومعروف لدى جميع الشّيعة بأنّ حضرته لم يدخل مدرسة أبداً ولم
يتلقَّ العلم على أحد، يشهد بذلك جميع أهل مدينة شيراز، ومع هذا فقد ظهر بغتة بمنتهى
الفضل بين الخلق، ومع أنّه كان تاجراً فقد أعجز جميع علماء إيران وقام منفرداً على
أمر لا يمكن تصوّر عظمته
ولقد ظهرت هذه الذّات العليّة
بقوّة زلزلت أركان شرائع الإيرانيّين وآدابهم وأحوالهم وأخلاقهم وتقاليدهم، مع أنّ
الإيرانيّين معروفون لدى العموم بتعصّبهم الدّينيّ، ومهّد السّبيل لشريعة ودين
وقوانين جديدة ومع أنّ عظماء الدّولة ورؤساء الدّين وعموم الأمّة عملوا جميعاً على
محوه وإعدامه فإنّ حضرته قام منفرداً وأوجد حركة اهتزّت لها إيران، وكثير من
العلماء والرّؤساء والأهالي فدوا بأرواحهم في سبيله بكمال الفرح والسّرور وأقبلوا
مسرعين إلى ميدان الشّهادة، وأرادت الحكومة والأمّة وعلماء الدّين والرّؤساء أن
يطفئوا نوره فلم يستطيعوا، وفي النّهاية بزغ قمره وتألّق نجمه وصار أساسه متيناً
ومطلعه نوراً مبيناً، وربَّى بالتّربية الإلهيّة جمّاً غفيراً وأثّر في أفكار
الإيرانيّين وأخلاقهم وأطوارهم وأحوالهم تأثيراً عجيباً، وبشّر جميع أتباعه بظهور
شمس البهاء وأعدّهم للإيمان والإيقان، فظهور مثل هذه الآثار العجيبة والأعمال
العظيمة وتأثيرها في جميع العقول والأفكار العموميّة ووضع أساس الرّقيّ وتمهيد
مقدّمات النّجاح والفلاح من شابّ تاجر لأعظم دليل على أنّ هذا الشّخص كان مربّياً
كلّيّاً ولا يتردّد المنصف في تصديق هذا أبداً.
(9)
حضرة بهاء الله
أمّا حضرة بهاء الله فقد ظهر حينما كانت مملكة إيران غارقة في
بحار الظّلمة والجهل تائهة في بيداء التّعصّب الأعمى، ولا بدّ أنّك قرأت في أسفار
التّاريخ الأوروبّي تفصيلاً عن أفكار الإيرانيّين وأخلاقهم في القرون الأخيرة فلا
حاجة للتّكرار.
وبالاختصار فإنّ إيران كانت قد
وصلت إلى درجة من الانحطاط أسف لها جميع السّائحين الأجانب، لأنّ هذه المملكة كانت
في القرون الأولى في أوج العظمة والمدنيّة والآن وقعت في وهدة السّقوط والاضمحلال
وانهدم بنيانها، ووصل أهلها إلى أحطّ دركات الهمجيّة، ففي هذا الوقت ظهر حضرة بهاء
الله وكان والده من الوزراء لا من العلماء، ومن المسلّم به لدى جميع أهالي إيران
أنّه لم يتلقَّ العلم في مدرسة ما ولم يعاشر العلماء والفضلاء، وقضى أيّام حياته
الأولى في بحبوحة الرّفاهية والنّعيم، وكان مؤانسوه ومجالسوه من أبناء أعاظم إيران
لا من أهل المعارف، وبمجرّد أن أظهر الباب أمره قال حضرة بهاء الله أنّ هذا الشّخص
الجليل سيّد الأبرار يجب على الجميع أن يتّبعوه ويؤمنوا به، وقام على نصرته يقيم
الأدلّة والبراهين القاطعة على أحقّيّته، ومع أنّ علماء الملّة أجبروا الدّولة
العليّة الإيرانيّة على معارضته وصدّه، وأفتى جميع العلماء بالقتل والنّهب
والإيذاء والقمع والاضطهاد له ولتابعيه، وقاموا في جميع أنحاء المملكة بالقتل
والإحراق والنّهب وحتّى إيذاء النّساء والأطفال، ومع هذا فإنّ حضرة بهاء الله قام
بكلّ استقامة وثبات على إعلاء كلمة حضرة الباب ولم يتوارَ ساعة واحدة بل ظلّ
ظاهراً مشهوداً ومشهوراً بين الأعداء مشتغلاً بإقامة الأدلّة والبراهين معروفاً
بإعلاء كلمة الله متحمّلاً الصّدمات الشّديدة المتوالية عرضة للاستشهاد في كلّ لحظة،
ثمّ وقع تحت السّلاسل وزجّ في أعماق السّجن ونهبت وسلبت أمواله الوفيرة الموروثة،
ونفي من مملكة إلى أخرى مرّات أربع، وأخيراً استقرّ في السّجن الأعظم[4]، ورغم
كلّ هذا ظلّ النّداء مرتفعاً وصيت أمر الله مشتهراً، وظهر بفضل وعلم وكمالات حيّرت
أهل إيران بحيث أنّ كلّ من تشرّف بالمثول بين يديه من أهل العلم والعرفان
محبّاً كان أو مبغضاً في طهران
أو بغداد أو القسطنطينيّة أو الرّوملِّي (أدرنة) أو عكّا وسأل سؤالاً سمع جواباً
شافياً كافياً، وأقرّ الكلّ واعترفوا بأنّ هذا الشّخص فريد في الكمالات وحيد في
الآفاق، وكثيراً ما حضر إلى مجلسه المبارك ببغداد علماء الإسلام واليهود والنّصارى
وأهل العلم والمعرفة من الأوروبيّين ومع اختلاف مشاربهم كان كلّ يسأل سؤالا فيسمع
جواباً كافياً مقنعاً، حتّى أنّ علماء إيران الّذين بمدينة كربلاء ونجف انتخبوا
شخصاً عالماً أنابوه عنهم، وكان ذلك الشّخص يسمّى ملاّ حسن عمو تشرّف باللّقاء
المبارك وسأل بعض الأسئلة من قبل العلماء وسمع الجواب، ثمّ قال إنّ العلماء مقرّون
ومعترفون بعلمكم وفضلكم ومسلّم لدى الجميع بأنّه ليس لكم مثيل ولا نظير في العلم
والعرفان، ومن الثّابت أنّكم لم تدرسوا ولم تتعلّموا ولكنّ العلماء يقولون نحن لا
نقتنع بذلك ولا نعترف بصحّة دعواه بسبب علمه وفضله لهذا نرجو أن يظهر لنا معجزة
واحدة لإقناعنا واطمئنان قلوبنا، فقال حضرة بهاء الله ولو أنّهم ليسوا بمحقّين في
ذلك، إذ للحقّ أن يمتحن الخلق ولا لهؤلاء أن يمتحنوا الحقّ، مع ذلك فإنّ الطّلب مقبول،
أمّا أمر الله فليس مسرحاً للشّعوذة والألاعيب يمثّل عليه كلّ ساعة دور ويطلب كلّ
يوم مطلب، لأنّ بهذا يصبح أمر الله ملعبة صبيانيّة، ولكن للعلماء أن يجتمعوا
ويتّفقوا على طلب معجزة واحدة، ثمّ يكتبوا أنّ بظهور هذه المعجزة لا يبقى لدينا
شكّ أو شبهة، وكلّنا نقرّ ونعترف بأحقّيّة هذا الأمر، ويختمون تلك الورقة وائتِ
بها وليكن هذا ميزاناً حتّى إذا ظهرت المعجزة لا يبقى لهم شبهة وإن عجزنا ثبت
بطلاننا، فقام ذلك الشّخص العالم وقبّل ركبتيّ حضرة بهاء الله مع أنّه لم يكن
مؤمناً، ثمّ ذهب وجمع حضرات العلماء وبلّغهم الرّسالة فتشاوروا ثمّ قالوا إنّ
هذا لساحر وربّما أتى بسحر فلا يبقى لنا ما نقول، وبذا
لم يجرءوا أن يتقدّموا بمطلب جديد. ولكنّ ذلك الرّسول أذاع الخبر في كثير من
المحافل والمجالس وسافر من كربلاء إلى كرمنشاه وطهران ناشراً تفاصيل الحادثة بين
الجميع مبيّناً خوف العلماء وعدم إقدامهم.
والمقصود
من هذا البيان هو أنّ جميع المعترضين في الشّرق إنّما كانوا معترفين بعظمة حضرة
بهاء الله وجلاله وعلمه وفضله، ومع عداوتهم لحضرته كانوا يصفونه ببهاء الله
الشّهير.
والخلاصة
أنّ هذا النيّر الأعظم أشرق بغتة من أفق إيران حينما كان أهل تلك البلاد سواء في
ذلك العلماء والوزراء والشّعب قائمين جميعاً على مقاومته بأشدّ العداء معلنين أنّه
يريد أن يمحو الدّين والشّريعة ويهدم الملّة والسّلطنة، كما قيل في حقّ المسيح،
ولكنّ بهاء الله قاوم الكلّ فريداً وحيداً ولم يعتره أي فتور مطلقاً، وقالوا في النّهاية
إنّ إيران لن تذوق طعم الرّاحة والهناء ما دام هذا الشّخص فيها، فيجب إخراجه حتّى
تهدأ البلاد، ثمّ ضايقوه ليطلب الإذن بالخروج ظانّين أنّ بهذه الوسيلة ينطفئ سراج
أمره المبارك ولكنّ النّتيجة كانت عكسيّة، إذ ارتفع الأمر وازداد اشتعالاً، فبعد
أن كان قاصراً على إيران انتشر بهذه الوسيلة بسائر البلدان، ثمّ قالوا إنّ العراق
العربيّ قريب من إيران فيجب إرساله إلى بلاد بعيدة، لهذا سعت الحكومة الإيرانيّة
حتّى أرسل حضرته من العراق إلى القسطنطينيّة، غير أنّهم لاحظوا بعدئذٍ أيضاً أنّه
لم يحصل فتور قطّ، فقالوا إنّ القسطنطينيّة نقطة يمرّ بها أقوام وملل مختلفة وبها
كثير من الإيرانيّين، ولذلك سعوا حتّى نفي حضرة بهاء الله إلى الرّوملِّي (أدرنة)
إلاّ أنّ أمره ارتفع أكثر من قبل وزاد
انتشاراً واشتعالاً، وفي النّهاية قال الإيرانيّون إنّ
هذه البلدان كلّها لم تكن تؤدّي إلى إهانته، فيجب أن يرسل إلى مكان مهين يلحقه فيه
الأذى والتّعب ويبتلى أهله ومريدوه بأشدّ البلاء، فاختاروا سجن عكّا منفى القتلة
والعصاة والسّارقين وقطّاع الطّريق وحشروهم فعلاً في زمرة هذه النّفوس. ولكنّ
القدرة الإلهيّة ظهرت والكلمة علت وعظمة بهاء الله تجلّت، ففي سجن كهذا وذلّة كهذه
نقل حضرته إيران من حالة إلى حالة وقهر جميع الأعداء وأثبت للكلّ عدم قدرتهم على
مقاومة هذا الأمر وسرت تعاليمه المقدّسة في جميع الآفاق وثبت أمره، وعلى الإجمال
فقد قام الأعداء بنهاية البغضاء في جميع الولايات الإيرانيّة، فأوثقوا وضربوا
وقتلوا وأحرقوا، وهدموا بنيان ألف عائلة وتشبّثوا بكلّ وسيلة في القلع والقمع
ليطفئوا نور أمره، ومع هذا فقد علا أمره وهو في سجن القتلة وقطّاع الطّريق
والسّارقين، ونشر تعاليمه ونبّه كثيراً من النّفوس الّتي كانت في أشدّ البغضاء
فآمنوا وأصبحوا موقنين، وقام بعمل استيقظت له نفس حكومة إيران وندمت على ما وقع
منها بواسطة علماء السّوء. ولمّا وصل الجمال المبارك (حضرة بهاء الله) إلى هذا
السّجن في الأرض المقدّسة، تنبّه العقلاء إلى البشارات الّتي أخبر الله بها على
لسان الأنبياء من قبل منذ ألفيّ سنة أو ثلاثة آلاف سنة، وثبت ظهورها، ووفى الله
بوعده لأنّه أوحى إلى بعض الأنبياء وبشّر الأرض المقدٍّسة بأنّ ربّ الجنود سيظهر
فيك، ووفيت جميع هذه الوعود، ولولا تعرّض الأعداء ووقوع هذا النّفي والإبعاد لما
تصوّر العقل بأنّ الجمال المبارك يهاجر من إيران ويرفع الخيام في هذه الأرض
المقدّسة، وكان مقصد الأعداء من ذلك أن يكون هذا السّجن سبب محو الأمر المبارك
وإفنائه بالكلّيّة، والحال أنّ
السّجن المبارك صار سبباً لأعظم تأييد وعلّة للنّشر
والتّرويج وواسطة وصول النّداء الإلهيّ إلى الشّرق والغرب، وسطوع أشعّة شمس
الحقيقة في جميع الآفاق. سبحان الله مع
أنّه كان مسجوناً لكنّ سرادقه كان مرتفعاً على جبل الكرمل، ويحفّ حركاته كلّ عظمة
وجلال حتّى أنّ كلّ من تشرّف بحضرته غريباً كان أم من المعارف كان يقول إن هذا
أمير وليس بأسير.
وبمجرّد
وروده السّجن حرّر خطاباً لنابليون وأرسل بواسطة سفير فرنسا، ومضمونه أن تسأل عن جرمنا
الّذي صار سبباً لهذا الحبس والسّجن، فلم يجب نابليون، وبعده صدر توقيع ثانٍ وذلك
التّوقيع مندرج في سورة الهيكل، ومختصر الخطاب هو: يا نابليون حيث أنّك لم تجب ولم
تصغِ للنّداء فعمّا قريب تذهب سلطنتك أدراج الرّياح ويحلّ بك الخراب، وأرسل ذلك
التّوقيع بالبريد بواسطة قيصر كتفاكو[5]،
وباطّلاع جميع المهاجرين أرسلت صورة هذا الخطاب إلى جميع أطراف إيران لأنّ كتاب
الهيكل كان قد نشر في جميع أنحاء إيران في تلك الأيّام، وهذا الخطاب من جملة ما
درج في كتاب الهيكل، وكان ذلك سنة 1869 ميلاديّة، ولمّا انتشرت سورة الهيكل في جميع
جهات إيران والهند وقع في أيدي جميع الأحباب، والكلّ كان ينتظر نتائج هذا الخطاب
ولم يمضِ زمن قليل حتّى جاءت سنة 1870 ميلاديّة، واشتعلت نار الحرب بين ألمانيا
وفرنسا ومع أنّه لم تخطر ببال أحد غلبة الألمان أبداً فقد غلب نابليون وهزم شرّ
هزيمة ووقع أسيراً في يد الأعداء، وتبدّلت عزّته بالذّلّة الكبرى.
وكذلك
أرسلت الألواح إلى سائر الملوك، ومن جملتها أرسل توقيع لجلالة ناصر الدّين شاه،
وفي هذا التّوقيع يتفضّل حضرته بقوله
أحضرني وأحضر جميع العلماء واطلب الحجّة والبرهان حتّى
يتبيّن الحقّ من الباطل، فأرسل جلالة ناصر الدّين شاه التّوقيع المبارك إلى
العلماء وكلّفهم أن يبدوا رأيهم فيما عرض عليهم، غير أنّهم لم يجرءوا على ذلك فطلب
من سبعة أشخاص من مشاهير العلماء أن يجيبوا على هذا التّوقيع، ولكن بعد مدّة
أعادوا التّوقيع المبارك قائلين إنّ هذا الشّخص معارض للدّين وعدوّ للشّاه، فغضب
جلالته من ردّهم وقال إنّ هذه المسألة مسألة الحجّة والبرهان وقضيّة الحقّ
والباطل، فما علاقتها بالعداء للحكومة؟ فيا للأسف كم نحن راعينا هؤلاء العلماء
واحترمناهم وهم عاجزون عن جواب هذا الخطاب، وقصارى القول إنّ ما رقم في ألواح
الملوك قد تحقّق جميعه، وإنّ تتتبّع الوقائع التّاريخيّة من سنة 1870 ميلاديّة تجد
أنّها منطبقة ومحقّقة لما جاء في ألواح الملوك ولم يبقَ منها إلاّ القليل ولا بدّ
من أن يتحقّق فيما بعد.
وكذلك
كانت الطّوائف الخارجة والملل غير المؤمنة تنسب إلى الجمال المبارك أموراً عظيمة
وبعضهم كان يعتقد بولاية حضرته، حتّى أنّ بعضاً منهم كتبوا رسائل، ومن جملتهم كتب
السّيّد الدّاودي من علماء أهل السّنّة ببغداد رسالة مختصرة ضمّنها خوارق العادات
الصّادرة من الجمال المبارك في أحوال متعدّدة، ويوجد إلى الآن في جميع جهات الشّرق
أشخاص غير مؤمنين بمظهريّة الجمال المبارك ولكنّهم يعتقدون بولايته ويروون عنه
المعجزات.
وخلاصة
القول فإنّه ما تشرّفت نفس بساحته المقدّسة سواء أكانت موافقة أم مخالفة إلاّ
وأقرّت واعترفت بعظمة حضرته، وغاية ما هنالك أنّ (المخالف) وإن لم يؤمن إلاّ أنّه
شهد بعظمته.
وبمجرّد التّشرّف بساحة الأقدس كانت ملاقاة الجمال
المبارك تؤثّر فيهم تأثيراً بدرجة أنّ كثيراً منهم ما كان يقدر أن ينبس ببنت شفة،
وكثيراً ما وقع أنّ شخصاً ممّن كانوا في أشدّ العداء والبغضاء أقرّ في نفسه بأنّني
إذا ضمّني مجلس الحضور أقول كذا وأجادل وأحاجج بكذا ولكنّه عندما كان يصل إلى ساحة
الأقدس تتملّكه الدّهشة والحيرة ولا تجد لنفسه بدّاً من الصّمت والسّكوت.
ما درس
الجمال المبارك لسان العرب، ولم يكن له معلّم ولا مدرّس ولم يدخل مكتباً ولكن
بلاغة بيانه المبارك وفصاحته باللّسان العربيّ في الألواح العربيّة حيّرت عقول
فصحاء العرب وبلغائهم والكلّ مقرّ ومعترف بأنّه لا مثيل له ولا نظير، ولو نمعن
النّظر في نصوص التّوراة لا نجد أيّ مظهر من المظاهر الإلهيّة خيَّر الأقوام
المنكرة في طلب أيّة معجزة ووافقهم على أيّ ميزان يقرّونه، وفي توقيع جلالة الشّاه
قال بوضوح اجمع العلماء واطلبني لتثبت الحجّة والبرهان.
إنّ
الجمال المبارك وقف كالجبل مقابل الأعداء مدّة خمسين سنة وكلّهم يطلبون إفناءه
ومحوه ويهاجمونه جميعاً قاصدين ألف مرّة صلبه وإعدامه وكان في نهاية الخطر طول هذه
المدّة.
وإن جميع
العقلاء من الدّاخل والخارج المطّلعين على حقائق الأحوال متّفقون على أنّ إيران
الّتي وصلت إلى هذه الدّرجة من الهمجيّة والخراب إلى الآن يتوقّف رقيّها وتمدّنها
وعمرانها على ترويج مبادئ هذا الشّخص العظيم وتعميم تعاليمه.
إنّ حضرة
المسيح في زمانه المبارك ربَّى في الحقيقة أحد عشر نفراً وكان بطرس أعظم هؤلاء
الأشخاص ولمّا وقع الامتحان أنكر المسيح
ثلاث مرّات ومع هذا فانظر كيف نفذ أمر حضرة المسيح
بعدئذٍ في أركان العالم، وقد ربَّى حضرة الجمال المبارك إلى الآن آلافاً من
النّفوس أوصلوا تحت السّيوف نداء يا بهاء الأبهى إلى الأوج الأعلى ولمعت وجوههم
لمعان الذّهب بنار الامتحان، فلاحظوا كيف يكون أمره فيما بعد.
إذن يجب
الإنصاف بأنّ هذا الشّخص الجليل كيف كان مربّياً للعالم الإنسانيّ وكم ظهرت منه
آثار باهرة وأيّة قدرة وقوّة تحقّقت به في عالم الوجود.
(10)
براهين
روحانيّة
في هذا
العالم المادّيّ للزّمان أدوار وللمكان أطوار وللفصول دوران وللنّفوس رقيّ وانحطاط
ونموّ، فطوراً فصل الرّبيع وتارّة فصل الخريف وآونة موسم الصّيف ومرّة وقت
الشّتاء، فلموسم الرّبيع سحاب بدرّه المدرار وله نفحة مسكيّة ونسيم يحيي الأرواح
وهواء في نهاية الاعتدال، فيه تهطل الأمطار وتسطع الشّمس وتهبّ الرّياح اللّواقح
ويتجدّد العالم وتظهر نفحة الحياة في النّبات والحيوان والإنسان، وتنتقل الكائنات
الأرضيّة من حالة إلى حالة أخرى وتلبس جميع الأشياء ثوباً جديداً ويخضرّ سطح
الغبراء وتكسو الجبال والصّحارى حلّة خضراء وتورق الأشجار وتزهر وتنبت الحدائق
الورد والرّياحين ويصير العالم عالماً آخر، وتتجدّد حياة من في الإمكان وتدبّ في
الأجساد الخامدة روح جديدة ويكتسب العالم لطافة وصباحة وملاحة غير متناهية، إذاً
فالرّبيع
هو سبب الحياة الجديدة وواهب الرّوح البديعة، ثمّ يتلوه
موسم الصّيف، فتشتدّ الحرارة ويبلغ النموّ والنّشوء نهاية القوّة فتصل قوّة الحياة
في عالم النّبات إلى درجة الكمال، ويأتي زمن الحصاد وتصبح الحبّة بيدراً، ويتهيّأ
القوت لفصليّ الخريف والشّتاء، ثمّ يأتي فصل الخريف المخيف وتهبّ الرّياح العقيمة
ويأتي دور السّقم، ويذهب رونق جميع الأشياء ويتكدّر الهواء اللّطيف ويتبدّل نسيم
الرّبيع بريح الخريف وتذبل الأشجار المخضرّة ذات الطّراوة وتتعرّى، وترتدي الأزهار
والرّياحين رداء الحزن ويقفر البستان الجميل وتزول نضارته، ثمّ يأتي فصل الشّتاء
ويكثر البرد والطّوفان، وفيه ثلج وعواصف وبَرَد ومطر ورعد وبرق وجمود وخمود، وتصبح
جميع الكائنات النّباتيّة في حالة الموت، ويلحق الموجودات الحيوانية الذّبول
والخمول، وعندما تصل الحالة إلى هذه الدّرجة يأتي فصل الرّبيع الجديد المنعش
للأرواح مرّة أخرى، ويتجدّد الدّور ويرفع موسم الرّبيع سرادقه على الجبال
والصّحارى بكمال الحشمة والعظمة والطّراوة واللّطافة، ويتجدّد هيكل الموجودات
وخلقة الكائنات مرّة أخرى، فتنمو وتنشأ الأجسام وتخضرّ الصّحارى وتنضر السّهول
وتتبرعم الأشجار وهكذا يعود ربيع العام الفائت مرّة أخرى بنهاية العظمة والجلال.
واستمرار هذا الدّور والتّسلسل ضروريّ ومناسب لحياة الكائنات وعليه يكون مدار
العالم الجسمانيّ، وعلى هذا المنوال تكون أدوار الأنبياء الرّوحانيّة، يعني أنّ
يوم ظهور المظاهر المقدّسة هو الرّبيع الرّوحانيّ والتّجلّي الرّحمانيّ والفيض
السّماويّ ونسيم الحياة وإشراق شمس الحقيقة، فيه تحيا الأرواح وتهتزّ وتنتعش
القلوب وتطيب النّفوس ويتحرّك الوجود وتستبشر الحقائق الإنسانيّة وتنمو وترتقي في
المراتب والكمالات
وتحصل التّرقّيات الكلّيّة والحشر والنّشر، لأنّها أيّام
قيام وزمن حركة واشتعال وآونة فرح وسرور ووقت انجذاب موفور، ثمّ ينتهي ذلك الرّبيع
المنعش للأرواح بالصّيف المملوء بالثّمار، فتعلو فيه كلمة الله وتروّج شريعته وتصل
جميع الأشياء إلى درجة الكمال وتبسط المائدة السّماويّة وتعطّر نفحات القدس الشّرق
والغرب، وتنتشر التّعاليم الإلهيّة في العالم، وتتربّى النّفوس وتحصل النّتائج
المشكورة وتتجلّى التّرقّيات الكلّيّة في العالم الإنساني، وتحيط الفيوضات
الرّحمانيّة وتشرق شمس الحقيقة من أفق الملكوت بنهاية القوّة والحرارة، وعندما تصل
إلى دائرة نصف النّهار تميل إلى الغروب والزّوال، ويعقب ذلك الرّبيع الرّوحانيّ
زمن الخريف فيقف النّشوء والنّموّ، ويتبدّل النّسيم بالرّيح العقيم ويذهب الموسم
السّقيم بنضارة البساتين والصّحارى ولطافة حدائق الأزهار، يعني تزول الانجذابات
الوجدانيّة وتتبدّل الأخلاق الرّحمانيّة وتخبو نورانيّة القلوب وتتغيّر روحانيّة
النّفوس وتتحوّل الفضائل بالرّذائل ولا يكون تقديس ولا تنزيه، ولا يبقى من شريعة
الله إلاّ الاسم ولا من تعاليمه إلاّ الرّسم، فيمحى وينعدم أساس دين الله وتوجد
طقوس ورسوم ويحصل التّفريق وتتبدّل الاستقامة بالتّزلزل، فتموت الأرواح وتنطمس
القلوب وتخمد النّفوس، ثمّ تأتي أيّام الشّتاء فتحيط برودة الجهل والعمى وتستولي
ظلمة الضّلالة النّفسانيّة، وعندئذٍ يكون جمود وعصيان وسفاهة وكسل وسفالة وشؤون
حيوانيّة وبرودة وخمود جماديّة كما في فصل الشّتاء الّذي فيه تحرم كرة الأرض من
تأثير حرارة الشّمس وتصير مخمودة مغمومة، وعندما يصل عالم العقول والأفكار إلى هذه
الدّرجة فذاك موت أبديّ وفناء سرمديّ، وبعد أن ينتهي موسم الشّتاء وشؤوناته يأتي
الرّبيع الرّوحانيّ مرّة أخرى ويتجلّى الدّور
الجديد ويهبّ النّسيم الرّوحانيّ ويتنفّس الصّبح
النّورانيّ ويمطر السّحاب الرّحمانيّ وتسطع أشعّة شمس الحقيقة، فيحيا عالم الإمكان
حياة جديدة ويلبس خلعاً بديعة، فتتجلّى مرّة أخرى في هذا الرّبيع الجديد جميع آثار
الرّبيع الماضي ومواهبه وربّما تكون بحالة أعظم وأبهج، وإنّ الأدوار الرّوحانيّة
لشمس الحقيقة كأدوار الشّمس الظّاهرة دائماً في التّجدّد والدّوران.
فمثل شمس
الحقيقة كمثل الشّمس الظّاهرة لها مشارق ومطالع متعدّدة، فيوماً تطلع من برج
السّرطان ووقتاً من برج الميزان وزماناً تشرق من برج الدّلو وآونة تتشعشع أنوارها
من برج الحمل، ومع ذلك فالشّمس شمس واحدة وحقيقة واحدة، وأولوا العلم يعشقون
الشّمس ولا يفتنون بالمشارق والمطالع وأهل البصيرة يطلبون الحقيقة لا المظاهر
والمصادر، لذا يسجدون للشّمس من أيّ برج أشرقت وطلعت ويطلبون الحقيقة المقدّسة من
أيّ نفس ظهرت وبرزت، فهذه النّفوس تهتدي دائماً إلى الحقيقة ولا تحتجب عن شمس
العالم الإلهيّ، فعاشق الشّمس وطالب الأنوار يتوجّه دائماً إلى الشّمس سواء تشعشعت
من برج الحمل أو أفاضت من برج السّرطان أو سطعت من برج الجوزاء، أمّا الجاهلون
الغافلون فلا يعشقون سوى البروج ولا يهيمون بغير المشارق، فمثلاً إذا كانت الشّمس
في برج السّرطان توجّهوا إليها ولا يغيّرون اتّجاههم هذا لحبّهم في البروج لهذا
يحتجبون عن الشّمس وأنوارها إذ انتقلت إلى برج الميزان، مثلاً تشعشعت شمس الحقيقة
وقتاً ما من البرج الإبراهيمي، ثمّ تنفّس الصّبح من البرج الموسويّ وأضاء الأفق،
ثمّ طلعت من برج المسيح في نهاية القوّة الحرارة والإشراق، فطلاّب الحقيقة سجدوا
لها أينما وجدت، وأمّا المتمسّكون
بالمطلع الإبراهيمي فاحتجبوا عنها وقتما تجلّت على
الطّور وأضاءت الحقيقة الموسويّة، وهؤلاء الّذين تمسّكوا بموسى احتجبوا عنها حينما
تجلّت من النّقطة المسيحيّة في نهاية النّورانيّة والجلوة الرّبّانيّة وقس على
ذلك.
إذاً يجب
على الإنسان أن يطلب الحقيقة وأن يكون ولهاً بها حيثما وجدها في أيّ ذات مقدّسة،
وأن يكون منجذباً للفيض الإلهيّ، وأن يكون كالفراش عاشقاً للنّور في أيّ زجاجة أضاء
وسطع، أو كالبلبل مفتوناً بالورد في أيّ حديقة تفتّح ونبت، فإن طلعت الشّمس من
مغربها فهي هي فلا ينبغي الاحتجاب بالمشرق واعتبار المغرب محلّ الغروب والأفول،
كذلك يجب تحرّي الفيوضات الإلهيّة والبحث عن الإشراقات الرّحمانيّة ويجب الوله
والانجذاب لكلّ حقيقة بانت وظهرت، انظروا اليهود لو لم يكونوا متمسّكين بالأفق
الموسويّ ونظروا إلى شمس الحقيقة لشاهدوها ألبتّة في المطلع الحقيقيّ المسيحيّ في
نهاية الجلوة الرّحمانيّة، ولكن يا ألف أسف تمسّكوا بلفظ موسى فحرموا من ذلك الفيض
الإلهيّ والجلوة الرّبّانيّة.
(11)
بيان
الغنى الحقيقيّ للوجود
إنّ شرف
كلّ كائن من الموجودات وعلوّ درجته يتعلّق بأمر ويرتبط بكيفيّة، فشرف الأرض
وزينتها وكمالها في اخضرارها وتجدّدها من فيض سحاب الرّبيع، إذ ينبت النّبات
وتتفتّح الأزهار والرّياحين وتثمر الأشجار وتمتلئ بالفواكه اللّذيذة الشّهيّة
وتتشكّل الحدائق وتتزيّن
الرّياض وتلبس الحقول والجبال حلّة خضراء وتتزيّن
الحدائق والبساتين والمدن والقرى، فتلك هي سعادة عالم الجماد. وأمّا نهاية رقيّ
عالم النّبات وكماله فهو أن يرتفع قدّ الشّجرة على شاطئ جدول من الماء العذب، بحيث
يهبّ عليها النّسيم العليل وتشرق عليها الشّمس بحرارتها ويعتني البستانيّ بتربيتها
فيزداد نموّها يوماً فيوماً حتّى تؤتى ثمرتها. أمّا سعادته الحقيقيّة ففي رقيّه
إلى عالم الحيوان والإنسان بالاندماج فيهما بدل ما يتحلّل من جسميهما. ورقيّ عالم
الحيوان في تكامل أعضائه وقواه وجوارحه ووجود ما يحتاج إليه، هذا هو نهاية عزّته
وشرفه وعلويّته. مثلاً إنّ نهاية ما يسعد به الحيوان أن يكون في مرعى خصيب نضير،
مياهه جارية وفي غاية العذوبة، أو في غابة نضرة في غاية الطّراوة، فإذا تهيّأ له
مثل هذا فلا يتصوّر للحيوان سعادة فوق هذه السّعادة، ومثلاً لو أنّ طيراً اتّخذ
عشّاً بغابة مخضرّة في بقعة عالية لطيفة على أعلى أفنان دوحة عظيمة، وتوفّر له كلّ
ما يريد من حبوب ومياه فهذه هي السّعادة الكلّيّة للطّير، ولكن سعادته الحقيقيّة
في انتقاله من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان كالحيوانات الذّرّيّة الّتي تحلّ في
جوف الإنسان بواسطة الهواء والماء فتتحلّل وتعوّض ما يفقده جسم الإنسان، هذه هي
نهاية عزّة الحيوان وسعادته، ولا يتصوّر له عزّة بعد هذا. إذاً صار من الواضح
المعلوم أنّ هذه النّعمة والرّاحة والثّروة الجسمانيّة هي السّعادة الكاملة للجماد
والنّبات والحيوان، ولا يمكن أن توجد أيّة ثروة أو غنى أو راحة أو دعة في العالم
الجسماني تعادل غنى هذه الطّيور لأنّ هذه الصّحارى والجبال فناء وكرها، وجميع
الحبوب والبيادر ثروتها وقوّتها بل جميع الأراضي والقرى والغياض والمراعي والغابات
والصّحارى ملكها، لأنّه مهما أخذ الطّير من الحبوب وأعطى
فلا ينقص ذلك من ثروته شيئاً، فهل هذا الطّير أغنى أم أغنياء بني الإنسان؟
إذاً صار
من المعلوم أن عزّة الإنسان وعلوّه ليستا مجرّد اللّذائذ الجسمانيّة والنّعم
الدّنيويّة، بل إنّ هذه السّعادة الجسمانيّة فرع، وأمّا أصل رفعة الإنسان فهي
الخصال والفضائل الّتي هي زينة الحقيقة الإنسانيّة، وهي سنوحات رحمانيّة وفيوضات
سماويّة وإحساسات وجدانيّة ومحبّة إلهيّة ومعرفة ربّانيّة ومعارف عموميّة وإدراكات
عقليّة واكتشافات فنّيّة، عدل وإنصاف، صدق وألطاف، وشهامة ذاتيّة، ومروءة فطريّة،
وصيانة الحقوق، والمحافظة على العهد والميثاق، والصّدق في جميع الأمور، وتقديس
الحقيقة في جميع الشّؤون، وتضحية الرّوح لخير العموم، والمحبّة والرّأفة لجميع
الطّوائف الإنسانيّة، واتّباع التّعاليم الإلهيّة، وخدمة الملكوت الرّحمانيّ،
وهداية الخلق وتربية الأمم والملل. هذه هي سعادة العالم الإنسانيّ، هذه هي رفعة البشر
في العالم الإمكاني، هذه هي الحياة الأبديّة والعزّة السّماويّة، ولا تتجلّى هذه
المواهب في حقيقة الإنسان إلاّ بقوّة ملكوتيّة إلهيّة وتعاليم سماويّة، لأنّها
تتطلّب قوّة ما وراء الطّبيعة، وفي عالم الطّبيعة نماذج ممكنة من هذه الكمالات،
ولكن لا ثبات لها ولا بقاء كما لا تثبت أشعّة الشّمس على الجدار.
وقد وضع
الرّبّ الرّؤوف تاجاً وهّاجاً كهذا على رأس الإنسان فعلينا أن نسعى ليسطع على
العالم نور درّه اللّمّاع.
هوامش
القسم الأول
القسم الثّاني
في بعض المقالات المتعلّقة بمسائل في المسيحيّة
(محادثات على المائدة)
صفحة
خالية
(12)
في بيان أنّ المعقولات لا سبيل لإظهارها
وبيانها
إلاّ في قميص المحسوسات
هناك
مسألة لها دخل عظيم في إدراك المسائل الأخرى التي ذكرناها ونذكرها حتّى تهتدي إلى جوهر المسائل
وتلك هي:
إنّ
المعلومات الإنسانيّة
تنقسم إلى قسمين، معلومات
تدرك بالحسّ يعني أنّ الشّيء الذّي تدركه
العين أو الأذن أو الشّمّ
أو الذّوق أو اللّمس يسمّونه محسوساً. مثلاً هذه الشّمس تدرك بالحسّ لأنّها ترى فلهذا يقولون إنّها محسوسة، وكذلك الأصوات تدرك بالحسّ، لأنّ الأذن تسمعها والرّوائح تدرك بالحسّ، لأنّ الأنف تشمّها والطّعوم تدرك بالحسّ، لأنّ الذّوق يدرك حلوها
وحامضها ومالحها، والحرارة والبرودة تدركان بالحسّ لأنّ اللّمس يدركهما فيقولون
لكلّ هذا حقائق محسوسة.
وأمّا
القسم الآخر من المعلومات الإنسانيّة
هو المعقولات، يعني الحقائق المعقولة التي ليس لها مكان
ولا صورة خارجيّة وليست محسوسة، مثلاً إنّ القوّة
العقليّة ليست محسوسة والصّفات الإنسانيّة بتمامها ليست محسوسة، بل إنّها حقائق معقولة وكذلك الحبّ أيضاً حقيقة معقولة لا محسوسة، لأنّ هذه الحقائق لا تسمعها
الأذن ولا تراها العين ولا يشمّها الأنف
ولا يدركها الذّوق ولا تحسّ باللّمس،
حتّى
المادّة الأثيريّة التي يعبَّر عن قواها في الحكمة الطبيعيّة بحرارة ونور وكهرباء ومغناطيس، تلك
أيضاً حقيقة معقولة لا محسوسة وكذلك نفس
الطّبيعة أيضاً حقيقة معقولة لا محسوسة، وكذلك
الرّوح الإنسانيّ حقيقة
معقولة لا محسوسة، وعندما
تريد بيان هذه الحقائق المعقولة فأنت
مجبر عند تبيانها على إفراغها في قالب محسوس إذ لا يوجد في الخارج سواه، فإن أردت بيان
حقيقة الرّوح وشؤونها ومراتبها فأنت مجبر على بيانها في صورة
محسوسة إذ لا يوجد في الخارج سواه، مثلاً
إنّ الحزن والسّرور من الأمور المعقولة فإذا
أردت بيان تلك الكيفيّة الرّوحانية تقول ضاق قلبي أو اتّسع، في حال أنّه لم يحصل في
روح الإنسان ولا في قلبه ضيق ولا
سعة، بل هي كيفيّة روحانيّة معقولة، وإذا أردت البيان فأنت مجبر
أن تبيّنها بصورة محسوسة مثلاً تقول إنّ فلاناً ترقّى كثيراً، في حال أنّه باقٍ
مستقرّ في مقامه ومحلّه، وفلاناً علا مقامه في حال أنّه كسائر
الأشخاص يمشي على الأرض، ولكن هذا العلوّ والتّرقّي كيفيّة روحانيّة وحقيقة معقولة، وإذا أردت
البيان فأنت مجبر أن تبيّن ذلك بصورة محسوسة، لأنّه لا
يوجد في الخارج سواه، مثلاً
تؤول العلم بالنّور
والجهل بالظّلمة، فانظر الآن هل العلم نور يحسّ أو الجهل ظلمة محسوسة؟ لا،
بل إنّها فقط كيفيّة معقولة
فعندما تريد بيانهما تعبّر
عن العلم بالنّور، وعن الجهل بالظّلمة، وتقول إنّ قلبي كان مظلماً ثمّ استنار،
في حال أنّ نور العلم وظلمة الجهل حقيقة معقولة وليست محسوسة ولكنّنا مجبرون عندما
نريد البيان أن نعبّر عنها
بصورة محسوسة. إذاً صار من المعلوم أنّ
الحمامة التي دخلت في
المسيح ليست هي الحمامة المحسوسة بالعين، بل كانت كيفيّة روحانيّة
وبيّنت
بصورة محسوسة للتّفهيم
والتّفهم، مثلاً ذكر في التّوراة ظهر اللّه في عمود من نار، والحال أنّه ليس
المقصد هذه الصّورة المحسوسة بل الحقيقة
المعقولة التي بيّنت في صورة محسوسة، ويتفضّل حضرة المسيح بقوله "الأب في الابن والابن في الأب"[6]
فهل كان حضرة المسيح في باطن اللّه أو اللّه في باطن المسيح، لا واللّه، بل هذه
كيفيّة معقولة بيّنت
في صورة محسوسة. ولنأتِ ببيان عبارة حضرة الجمال المبارك التي يتفضّل بها قائلاً "يا سلطان إنّي كنت كأحدٍ من
العباد وراقداً على المهاد مرّت عليّ نسائم السّبحان وعلّمني علم ما كان ليس هذا
من عندي بل من لدن عزيز عليم"[7]
هذا مقام التّجلي وهو معقول وليس بمحسوس وهو منزّه عن الزّمان الماضي والحال
والاستقبال فهذا تمثيل وتعبير، مجاز لا حقيقة، وليس المقصود منه أنّه كان نائماً
في الواقع ثمّ استيقظ، بل هو عبارة عن انتقال من حال إلى حال، مثلاً النوم حال
السّكون والتّيقّظ
حال الحركة، النّوم
حال الصّمت واليقظة حال النّطق، النّوم
حال الخفاء واليقظة حال الظّهور، مثلاً يعبّر بالفارسي والعربي أنّ الأرض كانت
نائمة فاستيقظت بمجيء الربيع، أو الأرض كانت ميّتة فأحييت بمجيء الرّبيع،
فهذا تعبير تمثيليّ
وتشبيه وتأويل في عالم المعاني، والخلاصة إنّ المظاهر المقدّسة كانت ولا تزال
حقائق نورانية لا يحصل التّغيّر
والتّبدّل في ذواتها وغاية ما هنالك
أنّهم ساكنون صامتون قبل الظّهور
كالنّائم، وناطقون مشرقون بعد الظّهور بمثابة اليقظان.
(13)
ولادة حضرة المسيح
السّؤال: كيف كانت ولادة حضرة
المسيح من روح القدس؟
الجواب: اختلف الإلهيّون
والماديّون في هذه المسألة، فالإلهيّون متّفقون على أنّ حضرة المسيح ولد من روح
القدس، وتصّور المادّيون
أنّ ولادته على هذه الكيفيّة ممتنعة مستحيلة، ولا بدّ له من أب ويتفضّل في
القرآن بقوله "فأرسلنا
إليها روحنا فتمثّل لها بشراً سويّاً"[8]
يعني تمثّل روح القدس بصورة بشريّة كالصّورة التي تتمثّل في المرآة وخاطب مريم،
فالماديّون مجمعون على أنّه لا بدّ
من الازدواج، ويقولون إنّ الجسم الحيّ لا يتكوّن من جسم ميّت ولا يتحقّق وجوده بدون أن يلقّح
الذّكور الإناث، ومتّفقون على أنّ ذلك ليس ممكناً في الحيوان فكيف بالإنسان ولا في
النّبات فكيف بالحيوان، لأنّ زوجيّة الذّكور والإناث هذه موجودة في جميع الكائنات
الحيّة والنباتيّة
حتّى أنّهم أيضا يستدلّون
بالقرآن على زوجيّة الأشياء بقوله تعالى "سبحان الذّي خلق الأزواج
كلّها ممّا تنبت الأرض ومن أنفسهم وممّا لا يعلمون"[9]. يعني أنّ الإنسان والحيوان
والنّبات جميعها مزدوج "ومن
كلّ شيءٍ خلقنا زوجين"[10]
يعني خلقنا الكائنات جميعها مزدوجة. والخلاصة أنّهم يقولون لا يتصّور إنسان من غير
أب، ولكنّ الإلهيّين
يقولون في جوابهم أنّ
هذه القضيّة ليست من القضايا المستحيلة الممتنعة، ولكنّها لم تحدث من قبل، وهناك
فرق بين شيء مستحيل
وشيء
لم يحدث من قبل، مثلاً إنّ
مخابرة الشّرق والغرب بالأسلاك البرقيّة في آن واحد لم تحصل من قبل
ومع ذلك لم تكن مستحيلة، والفتوغراف لم يكن معروفاً من قبل ومع هذا لم يكن
مستحيلاً، ومثل ذلك الفنوغراف فإنه لم يكن معروفاً من قبل ومع ذلك لم يكن
مستحيلاً، ومع ذلك ظلّ المادّيّون
مصرّين على رأيهم، فيقول الإلهيّون في الجواب هل هذه الكرة الأرضيّة قديمة أم حادثة؟ فيقول المادّيّون
ثبت أنّها حادثة بموجب الفنون والكشفيّات الكاملة، وكانت كرة ناريّة في البداية
وحصل الاعتدال بالتّدريج فظهرت القشرة ثمّ تكوّن فوقها النّبات، وبعده وجد الحيوان
ثمّ الإنسان، فيقول الإلهيّون قد تبيّن واتّضح من تقريركم أنّ نوع الإنسان على
الكرة الأرضيّة حادث وليس قديماً، فيقيناً ما كان للإنسان الأوّل أب ولا أم، لأنّ
وجود النّوع الإنسانيّ حادث، فهل تكوّن الإنسان من غير أب ولا أم ولو بالتّدريج
أعظم إشكالاً أم وجوده من دون أب؟ على أنّكم معترفون بأنّ الإنسان الأوّل وجد سواء
بالتّدريج أو في مدّة قليلة من غير أب وأم، فلا شبهة إذاً في إمكان وجود الإنسان
من غير أب ولا يمكن أن يعدّ هذا مستحيلاً، وإن تعدّوه مستحيلاً فليس من الإنصاف،
مثلاً لو تقول كان هذا السّراج مضيئاً وقتاً ما من دون الفتيلة والدّهن، ثمّ تقول إنّه
من المستحيل أن يضيء من دون الفتيلة، فذلك بعيد عن الإنصاف فحضرة المسيح كان له أمّ،
وأمّا الإنسان الأوّل باعتقاد المادّيّين لم يكن له أب ولا أمّ.
(14)
سؤال
عن ميزة من لا أب له
السّؤال:
ما هي أفضليّة شخصٍ وجد من غير أب؟
الجواب: إنّ الشّخص الجليل جليلٌ سواء
كان له أب أو من دونه وإذا كان ثمّة فضل لإنسان من غير أب، فآدم أعظم وأفضل من كلّ الأنبياء والرّسل لأنّه وجد
من غير أب وأم، وإنّما سبب العزّة والعظمة هو التجليّات
والفيوضات والكمالات الإلهيّة، فالشّمس تولّدت من المادّة والصّورة وهما
بمثابة الأب والأم ولكنّها كمال محض، والظّلمات لا مادّة لها ولا صورة ولا أب ولا
أمّ ولكنّها نقص صرف، فالمادّة
الجسديّة لحضرة آدم هي التّراب، والمادّة الجسديّة لحضرة إبراهيم هي النّطفة
الطّاهرة، ولا شكّ أن
النّطفة الطيّبة الطّاهرة أحسن من التّراب والجماد، وفضلاً عن هذا فإنّه يقول
متفضّلاً في الآية الثّالثة عشرة من الأصحاح الأوّل من إنجيل يوحنّا "وأمّا كلّ الذين قبلوه
فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد اللّه، أي المؤمنون باسمه الذّين ولدوا ليس من دم
ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من اللّه" فيعلم
من آية يوحنّا هذه أنّ وجود الحواريّين
لم يكن من القوّة الجسمانيّة أيضاً بل من الحقيقة الرّوحانيّة فليس شرف حضرة
المسيح وعظمته لأنّه وجد من غير أب بل شرفه ومجده بالكمالات والفيوضات والتّجلّيات الإلهيّة. ولو كانت عظمة
حضرة المسيح لكونه ولد من غير أب لوجب أن يكون آدم أعظم منه لأنّه وجد من غير أب
ولا أمّ. وفي التّوراة يقول الرّبّ متفضّلاً في الأصحاح الثّاني
من سفر التّكوين في الآية السّابعة "وجبل
الرّب
الإله آدم تراباً من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفساً حيّة" فانظروا قوله وجد آدم من روح
الحياة وفضلاً عن هذا فإنّ عبارة يوحنّا في حقّ الحواريّين تدلّ على أنّهم أيضاً من
الأب السّماويّ، إذاً صار من المعلوم أنّ
الحقيقة المقدّسة يعني أنّ الوجود الحقيقيّ لكلّ عظيم هو من الحقّ ومن
نفخة روح القدس. والخلاصة أنّه إذا كان وجود الإنسان من غير أب أعظم فضلاً فآدم
أعظم من الجميع لأنّه لا أب له ولا أمّ،
فهل الإنسان الذّي يخلق من المادّة الحيّة أحسن أم الإنسان الذّي يخلق من التّراب،
لا شكّ أنّ الذّي يخلق من المادّة الحيّة أحسن أمّا حضرة المسيح فقد ولد وتحقّق وجوده من روح القدس.
وخلاصة القول أنّ شرف النّفوس المقدّسة
وعظمة المظاهر الإلهيّة إنّما يكون بالكمالات الإلهيّة والفيوضات والتّجلّيات الرّبّانيّة لا بسواها.
(15)
في
تعميد حضرة المسيح
ورد في
إنجيل متّى في الأصحاح الثّالث في الآية الثّالثة عشرة "حينئذٍ جاء يسوع من
الجليل إلى الأردنّ إلى يوحنّا ليعتمد منه ولكنّ يوحنّا منعه قائلاً أنا محتاج أن
أعتمد منك وأنت تأتي إليّ فأجاب يسوع وقال له اسمح الآن لأنّه هكذا يليق بنا أن
نكمل كلّ برّ حينئذٍ سمح له."
السؤال: فما احتياج حضرة المسيح إلى غُسل التّعميد مع
وجود كماله الذّاتيّ وما هي الحكمة في ذلك؟
الجواب:
أصل التّعميد هو غسل التّوبة وكان حضرة يوحنّا ينصح النّفوس ويوصيهم ويتوّبهم ثمّ
يعمّدهم، إذاً صار من الواضح أنّ الغسل
رمز للتّوبة من جميع الذّنوب، يعني أي ربّ كما تطهّر
جسمي وتقدّسه عن الأوساخ البدنيّة، كذلك طهّر روحي وقدّسها من أوساخ عالم الطّبيعة
وممّا لا يليق بباب أحديّتك، فالتّوبة رجوع عن العصيان إلى الطّاعة فيتوب الإنسان
ويغتسل بعد البعد والحرمان، إذاً فهذا الغسل رمز يعني أي ربّ طهّر قلبي وطيّبه
وزكِّه وقدّسه عن حبّ ما سواك.
ولمّا
أراد المسيح إجراء سنّة يوحنّا هذه بين العموم في ذلك الزّمان، تعمّد حضرته ليكون
سبباً في تنبّه الخلق وليكمل النّاموس، أي الشّريعة السّابقة، والتّعميد وإن كان سنّة
يوحنّا، إلاّ أنّه كان في الحقيقة غسل التّوبة، وكان جارياً في الشّرائع الإلهيّة،
وما كان المسيح محتاجاً لغسل التّعميد، غير أنّه لمّا كان هذا العمل مقبولاً ممدوحاً
في ذلك الزّمان وعنوان بشارة الملكوت، أجراه حضرة المسيح ولكنّه تفضّل وقال فيما
بعد "ليس التّعميد بالماء العنصريّ بل يجب أن يكون التّعميد بالماء
والرّوح"[11]
وقال في موضعٍِ آخر "إنّ التّعميد بالرّوح والنّار"[12]
وليس المقصود بالماء هنا الماء العنصريّ لأنّه يصرّح في موضعٍ آخر "التّعميد
بالرّوح والنّار" ومن هنا يعلم أنّه ليس الغرض من النّار والماء النّار والماء
العنصريّين، لأنّ التّعميد بالنّار محال، إذاً فالرّوح فيض إلهيّ والماء علم وحياة
والنّار محبّة اللّه بمعنى أنّ الماء العنصريّ لا يكون سبب طهارة قلب الإنسان بل
يطهّر جسمه فقط، ولكنّ الماء السّماويّ والرّوح التّي هي علم وحياة تطيّب قلب
الإنسان وتطهّره، يعني أنّ القلب الذّي يأخذ نصيبه من فيض روح القدس ويتقدّس به
يصير قلباً طيّباً طاهراً.
والمقصود هو تطهير حقيقة الإنسان وتقديسها
من أوساخ عالم الطّبيعة كالغضب والشّهوة وحبّ الدّنيا والتّكبّر والكذب والنّفاق والتّزوير
وحبّ الذّات وأمثالها من الصّفات القبيحة، ولا سبيل لنجاة الإنسان من حكم النّفس
والهوى إلاّ بتأييدات فيض روح القدس، كما يقول من الواجب اللاّزم التّعميد بالرّوح
والماء والنّار ويعني بروح الفيض الإلهيّ،
وماء العلم والحياة، ونار محبّة
اللّه، ويجب أن يتعمّد الإنسان بالرّوح والماء والنّار ليستفيض من الفيض الأبديّ، وإلاّ فما ثمرة التّعميد
بالماء العنصريّ ولكنّ التّعميد بالماء كان رمزاً
للتّوبة والاستغفار من الخطايا والذّنوب، ولا لزوم لهذا الرّمز في دور الجمال
المبارك لأنّ حقيقته التّي هي التّعميد بالرّوح وبمحبّة اللّه أمر محقّق ومقرّر.
(16)
ضرورة التّعميد
السّؤال:
هل غسل التّعميد موافق ولازم أم لا؟ فإن كان موافقاً ولازماً كيف نسخ وإن لم يكن
كذلك فكيف أجراه يوحنّا.
الجواب: إنّ تطّور الزّمان
وتغيّر الأحوال من اللّوازم الذّاتيّة للممكنات، ولا انفكاك للّزوم الذّاتيّ عن حقيقة الأشياء، ومثلاً
إنّ انفكاك الحرارة عن النّار والرّطوبة عن الماء والشّعاع عن الشّمس ممتنع محال،
لأنّ هذه لوازم ذاتيّة وحيث أنّ
تغيّر الأحوال وتبدّلها من اللّوازم
الذّاتيّة للممكنات فكذلك تتبدّل
الأحكام أيضاً تبعاً لتغيّرات الزّمان،
ومثلاً كانت الشّريعة الموسويّة في زمن حضرة موسى مناسبة
لمقتضى الحال، ولمّا تغيّرت تلك الحال وتبدّلت في زمن حضرة المسيح، نسخت تلك
الشّريعة لأنّها أصبحت غير مناسبة ولا موافقة
للعالم الإنسانيّ، فأبطل حضرة الرّوح حكم السّبت وحرّم الطّلاق،
ومن بعد حضرته حلّل أربعة من الحوارييّن منهم بطرس وبولس لحم الحيوانات المحرّمة
في التّوراة ما عدا لحم المنخنقة والدّم وقرابين الأصنام والزّنا، وأبقوا هذه
الأحكام الأربعة، ثمّ حلّل بولس الدّم والمنخنقة وذبائح الأصنام أيضاً وأبقى تحريم
الزّنا كما كتب في رسالته إلى أهل روميّة في الأصحاح 14 الآية 14 "إنّي
عالم ومتيقّن في الرّبّ يسوع أنّ ليس شيء نجساً بذاته إلاّ من يحسب شيئاً نجساً
فله هو نجس" وكذلك ذكر في الآية 15 من الأصحاح الأوّل من رسالة بولس
الرّسول إلى تيطس "كلّ شيء طاهر للطّاهرين وأمّا للنّجسين وغير المؤمنين
فليس شيء طاهراً بل قد تنجّس ذهنهم أيضاً وضميرهم" فكان هذا النّسخ
والتّغيير والتّبديل لأنّ عصر المسيح لم يكن يقارن بعصر موسى بل الأحوال
ومقتضياتها قد تغيّرت بالكلّيّة ولذا نسخت تلك الأحكام، وحيث أنّ عالم الوجود
بمثابة إنسان وأنبياء اللّه ورسله هم أطبّاؤه الحاذقون، ولا يبقى شخص الإنسان على
حالة واحدة بل تعتريه الأمراض المختلفة ولكلّ مرض علاج مخصوص، إذاً فالطّبيب
الحاذق لا يعالج كلّ العلل والأمراض بوسيلة واحدة بل يغيّر في العلاج والأدوية بما
يناسب الأحوال ومختلف الأمراض، فإذا أصيب هذا الشّخص بحمّى شديدة اضطرّ الطبيب
الحاذق إلى إعطائه أدوية باردة، وإذا انقلب مزاج هذا الشّخص في وقت آخر وتبدّلت
الحرارة بالبرودة اضطرّ الطّبيب الحاذق إلى استبدال الأدوية الباردة بأدوية حارّة،
وهذا التّغيير والتّبديل من مقتضيات حال المريض ودليل جليل على حذق الطّبيب، فانظروا
مثلاً هل من الممكن
إجراء
شريعة التّوراة في هذا العصر والأوان لا واللّه، هذا مستحيل ومحال، إذاً كان من
الضّروري أن تنسخ شريعة التّوراة هذه في زمن المسيح، ثمّ انظروا إلى غسل التّعميد
في زمن يوحنّا المعمدان فإنّه كان سبب تذكّر النّفوس وتنبّهها حتّى يتوبوا من جميع
المعاصي وينتظروا ملكوت المسيح، أمّا في هذه الأيّام فالكاثوليك والأرثوذكس بآسيا
يعمّدون الأطفال الرّضّع
في الماء المخلوط بزيت الزّيتون، حتّى أنّ بعض الأطفال يمرض من هذا العمل المتعب
ويرتعشون في وقت التّعميد ويضطربون، وبعض القسس في جهات أخرى يرشّون مياه التّعميد
على الجباه وليس للأطفال إحساس روحانيّ
بأيّ وجه من الوجوه سواء في الحالة الأولى أم في الحالة الثّانية، إذاً فما فائدة
هذا العمل؟ بل إنّ سائر الملل يتعجّبون
ويندهشون قائلين لماذا يغطّسون
هؤلاء الأطفال الرّضّع
في هذا الماء، فلا هو سبب تنبّه الطّفل ولا هو سبب إيمانه ولا هو سبب تيقّظه بل هو
مجرّد عادة يجرونها.
أمّا في زمن يوحنّا المعمدان فلم يكن هكذا
بل كان حضرة يوحنّا ينصح النّفوس أوّلاً ويدلّهم على التّوبة من الخطايا والذّنوب،
ثمّ يشوّقهم لانتظار ظهور المسيح وكان كلّ نفس عندما تغتسل غسل التّعميد تتوب من
الذّنب بنهاية التّضرّع
والخشوع وتطّهر جسدها من الأوساخ الظّاهريّة أيضاً، وكانوا باللّيل والنّهار
ينتظرون ظهور المسيح والدّخول في ملكوت روح اللّه آناً بعد آن بكمال الاشتياق.
والخلاصة أنّ تغيّر الأحوال وتبدّل مقتضيات القرون والأعصار سبب لنسخ الشّرائع
لأنّه يأتي زمان تكون تلك الأحكام غير ملائمة ومطابقة للأحوال، فانظروا كم من تفاوت بين مقتضيات
القرون الأولى والقرون الوسطى والقرون الأخيرة، فهل من الممكن الآن إجراء أحكام
القرون
الأولى
في هذا القرن الأخير؟ من الواضح أنّ ذلك ممتنع محال، وكذلك لا تكون مقتضيات القرون
الحاليّة موافقة للقرون الآتية بعد مضيّ قرون عديدة، بل لا بدّ من التّغيير
والتّبديل، فالأحكام في أوروبّا في تغيير وتبديل متواصل فكم من أحكام كثيرة كانت
موجودة في قوانين أوروبّا ونظمها في السّنين السّابقة قد نسخت الآن، فهذا التّغيير
والتّبديل إنّما جاء من تغيّر الأفكار وتبدّل الأحوال والأطوار، وبدون ذلك تختلّ سعادة عالم البشر، مثلاً إنّ
أحكام التّوراة حكم القتل لمن يكسر السّبت بل في التّوراة عشرة أحكام للقتل فهل من
الممكن إجراء تلك الأحكام في هذه القرون؟ من الواضح أنّ هذا ممتنع محال، لهذا
تغيّرت وتبدّلت وتغيير الأحكام وتبديلها دليل كافٍ على الحكمة البالغة الإلهيّة،
فيلزم إمعان النّظر في هذه المسائل لأسباب واضحة لائحة طوبى للمتفكّرين.
(17)
ما المراد من الخبز والخمر
السّؤال:
يقول حضرة المَسيح "إنّي
أنا الخبز الذّي نزل من السّماء إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد"[13]
فما
المقصود من هذا البيان؟
الجواب:
المقصود من هذا الخبز هو المائدة السّماويّة والكمالات الإلهيّة يعني أنّ كلّ من
يتناول من هذه المائدة أي يكتسب من الفيوضات الإلهيّة ويقتبس من الأنوار الرّحمانيّة
ويأخذ نصيباً من كمالاتي يحيا حياةً أبديّة.
والمقصود
من الدّم أيضاً هو روح الحياة وتلك هي الكمالات الإلهيّة والجلوة الرّبانيّة
والفيض الصّمدانيّ،
لأنّ جميع أجزاء بدن الإنسان بواسطة جريان دورته تكتسب المادّة الحيويّة من الدّم،
يقول في آية 26 من الأصحاح 6 من إنجيل يوحنّا "أقول لكم أنتم تطلبونني ليس
لأنّكم رأيتم آيات بل لأنّكم أكلتم من الخبز فشبعتم" ومن
الواضح أنّ الخبز الذّي أكله
الحواريّون فشبعوا منه هو الفيوضات السّماويّة لأنّه يقول في آية 33 من الفصل
المذكور "لأنّ خبز اللّه هو النّازل من
السّماء الواهب حياة للعالم"
ومعلوم أنّ جسد المسيح لم ينزل من السّماء بل نزل من رحم مريم وكلّ ما نزل من
السّماء الإلهيّة هو روح المسيح، ولمّا ظنّ اليهود أنّ حضرته يقصد الجسد اعترضوا
عليه كما ورد في الآية 42 من الأصحاح المذكور إذ قالوا "أليسَ هذا هو يسوع بن يوسف
الذّي نحن عارفون بأبيه وأمّه فكيف يقول هذا أنّي نزلت من السّماء" فانظروا
كيف اتّضح أنّ مقصد حضرة المسيح من الخبز السّماويّ هو روح حضرته وفيوضاته
وكمالاته وتعاليمه كما يبيّن في الآية 63 من الفصل المذكور "الرّوح هو الذّي يحيي أمّا
الجسد فلا يفيد شيئاً"
إذاً
اتّضح أنّ روح المسيح كانت نعمة سماويّة نازلة من السّماء، وكلّ من يستفيض من هذه
الرّوح أي يأخذ من التّعاليم السّماويّة يجد حياة أبديّة، لذا يقول في الآية 35
منه "فقال لهم يسوع أنا هو خبز
الحياة من يقبل إليّ فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبداً" فلاحظوا
كيف أنّه يوضّح الأكل بالإقبال والشّرب بالإيمان، إذاً صار من الواضح المحقَّق أنّ
المائدة السّماويّة والفيوضات الرّحمانيّة والتّجلّيات الرّوحيّة والتّعاليم السّماويّة والمعاني
الكليّة هي حضرة المسيح، والأكل عبارة عن الإقبال والشّرب كناية عن الإيمان حيث
كان لحضرته جسد عنصريّ وهيكل سماويّ،
فالجسد العنصريّ صُلِب وأمّا الهيكل السّماويّ فحيّ باقٍ وسبب
الحياة
الأبديّة، الجسد العنصريّ كان طبيعة بشريّة والهيكل السّماويّ كان طبيعة رحمانيّة، سبحان اللّه قد يتصوّر
البعض بأنّ خبز القربان هو حقيقة حضرة المسيح حلّ فيه اللاّهوت وروح القدس، مع
أنّه عندما يؤكل القربان يصير فاسداً ويتغيّر بالكلّيّة بعد عدّة دقائق، فكيف يمكن
إذاً تصوّروهم هكذا، أستغفر اللّه عن هذا الوهم العظيم.
وخلاصة المقال أنّ بظهور حضرة المسيح
انتشرت تعاليمه المقدّسة التّي هي الفيض الأبديّ وسطعت أنوار الهداية وبذلت روح
الحياة للحقائق الإنسانيّة، فكلّ من اهتدى صار حيّاً ومن ضلّ مات موتاً أبديّا،
وذلك الخبز النّازل من السّماء هو الهيكل الملكوتيّ لحضرة المسيح وعنصره
الرّوحانيّ وهو الذّي تناول منه الحواريّون ففازوا بالحياة الأبديّة، وقد تناول
الحواريّون من يد حضرة المسيح أطعمة كثيرة فلماذا امتاز العشاء الرّبانيّ، إذاً صار
من المعلوم أنّه ليس المراد من الخبز السّماوي الخبز العنصريّ، بل المقصود منه
المائدة الإلهيّة والهيكل الرّوحانيّ لحضرة المسيح، وهي تلك الفيوضات الرّبانيّة
والكمالات الرّحمانيّة التّي أخذ الحواريّون منها نصيباً حتّى شبعوا، وكذلك لاحظوا
لمّا أن بارك حضرة المسيح الخبز وقال هذا جسدي ووهبه للحواريّين، كان حضرته
موجوداً بينهم بشخصه وذاته وما استحال إلى خبز وخمر، ولو استحال إلى خبز وخمر لوجب
بعد هذا أن لا يكون حضرة المسيح مجسّماً ولا مشخّصاً ولا معيّناً عند الحواريّين
في ذلك الوقت.
إذاً اتّضح أنّ الخبز والخمر رمزان أراد
بهما أن يقول أعطيت لكم فيوضاتي وكمالاتي وحيث أنّكم استفضتم منها فقد وجدتم حياة
أبديّة وفزتم بحظّ
من المائدة السّماويّة.
(18)
المعجزات وخوارق العادات
السّؤال: هل تفسّر المعجزات المنسوبة إلى
حضرة المسيح بحسب المعاني الظّاهريّة للألفاظ أو أنّ لها معانٍ أخرى وقد ثبت
علميّاً أنّ حقائق الأشياء لا تتغيّر وأنّ جميع الكائنات خاضعة لقانون ونظام كلّيّ لا تتخلّف عنه أبداً ولهذا
لا يمكن خرق القانون الكلّيّ.
الجواب: إنّ المظاهر المقدّسة الإلهيّة هم
مصادر المعجزات ومظاهر الآثار العجيبة فكلّ أمرٍ مشكل وغير ممكن يصير ممكناً
وجائزاً بالنّسبة إليهم، لأنّه بقوّة
خارقة للعادة يظهر منهم خارق العادة، وبقدرة ما وراء الطّبيعة يؤثّرون في عالم
الطّبيعة، ومنهم جميعاً قد صدرت عجائب الأمور، ولها في الكتب المقدّسة اصطلاح خاص،
في حين أنّ المظاهر الإلهيّة لا يعلّقون على تلك المعجزات وعلى تلك الآثار العجيبة
أيّة أهميّة، حتّى أنّهم لا يريدون ذكرها، لأنّنا لو اعتبرناها أعظم برهان على
صدقهم لكان ذلك حجّةً وبرهاناً بالنّسبة لمن كان موجوداً وشهد المعجزات دون سواه،
فمثلاً لو تروى معجزات حضرة موسى وحضرة المسيح لشخص طالب للحقيقة غير مؤمن بهما
فإنّه ينكرها ويقول قد رويت أيضاً عن الأصنام آثار عجيبة بشهادة خلق كثير ودوّنت
في الكتب، وقد كتب البراهمة كتاباً دوّنوا فيه الآثار العجيبة التّي صدرت من برهما،
فيقول الطّالب أيضاً ومن أين نعرف صدق اليهود والنّصارى وكذب البراهمة فكلاهما
رواية وكلاهما خبر متواتر وكلاهما مدوّن في الكتب وكلاهما يحتمل الصّدق والكذب،
وبمثل هذا يقال فيما ترويه الملل الأخرى، فإن صدق أحدها لزم صدق الآخرين وإن قبل
أحدها وجب قبول الباقين، فمن أجل هذا
لا
تكون المعجزات برهاناً وإن صحّ أن تكون برهاناً للحاضرين فلا يصحّ أن تكون حجّة
على الغائبين، أمّا أهل البصيرة في يوم الظّهور فهم يعتبرون جميع شؤون مظهر الظّهور معجزات لأنّها تمتاز عمّا سواها وما دامت
ممتازة فهي خارقة للعادة.
فحضرة المسيح رفع العلم الإلهيّ أمام من
على الأرض وقاومهم جميعاً فريداً وحيداً بدون ظهير ولا نصير ولم يكن له جند ولا
جيوش بل كان مضطهداً مظلوماً، ومع هذا ففي النّهاية غلب الجميع ولو أنّه صلب في
الظّاهر، فهذه القضيّة معجزة محضة لا يمكن إنكارها أبداً فلا حاجة بعدئذٍ إلى
برهان آخر يثبت أحقّيّة
حضرة المسيح، وليس للمعجزات الظّاهريّة أهمّيّة لدى أهل الحقيقة، فمثلاً لو
صار الأعمى مبصراً فإنّه في النّهاية
سيفقد بصره ثانياً عندما يموت ويحرم من جميع الحواس والقوى، فلا أهمّيّة إذاً لإبصار الأعمى، إذ
أنّ هذه القوى مصيرها أن تزول، وكذلك ما فائدة إحياء جسم الميّت الذّي سيموت مرّةً أخرى.
أمّا الأهميّة ففي إعطاء البصيرة والحياة
الأبديّة أي الحياة الرّوحيّة الإلهيّة، لأنّ هذه الحياة الجسمانيّة لا بقاء لها
ووجودها عين العدم، مثال ذلك أنّ حضرة المسيح يقول في جواب أحد التّلاميذ "دع الموتى يدفنون الموتى
المولود من الجسد جسد هو والمولود من الرّوح فهو الرّوح"[14]
فلاحظوا
أنّ تلك النّفوس مع أنّها قد كانت أحياءً بالأجسام إلا أنّ المسيح اعتبرها
أمواتاً، لأنّ الحياة هي
الحياة الأبديّة والوجود هو الوجود الحقيقيّ، فمن أجل هذا لو ذكر إحياء
الموتى في الكتب المقدّسة، فالمقصود أنّهم نالوا الحياة الأبديّة وكذلك لو ذكر
إبصار العمى فالمقصود من هذا الإبصار هي البصيرة الحقيقيّة، وكذلك لو ذكر إسماع
الصّمّ فالمقصود حصول السّمع
الرّوحيّ ونيله السّمع الملكوتيّ
وهذا
ثابت بنصّ الإنجيل حيث يقول حضرة المسيح "هؤلاء مثل الذّين قال عنهم إشعيا لهم أعين لا يبصرون بها
ولهم آذان لا يسمعون بها وأنا أشفيهم"[15]
وليس
المقصود من هذا أنّ مظاهر الظّهور عاجزون عن إجراء المعجزات بل هم قادرون ولكنّ
المقبول والمهمّ لديهم هو البصيرة الباطنيّة
والسّمع الرّوحاني والحياة الأبديّة، فعلى هذا ما جاء في أيّ موضع من الكتب
المقدّسة من أنّ أعمى صار بصيراً معناه أنّه كان أعمى الباطن وفاز بالبصيرة الرّوحانيّة،
أو كان جاهلاً فصار عالماً أو كان غافلاً فصار متنبّهاً أو كان ناسوتيّاً فصار
ملكوتيّاً، وحيث أنّ هذه البصيرة والسّمع والحياة والشّفاء كلّها أبديّة لهذا كانت
ذات أهميّة، وإلاّ فما أهميّة الحياة الحيوانيّة وقواها وقدرها وشأنها التّي هي
كالأوهام تنتهي في أيام معدودة، مثلاً لو أضيء سراج مطفأ فإنّه لا شكّ ينطفئ مرّة أخرى أمّا نور الشّمس فمضيء
دائماً، وهذا هو المهمّ.
(19)
السّؤال: ما معنى قيام المسيح بعد ثلاثة
أيّام؟
الجواب: ليس قيام المظاهر الإلهيّة قياماً
جسديّاً، فجميع شؤونهم وحالاتهم وأعمالهم وتأسيساتهم وتعاليمهم وتعبيرهم وتشبيههم
وترتيبهم عبارة عن أمور روحيّة معنويّة لا تتعلّق بالجسمانيّات، مثلاً مسألة مجيء
المسيح من السّماء هذه مصرّح بها في مواضع متعدّدة من الإنجيل حيث يقول جاء ابن
الإنسان من السّماء وابن الإنسان في السّماء وسيذهب إلى السّماء وكما يقول في الأصحاح
السّادس من إنجيل يوحنّا آية 38
"لأنّي قد نزلت من السّماء" وكذلك في الآية الثّانية
والأربعين منه "وقالوا أليس هذا هو يسوع بن
يوسف الذّي نحن عارفون بأبيه وأمّه فكيف يقول هذا إنّي نزلت من السّماء" وكذلك في إنجيل يوحنّا في الأصحاح
الثّالث الآية الثّالثة عشرة يقول "وليس
أحد صعد إلى السّماء إلاّ الذّي نزل من السّماء ابن الإنسان الذّي هو في السّماء" فلاحظوا أنّه يقول ابن
الإنسان في السّماء والحال أنّ حضرته في ذلك الوقت كان على الأرض، وكذلك لاحظوا
أنّه يقول صراحةً جاء المسيح من السّماء، والحال أنّه أتى من رحم مريم وتولّد جسم
حضرته من العذراء، إذاً اتّضح أنّ المقصود من هذه العبارة التّي يقول فيها
جاء ابن الإنسان من السّماء أمر معنويّ لا ظاهريّ، روحيّ لا جسمانيّ، يعني وإن كان حضرة المسيح
تولّد من رحم مريم ظاهراً، ولكنّه في الحقيقة قد أتى من السّماء، مركز شمس
الحقيقة، العالم الإلهيّ، الملكوت الرّحمانيّ.
وحيث اتّضح أنّ المسيح أتى من السّماء
الرّوحيّة والملكوت الإلهيّ، فالمقصود إذاً من بقاء
حضرته ثلاثة أيّام في القبر أيضاً أمر معنويّ لا ظاهريّ، وكذلك قيام حضرته من بطن
الأرض أيضاً أمر معنويّ وكيفيّة روحانيّة لا جسمانيّة، وكذلك صعود المسيح أيضاً
إلى السّماء أمر روحانيّ لا جسمانيّ،
وفضلاً عن هذا البيان فقد ثبت وتحقّق علميّاً أنّ هذه السّماء الظّاهرة فضاء غير متناه و فراغ خلاء تسبح فيه النّجوم والكواكب
التّي لا عداد لها، لهذا نقول أنّ قيام المسيح
عبارة عن اضطّراب الحواريّين وحيرتهم بعد شهادة حضرته وقد خفيت واستترت حقيقة
المسيح التّي هي عبارة عن التعاليم والفيوضات والكمالات والقوّة الرّوحانيّة المسيحيّة
مدة يومين أو ثلاثة بعد استشهاد حضرته، ولم يكن لها جلوة ولا ظهور
بل كانت في حكم المفقود،
لأنّ المؤمنين كانوا أنفساً معدودة وكانوا أيضاً مضطربين حائرين، فبقي أمر حضرة روح
الله
كجسمٍ لا روح فيه،
ولمّا رسخ حضرات الحوارييّن وثبتوا بعد ثلاثة أيّام وقاموا على خدمة أمر المسيح
وصمّموا على ترويج التّعاليم الإلهيّة واجراء وصايا المسيح والقيام على خدمة
المسيح، تجلّت لهم حقيقة المسيح فظهرت فيوضاته وسرت روح الحياة في شريعته وظهرت
تعاليمه واتّضحت وصاياه، يعني أنّ أمر المسيح كان
كجسم بلا روح فدخلته الحياة وأحاط به فيض روح القدس، هذا هو معنى قيام المسيح وقد
كان قياماً حقيقيّاً،
ولمّا لم يفهم القسس المعنى الإنجيليّ ولم يهتدوا إلى رمزه قالوا إنّ الدّين مخالف للعلم والعلم
معارض للدّين، لأنّ من جملة هذه المسائل
مسألة صعود حضرة المسيح بجسمه العنصريّ إلى هذه السّماء الظّاهرة، وذلك مخالف للعلوم
الرّياضيّة. ولكن عندما تنكشف حقيقة هذه المسألة ويفسّر هذا الرّمز فإنّها لا
تتعارض مع العلم بأيّ وجه من الوجوه بل العلم والعقل يصدّقانها ويؤيّدانها.
(20)
السّؤال:
مذكور في الإنجيل أنّ روح القدس حلَّت
في الحواريّين فكيف كان ذلك وما معناه؟
الجواب:
إنّ حلول روح القدس ليس كحلول الهواء في جوف الإنسان بل هو تعبير وتشبيه لا
تصوير وتحقيق، بل هو كحلول الشّمس في المرآة يعني ظهور تجليّ الشّمس فيها، فالحواريّون
بعد صعود حضرة المسيح اضطربوا واختلفت آراؤهم
وتشتّتت أفكارهم، ثمّ ثبتوا واتّحدوا واجتمعوا في عيد العنصرة، وانقطعوا وغضّوا
الطّرف عن أنفسهم وتركوا
راحة
هذا العالم ومسرّاته وفدوا بأجسامهم وأرواحهم في سبيل المحبوب وتركوا الأهل
والأوطان، وأصبحوا بلا ملجأ ولا مأوى وزهدوا في كلِّ شيء حتّى نسوا ذواتهم، فأتاهم
التّأييد الإلهيّ وظهرت قوّة روح القدس وغلبَت روحانيّة المسيح وأخذت محبّة اللّه
زمام أنفسهم من أيديهم، فتقوّوا في ذلك اليوم وتوجّه كلّ واحد منهم إلى جهة
لتبليغ أمر اللّه ونطق بالحجّة والبرهان، إذاً فحلول روح القدس عبارة عن انجذابهم
بالرّوح المسيحيّ واستقامتهم وثباتهم، حتّى اكتسبوا من روح محبّة الله حياةً
جديدةً ورأوا حضرة المسيح حيّاً ومعيناً وظهيراً، إذ كانوا قطرات فصاروا
بحوراً وبعوضاً فأصبحوا عقاب السّماء وضعافاً فأصبحوا أقوياء، فمثل هؤلاء كمثل
المرايا قبالة الشّمس فلا بدّ وأن
تسطع فيها أنوارها وأشعّتها.
(21)
الجواب: المقصود من روح القدس هو الفيض الإلهيّ والأشعّة
السّاطعة من مظهر الظّهور، لأنّ المسيح كان مركز أشعّة شمس الحقيقة، ومن هذا المركز الجليل أشرقت
حقيقة المسيح بالفيض الإلهيّ على سائر المرايا التّي كانت حقائق الحواريّين، والمقصود من حلول روح
القدس على الحواريّين
هو أنّ ذلك الفيض الجليل الإلهيّ تجلّى وأفاض على حقائق الحواريّين ليس إلاّ، حيث الدّخول والخروج
والنّزول والحلول من خواصّ
الأجسام لا الأرواح. يعني أنّ الدّخول والحلول للحقائق المحسوسة لا للّطائف المعقولة، فالحقائق
المعقولة مثل العقل والحبّ
والعلم
والتّصوّر والفكر ليس لها دخول ولا
خروج ولا حلول بل هي عبارة عن العلاقة الرّوحيّة، مثلاً العلم الذّي هو عبارة عن
الصّور الحاصلة لدى العقل هو أمر معقول والدّخول والخروج بالنّسبة للعقل أمر
موهوم، بل له تعلّق حصوليّ
كالصّور المنطبعة في المرآة، وحيث ثبت بالبرهان أنّه ليس للحقائق المعقولة دخول
ولا حلول، فلا شكّ أنّ الصّعود والنّزول والدّخول والخروج والمزج والحلول لروح
القدس ممتنع محال، وغاية ما هنالك أنّ روح القدس كالشّمس تجلّت في المرآة وفي بعض
المواضع من الكتب المقدّسة تذكر الرّوح والمقصود منها الشّخص، كما هو مصطلح عليه في المخاطبات
والمكالمات، أنّ الشّخصَ الفلانيّ روح مجسّم وحميّة ومروءة مشخّصة، فليس النّظر في هذا
المقام إلى الزّجاج بل إلى السّراج كما يقول في إنجيل يوحنّا عند ذكر الموعود بعد
حضرة المسيح في الآية 12 من الأصحاح 16 "إنّ لي أموراً كثيرةً أيضاً
لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن وأمّا متى جاء ذاك روح الحقّ فهو يرشدكم
إلى جميع الحقّ لأنّه لا يتكلّم من نفسه بل كلّ ما يسمع يتكلّم به" فانظروا
بدقّة في هذه العبارة "لأنّه لا يتكلّم من نفسه بل كلّ ما يسمع يتكلّم به" تجدوا أنّ روح الحقّ هذا هو
إنسان مجسّم له نفس وله أذن تسمع ولسان ينطق وكذلك يطلق روح اللّه على حضرة المسيح
مثلما تقول سراج ومرادك السّراج مع الزّجاج.
(22)
السّؤال: ما معنى المجيء الثّاني للمسيح
ويوم الدّينونة؟
الجواب:
مذكور في الكتب المقدّسة أنّ المسيح سيجيء مرّة أخرى ومجيئه
مشروط
بتحقّق علامات معيّنة وظهوره مقترن بتلك العلامات، ومن جملتها "تظلم الشّمس" "والقمر لا يعطي ضوءه" "والنّجوم تسقط من السّماء" "وقوّات السّموات تتزعزع" "وحينئذٍ تظهر علامة ابن
الإنسان في السّماء"
"وحينئذٍ تنوح جميع قبائل
الأرض ويبصرون ابن الإنسان آتياً على سحاب السّماء بقوّة ومجد كبير"[16]
وقد
فسّر حضرة بهاء اللّه هذه الآيات وشرحها في كتاب الإيقان[17]
فلا حاجة للتّكرار فارجعوا إليه تدركوا معاني تلك الكلمات، إلاّ أنّي سأتكلّم الآن بإيجاز في هذا
الموضوع، وهو أنّ المسيح في مجيئه الأوّل أيضاً أتى من السّماء كما هو مصّرح في
الإنجيل، حتّى أنّ نفس المسيح يقول جاء ابن الإنسان من السّماء وابن الإنسان في
السّماء ولا يصعد إلى السّماء إلاّ الذّي أتى من السّماء ومن المسلّم لدى العموم
أنّ المسيح أتى من السّماء حال أنّه أتى بحسب الظّاهر من رحم مريم، كما أنّ مجيئه في
المرّة الأولى كان في الحقيقة من السّماء وإن كان بحسب الظّاهر أتى من الأرحام،
كذلك يكون مجيئه الثّاني
بحقيقته أيضاً من السّماء، ولو يأتي بحسب الظّاهر من الأرحام. والشّروط المذكورة
في الإنجيل بخصوص مجيءِ المسيح ثانيةً هي نفس الشّروط المصرّح بها في المجيء
الأوّل كما سبق من قبل، وفي كتاب إشعيا
مذكور أنّ المسيح يفتح الشّرق والغرب ويدخل جميع ملل العالم في ظلّه، وتتشكّل
سلطنته ويأتي من مكانٍ غير معلومٍ ويدان المذنبون وتجري العدالة لدرجة أنّ الذئب
والحمل والنّمر والجدي والأفعى والطفل الرّضيع تجتمع كلّها على معينٍ
واحدٍ ومرعى واحدٍ ووكرٍ واحد، وقد كان مجيئه الأوّل أيضاً مشروطاً بهذه الشّروط،
مع أنّه لم يقع بحسب الظّاهر أيّ شرط من هذه الشّروط، فلهذا اعترض اليهود على
المسيح وأستغفر اللّه فقد عبّروا عن المسيح بالمسيخ واعتبروه هادم البنيان الإلهيّ
ومخرّب السّبت والشّريعة وأفتوا
بقتله،
والحال أنّه كان لتلك الشّروط كلاًّ
وطرّاً معان، ولكنّ اليهود لم
يهتدوا إليها ولذلك احتجبوا، وكذلك المجيء الثّاني للمسيح على هذا المنوال، ولجميع
العلائم والشّروط الموضّحة معانٍ ولا
يصحّ أن تؤخذ بحسب ظاهرها لأنّها لو أخذت حسب الظّاهر فلا يتحقّق قول حضرة المسيح "تتساقط جميع النّجوم على
الأرض" مع أنّ النجوم لا حدّ لها
ولا حصر، ومن الثّابت المحقّق علميّاً
لدى الرّياضيّين الحاليّين أنّ جرم
الشّمس أعظم من جرم الأرض بما يقارب من مليونٍ ونصف مرّة، وكلّ واحدةٍ من هذه
النجوم الثّوابت أعظم من الشّمس ألف مرّة، فلو تسقط هذه النّجوم على وجه الأرض
فكيف تجد لها محلاًّ
وهي إذا سقطت كان سقوطها كسقوط ألف مليون جبل كجبال همالايا على حبّة خردل، فهذه
القضيّة عقلاً وعلماً بل وبداهةً من ضروب المحال وليست ممكنة وأعجب من هذا أنّ
المسيح يقول لعلِّي
آت وأنتم لا تزالون نائمين حيث أنّ مجيء ابن الإنسان كمجيء اللّصّ وربّما كان اللّصّ في البيت وليس عند صاحب
البيت خبر، إذاً صار من الواضح المبرهن أنّ لهذه العلامات معنى لا يقصد به الظّاهر
وقد بيّنت معانيها بالتّفصيل في كتاب الإيقان فارجعوا إليه.
(23)
الأقانيم الثّلاثة
السّؤال: ما المقصود من الثّالوث
والأقانيمِ الثّلاثة؟
الجواب: إنّ حقيقة الألوهيّة المقدّسة
عن أن تدركها الكائنات، المنزّهة عن أن يتصوّرها ذوو العقول والأفهام، هذه الحقيقة الرّبانية
لا تقبل التّقسيم، لأنّ التّقسيم والتّعدّد من خصائص الخليقة الممكنة
الوجود
وليس من العوارض الطّارئة على
واجب الوجود، إنّ الذّات الإلهيّة مقدّسةٌ عن التوحيد فما بالك بالتّعدّد، والحقيقة الرّبانيّة لهي
أسمى من أن يتصوّر لها مقام أو مرتبة لأنّ ذلك عين النّقص ومنافٍ للكمال، وأمر ممتنع
ومحال، لأنّها ما زالت ولا تزال في علوّ التّقديس والتّنزيه، وكلّ ما يذكر من
الظّهور والإشراق الإلهيّ فالمقصود منه هو التّجلّي الإلهيّ لا التّنزّل في مراتب الوجود. فالحقّ
كمال محض والخلق نقصان صرف وتنزّل الحقّ في مراتب الوجود لهو عين النّقص، ولكنّ
ظهوره وإشراقه كتجلّي الشّمس على المرآة الصّافية اللّطيفة الشّفافة، فجميع ما في الكون
آيات باهرات للحقّ كالكائنات الأرضيّة التّي سطعت عليها أشعّة
الشّمس ولكنّها تلقي هذه الأشعّة على الصّحارى والجبال والأشجار والأثمار
على قدر تظهر وتتربّى وتصل إلى الغاية المقصودة من وجودها.
وأمّا الإنسان الكامل فهو كالمرآة الصّافية التّي ظهرت وبرزت
فيها شمس الحقيقة بجميع صفاتها وكمالاتها، لهذا كانت الحقيقة المسيحيّة كالمرآة
الصّافية الشّفافة في نهاية اللّطافة والطّهارة، فتجلّت شمس الحقيقة والذّات
الإلهيّة في تلك المرآة وظهرت فيها حرارتها ونورانيّتها.
أمّا الشّمس فما تنزّلت من علوّ تقديسها وسماء تنزيهها وما
اتّخذت في المرآة منزلاً ولا مأوى، بل هي باقية مستقرّة في علوّها وسموّها ولكنّها
ظهرت وتجلّت في المرآة بجمالها وكمالها، ولو نقول الآن أنّنا شاهدنا الشّمس في
مرآتين إحداهما المسيح والأخرى روح القدس يعني شاهدنا شموساً ثلاثة إحداها في
السّماء واثنتان في الأرض لكنّا صادقين، ولو نقول أنّها شمس واحدة وفي فردانيّة محضة
ليس لها شريك ولا مثيل لكنّا أيضاً صادقين، وخلاصة القول أنّ الحقيقة المسيحيّة
كانت مرآة صافية، وأنّ شمس الحقيقة يعني ذات الأحديّة ظهرت وتجلّت في تلك المرآة
بكمالات وصفات غير متناهية لا أنّ الشّمس التّي هي ذات
الرّبوبيّة تجَزّأت وتعدّدت بل
الشّمس شمس واحدة ولكنّها أشرقت في المرآة وهذا معنى ما يقوله المسيح "الأب في الابن"[18] يعني أنّ تلك الشّمس ظاهرة
باهرة في هذه المرآة، فروح القدس هو نفس الفيض الإلهيّ الّذي ظهر وتجلّى في حقيقة المسيح،
فالبنوّة
مقام قلب المسيح وروح القدس مقام روح المسيح. إذاً ثبت وتحقّق بأنّ الذّات
الإلهيّة وحدة محضة ليس لها شبيه ولا مثيل ولا نظير، وهذا هو المقصود من الأقانيم
الثّلاثة، وإلاّ فأساس دين اللّه يكون مبنيّاً على مسألة غير معقولة لا يمكن
تصوّرها، وكيف تكلّف العقول باعتقاد ما لا يمكن تصوّره، والحال أنّ ما ليس له صورة
معقولة ولا يسع العقل أن يتصوّره فهو وهم صرف، فقد ثبت الآن من هذا البيان المقصود
من الأقانيم الثّلاثة وثبتت أيضاً وحدانيّة الله.
(24)
تفسير الآية الخامسة
من الأصحاح السّابع عشر من
إنجيل يوحنّا
السّؤال: ما معنى الآية "والآن مجّدني أنت أيّها الآب عند ذاتك
بالمجد الذّي كان لي عندك قبل كون العالم"[19]
الجواب: إنّ التّقدّم على قسمين تقدّم ذاتيّ غير
مسبوق بعلّة بل وجوده من ذاته كالشّمس ضياؤها من ذاتها وليست محتاجة في ضوئها إلى
فيض كوكب آخر، فيعبّر عن هذا بضياء ذاتيّ، أمّا ضوء القمر فمقتبس من الشّمس لأنّ
القمر محتاج إلى الشّمس في الضّياء، إذاً صارت الشّمس
علّةً
في الضّياء والقمر معلولاً،
تلك قديمة وسابقة متقدّمة وهذا مسبوق ومتأخّر، والنّوع الثّاني من القِدم قِدم زمانيّ، وذلك لا أوّل له وحضرة كلمة
اللّه مقدّس عن الزّمان، فالماضي والحال والمستقبل كلّها بالنّسبة إلى الحقّ على
حدّ سواء، فليس للشّمس أمس ولا
اليوم ولا الغد، وكذلك التّقدّم
من جهة الشّرف يعني أنّ الأشرف مقدّم على الشّريف، إذاً فحقيقة المسيح التّي هي
كلمة اللّه لا شكّ أنّها من حيث الذّات والصّفات والمجد مقدّمة على الكائنات،
وكانت كلمة اللّه قبل الظّهور
في الهيكل البشريّ في نهاية العزّة والتّقديس ومستقرّة في أوج عظمتها في كمال
الجلال والجمال، ولمّا أشرقت كلمة اللّه من أوج الجلال بحكمة الحقّ المتعال في
عالم الجسد اعتدي
عليها بواسطة هذا الجسد، إذ وقعت في أيدي اليهود أسيرةً لكلّ ظلوم وجهول وانتهى
الأمر بالصّلب، ولذلك نادى ربّه بقوله اعتقني يا إلهي من عالم الجسد وأطلقني من
هذا القفص حتّى أصعد إلى أوج العظمة والجلال وأجد تلك العزّة والتّقديس السّابقين
قبل عالم الجسد فأبتهج بالعالم الباقي وأصعد إلى الوطن الأصليّ عالم اللاّمكان
ملكوت الأخفى، كما لاحظتم أنّه بعد الصّعود
ظهرت عظمة حضرة المسيح وجلاله حتّى في عالم الملك يعني في الأنفس والآفاق، بل في
نقطة التّراب، وحينما كان في عالم الجسد لقي إهانةً وتحقيراً من أضعف أقوام العالم
يعني اليهود الذّين رأوا من اللاّئق أن يكون على رأسه المبارك تاج من الشّوك، أمّا
بعد الصّعود فصارت تيجان جميع الملوك المرصّعة خاضعة خاشعة لذلك التّاج المصنوع من
الشّوك، وأيضاً فانظر كيف بلغت كلمة اللّه
إلى ما بلغت من الجلال في الآفاق.
(25)
تفسير الآية 22 من الأصحاح 15
من رسالة
السّؤال: مكتوب في الآية 22 من الأصحاح
15 من رسالة بولس الأولى إلى كورنتوس "لأنّه
كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح يحيا الجميع"
الجواب: اعلم أنّ في الإنسان طبيعتين
طبيعة جسمانيّة وطبيعة روحانيّة، فالطّبيعة
الجسمانيّة موروثة من آدم، والطّبيعة الرّوحانيّة موروثة من حقيقة كلمة اللّه وهي
روحانيّة حضرة المسيح، فالطّبيعة الجسمانيّة تولّدت من آدم وأمّا الطّبيعة الرّوحانيّة فمتولّدة من فيض روح القدس، الطّبيعة الجسمانيّة مصدر كلّ نقص
والطّبيعة الرّوحانيّة مصدر كلّ كمال، وقد فدى حضرة المسيح بنفسه ليخلّص الخلق من
نقائص الطّبيعة الجسمانيّة وليتّصفوا بفضائل الطّبيعة الرّوحانيّة، وهذه الطّبيعة
الرّوحانيّة التّي تحقّقت من فيض الحقيقة الرّحمانيّة جامعة لجميع الكمالات وظهرت
من نفخة روح القدس وهذه الطّبيعة لهي كمالات إلهيّة، وهي أنوار روحانيّة وهداية
ورفعة وعلوّ همّة، وهي عدالة ومحبّة، وموهبة ورأفة بجميع الخلق وهي برّ وخير وحياة
في حياة، وهذه الطبيعة الرّوحانيّة
تجلٍّ من إشراقات شمس الحقيقة،
فالمسيح هو مركز روح القدس ومولود من روح القدس، ومبعوث بروح القدس ومن سلالة روح
القدس، يعني ليست الحقيقة المسيحيّة من سلالة آدم بل هي وليدة روح القدس، إذاً
فالمقصود من الآية 22 من أصحاح 15 من رسالة بولس لأهل كورنتيان التّي يقول فيها "لأنّه كما في آدم يموت الجميع
هكذا في المسيح
سيحيا
الجميع" هو أنّ آدم حسب الاصطلاح أبو
البشر يعني أنّه سبب الحياة الجسمانيّة للنّوع الإنسانيّ وله أبوّة جسمانيّة ونفس
حيّة ولكن ليست بمحيية، وأنّ حضرة المسيح هو سبب حياة البشر الرّوحانيّة وله
الأبوّة الرّوحانيّة من حيث الرّوح، فآدم نفس حيّة والمسيح روح محيية، وهذا العالم
الجسمانيّ للإنسان له قوى شهوانيّة، ومن لوازم القوى الشّهوانيّة العصيان، لأنّ
القوى الشّهوانيّة ليست تحت قانون العدل والحقّ، إذ أنّ جسم الإنسان أسير
الطّبيعة وكلّما تحكّمت به الطّبيعة يتحرك بمقتضاها، إذاً ثبت أنّ الخطيئة موجودة في
العالم الجسمانيّ كالغضب والحسد والنّزاع والحرص والطّمع والجهل والتّعصّب والإفساد والتّكبّر والظّلم، فجميع هذه الصّفات
البهيميّة موجودة في طبيعة الإنسان، لأنّ الإنسان الذّي لم يتربَّ التّربية الرّوحانيّة هو حيوان
كمتوحّشي أواسط أفريقيا، إذ أنّ حركات هؤلاء وسكناتهم وأخلاقهم شهوانيّة محضة
يعملون حسبما تمليه عليهم الطّبيعة حتّى أنّهم ليفترس ويأكل بعضهم بعضاً، إذاً
اتّضح أنّ العالم الجسمانيّ للإنسان عالم خطيئةٍ وعصيانٍ وليس للإنسان في العالم
الجسمانيّ امتياز عن الحيوان، فكلّ الخطايا من مقتضيات الطّبيعة وتلك المقتضيات
الطّبيعيّة التّي هي من الخصائص الجسمانيّة بالنّسبة للحيوان ليست بخطايا ولكنّها
خطايا بالنّسبة للإنسان، فالحيوان مصدر النّقائص كالغضب والشّهوة والحسد والحرص
والاعتداء والتّعاظم، يعني أنّ جميع الخلائق الذّميمة كامنة في طبيعة الحيوان فهي
بالنّسبة إليه ليست بخطيئة أمّا بالنّسبة إلى الإنسان فهي خطيئة، فحضرة آدم هو سبب
حياة الإنسان الجسمانيّة أمّا حقيقة المسيح يعني كلمة اللّه فهي سبب الحياةِ
الرّوحيّة لأنّها روح محيية، يعني أنّ جميع النّقائص التّي هي من مقتضيات الحياة
الجسمانيّة للإنسان تتبدّل بالكمالات الإنسانيّة بتعليم ذلك الرّوح المجرّد وتربيته.
إذاً
فحضرة
المسيح كان روحاً محيية وسبب الحياة الرّوحانيّة للجميع، وحضرة آدم كان سبب الحياة
الجسمانيّة، وحيث أنّ العالم الجسمانيّ للإنسان هو عالم النّقائص، والنّقائص هي عين الموت، لهذا عبّر بولس
عن النقائص الجسمانيّة بالموت، أمّا جمهور المسيحيّين فمتّفقون على أنّ حضرة آدم
لمّا أن تناول من الشّجرة التي منع أن يأكل منها أخطأ وعصى وظلّت النّتيجة المشؤومة
لهذا العصيان ميراثاً ثابتاً في سلالة آدم، وعلى هذا فحضرة آدم صار سبب موت الخلق
وهذا بديهيّ البطلان، لأنّ معناه أنّ جميع الخلق حتّى الأنبياء والرّسل من دون ذنب
ولا تقصير ولمحض أنّهم كانوا من سلالة آدم صاروا مذنبين ومقصّرين بدون سبب، وكانوا
مبتلين إلى يوم قربان المسيح بالعذاب الأليم في نار الجحيم، وهذا بعيد من العدالة
الإلهيّة، وإذا كان آدم قد أذنب فما ذنب حضرة إبراهيم وما تقصير إسحاق ويوسف وما
خطأ موسى.
أمّا أنّ حضرة المسيح كان كلمة اللّه وفدى
نفسه فلها معنيان: معنى ظاهريّ ومعنى حقيقيّ، فالمعنى الظّاهريّ أنّه
لمّا كان مقصد حضرة المسيح أن يقوم بأمر يكون فيه تربية العالم الإنسانيّ وإحياء
بني آدم وهداية عموم الخلق والقيام بأمرٍ عظيمٍ كهذا فيه مخالفة لجميع العالم
ومقاومة لسائر الملل والدّول ولا بدّ أن يؤدّي ذلك إلى القتل والصّلب وإهدار
الدّم، لهذا فدى حضرة المسيح روحه حينما أظهر أمره وعد الصّليب سريراً والجرح
مرهماً والسّمّ شهداً وسكّراً، وقام بتعليم النّاس وتربيتهم يعني فدى بنفسه حتّى يهب
روح الحياة وفنى بجسده ليحيي الآخرين بالرّوح، أمّا
المعنى الثّاني للفداء فهو أنّ حضرة المسيح كان مثل حبّة ضحّت صورتها لتنمو
الشّجرة منها وتعلو، ولو أنّ صورة الحبّة تلاشت إلاّ أنّ حقيقتها ظهرت على هيئة
الشّجرة بكمال العظمة
واللّطافة،
فمقام المسيح كان كمالاً محضاً، فأشرقت تلك الكمالات الإلهيّة كالشّمس على جميع
النّفوس المؤمنة وسطعت ولمعت فيوضات الأنوار في حقائق النّفوس، ولهذا يقول "أنا الخبز النّازل من السّماء
وكلّ من يتناول من هذا الخبز لا يموت"[20]
يعني أنّ كلّ من يأخذ نصيباً من هذا الغذاء الإلهيّ يصل إلى الحياة الأبديّة،
ولذلك كان كلّ من أخذ نصيباً من هذا الفيض واقتبس من هذه الكمالات وجد حياةً
أبديّةً واستفاض من فيض القدم وخرج من ظلمات الضّلالة واستنار بنور الهداية، ومع
أنّ صورة الحبّة صارت فداءً للشّجرة إلاّ أنّها ظهرت وانكشفت كمالاتها بسبب هذا
الفداء لأنّ الشّجرة والأغصان والأوراق والأزهار كانت مخفيّةً مستورةً في الحبّة
فلمّا أن ضحّت الحبّة بصورتها ظهرت كمالاتها وتجلّت بكمال الظّهور على هيئة
الأوراق والبراعم والأثمار.
(26)
السّؤال: ما حقيقة موضوع حضرة آدم وأكله
من الشّجرة؟
الجواب: ذكر في التّوراة "وأخذ الرّبّ الإله آدم ووضعه
في جنّة عدنٍ ليعملها ويحفظها وأوصى الرّبّ الإله آدم قائلاً من جميع أشجار الجنّة
تأكل أكلاً وأمّا شجرة معرفة الخير والشّرّ فلا تأكل منها لأنّك يوم تأكل منها
موتاً تموت" إلى قوله "فأوقع الرّبّ الإله سباتاً
على آدم فقام فأخذ واحدةً من أضلاعه وملأ مكانها لحماً وبنى الرّبّ الإله الضّلع التّي
أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم"
إلى أن يقول "فدلّت الحيّة المرأة على الأكل من أثمار الشّجرة
الممنوعة وقالت إنّ اللّه منعكما عن تناول هذه الشّجرة لئلاّ تنفتح عيناكما
وتعلمان الخير والشّرّ ثم تناولت
حوّاء
من الشّجرة وأعطت لآدم فوافقها آدم أيضاً ففتحت عيناهما ووجدا نفسيهما عريانين
وسترا عورتيهما
من ورق الشّجرة، ثم عوتبا بعتابٍ إلهيّ "فقال اللّه لآدم هل أكلت من الشّجرة
الممنوعة فقال آدم في الجواب إنّ حوّاء دلّتني فعاتب اللّه حوّاء فقالت حوّاء إنّ
الحيّة دلّتني وصارت الحيّة ملعونة وحصلت العداوة بين الحيّة وسلالة آدم وحوّاء
وقال اللّه صار الإنسان نظيرنا واطّلع على الخير والشّرّ فلعلّه تناول من شجرة
الحياة فيبقى إلى الأبد فحفظ اللّه شجرة الحياة."[21]
فلو
أخذنا هذه الحكاية حسب المعنى الظّاهريّ للعبارات وحسب المصطلح عليه بين العامّة
لهي في نهاية الغرابة، ويستحيل على العقل أن يقبلها ويصدّقها ويتصوّرها، لأنّ
ترتيباً وتفصيلاً وخطاباً وعتاباً كهذا بعيد أن يصدر من شخصٍ عاقلٍ فكيف من الحضرة
الإلهيّة التّي رتّبت هذا الكون اللاّمتناهي على أكمل صورة وزيّنت هذه الكائنات
التّي لا عداد لها بمنتهى النّظم والإتقان وغاية الكمال، فلتفكّروا قليلاً لأنّه
لو نسبت ظواهر هذه الحكاية إلى شخص عاقل فلا شكّ أنّ عموم العقلاء ينكرونها،
ويقولون إنّ هذا التّرتيب والوضع لا
يصدر يقيناً من شخصٍ عاقلٍ أبداً، من أجل ذلك فحكاية آدم وحوّاء هذه وتناولهما من
الشّجرة وخروجهما من الجنّة جميعها رموز ومن الأسرار الإلهيّة والمعاني الكلّيّة، ولها تأويل بديع ولا يعرف كنه
هذه الرّموز ومعانيها إلاّ أولوا الأسرار والمقرّبون لدى اللّه الغنيّ المتعال، وإذاً فلآيات التّوراة هذه
معانٍ متعدّدةٍ نبيّن معنى واحداً منها فنقول أنّ المقصود من آدم روح آدم ومن
حوّاء نفس آدم لأنّ في بعض المواضع من الكتب الإلهيّة التّي يذكر فيها الإناث يقصد
منها نفس الإنسان، والمقصود من شجرة الخير والشّرّ هو عالم النّاسوت، لأنّ العالم
الرّوحانيّ الإلهيّ خير محض ونورانيّة صرفة، وأمّا في عالم النّاسوت تجد حقائق متضادّة
من نور وظلمة وخير وشرّ.
والمقصود من الحيّة هو التّعلّق بالعالم
النّاسوتيّ، وقد أدّى تعلّق الرّوح بالعالم النّاسوتيّ إلى حرمان روح آدم ونفسه
وإخراجه من عالم الحرّيّة والإطلاق إلى عالم الأسر والتّقييد وصرفه النّظر عن
ملكوت التّوحيد متوجّهاً إلى عالم النّاسوت، ولمّا أن دخلت نفس آدم وروحه في عالم
النّاسوت خرج بذلك من جنّة الإطلاق والحرّيّة إلى عالم الأسر والتّقييد وبعد أن
كان في الخير المحض وعلوّ التّقديس ورد على عالم الخير والشّرّ.
والمقصود من شجرة الحياة هو أعلى رتبة في
عالم الوجود، وهي مقام كلمة اللّه والظهور الكلّيّ، لهذا احتفظ بذلك المقام حتّى
ظهر ولاح في ظهور أشرف المظاهر الكلّيّة، لأنّ مقام آدم كان كمقام النّطفة من حيث
ظهور الكمالات الإلهيّة وبروزها، ومقام حضرة المسيح كان كمقام رتبة البلوغ
والرّشد، وكان طلوع النّيّر الأعظم هو في مرتبة كمال الذّات والصّفات، ولذا كانت
شجرة الحياة في الجنّة العليا هي عبارة عن مركز التّقديس المحض والتّنزيه الصّرف
أي المظهر الكليّ الإلهيّ، وما كانت الحياة الأبدية والكمالات الكلّيّة الملكوتيّة
من دورة آدم إلى زمان حضرة المسيح شيئاً يذكر، فشجرة الحياة كانت مقام حقيقة
المسيح وهي التّي غرست في الظّهور المسيحيّ وتزيّنت بالأثمار الأبديّة، فلاحظوا
الآن كيف أنّ هذا التّأويل يطابق الحقيقة، لأنّ روح آدم ونفسه لمّا أن تعلّقت
بالعالم النّاسوتيّ خرجت من عالم الإطلاق إلى عالم التّقييد، وتسلسل نسلاً بعد نسل
بصورة مثلى، وهذا التّعلّق الرّوحيّ والنّفسيّ بالعالم النّاسوتيّ المعبّر عنه
بالعصيان بقي موروثاً في سلالة آدم، وهذا التّعلّق كان حيّةً تسعى ما بين أرواح
سلالة آدم إلى الأبد وبه استقرّت العداوة واستمرّت، لأنّ التّعلّق النّاسوتيّ أصبح
سبب تقيّد الأرواح، وهذا
التّقيّد
هو عين العصيان الذّي سرى من آدم إلى سلالته، إذ أنّ هذا التّعلّق أضحى علّة حرمان
النّفوس من تلك الرّوحانيّات الأصليّة والمقامات العالية.
ولمّا انتشرت نفحات قدس حضرة المسيح
وأنوار تقديس النّيّر الأعظم فالحقائق البشريّة أعني النّفوس التّي توجّهت إلى
كلمة الله واستفاضت من فيوضاته تخلّصت من ذلك التّعلّق والعصيان وفازت بالحياة
الأبديّة وانطلقت من قيود التّقليد واهتدت إلى عالم الحرّيّة والإطلاق وبرئت من رذائل عالم النّاسوت
واستفاضت من فضائل عالم الملكوت، هذا هو معنى الآية القائلة "أنفقت دمي لحياة العالم"[22]
يعني اخترت جميع البلايا والمحن والرّزايا حتى الشّهادة الكبرى للحصول على هذا
المقصد الأسمى ودفع الخطيّة بانقطاع الأرواح عن عالم النّاسوت وآثرت انجذابها إلى
عالم اللاّهوت حتّى تبعث نفوس تكون جوهر الهدى ومظهر كمالات الملكوت الأعلى.
لاحظوا أنّه لو كان المقصود هو المعنى
الظّاهريّ بحسب تصوّر أهل الكتاب لكان ذلك ظلماً محضاً واعتسافاً صرفاً، فلو أنّ
آدم أذنب باقترابه من الشّجرة الممنوعة، فأيّ ذنبٍ جناه الخليل الجليل وأيّ خطأ
اقترفه موسى الكليم وأيّ عصيانٍ فعله نبيّ الله نوح، وأيّ طغيانٍ برز من يوسف
الصّدّيق وأيّ فتورٍ وقع لأنبياء الله وأيّ قصورٍ صدر من يحيى الحصور، فهل تقبل
العدالة الإلهيّة أن تبتلى هذه المظاهر النّورانيّة بالجحيم الأليم من أجل عصيان
آدم حتّى يأتي المسيح ويصير قرباناً لينجو هؤلاء من عذاب السّعير؟ فتصوّر كهذا
خارج عن كلّ القواعد والقوانين ولا يقبله كلّ عاقلٍ واعٍ أبداً، بل المقصود منه ما ذكرناه،
فآدم روح آدم وحواء نفس آدم والشّجرة عالم النّاسوت والحيّة هي
التّعلّق
بعالم النّاسوت، وهذا التّعلّق المُعبّر عنه بالعصيان سرى في سلالة آدم، وقد نجَّى حضرة المسيح النّفوس من هذا
التّعلّق بالنّفحات القدسيّة وخلّصهم من تلك الخطيئة والعصيان، وهذا الذّنب بالنّسبة
لحضرة آدم بحسب المراتب، وإن كان قد حصل من هذا التّعلق نتائج كلّيّة لكنّ
التّعلّق بالعالم النّاسوتيّ بالنّسبة
إلى التّعلّق بالعالم الرّوحانيّ اللاّهوتيّ يعدّ ذنباً وعصياناً ويثبت في هذا
المقام منطوق "حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين" فكما أنّ القوّة الجسمانيّة
قاصرة بالنّسبة إلى القوّة الرّوحانيّة بل نسبة هذه إلى تلك هو عين الضّعف، كذلك
تعدّ الحياة الجسمانيّة مماتاً بالنّسبة إلى الوجود الملكوتيّ والحياة الأبديّة،
كما أنّ حضرة المسيح سمَّى
الحياة الجسمانيّة موتاً فقال "دع
الموتى يدفنون موتاهم"[23]
ومع أنّ تلك النّفوس كانت حيّة بالحياة الجسمانيّة ولكنّ تلك الحياة كانت موتاً في
اعتبار حضرة المسيح، هذا معنى واحد من معاني حكاية حضرة آدم المذكورة في التّوراة
فتفكرّوا أنتم أيضاً حتّى تهتدوا إلى المعاني الأخرى والسّلام.
(27)
السّؤال:
ما معنى "ومن قال كلمة على ابن الإنسان
يغفر له وأمّا من قال على الرّوح القدس فلن يغفر له لا في
هذا العالم ولا في الآتي."[24]
الجواب: إنّ للحقائق المقدّسة المظاهر
الإلهيّة مقامين معنويّين أحدهما مقام المظهر نفسه والذّي هو بمنزلة كرة الشّمس
والآخر مقام الظّهور والتّجلّي الذّي هو بمثابة النّور والكمالات الإلهيّة والرّوح
القدس، لأنّ الرّوح القدس هو الفيوضات الإلهيّة والكمالات الرّبانيّة،
وهذه
الكمالات الإلهيّة هي بمنزلة شعاع الشّمس وحرارتها والشّمس شمس بأشعّتها السّاطعة
ولولا أشعّتها السّاطعة ما كانت شمساً، ولولا الظّهور وتجلّي الكمالات الإلهيّة في
المسيح ما كان اليسوع مسيحاً، وهو من هذه الجهة مظهر لأنّه تجلّت فيه الكمالات
الإلهيّة، فأنبياء الله مظاهر، لأنّ فيهم ظهرت الكمالات الرّبّانيّة يعني روح القدس، فلو
أنّ نفسا أعرضت عن المظهر لجهلها وعدم عرفانها فربّما انتبهت واعترفت بأنّه هو
مظهر ظهور الكمالات الإلهيّة الرّبّانيّة،
أمّا لو أعرضت عن نفس الكمالات الإلهيّة التّي هي عبارة عن روح القدس فهذا دليل
على أنّها خفّاش مُعرِض عن الشّمس، وهذا الإعراض عن
الأنوار لا علاج له ولا غفران، يعني لا يمكن أن تتقرّب إلى اللّه فهذا السّراج
سراج بهذا النّور فلولا النّور لما كان سراجاً، على أنّه لو أعرضت نفس عن أنوار
السّراج فهي عمياء ولا يمكنها أن تدرك النّور، والعمى سبب الحرمان الأبديّ. ومن
المعلوم أنّ النّفوس تستفيض من فيوضات روح القدس المتجلّية على المظاهر الإلهيّة
لا من شخصيّة المظهر، فإذا لم تستفض نفس من فيوضات روح القدس فإنّها تكون محرومة
من الفيوضات الإلهيّة، ونفس الحرمان هو عدم الغفران، ولذا فكثير ممّن كانوا أعداء
لمظاهر الظّهور لعدم معرفتهم بأنّهم هم مظاهر الظهور صاروا محبّين لهم بعد ما
عرفوا، إذاً ما كان العداء لمظهر الظّهور سبب الحرمان الأبديّ، لأنّهم كانوا أعداء
للمشكاة لا للنّور وما كانوا يعلمون أنّ المظهر هو السّراج النّورانيّ الإلهيّ،
وحينما عرفوا وأدركوا أنّ المشكاة هي مظهر الأنوار أصبحوا يحبّونها حبّاً حقيقيّاً.
والمقصود هو أنّ الإعراض عن المشكاة لا يكون سبب الحرمان الأبديّ، فربّما تنتبه
النّفوس وتتذكّر ولكنّ عداوة النّور هي سبب
الحرمان الأبديّ وليس لها علاج.
(28)
السّؤال: يقول حضرة المسيح في الإنجيل "المدعوّون كثيرون والمختارون
قليلون"[25]
ويقول في القرآن "يختصّ
برحمته من يشاء"[26]
فما حكمة ذلك؟
الجواب: اعلم أنّ نظام الكون وكماله يقتضيان أن يكون الوجود منحلاًّ في صور لا عداد لها، فلهذا لم تكن الموجودات في مرتبة واحدة أو مقام واحد ونمط واحد ولا جنس واحد أو نوع واحد ولا في صورة واحدة، بل لا بدّ من تفاوت في المراتب وتمايز في الأصناف وتعدّد في الأجناس والأنواع يعني من المحتّم وج