لَئَالِئُ
الحِكْمَةِ
مَجمُوعَة
مِنَ الآثَار المُنزلَة
مِنْ
قَلَم حَضرَة بَهَاءالله
جَلَّ
ذِكرهُ
المُجَلَّدُ
الثَّالث
الطّبعة
الأولی
شهر
المشيئة ١٤٨ بديع
تشرين
الأوّل ١٩٩١م.
من
منشورات دار النّشر البهائّية في البرازيل
EDITORA
BAHA'I – BRASIL
Rua
Engenheiro Gama Lobo, 267 Vila Isabel
20.551
Rio de Janeiro/RJ,
صفحة خالية
صفحة خالية
[1] هو الله العزيز
لوح مسطور از سمآء عنايت نازل شد و مستورات معانی را چون شمس جانی از افق معنوی ظاهر و آشكار فرمود، بی دليل
راه نمود وبی جبرئيل قلب حزين را بسبيل سرور هدايت فرمود، انشآء الله تا
سراج الهی در مشكاة سرمدی روشنست آنجمال
حقيقی بر مسند جلال ابدی
مستقرّ.
[2] هو
العزيز
اسْمَعْ ما تُلْقِيْكَ حَمامَةُ الْفِراقِ حِيْنَ
الَّذِيْ يُسافِرُ عَنْ شَطْرِ الْعِراقِ وَهذا مِنْ سُنَّةِ اللهِ الَّتِيْ
قَضَتْ عَلى الْمُرْسَلِيْنَ، وَإِنَّكَ أَنْتَ لا تَحْزَنْ بِذلِكَ وَتَوَكَّلْ
عَلى اللهِ رَبِّكَ وَرَبِّ آبائِكَ الأَوَّلِيْنَ، سَيَفْنی الْمُلْكُ وَما
أَنْتَ تَشْهَدُ وَيَبْقی الأَمْرُ للهِ رَبِّ الْعالَمِيْنَ، وَإِنَّ
الَّذِينَ أُوْتُوا بَصائِرَ الرُّوْحِ لَنْ يَغْنُوا بِشَيْءٍ عَمّا خُلِقَ
وَيُخْلَقُ
وَيَشْهَدُوْنَ أَسْرارَ الأَمْرِ عَنْ خَلْفِ
حُجُباتٍ عَظِيْمٍ، قُلْ يا أَحِبّآءَ اللهِ لا تَخافُوا مِنْ أَحَدٍ وَلا
يُحْزِنُكُمْ شَيْءٌ وَكُوْنُوا عَلی الأَمْرِ لَراسِخِيْنَ، فَوَاللهِ
إِنَّ الَّذِيْنَهُمْ شَرِبُوا حُبَّ اللهِ الْعَزِيْزِ الْمُنِيْرِ لَنْ يَخافُوا
مِنْ نَفْسٍ وَيَصْبِرُوْنَ فِي الْبَلايا كاصْطِبارِ الْمُحِبِّ فِيْ رِضَآءِ
الْحَبِيْبِ وَيَكُوْنُ الْبَأْسآءُ عِنْدَهُمْ أَحْلی عَنْ لِقآءِ
المَعْشُوْقِ فِيْ مَذاقِ الْعَاشِقِيْنَ، قُلْ يا مَلأَ الأَشْقِيا فَسَوْفَ
يُرْفَعُ أَمْرُ اللهِ بِالْحَقِّ وَتَنْعَدِمُ راياتُ الْمُشْرِكِيْنَ
وَيَدْخُلُوْنَ النّاسُ فِيْ دِيْنِ اللهِ الْمَلِكِ الْمُتَعالِي الْقَدِيْمِ،
فَهَنِيْئًا لِلَّذِيْنَهُمْ سَبَقُوا فِيْ حُبِّ اللهِ وَكانُوا مِنْ نَفَحاتِ
الْقُدْسِ لَمِنَ الْمُسْتَبشِرِيْنَ، وَالْبَهآءُ عَلَيْكُمْ يا مَلأَ
الْمُوَحِّدِيْنَ. ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنْ حَضَرَ بَيْنَ يَدَيْنا كِتابُكَ
وَأَجَبْناكَ بِهذا الْجَوابِ لِتَحْدُثَ فِيْ قَلْبِكَ حَرارَةُ الشَّوْقِ
وَتُقَلِّبَكَ إِلی رِضْوانِ اسْمٍ مُبِيْنٍ، وَيَنْقَطِعَكَ عَنْ كُلِّ
الْجِهاتِ وَيُحَرِّكَكَ فِيْهَوَآءِ الَّذِيْ ما طارَ فِيْهِ أَجْنِحَةُ
الْعارِفِيْنَ الَّذِيْنَ ما دَخَلُوا فِيْظِلِّ الْوَجْهِ وَكانُوا مِنَ
الْمُضْطَرِبِيْنَ.
[3] هو العليّ في
أفق الأعلی
أَنْ يا حَرْفَ الْمِيْمِ
اسْمَعْ نِدائِيْ وَلا تَكُنْ مِنَ الصّابِرِيْنَ، ثُمَّ اشْهَدْ فِيْ نَفْسِكَ
بِأَنَّهُ هُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيْزُ الْقَدِيْرُ، يَفْعَلُ ما
يَشآءُ بِأَمْرِهِ وَيحْكُمُ ما يُرِيْدُ، لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَإِنَّهُ
لَهُوَ الْقَوِيُّ الْخَبِيْرُ، ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنْ حَضَرَ بَيْنَ يَدَيْنا
كِتابُكَ وَاطَّلَعْنا بِما فِيْهِ وَكُنّا مِنَ الشّاهِدِيْنَ، وَنَسْئَلُ اللهَ
بِأَنْ يُثَبِّتَكَ عَلی أَمْرِهِ وَهذا لَخَيْرٌ لَكَ عَنْ مَلَكُوْتِ
مُلْكِ السَّمواتِ والأَرَضِيْنَ، ثُمَّ أُوْصِيكَ حِيْنَئِذٍ حِيْنَ الَّذِيْ
طارَتْ طَيْرُ الْبَقا عَنْ غُصْنِ الْعِراقِ وَأَرادَتْ غُصْنٍ أُخْری بِما
اكْتَسَبَتْ أَيْدِي الظّالِمِيْنَ، قُلْ تَاللهِ الْحَقِّ إِنَّ هذا
لَفَتیً أَنْفَقَ رُوْحَهُ للهِ رَبِّكَ وَرَبِّ الْعالَمِيْنَ، وَلَوْ لَمْ
يَكُنْ ناظِرًا إِلی حُكْمِ الْكِتابِ لَيُقَبِّلُ أَيْدِيْ مَنْ يَقْتُلُهُ
فِيْ سُبُلِ اللهِ الْمُهَيْمِنِ الْعَزِيْزِ الْقَدِيْرِ، قُلْ إِنَّ
الَّذِيْنَهُمُ اطَّلَعُوا بِمَواقِعِ الأَمْرِ مِنْ لَدُنْ سُلْطانِ عِزٍّ
مَكِيْنٍ لَنْ يَخافُوا مِنْ أَحَدٍ وَلَوْ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِمْ كُلُّ
الْمُنافِقِيْنَ، وَفِيكُلِّ حِيْنٍ يَنْتَظِرُوْنَ الْبَلايا حُبًّا لِمَوْلاهُمُ
الْقَدِيْمِ، وَيَشْتاقُوْنَ الرَّزايا كَاشْتِياقِ الرَّضِيْعِ إِلی ثَدْيِ
أُمِّهِ وَكَفى بِاللهِ عَلى ما
أَقُوْلُ شَهِيْدَ، وَأَنْتُمْ يا مَلأَ الْبَيانِ
لا تَخافُوا مِنْ أَحَدٍ لأَنَّ اللهَ هُوَ قادِرٌ عَلَيْكُمْ وَيُجْرِيْ
عَلَيْكُمْ ما يُرِيْدُ وَمَنْ دُوْنَهُ لَنْ يَقْدِرَ عَلی شَيْءٍ وَإِنَّ
هذا لَحَقٌّ يَقِيْنٌ، فَوَاللهِ لَوْ يَعْرِفُوْنَ أَحِبّآءُ اللهِ ما قُدِّرَ
لَهُمْ فِيْ رِضْوانِ قُرْبٍ مَنِيْعٍ لَيَفْدُوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ
فِيْكُلِّ آنٍ وَحِيْنٍ، وَلكِنِ احْتَجَبُوا عَنْ ذلِكَ بِما الْتَفَتُوا إِلى
زَخارِفِ الْمُلْكِ وَلِذا يَصْعُبُ عَلَيْهِمُ الْبَلايا فِيْ سُبُلِ بارِئِهِمْ
وَإِنَّ هذا لَغَفْلَةٌ مُبِيْنٌ، إذًا يا إِلهِيْ فَارْزُقْهُمْ مِنْ خَمْرِ
فَضْلِكَ وَإِفْضالِكَ حَتّى لا يَشْتَغِلُوا بِغَيْرِكَ وَلا يَرْغَبُوا إِلى
دُوْنِكَ وَإِنَّ هذا لَفَضْلٌ عَظِيْمٌ، ثُمَّ ثَبِّتْهُمْ عَلى حُبِّكَ بِحَيْثُ
لا يَلْتَفِتُوْنَ إِلی الَّذِيْنَهُمْ يَتَحَرَّكُوْنَ فِيْهَوآءِ
الْغَفْلَةِ وَيَدَّعُوْنَ فِيْ أَنْفُسِهِمْ ما لا قُدِّرَ لَهُمْ مِنْ لَدُنْ
حَكِيْمٍ خَبِيْرٍ، وَالرَّوْحُ علَيْكَ وَعَلى الَّذِيْنَهُمْ كانُوا عَلى
الأَمْرِ وَالْحُبِّ لَمُسْتَقِيْمَ.
[4] باسم محبوبي العليّ الأعلى
هذا كِتابٌ مِنْ هذا
الْمُفْتَقِرِ الَّذِيْ يَدْعُو كُلَّ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ إِلى
رَبِّهِ الْعَزِيْزِ الْجَبّارِ، قُلْ إِنَّ
فِيْ تَسَجُّرِ الأَبْحارِ وَتَجَرِّي
الأَنْهارِ وَتَقَلُّبِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَظُهُوْراتِ الأَحَدِيَّةِ فِيْ
قُمُصِ الأَنْوارِ وَآثارِ الصُّنْعِ فِي الأَثْمارِ لآياتٍ لأُوْلِي الأَبْصارِ،
قُلْ يا مَلأَ الأَرْضِ فَانْظُرُوا إِلى آثارِ قُدْرَةِ اللهِ كَيْفَ خَلَقَ
كُلَّ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ بِحَرْفٍ مِنْ قَلَمِهِ وَنَفَخَ فِيْهِمْ
رُوْحَ الْحَيَوانِ بِحَرْفٍ أُخْری كَذلِكَ نُلْقِيْ عَلَيْكُمْ ما سُتِرَ
فِيْ طَمْطامِ يَمِّ الأَسْرارِ، وَأَرْسَلَ عَلَيْكُمْ عَلِيًّا قَبْلَ مُحَمَّدٍ
وَأَنْزَلَ مَعَهُ آياتٍ بَيِّناتٍ يَعْجَزُ عَنْ عِرْفانِها كُلُّ ذِيْ عِلْمٍ
وَاقْتِدارٍ، وَبِذلِكَ شُقَّتْ أَرْضُ الْمَعْرِفَةِ وَانْفَطَرَتْ سَمواتُ
الْحِكْمَةِ وَرُفِعَتْ غَمامُ الْفَضْلِ وَتُنْزِلُ عَلَيْكُمُ الأَمْطارَ، كُلُّ
ذلِكَ تَذْكِرَةٌ لَكُمْ بِالْحَقِّ وعِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبابِ وَيَهْدِي
الْمُنْقَطِعِيْنَ إِلی رَفْرَفِ الْقُدْسِ وَما يَزِيْدُ الظّالِمِيْنَ
إِلاّ خِسارَ، قُلْ يا قَوْمِ هذا ما وَعَدَكُمُ اللهُ فِي الأَلْواحِ قَدْ
جائَكُمْ عَلى غَمامٍ مِنَ النّارِ، وَفِيْ حَوْلِهِ مَلائِكَةُ الرُّوْحِ
وَيُبَشِّرُكُمْ بِرِضْوانِ الأَحَدِيَّةِ فِيْ مَقْعَدِ الَّذِيْ فِيْهِ تُشْرِقُ
الأَنْوارُ، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ الَّذِيْنَ أُوْتُوا بَصائِرَ الْعَدْلِ مِنْ
لَدُنْ عَزِيْزٍ مُخْتارٍ، وَأَعْرَضَ الَّذِيْنَ تَجِدُ فِيْ صُدُوْرِهِمْ غِلاًّ
مِنَ
اللهِ وَكانُوا مِنَ الَّذِيْنَهُمْ
كَفَرُوا بِاللهِ فِيْ كُلِّ عَهْدٍ وَأَعْصارٍ، وَهذا ما رُقِمَ مِنْ قَلَمِ
الأَعْلى عَلى أَلْواحِ الَّذِيْ سُطِرَتْ مِنْ إِصْبَعِ اللهِ الْمُهَيْمِنِ
الْجَبّارِ، قُلْ يا قَوْمِ فَأَنْصِفُوا فِيْ أَنْفُسِكُمْ أَقَلَّ مِنْ آنٍ
وَتَفَكَّرُوا فِيْهِ يا أُوْلُوا الأَفكارِ، إِنْ لَنْ تُؤْمِنُوا بِالَّذِيْ
جَائَكُمْ بِآياتٍ بَيِّناتٍ فَبِأَيِّ وَجْهٍ تُوَجِّهُونَ الْيَوْمَ يا أُوْلُوا الإِنْصافِ أَما سَمِعْتُمْ مِنْ قَبْلُ (يَوْمَ
يَأْتِيْ آياتُ رَبِّكَ أَوْ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ) وَهذا هُوَ الَّذِيْ قَدْ أَتى
فِيْ ظُلَلٍ مِنَ الأَنْوارِ بِآياتٍ يَعْجَزُ عَنْها كُلُّ مَنْ فِي السَّمواتِ
وَالأَرْضِ وَتُذْهَلُ عَنْها عُقُوْلُ الْعارِفِيْنَ ثُمَّ أَفْئِدَةُ أُوْلِي
الأَخْيارِ، قُلْ يا قَوْمِ قُوْمُوا عَنْ مَراقِدِ الْغَفْلَةِ ثُمَّ أَقْبِلُوا
إِلی اللهِ الْواحِدِ الْفَطّارِ، قُلْ إِنَّ فِيْ خَلْقِ أَنْفُسِكُمْ
وَتَكَلُّمِ أَلْسُنِكُمْ وَتَحَرُّكِ أَيْدِيْكُمْ َلآياتٍ ِلأُوْلِي الأَنْظارِ،
قُلْ يا قَوْمِ لا يَمْنَعُكُمُ الدُّنْيا وَزُخْرُفُها ولا يَسُدُّكُمْ ما
نُزِّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ مُرْتابٍ وَلا تَخافُوا عَنِ
الَّذِيْنَ ما سَلَّطَهُمُ اللهُ
إِلا عَلى أَبْدانِكُمْ فِيْ أَيّامٍ مَعْدُوْدَةٍ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ كانَ
فِي الْمُلْكِ مِنْ مُصْطَبِرٍ صَبّارٍ، وَما نَزَلَ كُلُّ ذلِكَ عَلَيْكُمْ إِلاّ
بِما قُدِّرَ فِيْ لَوْحِ الْمَحْفُوْظِ عَلى قَدْرٍ
وَمِقْدارٍ، وَسَيَمْضِيْ
كُلُّما مَسَّتْكُمْ مِنَ الْقَضايا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تَرْتَدَّ إِلَيْكُمُ
الأَبْصارُ، اتَّقُوا اللهَ وَخافُوا عَنِ الَّذِيْ كانَ مُقْتَدِرًا عَلَيْكُمْ
وَعَلى أَرْواحِكُمْ وَأَجْسادِكُمْ وَلا يَمْنَعُهُ أَحَدٌ فِيْ أَمْرِهِ
يَفْعَلُ ما يَشآءُ وَلا يُسْئَلُ عَمّا شآءَ وَهُوَ الْعَزِيْزُ الْمُخْتارُ،
قُلْ إِنَّ الَّذِيْنَهُمْ صَبَرُوا فِي الأَرْضِ فَسَوْفَ يَجْزِيَهُمُ اللهُ
أَحْسَنَ الْجَزآءِ وَيَرْكَبُوْنَ عَلى بُراقِ الْحَمْرآءِ وَيَمُرُّوْنَ فِيْكُلِّ
حِيْنٍ عَنْ كُلِّ أَشْطارٍ وَأَقْطارٍ، قُلْ يا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ تَرْعى
ما أَنْبَتَ اللهُ لَها فِيْ أَرْضِ الْفِرْدَوْسِ وَتَسْقِيْكُمْ مِنْ لَبَنِ
الَّذِيْ تَحْيى بِهِ الأَرْواحُ وَالأَبْدانُ وَيا قَوْمِ لا تَمَسُّوْها
بِسُوْءِ أَنْفُسِكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا هَوَيكُمْ فَاتَّبِعُوا الَّذِيْ
يَدْعُوْكُمْ إِلى اللهِ ثُمَّ اذْكُرُوْهُ فِيْ قُلُوْبِكُمْ فِي اللَّيالِيْ
وَالأَسْحارِ، قُلْ أَوَلَمْ يَكْفِكُمْ أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْكُمُ الْكِتابُ
وَفِيْهِ فُصِّلَ كُلُّ أَمْرٍ وَيُتْلى عَلَيْكُمْ فِيْ عَشِيٍّ وَأَبْكارٍ،
وَيُبَشِّرُكُمْ لِقآءَ يَوْمٍ تَرْهِقُ فِيْهِ وُجُوْهَ الظّالِمِيْنَ غَبَرَةُ
النّارِ، وَتَنْدَكُّ فِيْهِ جِبالُ الْعِلْمِ وَتَنْشَقُّ أَرْضُ الْكُفْرِ
وَتَنْفَجِرُ فِيْهِ الأَنْهارُ، قُلْ
هذا يَوْمُ الَّذِيْ وُعِدْتُمْ بِهِ فِي الأَلْواحِ إِذا كانَتِ السَّمواتُ
مَطْوِيّاتٍ فِيْ يَمِيْنِ الْقُدْرَةِ وَتُقْبَضُ الأَرْضُ
بِقَبْضَةِ الإِرادَةِ
وَتَشْتَعِلُ فِيْهِ الأَبْخارُ، هذا ما رَقَمَ قَلَمُ الأَمْرِ مِنْ خَفِيّاتِ
الأَسْرارِ بِالإِجْهارِ، إِذًا اسْتَبْشَرُوا الْمُقَرَّبُوْنَ بِلِقآءِ
رَبِّهِمْ وَيَضْطَرِبُ كُلُّ مُتَكَبِّرٍ مَكّارٍ، وَيَسُوْقُ الَّذِيْنَ آمَنُوا
مَلائِكَةُ النُّوْرِ إِلى جَنَّةِ الْبَقا فِيْ قُطْبِ الْعَما وَيَسُوْقُ
الَّذِيْنَ كَفَرُوا مَلائِكَةُ الْعَذابِ إِلى بِئْسِ الْقَرارِ، كَذلِكَ
نُلْقِيْ عَلَيْكَ مِنْ أَسْرارِ الأَمْرِ وَنَذْكُرُ لَكَ ما فَعَلُوا
الَّذِيْنَهُمْ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ كَما يَكْفُرُوْنَ الْيَوْمَ هؤُلاءِ
الْفُجّارُ، لِتَطَّلِعَ بِما قُضِيَ مِنْ قَبْلُ وَلِتَكُوْنَ راسِخًا فِيْ
أَمْرِ اللهِ بِحَيْثُ لا يَزِلُّكَ كُلُّ مُتَكَبِّرٍ كَفّارٍ، فَاعْلَمْ بِأَنَّ
الَّذِيْنَ أُوْتُوا التَّوْراةَ قَدْ وُعِدُوا بِالَّذِيْ يَأْتِيْ مِنْ بَعْدُ
فَلَمّا جائَهُمْ عِيْسى بِآياتِ الرُّوْحِ إِذًا قالُوا إِنْ هذا إِلاَّ رَجُلٌ
كَذّابٌ، ثُمَّ أُوْلُوا الإِنْجِيْلِ بُشِّرُوا بِمَنْ يَأْتِيْهِمْ مِنْ بَعْدُ
فَلَمّا جآئَهُمْ مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ اسْتَكْبَرَ عَلَيْهِ كُلُّ مُغِلٍّ
مَكّارٍ، إِذًا فَاسْئَلْ عَنِ الَّذِيْنَهُمْ أُوْتُوا الْفُرْقانَ إِذْ جآئَهُمُ
الرَّسُوْلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ قالُوا ما هذا إِلاَّ رَجُلٌ سَحّارٌ، فَلَمّا
رَجعَ إِلى مَقاعِدِ الْقُدْسِ فِيْ قِبابِ الْعَظَمَةِ إِذًا يَرْجُوْهُ فِيْ
كُلِّ حِيْنٍ وَيَتَضَرَّعُوْنَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ، كَذلِكَ فَعَلُوا
مِنْ قَبْلِ الَّذِيْ لا
قَبْلَ لَهُ وَيَفْعَلُوْنَ إِلى آخِرِ الَّذِيْ لا آخِرَ لَهُ وَهذا ما قَصَصْنا
لَكَ عَنِ الَّذِيْنَهُمْ كَفَرُوا وَأَعْرَضُوا بَعْدَما جائَتْهُمُ الْبَيِّناتُ
مِنْ كُلِّ الأَشْطارِ، وَمَكَرُوا عَلى اللهِ عَلى ما هُمْ كانُوا مُقْتَدِرًا
عَلَيْهِ وَما مَكْرُ الْكافِرِيْنَ إِلاَّ فِيْ تَبارٍ، كَما تَرى الْيَوْمَ
لَمّا جآئَهُمْ عَلِيٌّ بِالْحَقِّ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُراتِ قالُوا ما
وُعِدْنا بِهذا فِيْ آبائِنا إِذًا اسْتَكْبَرُوا عَلَيْهِ وَفَرُّوا كَحُمُرٍ
فَرّارٍ، وَهذا مِقْدارُهُمْ فِي الْمُلْكِ وَما َزَيَّنَتِ الشّياطِيْنُ لَهُمْ
أَعْمالَهُمْ بِحَيْثُ لا يَشْعُرُوْنَ ما يَقُوْلُوْنَ وَكَذلِكَ نَبَّأْناكَ
مِنْ كُلِّ شَيْءٍ نَبَأً لِتَكُوْنَ مِنْ أُوْلِي البَصارِ، قُلْ وَكَذلِكَ
فَانْظُرُوا إِلى الّذِيْنَهُمْ أُوْتُوا الْبَيانَ لَوْ يَأْتِيْهِمْ أَحَدٌ
بِآياتٍ بَيِّناتٍ وَحُجَجٍ واضِحاتٍ وَدُلَلٍ باهِراتٍ وَكَلِمٍ جامِعاتٍ
وَحُرُفٍ دُرِّيّاتٍ إِذًا يُغْمِضُوْنَ عَيْناهُمْ عَنْ كُلِّ ذلِكَ
وَيَنْكُثُوْنَ عَهْدَ اللهِ وَيَنْكُصُوْنَ عَلى أَعْقابِهِمْ وَلا يُقْبِلُوْهُ
إِلاّ بِسِهامٍ طَيّارٍ،
وَبِذلِكَ أَيْقِنْ بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ فِيْكُلِّ الأَعْهادِ لَمْ يَكُنْ إِلاّ
كَالْكِبْرِيْتِ الأَحْمَرِ وَهذا ما نُزِّلَ حِيْنَئِذٍ مِنْ سَمآءِ الرُّوْحِ
عَلى أَفْئِدَةِ الأَبْرارِ، قُلْ يا قَوْمِ إِنْ تَمْلِكُوا خَزائِنَ الأَرْضِ
كُلَّها وَتَحْكُمُوا
عَلى ما تَطْلُعُ الشَّمْسُ
عَلَيْها وَتَأْكُلُوْنَ كُلَّ ما ظَهَرَ عَنِ الأَشْجارِ مِنَ الأَثْمارِ
وَتَلْبِسُوْنَ كُلَّ ما نُسِجَ فِي الأَرْضِ مِنَ الْحُرُرِ وَالأَلْباسِ وَتَصَّرَّفُوْنَ كُلَّ الأَبْكارِ، فَوَاللهِ لَنْ
يَنْفَعَكُمْ فِيْ شَيْءٍ حِيْنَ الَّذِيْ يَأْتِيْكُمْ مَلائِكَةُ الْمَوْتِ مِنْ
مُدَبِّرٍ قَهّارٍ، وَيَنْقَطِعُكُمْ عَنْ كُلِّ ذلِكَ أَقَلَّ مِنَ اللَّمْحَةِ
كَأَنَّكُمْ ما خُلِقْتُمْ فِي الْمُلْكِ وَهذا مِنْ حَقِّ الَّذِيْ رُقِمَ فِي
الأَسْطارِ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْمُقْتَدِرِ الْعَزِيْزِ الْجَبّارِ، وَكَذلِكَ
شَرَّعْنا لَكُمْ شَرِيْعَةَ النُّصْحِ وَأَشْهَدْناكُمْ مَناهِجَ الْقُدْسِ
وَعَلَّمْناكُمْ سُبُلَ الْفِرْدَوْسِ وَأَلْقَيْناكُمْ حِكْمَةَ الأَمْرِ
لِيُقَرِّبَكُمْ إِلى الْعَزِيْزِ الْقَدّارِ، قُلْ يا مَلأَ الأَرْضِ فَمَنْ شآءَ
فَلْيَتَّخِذْ هذا النُّصْحَ لِنَفْسِهِ سَبِيْلاً إِلى اللهِ فَمَنْ شَآءَ
فَلْيُعْرِضْ فَيَرْجَعُ إِلى مَقَرِّهِ فِيْ لَهَبِ النّارِ، وَالتَّكْبِيْرُ
عَلَيْكَ وَعَلی الَّذِيْنَهُمْ سَمِعُوا نَغَماتِ الرُّوْحِ وَصَعَدُوا
إِلی مَقَرِّ قُدْسٍ نَوّارٍ.
[٥] هو
الباقي العليم
شَهِدَ اللهُ لِنَفْسِهِ
بِنَفْسِهِ بِأَنَّنِيْ أَنا حَيٌّ
فِيْ أُفُقِ الأَبهی، إِذًا يَشْهَدُ نَفْسِيْ وَذاتِيْ وَكَيْنُوْنَتِيْ بِما
شَهِدَ لِنَفْسِهِ وَإِنَّهُ هُوَ
حَيٌّ حِيْنَئِذٍ فِيْ هذا الأُفُقِ يَسْمَعُ وَيَری، وَمَنْ أَعْرَضَ عَمّا
شَهِدَ اللهُ بِهِ فَهُوَ مِمَّنْ ضَلَّ وَغَوى، وَكَفَرَ بِنَفْسِهِ وَحارَبَ
بِآياتِهِ وَكانَ مِنَ الَّذِيْنَ هُمْ أَشْرَكُوا بِجَمالِهِ حِيْنَ الَّذِيْ
أَتی عَلى ظُلَلِ الْقُدْسِ بِسُلْطانِ اسْمِهِ الْعَلِيِّ الأَعْلى، قُلْ يا
قَوْمِ لا تَكْفُرُوا بِحُجَّةِ الَّتِيْ بِها آمَنْتُمْ بِرُسُلِ اللهِ مِنْ
قَبْلُ وَكُنْتُمْ مِمَّنْ آمَنَ وَهَدى، أَنْ يا اسْمِيْ أَنْتَ تَعْلَمُ بِما
وَرَدَ عَلَيَّ ِلأَنَّكَ كُنْتَ مَعَنا فِي الْعِراقِ وَأَحْصَيْتَ ضَرِّيْ
بَعْدَ الَّذِيْ لا يُحَدُّ وَلا يُحْصى، َوتَعْلَمُ أَنَّنِيْ فَرَرْتُ عَنْ
بَيْنِ هؤُلاءِ وَحْدَةً وَهاجَرْتُ إِلى اللهِ رَبِّ الآخِرَةِ وَالأُوْلى،
فَوَاللهِ يا اسْمِيْ لَمّا أَرْفَعْتُ ذِكْرَ أَخِيْ بَيْنَ النّاسِ وَاشْتُهِرَ
أَمْرُهُ هُوَ قامَ فِي السِّرِّ عَلى ضَرِّيْ بِحَيْثُ ما جالَسَ مَعَهُ أَحَدٌ
إِلاّ وَقَدْ أَلْقى فِيْ صَدْرِهِ بُغْضِيْ وَإِنِّيْ لَمّا اطَّلَعْتُ بِسِرِّهِ
وَما فِيْ قَلْبِهِ خَرَجْتُ عَنِ الْعِراقِ لِئَلاّ يَحْدُثَ بَيْنَ الْعِبادِ ما
يَضِيْعُ بِهِ حُرْمَةُ الأَمْرِ وَتَرَكْناهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ لَعَلَّ يَسْكُنُ
نارُ النَّفْيِ وَالشَّقى، وَكُنْتُ سائِرًا فِي الْبِلادِ سَنَتَيْنِ
مُتَتابِعَتَيْنِ وَما اطَّلَعَ بِنَفْسِيْ أَحَدٌ إِلاّ اللهُ الَّذِيْ خَلَقَها
فَسَوَّى، وَأَنْتَ تَعْلَمُ بِأَنَّنِيْ ما أَرْسَلْتُ إِلى
أَهْلِيْ خَبَرًا وَلا
أَثَرًا مِنْ قَلَمِيْ لِئَلاّ يَطَّلِعُنَّ أَرْضَ الَّتِيْ كُنْتُ عَلَيْها
وَهُمْ كانُوا فِي اضْطِرابٍ وَزَلْزالٍ وَحَنِيْنٍ وَمَعَذلِكَ سَتَرُوا الأَمْرَ
لِئَلاّ يَظْهَرَ بِالْحَقِّ إِنْ يَخْفى، تَاللهِ يا اسْمِيْ قَدْ وَرَدَ عَلَيَّ
فِيْ هِجْرَتِي الأُوْلی ما يَحْتَرِقُ بِذِكْرِهِ أَكْبادُ كُلِّ مَنْ
آمَنَ وَيَخْشی، وَكَمْ مِنْ لَيالِيْ كُنْتُ وَحْدَةً فِي الْعَراءِ وَما
كانَ مَعِيْ مِنْ مُونِسٍ ِلأَسْتَأْنِسَ بِهِ وَكَمْ مِنْ أَيّامٍ مَشَيْتُ بِرِجْلِيْ
وَحَمَلْتُ كُلَّ ذلِكَ بَعْدَ قُدْرَتِيْ عَلى الَّذِيْنَ كانَ فِيْ قُلُوْبِهِمْ
بُغْضُ الْغُلامِ وَالَّذِيْ خَلَقَ الْعَرْشَ ثُمَّ اسْتَوى، إِلى أَنْ
أَرْجَعُوْنا فَلَمّا رَجَعْنا شَهِدْنا بِأَنَّ أَخِيْ أَلْقى الْعِبادَ غِلِّيْ
بِما كَذَّبَ فِيْ حَقِّيْ ثُمَّ افْتَرى، وَشَهِدْنا الصُّدُوْرَ مُلِئَتْ مِنْ غِلِّ هذا الْغُلامِ
وَيَشْهَدُ بِذلِكَ كُلُّ مَنْ شَهِدَ وَرَأى، وَوَجَدْتُ أَخِيْ ثُمَّ الَّذِيْنَ
اشْتُهِرُوا بِهذا الاسْمِ فِيْ ذِلَّةٍ عُظْمى، وَكانَ أَنْ يَخْرُجَ أَخِيْ فِيْ
كُلِّ شَهْرٍ عَنِ الْمَدِيْنَةِ خَوْفًا مِنْ نَفْسِهِ وَما اسْتَقَرَّ فِيْ
أَرْضٍ فَلَمّا أَشْهَدْناهُمْ فِيْ تِلْكَ الْحالَةِ قُمْنا بَيْنَ الْعِبادِ
وَعاشَرْنا مَعَ عُلَماءِ الْمَدِيْنَةِ فِيْكُلِّ عَشِيٍّ وَضُحى، وَكُنْتُ
صائِحًا بَيْنَ الْعِبادِ بِذِكْرِ اللهِ إِلى أَنِ اشْتُهِرَ الأَمْرُ فِيْ كُلِّ
الدِّيارِ وَتَوَجَّهَ إِلى
اللهِ كُلُّ قَلْبٍ طَهَّرَهُ اللهُ ثُمَّ أَصْفى، وَأَنْتَ تَعْلَمُ كَيْفَ
قُمْتُ فِيْ مُقابَلَةِ الأَعْدا بِسُلْطانٍ كانَ أَظْهَرَ مِنَ الشَّمْسِ فِيْ
مَرْكَزِ الْعُلى، وَإِنَّكَ ما كُنْتَ فِي الْعِراقِ فِيْ أَيّامِ الَّتِيْ
قامَتْ عَلَيَّ الْمِلَلُ وَالدُّوَلُ وَمِنْهُمْ مَنْ قالَ بِأَنْ نَأْخُذَهُ
وَنُرْسِلَهُ عِنْدَ مَلِكِ الْعَجَمِ وَمِنْهُمْ مَنْ قالَ سَوْفَ يُؤْخَذُ
وَيُنْفى، وَإِنِّيْ وَحْدَةً جادَلْتُ مَعَهُمْ بِحِكْمَةِ اللهِ وَبَيانِهِ تَاللهِ
الْحَقِّ قَدْ قُمْتُ عَلى الأَمْرِ بِشَأْنٍ تَحَيَّرَ عَنْهُ أَهْلُ مَلإِ
الأَرْفَعِ الأَقْدَسِ الأَعْلى، إِلى أَنْ ذَلَّتِ الأَعْناقُ لِسَلْطَنَةِ
رَبِّكَ وَخَضَعَتْ رِقابُ كُلِّ مَنِ اسْتَكْبَرَ وَطَغى، إِلى أَنْ جاءَ حُكْمُ
الْخُرُوْجِ وَخَرَجْنا عَنِ الْمَدِيْنَةِ بِاقْتِدارٍ كُبْرى، إِلى أَنْ
دَخَلْنا فِيْ هذِهِ الأَرْضِ هذا السِّجْنِ الْعُظْمى، فَلَمّا شَهِدَ أَخِيْ
بِأَنِ اشْتُهِرَ اسْمِيْ بَيْنَ الْعِبادِ وَما أَصابَتْنِيْ الْبَأْسا فِيْ
ظُهُوْرِيْ بَيْنَ النّاسِ نَدِمَ عَنْ سَتْرِهِ وَخَرَجَ عَنْ خَلْفِ الْحِجَابِ
بِما لا يُذْكَرُ مِنَ اللِّسانِ وَأَوَّلُ فِعْلٍ فَعَلَ أَفْتى عَلى قَتْلِيْ
فِيْ سِرِّ السِّرِّ بِما أَمَرَهُ النَّفْسُ وَالْهَوى، فَلَمّا نَزَلَتْ
جُنُوْدُ سَلْطَنَةِ اللهِ وَحَفِظَنِيْ بِسُلْطانِهِ وَمَنَعَهُ عَمّا أَرادَ
إِذًا قامَ عَلى الافْتِرى، وَكَتَبَ
إِلى كُلِّ نَفْسٍ بِأَنَّ
أَخِيْ أَرادَ قَتْلِيْ وَأَنْتَ تَعْلَمُ بِأَنِّيْ لَوْ أَرَدْتُ ذلِكَ لَكُنْتُ
قادِرًا عَلَيْهِ وَمَعَ عِلْمِيْ بِنَفْسِهِ وَبِما فِيْ صَدْرِهِ حَفِظْناهُ
عَنْ ضَرِّ كُلِّ ذِيْ ضَرٍّ وَيَشْهَدُ بِذلِكَ أُوْلِي النُّهى، فَوَاللهِ يا
اسْمِيْ كُلُّما سَمِعْتَ فِيْ أَمْرِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ إِنَّهُ كانَ مِنْ
عِنْدِيْ وَما اطَّلَعَ بِذلِكَ أَحَدٌ إِلاّ اللهُ الَّذِيْ خَلَقَ السَّمواتِ
وَما تَحْتَ الثَّرى، فَوَاللهِ ما كانَ أَنْ يَعْرِفَ حَرْفًا عَلَّمْناهُ فِيْ
هذا اللَّيالِيْ وَالأَيّامِ لِيَنْصُرَ رَبَّهُ فَلَمّا هَبَّتْ رَوايحُ
الاطْمِيْنانِ وَعَلى الأَمْرُ أَخَذَتْهُ حُبُّ الرِّياسَةِ عَلى شَأْنٍ تَاللهِ
الْحَقِّ يَعْجَزُ عَنْ ذِكْرِهِ كُلُّ مَنْ فِيْ سَمواتِ الْعُلى، وَإِنِّيْ لا
زالَ كُنْتُ أَحْفَظُهُ وَأَرْفَعُ ذِكْرَهُ وَهُوَ فِيْ ضَرِّيْ وَذِلَّتِيْ
وَلكِنْ حَفَظَنِي اللهُ عَنْهُ بِقُوَّتِهِ الأَقْوى، إِذًا يَبْكِيْ قَلَمِيْ
عَلى حالِيْ وَيَنُوْحُ قَلْبِيْ عَلى ضَرِّيْ وَصَبَرْتُ وَأَصْبِرُ وَلا
أَشْكُوْ مِنْ أَحَدٍ وَإِلى اللهِ الْمُشْتَكى، وَإِنَّكَ قُمْ عَلى أَمْرِ اللهِ
ثُمَّ اذْكُرْهُ ثُمَّ انْصُرْهُ بِما كُنْتَ مُسْتَطِيْعًا عَلَيْهِ وَإِنَّهُ
يَحْفَظُكَ عَنْ كُلِّ مَنْ أَعْرَضَ وَتَوَلّى، قُلْ يا قَوْمِ أَتُمارُوْنَ
الرُّوْحَ عَمّا شَهِدَ وَرَأَى فِيْ أُفُقِ الأَبْهى مِنْ آياتِ اللهِ الْعَلِيِّ
الأَعْلى، تَاللهِ إِنَّهُ ما نَطَقَ عَنِ الْهَوى
بَلْ بِما نَطَقَ الرُّوْحُ
فِيْ صَدْرِهِ الْمُقَدَّسِ الأَصْفى، قُلْ يَشْهَدُ كُلُّ الذَّرَّاتِ
بِسَلْطَنَتِهِ الْكُبْرى، وَإِنَّكَ دَعْ كُلَّ ما عِنْدَ النَّاسِ عَنْ وَرائِكَ
ثُمَّ اصْعَدْ بِجَناحَيْنِ الْقُدْسِ إِلى سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، لِتَشْهَدَ
كُلَّ الْمُمْكِناتِ فِيْ ظِلِّ شَجَرَةِ الْقُصْوى، كَذلِكَ أَمَرْناكَ فِيْهذا
اللَّوْحِ أَنِ اعْمَلْ بِما أُمِرْتَ بِرَوْحٍ وَرَيْحانٍ وَقُوَّةٍ وَعَظَمَةٍ
مِنْ لَدى اللهِ الْعَلِيِّ الأَعْلى، ثُمَّ ذَكِّرْ مِنْ لَدُنّا كُلَّ مَنْ كانَ
عِنْدَكَ مِنَ الَّذِيْنَ تَجِدُ مِنْ وُجُوْهِهِمْ نَضْرَةَ الأَبْهى، ثُمَّ
اذْكُرْ أَهْلَكَ مِنْ لِسانِ اللهِ ثُمَّ أَجْرِ عَلی بِنْتِكَ ما يَرْضى
بِهِ فُؤادُكَ وَكَذلِكَ أَذِنّاكَ فِيْهذا اللَّوْحِ رَحْمَةً مِنْ لَدُنّا عَلَيْكَ
وَعَلى أَهْلِ التُّقى، فَيا لَيْتَ كُنْتَ مَعَنا فِيْ هذِهِ الأَرْضِ لِتَشْهَدَ
ما لا شَهِدَ إِلاّ اللهُ الَّذِيْ مِنْهُ بِدْءُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِنَّ إِلَيْهِ
الرُّجْعى، وَالْبَهآءُ عَلَيْكَ وَعَلى مَنْ مَعَكَ عَلى صِراطِ اللهِ فِيْهذِهِ
الأَيّامِ الَّتِيْ زَلَّتْ فِيْها أَقْدامُ أُوْلِي الْعِلْمِ وَالْحِجى.
[٦] بسم
الله الظّاهر الأظهر
هذا كِتابٌ مِنْ لَدُنْ
عَبْدٍ مُنِيْبٍ إِلى الَّذِيْنَهُمْ طارُوا فِيْهَوآءِ مَحَبَّةِ الرَّحْمنِ
وَانْقَطَعُوا عَنِ الأَكْوانِ إِنَّهُمْ مِنْ أَعْلى الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ
الْمَلِكِ الْمُقْتَدِرِ الْعَزِيْزِ الْجَمِيْلِ، لِتَسْمَعُنَّ كَلِماتِ هذا
الْمَسْجُوْنِ وَتَطَّلِعُنَّ بِما وَرَدَ عَلَيْهِ مِنْ جُنُوْدِ
الْمُشْرِكِيْنَ، أَنْ يا عِبادَ اللهِ أَنِ اسْتَقِيْمُوا عَلى الأَمْرِ وَلا
تَتَّبِعُوا كُلَّ كَفّارٍ أَثِيْمٍ، أَنِ اذْكُرُوا اللهَ بارِئَكُمْ ثُمَّ
اسْلُكُوا سُبُلَ رِضائِهِ وَلا تَكُوْنُنَّ مِنَ الْغَافِلِيْنَ، ثُمَّ اعْلَمُوا
بِأَنْ وَرَدَ عَلَيْنا
ما لا وَرَدَ عَلى أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ إِنْ أَنْتُمْ مِنَ السّامِعِيْنَ، إِنَّ
الَّذِيْنَهُمْ كانُوا يَخْدِمُوْنَنِيْ اعْتَرَضُوا عَلى نَفْسِيْ وَبِذلِكَ
ضُيِّعَتْ حُرْمَةُ اللهِ بَيْنَ عِبادِهِ الْمُتَوَقِّفِيْنَ، وَإِنَّهُمْ
تَمَسَّكُوا بِكُلِّ نَفْسٍ وَدَخَلُوا كُلَّ بَيْتٍ لأَخْذِ الدِّرْهَمِ
وَالدَّنانِيْرِ، وَمَعَذلِكَ يَدَّعُوْنَ الانْقِطاعَ فِيْ أَنْفُسِهِمْ إِذًا
فَانْظُرْ عِبادَ الَّذِيْنَ اتَّبَعُوْهُمْ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلا كِتابٍ
مُنِيْرٍ، يا قَوْمِ فَاجْعَلُوا أَبْصارَكُمْ حَدِيْدَةً لِئَلاّ يَشْتَبِهَ
عَلَيْكُمُ الأُمُوْرُ وَتَكُوْنُنَّ مِنَ الْمُتَبَصِّرِيْنَ، ثُمَّ اعْلَمُوا
بِأَنَّ الْحَقَّ وَما ظَهَرَ مِنْ عِنْدِهِ لَيَكُوْنُ مُمْتازًا عَنْ عَمَلِ
الْخَلايِقِ أَجْمَعِيْنَ، وَيا
قَوْمِ اتَّقُوا اللهَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَلا
تَكُوْنُنَّ مِنَ النّائِمِيْنَ، أَنِ ارْفَعُوا رُئُوْسَكُمْ عَنِ النَّوْمِ
لأَنَّ الشَّمْسَ قَدْ أَشْرَقَتْ فِيْ وَسَطِ الزَّوالِ فَسُبْحانَ اللهِ
الْمَلِكِ الْمُقْتَدِرِ الْعَلِيِّ الْعَظِيْمِ، أَنْ يا اسْمِيْ إِنَّكَ كُنْتَ
مَعَنا فِيْ سِنِيْنٍ مَعْدُوْداتٍ وَما أَطْلَعْناكَ بِما هُوَ الْمَسْتُوْرُ
وَكُنّا ساتِرِيْنَ، وَما أَخْبَرْناكَ بِالَّذِيْ كانَ مَسْتُوْرًا عَنْ أَنْظُرِ
بَعْضِ الْعِبادِ حِفْظًا لِنَفْسِهِ وَاتَّخَذُوْهُ الْمُشْرِكُوْنَ
ِلأَنْفُسِهِمْ رَبًّا مِنْ دُوْنِ اللهِ الْمَلِكِ الْعَزِيْزِ الْحَمِيْدِ،
وَلَوْ أَنَّكَ اطَّلَعْتَ بَعْضَ أُمُوْرِهِ وَلكِنْ إِنَّا غَطَّيْنا أَكْثَرَ
أَعْمالِهِ عَنْ أَنْظُرِ النّاسِ لِحِكْمَةِ الَّتِيْ لا يَعْلَمُها إِلاّ اللهُ
الْعَلِيْمُ الْخَبِيْرُ، فَوَاللهِ يا اسْمِيْ إِنَّهُ كانَ فِيْ أَرْضِ الطَّا
قائِمًا تِلْقآءَ وَجْهِيْ وَنَزَّلْنا عَلَيْهِ الآياتِ وَهُوَ يَكْتُبُها
وَيُرْسِلُها إِلى الْعِبادِ وَكَذلِكَ كانَ الأَمْرُ فِيْ سِرِّ السِّرِّ وَما
اطَّلَعَ بِذلِكَ أَحَدٌ إِلاّ اللهُ رَبِّيْ وَرَبُّكَ وَرَبُّ الْعالَمِيْنَ
لِئَلاّ يَلْتَفِتَ أَحَدٌ عَلى مَقَرِّ الأَمْرِ وَكَذلِكَ كُنّا فاعِلِيْنَ،
مَنْ كانَ لَهُ عَقْلٌ وَدِرايَةٌ يُوْقِنُ بِأَنَّ الأَمْرَ كانَ كَما
أَلْقَيْناكَ بِالْحَقِّ وَلا يَحْتاجُ بِبَيِّنَةٍ وَيَكُوْنُ مِنَ
الْمُوقِنِيْنَ، فَلَمّا
رُفِعَ اسْمُهُ بَيْنَ الْعِبادِ ارْتَكَبَ ما لا ارْتَكَبَهُ أَحَدٌ مِنَ
الْعالَمِيْنَ، فَيا لَيْتَ اطَّلَعْتَ بِما حَكَمَ عَلى نَفْسِكَ وَإِنَّا
سَتَرْناهُ عَنْكَ فَلَمّا عادَ عَلى اللهِ عُدْنا عَلَيْهِ وَأَظْهَرْنا
خَفِيّاتِ سِرِّهِ وَمَكْرِهِ بَيْنَ عِبادِنا الْعارِفِيْنَ، وَإِنّا لَوْ
نُرِيْدُ أَنْ نَذْكُرَ ما ارْتَكَبَ بِهِ فِيْهذِهِ الأَرْضِ لَنْ يَكْفِي
الأَلْواحُ وَلا الأَقْلامُ وَكانَ اللهُ عَلى ما أَقُوْلُ شَهِيْدَ، وَإِنَّكَ
أَنْتَ دَعْ هؤُلاءِ وَأَمْثالَهُمْ ثُمَّ أَقْبِلْ إِلى اللهِ بِكُلِّكَ ثُمَّ
ذَكِّرِ النّاسَ وَلا تَكُنْ مِنَ الصّامِتِيْنَ، فَسَوْفَ يَأْتِيْكُمُ
الشَّيْطانُ بِأَلْواحِ النّارِ أَنِ اتْرُكُوْهُ وَما عِنْدَهُ فِيْ أَسْفَلِ
الْجَحِيْمِ، قُلْ تَاللهِ إِنّا اسْتَغْنَيْنا بِنَفْسِهِ عَنِ الْعالَمِيْنَ
وَبِهِ اكْتَفَيْنا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَبِثَنائِهِ اسْتَغْنَيْنا عَنْ ثَناءِ
كُلِّ مُثْنِي عَلِيْمٍ، أَنِ اجْتَمِعْ أَحِبّآءَ اللهِ عَلى كَلِمَةِ الأَكْبَرِ
وَهذا خَيْرٌ لَهُمْ عَمّا خُلِقَ بَيْنَ السَّمواتِ وَالأَرَضِيْنَ، كَذلِكَ
أَمَرْناكَ فِيْهذا اللَّوْحِ وَأَذْكَرْناكَ حُبًّا لِنَفْسِكَ لِتَشْكُرَ اللهَ
بارِئَكَ وَتَكُوْنَ مُسْتَقِيْمًا عَلى أَمْرِ اللهِ الْمَلِكِ الْحَقِّ
الْعَزِيْزِ الْحَكِيْمِ، وَالرَّوْحُ عَلَيْكَ وَعَلى أَهْلِكَ مِنَ الَّذِيْنَ
اخْتَصَّهُمُ اللهُ بِكَ وَجَعَلَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ، ثُمَّ كَبِّرْ مِنْ
لَدُنّا عَلی وَجْهِ أَحِبّائِي الَّذِيْنَ
اسْتَقامُوا عَلى الأَمْرِ
وَانْقَطَعُوا عَنِ الْعالَمِيْنَ.
[٧] باسم
العليّ الأعلى
هذا كِتابٌ مِنَ الْعَبْدِ
إِلی الَّذِيْ آمَنَ بِاللهِ وَسافَرَ إِلَيْهِ حَتّى دَخَلَ فِيْ
شاطِیءِ الْقُدْسِ فِيْ جِوارِ رَحْمَةِ رَبِّهِ الْعَزِيْزِ الْكَرِيْمِ،
وَسَمِعَ نَغَماتِ اللهِ وَشَرِبَ عَنْ بُحُوْر الْقُرْبِ ثُمَّ اهْتَدى بِهذا
الرُّوْحِ وَفازَ بِأَنْوارِ وَجْهٍ مُبِيْنٍ، أَنْ يا عَبْدُ قَدْ سَمِعْنا
نِدائَكَ وَأَجَبْناكَ بِجَوابٍ تَعْجَزُ عَنْهُ عُقُوْلُ الْعارِفِيْنَ
لِتَسْتَبْشِرَ فِيْ نَفْسِكَ وَتَطِيْرَ مِنْ شَوْقِكَ وَتَكُوْنَ مِنَ
الَّذِيْنَ هُمْ كانُوا بِأَنْوارِ الْجَمالِ لَفائِزِيْنَ، وَتَنْقَطِعَ عَنِ
الدُّنْيا وَزُخْرُفِها بِحَيْثُ لا يُحْزِنُكَ شَيْءٌ فِي الْمُلْكِ وَتَكُوْنُ
نارًا فِيْ حُبِّكَ لِيَحْتَرِقَ عَنْها حُجُباتُ الَّذِيْنَ هُمُ احْتَجَبُوا
فِيْ أَيّامِ اللهِ وَكانُوا مِنَ الْخاسِرِيْنَ، لَعَلَّ يَقُوْمُوْنَ عَنْ
مَراقِدِ غَفْلَتِهِمْ وَيَسْتَغْفِرُوْنَ اللهَ فِيْ أَنْفُسِهِمْ وَيَكُوْنُنَّ
إِلی رِضْوانِ الْقُرْبِ لَراجِعِيْنَ، قُلْ يا قَوْمِ اتَّقُوا اللهَ
وَآمِنُوا بِهِ وَلا تَخْتَلِفُوا فِيْ أَمْرِهِ وَلا تَكُوْنُنَّ مِنَ
الْمُفْسِدِيْنَ، فَاتَّبِعُوا أَمْرَ اللهِ وَهاجِرُوا إِلَيْهِ بِقُلُوْبِكُمْ
وَإِذا سَمِعْتُمْ آياتِ
الرُّوْحِ خُرُّوا لَها
ساجِدِيْنَ، وَلا تَتَّبِعُوا الَّذِيْنَ نَبَذُوا كِتابَ
اللهِ وَراءَ ظُهُوْرِهِمْ كَأَنَّهُمْ ما سَمِعُوْهُ وَهُمْ فِيْ وادِي الشِّرْكِ
لَسائِرِيْنَ، قُلْ يا قَوْمِ قَدْ أَتى أَمْرُ اللهِ عَلى غَمامٍ مِنَ الرُّوْحِ
وَالْمَلائِكَةُ فِيْ حَوْلِهِ وَأَشْرَقَتْ شَمْسُ الْجَمالِ وَطَلَعَ الْوَجْهُ
عَنْ خَلْفِ الْحِجابِ بِسُلْطانٍ مُبِيْنٍ، وَالْمُؤْمِنُوْنَ حِيْنَئِذٍ
يَفْرَحُوْنَ بِفَرَحِ اللهِ وَيُسْتَجْذَبُوْنَ مِنْ نَغَماتِ الرُّوْحِ
وَأَنْتُمْ عَلى فِراشِ الْغَفْلَةِ لَراقِدِيْنَ، قُلْ يا قَوْمِ فَاعْرِفُوا
قَدْرَ تِلْكَ الأَيّامِ وَلا تَحْرِمُوا أَنْفُسَكُمْ عَنْ ثَمَراتِ
الْفِرْدَوْسِ وَلا تَكُوْنُنَّ مِنَ الْغافِلِيْنَ، هذا ما يَنْصَحُكُمُ
الْعَبْدُ فِيْكِتابِهِ وَيُؤَيِّدُكُمْ بِالرُّوْحِ وَيُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّهِ
وَيُذَكِّرُكُمْ بِذِكْرِ اللهِ الْعَزِيْزِ الْمُنِيْرِ، وَإِنَّكَ أَنْتَ لا
تَخَفْ مِنْ أَحَدٍ وَلا تَحْزَنْ فِيْ شَيْءٍ فَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ إِنَّهُ
يَحْفَظُكَ عَنْ جُنُوْدِ الشَّيْطانِ وَيُؤَيِّدُكَ بِأَمْرِهِ وَيَرْزُقُكَ مِنْ
نَعْمآءِ الْباقِيَةِ وَيُبَشِّرُكَ بِأَنْوارِ عِزٍّ قَدِيْمٍ، لِتَكُوْنَ
باقِيًا فِيْ مَلإِ الأَعْلى وَتَطِيْرَ بِجَناحَيْنِ الشَّوْقِ إِلى رَفْرَفِ
قُرْبٍ مَكِيْنٍ، أَنْ يا عَبْدُ إِنَّ الْمُشْرِكِيْنَ يَقُوْلُوْنَ لَمْ تَكُنْ
فِيْ تِلْكَ الْكَلِماتِ مِنْ رُوْحٍ قُلْ وَيْلٌ لَكُمْ إِنَّ رُوْحَ الْحَيَوان
مِنْ هذا الْفِرْدَوْسِ
تَهُبُّ عَلى الْعالَمِيْنَ، وَبِذلِكَ أَعْرَضُوا وَاسْتَكْبَرُوا عَلى اللهِ
وَمَظاهِرِ أَمْرِهِ وَكانُوا فِيْ حُجُباتِ أَنْفُسِهِمْ مَيِّتِيْنَ، كَذلِكَ
زَيَّنَ الشَّيْطانُ لَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَقَسَتْ قُلُوْبُهُمْ كَأَنَّهُمْ فِيْ
حِجابٍ غَلِيْظٍ بَعْدَ الَّذِيْ أَمَرَهُمُ اللهُ فِيْ كُلِّ الأَلْواحِ بِأَنْ
لا يَتَّبِعُوا هَواهُمْ وَإِذا سَمِعُوا آياتِ الرُّوْحِ يَسْتَبْشِرُوْنَ فِيْ
أَنْفُسِهِمْ وَيُسْرِعُوْنَ إِلى مَقْعَدِ قُدْسٍ كَرِيْمٍ، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ
فِيْ رَيْبٍ مِمّا نُزِّلَ فِيْ هذا اللَّوْحِ فَأْتُوا بِبُرْهانٍ مِنَ اللهِ
أَوْ حُجَّةٍ مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ ادْعُوا شُهَدائَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فِيْ
أَقْوالِكُمْ لَراسِخِيْنَ، وَإِنْ لَنْ تَقْدِرُوا خافُوا عَنِ اللهِ وَلا
تُشْرِكُوا فِيْ أَمْرِهِ ثُمَّ اتَّبِعُوا ما نُزِّلَ عَلَيْكُمْ وَلا
تَتَّبِعُوا كُلَّ هَمَجٍ رُعاعٍ وَلا تَكُوْنُنَّ مِنَ الْمُعْرِضِيْنَ، كَذلِكَ
نَذْكُرُ لَكَ مِنْ نَبَإِ الَّذِيْنَ هُمْ كَفَرُوا وَأَعْرَضُوا بَعْدَ الَّذِيْ
ما أَرَدْتُ إِلاّ الْعُبُوْدِيَّةَ للهِ الْحَقِّ وَأَنْتَ شَهِيْدٌ عَلى ذلِكَ
وَكانَ اللهُ مِنْ وَرائِكَ عَالِمٌ وَشَهِيْدٌ، قُلْ أَما يَكْفِيْكُمُ
ابْتِلائِيْ بَيْنَ يَدَيِّ الْعِبادِ بِحَيْثُ كُنّا ظاهِرًا بَيْنَهُمْ بِمِثْلِ
الشَّمْسِ فِيْ وَسَطِ السَّماءِ وَجَری عَلَيْنا ما لا جَرى عَلى أَحَدٍ
مِنْ قَبْلُ مَعَذلِكَ ما أَرَدْنا النَّصْرَ مِنْكُمْ وَكُنّا
مُتَوَكِّلاً عَلى اللهِ
الْعَزِيْزِ الرَّفِيْعِ، هذا مَبْلَغُهُمْ فِي الْحَيوةِ الْباطِلَةِ وَفِي
الآخِرَةِ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ مُعِيْنٍ وَلا نَصِيْرٍ، وَبَلِّغِ الرَّوْحَ مِنْ
لَدُنّا إِلى الَّذِيْ وَجَدْنا كِتابَكَ عَلى خَطِّهِ وَبَشِّرْهُ بِأَنْوارِ
فَجْرٍ بَدِيْعٍ، ثُمَّ ذَكِّرْهُ بِأنْ لا يُشِيْرَ إِلَيْنا بِإِشارَةٍ
لِيُقَدِّسَهُ اللهُ عَنْ حُجُباتِ الْغَفْلَةِ وَيَجْعَلَهُ مِنْ مَلائِكَةِ
الْعالِيْنَ، وَالنُّوْرُ عَلَيْكَ وَعَلى اللَّواتِيْهُنَّ فِيْ بَيْتِكَ وَعَلى
الَّذِيْنَ يَذْكُرُوْنَ اللهَ فِيْ أَرْضِكَ وَيَكُوْنُنَّ عَلى صِراطِ حَقٍّ
يَقِيْنٍ.
[8] باسم ربّنا العليّ الأعلى
ك ر ي ذِكْرُ رَحْمَةِ
رَبِّكَ عَبْدِهِ فِي اللَّوْحِ مَذْكُوْرًا، وَهذا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ
وَيَذْكُرُ فِيْهِ مِنْ نَبَإِ الْبَقا وَقُدِّرَ فِيْهِ مَقادِيْرُ كُلِّ شَيْءٍ
الَّتِيْ كانَتْ فِيْ أُمِّ الْكِتابِ مَسْطُوْرًا، أَنْ يا عَبْدُ أَنِ اشْهَدْ
فِيْ نَفْسِكَ بِأَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ قَدْ خَلَقَ الْخَلْقَ جُوْدًا مِنْ
عِنْدِهِ وَفَضْلاً مِنْ لَدُنْهُ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ عَلَيْهِمْ
لِيَدْعُوَنَّهُمْ إِلى شاطِئِ الْقُدْسِ وَيُدْخِلَنَّهُمْ فِيْ قِبابٍ كانَ
خَلْفَ سُرادِقِ الرُّوْحِ بِقُدْرَةِ اللهِ مَرْفُوْعًا، ثُمَّ أَنْزَلَ
الْكُتُبَ وَشَرَّعَ فِيْها
الشَّرايعَ وَفَصَّلَ فِيْها
مَناهِجَ الْحَقِّ كُلُّ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ الَّذِيْ كانَ عَلى الْعالَمِيْنَ
مَسْبُوْقًا لِيَسْلُكُنَّ كُلٌّ فِيْ سُبُلِ الْهِدايَةِ وَيُسْرِعُنَّ إِلى
رِضْوانِ الْخُلْدِ وَيَقْعُدُنَّ فِيْ مَقْعَدِ قُدْسٍ مَحْبُوْبًا، قُلْ يا
قَوْمِ لا تَتَّبِعُوا الَّذِيْنَ هُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَآياتِهِ وَإِذا تُتْلى
عَلَيْهِمْ كَلِماتُ رَبِّهِمْ يُنْكِسُوْنَ رُؤُسَهُمْ وَيَنْقَلِبُوْنَ إِلى
عَقِبَيْهِمْ وَيَسْتَهْزِؤُنَ بِاللهِ وَمَظاهِرِهِ وَيَكُوْنُنَّ فِيْ حُجُباتِ
أَنْفُسِهِمْ مَحْجُوْبًا، أُوْلئِكَ هُمُ الَّذِيْنَ ضَرَبَ اللهُ عَلى
قُلُوْبِهِمْ حُجُباتِ النّارِ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غَشاوَةَ الْكُفْرِ وَعَلى
أَفْئِدَتِهِمْ أَكِنَّةَ الَّتِيْ كانَتْ بِقَهْرِ اللهِ مَخْلُوْقًا، قُلْ يا
قَوْمِ فَوَاللهِ هذا ما نَصَحَكُمُ الْعَبْدُ فِيْ هذا اللَّوْحِ وَكَذلِكَ
فِيْكُلِّ ما سَبَقْنا فِي الْقَوْلِ إِذاً فَاسْتَنْصِحُوا وَلا تَكُوْنُنَّ مِنَ
الَّذِيْنَهُمْ جَعَلُوا أَنْفُسَهُمْ عَنْ فَضْلِ هذا الْيَوْمِ مَحْرُوْمًا،
سَيَفْنى كُلُّ ما أَنْتُمْ تَعْمَلُوْنَ وَتَفْعَلُوْنَ وَتَقُوْلُوْنَ
وَسَتَرْجِعُنَّ إِلى مَقَرٍّ كانَ فِيْ أَلْواحِ الْياقُوْتِ مِنْ إِصْبَعِ
الْقُدْسِ مَكْتُوْبًا، وَتَجِدُوْنَ كُلَّ أَعْمالِكُمْ فِيْ كِتابِ الَّذِيْ
لَنْ يُغادِرَ عَنْهُ قَدْرُ خَرْدَلٍ وَكانَ ذلِكَ مِنْ قَضايايَ الَّتِيْ كانَتْ
عَلى اللهِ مَحْتُوْمًا، ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنّا قَرَئْنا كِتابَكَ
وَأَجَبْناكَ مِنْ قَبْلُ
بِجَوابٍ يَعْجَزُ عَنْهُ أَفْئِدَةُ الْعارِفِيْنَ مَجْمُوْعًا، وَحِيْنَئِذٍ
نُجِيْبُنَّكَ بِهذا الْجَوابِ لِتَعْرِفَ حُبَّنا عَلَيْكَ وَتَكُوْنَ مِنَ
الَّذِيْنَهُمْ كانُوا عَلی صِراطِ الْحُبِّ فِيْ مَشْهَدِ الْبَقا بِإِذْن
اللهِ مَوْقُوْفًا، ثُمَّ أَبْلِغِ النّاسَ مِنْ كَلِماتِ رَبِّكَ ثُمَّ
ذَكِّرْهُمْ بِمَقامٍ كانَ بَيْنَ يَدَيِّ اللهِ مَبْسُوْطًا، لِيُسْرِعُنَّ كُلٌّ بِقُلُوْبِهِمْ إِلى شاطِیءِ الرُّوْحِ
وَيَنْصُرُوْنَ اللهَ بِحُبِّهِمْ لِيَكُوْنُنَّ بِنُصْرَةِ اللهِ فِيْ أَرْضِ
الْعِرْفانِ مَنْصُوْرًا، وَهذا قَوْلُ الْحَقِّ وَما بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ
الضَّلالُ الَّذِيْ كانَ فِيْ أَنْفُسِ الْمُفْتَرِيْنَ مَوْقُوْدًا، ثُمَّ
اعْلَمْ بِأَنَّ الَّذِيْنَهُمْ ذَكَرُوا فِيْ أَرْضِكَ ما ذَكَرُوا ما كانَ ذلِكَ
إِلاَّ مِنْ أَلْسِنَتِهِمُ الْكَذِبَةِ وَإِنّا ما اسْتَنْصَرْنا مِنْ أَحَدٍ
إِلاّ اللهِ وَيَشْهَدُ بِذلِكَ مَلائِكَةُ الْمُقَرَّبِيْنَ فِيْ غُرُفاتِ عِزٍّ
مَحْمُوْدًا، وَبَلِّغِ الْقَوْلَ إِلى الَّذِيْنَهُمْ آمَنُوا ثُمَّ عَلِّمْهُمْ
بِنَصْرِ الَّذِيْ كانَ عِنْدَ اللهِ مَحْبُوْبًا، وَهُوَ انْقِطاعُهُمْ عَنْ
كُلِّ مَنْ فِي الْمُلْكِ وَعَنْ كُلِّ ما كانَ فِي الأَرْضِ مَشْهُوْدًا، وَهذا
مِنْ نَصْرِ اللهِ وَبِذلِكَ تَهُبُّ نَسائِمُ الْحُبِّ عَلی كُلِّ مَنْ فِي
السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَكَذلِكَ نُلْقِيْ عَلَيْكَ ما كانَ النّاسُ عَنْهُ
مَحْرُوْمًا، قُلْ
يا مَلأَ الأَرْضِ فَانْصُرُوا
اللهَ بِقُلُوْبِكُمْ وَأَعْمالِكُمْ لِيَنْصُرَكُمُ اللهُ فِيْ هَوآءٍ كانَ
فِيْهِ نَسَماتُ الرُّوْحِ مَرْسُوْلاً، ثُمَّ اعْلَمُوا بِأَنَّ نَصْرَ اللهِ
هُوَ نُصْرَتُكُمْ أَنْفُسَكُمْ بِحَيْثُ تَكُوْنُنَّ مُمْتازًا عَنْ كُلِّ مَنْ
فِي الْمُلْكِ فِيْما ظَهَرَ مِنْكُمْ وَهذا مِنْ نَصْرٍ كانَ فِي اللَّوْحِ
مَشْرُوْعًا،
وَبِذلِكَ يُنْزِلُ عَلَيْكُمْ سَكِيْنَةً مِنْ فَضْلِهِ وَيُبْلِغُكُمْ إِلى
رَحْمَةٍ كانَتْ مِنْ سَحائِبِ الْقُدْسِ مَنْزُوْلاً، وَالتَّكْبِيْرُ عَلَيْكَ
وَعَلى الَّذِيْنَهُمْ فِيْ حَوْلِ الْمِصْباحِ بِجَناحَيْنِ النَّصْرِ
مَطْيُوْرًا.
[٩] هو العزيز
المحبوب
قَدْ حَضَرَ بَيْنَ يَدَيْنا
كِتابُكَ وَقَرَئْناهُ وَإِنّا كُنّا قارِئِيْنَ، فَاشْهَدْ فِيْ سِرِّكَ بِأَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَأَنَّ
عَلِيًّا قَبْلَ مُحَمَّدٍ مَظْهَرُ نَفْسِهِ وَمَطْلِعُ جَمالِهِ لِمَنْ فِي
الْمُلْكِ أَجْمَعِيْنَ، وَبِهِ غَرَّدَتِ الْوَرْقا عَلى غُصْنِ الْبَقا وَأَنارَ
النُّوْرُ فِيْ مِصْباحِ قُدْسٍ مُنِيْرٍ، وَبِهِ ظَهَرَتِ النّارُ مِنْ هذِهِ
السِّدْرَةِ الْمُرْتَفِعَةِ الْمُبارَكَةِ الأَبَدِيَّةِ الأَحَدِيَّةِ الْكَرِيْمِ،
قُلْ تَاللهِ لَوْ نُزِّلَ حَرْفٌ مِنَ الْبَيانِ عَلى كُلِّ
جَبَلٍ شامِخٍ مَنِيْعٍ
وَكُلِّ رَواسِيَ باذِخٍ رَفِيْعٍ لَرَئَيْتَهُ خاشِعًا خاضِعًا مِنْ سَلْطَنَةِ
اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثالُ نُلْقِيْها عَلَيْكَ لِتَكُوْنَ مِنَ الْمُوْقِنِيْنَ،
قُلْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ وَعِلْمُ السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَعِلْمُ ما كانَ
وَما يَكُوْنُ إِنْ أَنْتُمْ مِنَ الْعارِفِيْنَ، وَلَهُ الأَسْمآءُ الْحُسْنى
وَالْكَلِمَةُ الْعُلْيا وَالسَّلْطَنَةُ الأَبْهى يُسَبِّحُ لَهُ كُلُّ مَنْ فِي
السَّمواتِ وَالأَرَضِيْنَ، إِذاً فَاسْمَعْ نِداءَ اللهِ عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ
الأَحَدِيَّةِ فِيْهذِهِ الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنْ هذا الْجَمالِ الأَوَّلِيَّة
بِأَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيْزُ الْعَلِيْمُ، ثُمَّ اقْرَءْ ما نُزِّلَ
عَلَيْكَ فِيْهذا اللَّوْحِ ِلأَنَّ حَرْفًا مِنْهُ لَكانَ عِنْدَ اللهِ أَعَزَّ
عَنْ عِبادَةِ الثَّقَلَيْنِ فَسَوْفَ تَجِدُ إِعْراضَ الْمُعْرِضِيْنَ عَنْ هذا
النُّوْرِ الَّذِيْ بِهِ أَشْرَقَتْ شَمْسُ الْعِزِّ عَنْ أُفُقِ فَجْرٍ مُبِيْنٍ،
وَلكِنْ إِنَّكَ أَنْتَ فَاصْبِرْ فِيْ نَفْسِكَ وَلا تَلْتَفِتْ إِلى أَحَدٍ وَلا
تَكُنْ مِنَ الْمُضْطَرِبِيْنَ، فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ بِالْحَقِّ مِنْ لَدُنْ
عَزِيْزٍ قَدِيْرٍ إِلى أَنْ تَهُبَّ رَوايِحُ الْعِزِّ عَنْ رِضْوانِ اللهِ
الْعَزِيْزِ الْحَكِيْمِ، كَذلِكَ أَلْقَيْناكَ قَوْلَ الْحَقِّ وَأَرْسَلْنا إِلَيْكَ
نَفَحاتِ الْمِسْكِ عَنْ هذا الْقَمِيْصِ لِتُكَبِّرَ اللهَ رَبَّكَ فِيْ
أَيّامِكَ
وَتَكُوْنَ مِنَ الرّاضِيْنَ،
وَالرَّوْحُ عَلَيْكَ وَعَلی عِبادِ الْمُخْلِصِيْنَ.
ثُمَّ
اعْلَمْ بِأَنّا سَمِعْنا ما دَعَوْتَ اللهَ رَبَّكَ بِأَنْ يُبْلِغَكَ إِلی
مَقامِ الَّذِيْ لَنْ تُنْكِرَ آياتِ اللهِ حِيْنَ نُزُوْلِها وَتَكُوْنَ لَمِنَ
الْمُوْقِنِيْنَ، فَنِعْمَ ما أَرَدْتَ فِيْ نَفْسِكَ لأَنَّ هذا أَمْرٌ أَكْبَرُ
وَأَعَزُّ عِنْدَ اللهِ رَبِّكَ بِحَيْثُ لَنْ يَسْبُقَهُ أَمْرٌ إِنْ أَنْتَ مِنَ
النّاظِرِيْنَ، وَلَنْ يَقُوْمَ مَعَهُ شَيْءٌ عَمّا خُلِقَ بَيْنَ السَّمواتِ
وَالأَرَضِيْنَ، وَإِنّا نَسْئَلُ اللهَ بِأنْ يُوَفِّقَكَ عَلى ذلِكَ
وَيَرْفَعَكَ إِلى مَقامِ الَّذِيْ تَعْرِفُ آياتِهِ عَنْ دُوْنِهِ وَتَكُوْنُ
فِيْها لَمِنَ الرّاسِخِيْنَ، وَالْحَمْدُ ِللهِ رَبِّ الْعالَمِيْنَ، ثُمَّ
اعْلَمْ بِأَنْ وَصَلَ إِلَيْنا وَرَقَةٌ الَّتِيْ كانَتْ مِنْ أَثَرِ اللهِ
وَإِنَّ هذِهِ أَحَبُّ عِنْدِيْ عَنْ كُلِّ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ
وَعَنْكُلِّ ما كانَ وَما يَكُوْنُ، وَنَسْئَلُ اللهَ بِأَنْ يُجْزِيْكَ أَحْسَنَ
الْجَزاءِ مِنْ عِنْدِهِ وَيَرْفَعَكَ إِلى مَقامِ عِزٍّ مَحْمُوْدٍ، وَيَرْزُقَكَ
خَيْرَ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَيُبْلِغَكَ إِلى مَقامِ الَّذِيْ يَنْقَطِعُ
عَنْهُ كُلُّ أَيْدِي مَمْدُوْدٍ، وَيُشَرِّفَكَ بِلِقآئِهِ فِيْ ظُهُوْرِ
بَعْدِهِ وَإِنَّ هذا لأَحْسَنُ الْخَيْرِ وَأَفْضَلُ الأُمُوْرِ، وَإِنَّكَ لا
تَحْزَنْ
عَمّا حالَ اللهُ بَيْنَنا
وَبَيْنَكَ سَبِيْلَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَجِبالٍ شامِخٍ مَرْفُوْعٍ، وَإِنَّ
كُلَّ ذلِكَ يَحُوْلُ بَيْنَ قُلُوْبِ الَّذِيْنَهُمْ غَفَلُوا عَنْ ذِكْرِ اللهِ
وَأَعْرَضُوا عَنْهُ وَكَفَرُوا بِآياتِهِ وَكانُوا مِنَ الَّذِيْنَهُمْ
بِرَبِّهِمْ أَنْ يُشْرِكُوْنَ، وَالَّذِيْنَ صَفَتْ قُلُوْبُهُمْ بِحُبِّ اللهِ
لَنْ يَحُوْلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بارِئِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنَّ اللهَ
يَحُوْلُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ إِذا شآءَ وَأَرادَ وَإِنَّهُ لَهُوَ
الْمُقْتَدِرُ الْعَزِيْزُ الْقَيُّوْمُ.
[١٠] بسم
الله الظّاهر الأظهر
أَنْ يا اسْمِي اسْمَعْ
نِدائِيْ عَنْ شَطْرِ الَّذِيْ فِيْهِ تَهُبُّ نَفَحاتُ رِضْوانِيْ وَاسْتَضآءَ
فِيْهِ أَنْوارُ وَجْهِيْ وَتُمْطِرُ سَحابُ مَكْرُمَتِيْ وَرَحْمَتِيْ
لِيَجْذُبَكَ إِلى سَمآءِ عِنايَتِيْ وَيُنْطِقَكَ بِثَناءِ نَفْسِيْ وَيَجْعَلَكَ
حاكِيًا عَنِ اسْمِيْ بَيْنَ عِبادِيْ وَمُبَشِّرًا بِأَمْرِيْ بَيْنَ بَرِيَّتِيْ
لِتُحْيِيَنَّ النّاسَ مِنْ كَوْثَرِ عِرْفانِيْ وَيُسْتَجْذَبُنَّ مِنْ جَذَباتِ
نَغَماتِيْ وَيَجْتَمِعُنَّ عَلى مائِدَةِ نِعْمَتِيْ وَعَطائِيْ وَيَنْقَطِعُنَّ
عَنْ سِوائِيْ وَيَطِيْرُنَّ فِيْهَوآءِ قُرْبِيْ وَيَسْتَظِلُّنَّ فِيْ ظِلِّ
شَجَرَةِ الَّتِي ارْتَفَعَتْ بِالْحَقِّ وَتَنْطِقُ كُلُّ وَرَقَةٍ مِنْها
بِأَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ
هُوَ الْمُقْتَدِرُ الْعَزِيْزُ الْكَرِيْمُ، أَنِ اسْتَقِمْ عَلى أَمْرِ اللهِ
وَدَعْ ما سِواهُ عَنْ وَرائِكَ وَإِذا انْتَشَرَتْ أَلْواحُ الْمُفْتَرِيْنَ
ثُمَّ أَوْراقُ الْمُشْرِكِيْنَ ضَعْها بِقُوَّتِيْ وَقُدْرَتِيْ وَسُلْطانِيْ
ثُمَّ خُذْ لَوْحَ اللهِ وَأَثَرَهُ بِقُوَّةٍ مِنْ لَدُنْ مُقْتَدِرٍ قَدِيْرٍ،
قُلْ يا قَوْمِ فَأَنْصِفُوا بِاللهِ أَما بُشِّرْتُمْ بِهذا الْجَمالِ فِيْ كُلِّ
الأَلْواحِ وَأَما وُعِدْتُمْ بِهِ وَإِذا ظَهَرَ بِالْحَقِّ أَعْرَضْتُمْ عَنْهُ
وَكَفَرْتُمْ بِآياتِ اللهِ الْمُهَيْمِنِ الْغَفُوْرِ الرَّحِيْمِ، وَإِنَّكَ كُنْتَ
مَعَنا وَاطَّلَعْتَ بِبَعْضِ الأُمُوْرِ ذَكِّرِ النَّاسَ بِما عَرَفْتَ
وَرَأَيْتَ وَلا تَكُنْ مِنَ الصّامِتِيْنَ، ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنّا سَمِعْنا
ذِكْرَكَ وَنِدائَكَ بَيْنَ الْعِبادِ بِهذِهِ الْكَلِمَةِ الأَعْظَمِ الْعَظِيْمِ، طُوْبى لَكَ بِما كَسَّرْتَ صَنَمَ الأَوْهامِ بِاسْمِ رَبِّكَ
الْعَزِيْزِ الْمُمْتَنِعِ الْمَنِيْعِ، قُمْ عَلى الأَمْرِ ثُمَّ احْفَظِ النّاسَ
عَنْ وَساوِسِ الشَّياطِيْنِ ِلأَنَّهُمْ ظَهَرُوا فِيْ تِلْكَ الأَيّامِ بِكُلِّ
صُوَرٍ لإِغْواءِ الْمُوَحِّدِيْنَ، قُلْ يا قَوْمِ تَاللهِ الْحَقِّ إِنَّ آثارَ
اللهِ يَسْتَضِيْءُ بَيْنَ آثارِ النّاسِ كَضِياءِ الشَّمْسِ بَيْنَ السَّمواتِ
وَالأَرَضِيْنَ، إِيّاكُمْ أَنْ تُقاسُوْها بِدُوْنِها قُلْ طَهِّرُوا
صُدُوْرَكُمْ عَنِ الرَّيْبِ لِتَسْتَشْرِقَ عَلَيْها أَنْوارُ الشَّمْسِ عَنْ
مَشْرِقِ اسْمِي الْعَلِيِّ
الْحَكِيْمِ، أَنِ اجْتَمِعِ
النّاسَ عَلى شاطِیءِ هذا الْبَحْرِ ثُمَّ أَلْقِ عَلَيْهِمْ ما أَلْقى
اللهُ عَلى فُؤادِكَ لَعَلَّ يَنْقَطِعُنَّ عَنِ الْعالَمِيْنَ وَيَتَوَجَّهُنَّ
بِكُلِّهِمْ إِلى شَطْرِ اللهِ رَبِّكَ فاطِرِ السَّمواتِ وَالأَرَضِيْنَ، كَذلِكَ
أَلْقَيْناكَ قَوْلَ الْحَقِّ لِتُوْقِنَ بِأَنّا ما نَسِيْناكَ وَيُذْكَرُ
اسْمُكَ لَدى الْعَرْشِ وَيَشْهَدُ بِذلِكَ هذا اللَّوْحُ الْمُرْسَلُ الْعَزِيْزُ
الْبَدِيْعُ، وَالرَّوْحُ الَّذِيْ يَهُبُّ مِنْ رِضْوانِ رَبِّكَ الرَّحْمنِ
عَلَيْكَ وَعَلى أَهْلِكَ وَعَلى الَّذِيْنَ اهْتَزَّتْ قُلُوْبُهُمْ مِنْ
نَسَماتِ السُّبْحانِ شَوْقًا لِلِقآءِ رَبِّهِمُ الرَّحْمنِ الرَّحِيْمِ.
[١١] بسم
الفرد الوتر الواحد
تِلْكَ آياتُ الْقُدْسِ
نُزِّلَتْ بِالْحَقِّ مِنْ سَحابِ فَضْلٍ بَدِيْعًا، وَبِها تُطَهَّرُ أَفْئِدَةُ
الْعِبادِ عَنْ دَنَسِ النَّفْسِ وَالْهَوى وَيَشْرَبُنَّ عَنْ كُأُوْسِ الَّتِيْ
كانَتْ مِزاجُها ذِكْرَ مَحْبُوْبٍ وَحَبِيْبًا، أَنْ يا عَبْدُ قَدْ حَضَرَ
تِلْقآءَ الْجَمالِ ما ذَكَرْتَ بِهِ اللهَ رَبَّكَ وَرَبَّ آبائِكَ وَرَبَّ
عَرْشٍ عَظِيْمًا، فَطُوْبى لَكَ بِما خَرَقْتَ سُبُحاتِ الْجَلالِ وَوَرَدْتَ
فِيْظِلِّ رَبِّكَ الْعَزِيْزِ الْمُتَعالِ وَقَدَّسْتَ نَفْسَكَ
عَنْ شِرْكِ كُلِّ مُشْرِكٍ
عَنِيْدًا، وَلكِنْ فَاسْعَ فِيْ نَفْسِكَ فِيْكُلِّ الأَيّامِ لِئَلاّ يَزُلَّكَ
وَساوِسُ الشَّيْطانِ وَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيْلِ عِزٍّ بَهِيًّا وَعَنْ صِراطِ
قُدْسٍ مُسْتَقِيْمًا، تَجَنَّبْ عَنِ الَّذِيْنَهُمْ كَفَرُوا ثُمَّ بَلِّغْ
أَمْرَ مَوْلاكَ إِلى الَّذِيْنَ تَجِدُ مِنْ شَطْرِ قُلُوبِهِمْ نَفَحاتِ
الْقُدْسِ وَمِنْ وُجُوْهِهِمْ نَضْرَةَ عِزٍّ مُنِيْرًا، وَإِنْ أَخَذَكَ مِنْ
حُزْنٍ ذَكِّرْ حُزْنِيْ وَمَصائِبِيْ تَاللهِ قَدِ ابْتُلِيْتُ بِبَلايا لا
يُحْصِيْها إِلاَّ اللهُ الَّذِيْ أَحاطَ كُلَّشَيْءٍ فِيْ أُمِّ الْبَيانِ هذا
لَكِتابُ الَّذِيْ يَنْطِقُ حِيْنَئِذٍ بِالْحَقِّ بِأَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ
وَالَّذِيْ ظَهَرَ بِاسْمِ حُسَيْنٍ قَبْلَ عَلِيٍّ لَسُلْطانُهُ وَعَظَمَتُهُ
وَكِبْرِيآئُهُ ثُمَّ ظُهُوْرُهُ وَبُطُوْنُهُ وَعِزُّهُ وَاقْتِدارُهُ عَلى الْخَلايِقِ جَمِيْعًا،
وَإِذًا يُنادِيْ لِسانُ الْعَظَمَةِ عَنْ وَرآءِ سُرادِقِ الأَعْلى بِأَنْ
تَاللهِ هذا لَعَلِيٌّ ثُمَّ مُحَمَّدٌ ثُمَّ مُحَمَّدٌ ثُمَّ عَلِيٌّ أَنِ
اتَّبِعُوْهُ يا مَلأَ الأَرْضِ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ وَإِنَّ هذا ظُلْمٌ مِنْ
أَنْفُسِكُمْ عَلى اللهِ اتَّقُوا اللهَ وَكُوْنُوا فِي الأَمْرِ تَقِيًّا،
أَتَعْبُدُوْنَ الْعِجْلَ وَتَذَرُوْنَ الَّذِيْ خَلَقَكُمْ بِأَمْرٍ مِنْ
عِنْدِهِ وَاسْتَضاءَ بِنُوْرِهِ كُلُّ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ إِنْ
أَنْتُمْ بِذلِكَ بَصِيْرًا، يا قَوْمِ طَهِّرُوا آذانَكُمْ
لِتَسْمَعُوا نَغَماتِيْ
ثُمَّ أَبْصارَكُمْ لِتَشْهَدُوا جَمالِيْ وَكَذلِكَ أَمَرَكُمُ اللهُ فِيْكُلِّ
الأَلْواحِ وَهذا اللَّوْحِ الَّذِيْ ظَهَرَ وَأَشْرَقَ عَنْ أُفُقِ إِصْبَعِ
رَبِّكُمُ الْعَلِيِّ الأَعْلى وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ شَهِيْدًا، أَنْ يا عَبْدُ
اسْمَعْ نِدآئِيْ ثُمَّ اثْبُتْ عَلى الأَمْرِ وَلا تَلْتَفِتْ إِلى ما خُلِقَ
فِيْ الإِبْداعِ وَإِنّا قَدَّرْنا لَكَ فِي اللَّوْحِ مَقامًا رَفِيْعًا،
وَأَحْصَيْنا ما فِيْ قَلْبِكَ وَاطَّلَعْنا بِما فِيْ سِرِّكَ وَنَقْضِيْ
عَلَيْكَ ما أَرَدْناهُ لَكَ وَعِنْدَنا عِلْمُ كُلِّشَيْءٍ وَعِلْمُ السَّمواتِ
وَالأَرْضِ إِنْ أَنْتَ بِذلِكَ خَبِيْرًا، وَالْبَهآءُ عَلَيْكَ وَعَلى مَنْ
مَعَكَ وَعلى مَنِ اسْتَقامَ عَلى هذا الأَمْرِ الَّذِيْ زَلَّتْ عَنْهُ أَقْدامُ
الَّذِيْنَ كانَ فِيْ قُلُوْبِهِمْ مِرْيَةٌ عَنْ لِقآءِ رَبِّهِمْ وَكانُوا عَنِ
الصِّراطِ بَعِيْدًا.
[١٢] هو العالم بكلّ شَيء وكلّ إيّاه لا يعرفون
فَسُبْحانَ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ
بِأَمْرِهِ وَنَفَخَ فِي الصُّوْرِ وَأَحْيی بِهِ أَفْئِدَةَ الَّذِيْنَ
هُمُ انْقَطَعُوا إِلى اللهِ وَكانُوا
عَلى رَفْرَفِ الْحَمْرا بَيْنَ يَدَيِّ اللهِ مُتَّكِئًا، وَشَرِبُوا عَنْ
سَلْسَبِيْلِ الْعِشْقِ وَأُوْقِدُوا بِنارِ اللهِ وَوَجَدُوا رَوايِحَ
الْقَمِيْصِ عَنْ مِصْرِ
الَّذِيْ كانَ بِاسْمِ اللهِ فِيْ مَلإِ الْقُدْسِ مُشْتَهَرًا، كَذلِكَ
نُعَلِّمُكَ مِنْ أَسْرارِ الْعِلْمِ وَنُلْقِيْ عَلَيْكَ ما يُغْنِيْكَ عَنِ
الَّذِيْنَ يَظُنُّوْنَ أَنَّهُمْ عَرَجُوا إِلى مَعارِجِ الْعِلْمِ لِتَعْرِفَ
سُبُلَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَتَسْتَقِيْمَ عَلى الأَمْرِ وَتَطَّلِعَ عَلى
مَعارِفِ الَّتِيْ جَعَلَهُ اللهُ خَلْفَ قِبابِ الْعِزَّةِ لِيَكُوْنَ عَنْ
أَبْصارِ الْمُتَكَبِّرِيْنَ مُسْتَتِرًا، قُلْ يا قَوْمِ خافُوا عَنِ اللهِ وَلا
تَسْلُكُوا سُبُلَ الْبَغْيِ وَالْفَحْشآءِ وَلا تَظُنُّوا بِاللهِ ظَنَّ
السُّوْءِ لِئَلاّ تَكُوْنُنَّ مِنَ الَّذِيْنَ هُمْ كانُوا فِيْ أَمْرِ اللهِ
مُلْتَحِدًا، هُمُ الَّذِيْنَ إِنْ يَرَوْا سَبِيْلَ الفِرْدَوْسِ لا
يَتَّخِذُوْهُ ِلأَنْفُسِهِمْ سَبِيْلاً وَإِنْ تَمُرُّ عَلَيْهِمْ نَسَماتُ الطّاغُوْتِ
يَتَّخِذُوْهُ ِلأَنْفُسِهِمْ سَيْبًا، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ
وَآياتِهِ وَكانُوا مِنَ الَّذِيْنَهُمْ أَعْرَضُوا وَاسْتَكْبَرَ عَلى اللهِ فِيْ
أَمْرِهِ الَّذِيْ كانَ بِمِثْلِ الشَّمْسِ عَنْ أُفُقِ الرُّوْحِ مُشْتَرِقًا،
قُلْ يا قَوْمِ أَما تَشْهَدُوْنَ كَيْفَ أَشْرَقَ الشَّمْسَ وَأَلاحَ النُّوْرَ
وَكَشَفَ الْحِجَابَ وَقامَ اللهُ فِيْ مَلإِ الْقُدْسِ وَيُبَشِّرُ الْوَرْقا
قُدَّامَهُ بِنَغْمَةِ الَّتِيْ تَنْصَعِقُ عَنْهُ كُلُّ مَنْ فِي الْمُلْكِ إِذًا
فَاسْمَعُوا يا أَهْلَ الْمُلْكِ لَعَلَّ تَكُوْنُنَّ مِنْ
نَغَماتِ اللهِ مُجْتَذَبًا، ثُمَّ ارْحَمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ وَلا
تَحْرِمُوا ذَواتِكُمْ سَيَفْنى الدُّنْيا وَزُخْرُفُها وَتَرْجِعُوْنَ إِلى اللهِ
فِيْ مَقَرِّ الَّذِيْ كانَ عَنْ سَبِيْلِ الْقُدْرَةِ مُرْتَفِعًا، ثُمَّ اعْلَمْ
بِأَنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكَ كِتابًا مِنْ قَبْلُ وَأَذْكَرْناكَ فِيْهِ بِذِكْرِ
الْبَقا عَلى لَحْنٍ لَنْ يَقْدِرَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيْ بِحَرْفٍ مِنْهُ إِلاّ
مَنْ شآءَ رَبُّكَ وَكَذالِكَ نُخْبِرُكَ بِما جَرى مِنْ قَلَمِ الإِبْداعِ
لِتُوْقِنَ بِأَنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّشَيْءٍ مُقْتَدِرًا، وَإِنَّكَ لا
تَحْزَنْ عَنْ شَيْءٍ وَلا تَخَفْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ احْفَظْ تِلْكَ الْكَلِماتِ
ثُمَّ اقْرَئْها عَلى الَّذِيْنَ هُمْ آمَنُوا بِاللهِ لِتَكُوْنَ لأَمْرِ اللهِ
فِيْ نَفْسِكَ مُنْتَصِرًا.
[١٣] هو العليّ
الأعلى
هذا كِتابٌ مِنَ الْعَبْدِ
إِلى الَّذِي اهْتَدى بِأَنْوارِ الْهُدى وَاعْتَصَمَ بِعِصْمَةِ اللهِ الْمَلِكِ
الْمُهَيْمِنِ الْعَزِيْزِ الْمُقْتَدِرِ الْقَيُّوْمِ، لِتَهُبَّ عَلى رِياضِ
قَلْبِهِ نَسَماتُ الْحُبِّ وَتُقَرِّبَهُ إِلى رِضْوانِ قُدْسٍ مَحْبُوْبٍ، قُلْ يا
قَوْمِ قُوْمُوا عَلى إِقامَةِ أَمْرِ اللهِ وَلا تَتَّبِعُوا هَواكُمْ إِنْ
أَنْتُمْ فِيْ ظُلَلِ الأَمْرِ تَمُرُّوْنَ، خافُوا عَنِ اللهِ ثُمَّ اجْتَنِبُوا
كَبائِرَ الإِثْمِ
ثُمَّ عَمَّا نُهِيْتُمْ عَنْهُ تَنْتَهُونَ،
اتَّقُوا اللهَ وَلا تَسْلُكُوا سُبُلَ الآمالِ إِنْ أَنْتُمْ فِيْ مَناهِجِ
الْقُدْسِ تَسْلُكُوْنَ، قُلْ يا قَوْمِ لا تَتَفَرَّقُوا فِيْ آياتِ اللهِ عَمّا
نُزِّلَتْ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ ثُمَّ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ وَهذا مِنْ
حَبْلِهِ إِنْ أَنْتُمْ فِيْ أَنْفُسِكُمْ تَتَفَكَّرُوْنَ، هُوَ الَّذِيْ
أَشْرَقَ عَلَيْكُمُ الشَّمْسَ بِقُدْرَتِهِ وَأَلاحَ الْقَمَرَ بِنُوْرِهِ
وَأَجْرى الأَنْهارَ فَضْلاً مِنْ عِنْدِهِ لَعَلَّ أَنْتُمْ إِلى آثارِ رَحْمَةِ
اللهِ تَنْظُرُوْنَ، وَتَشْكُرُوْنَهُ فِيْكُلِّ حِيْنٍ ثُمَّ عَلَيْهِ فِيْكُلِّ
الأُمُوْرِ تَتَوَكَّلُوْنَ، كَذلِكَ نُصَرِّفُ لَكُمُ الآياتِ وَنُذَكِّرُكُمْ
بِالْحَقِّ لَعَلَّ أَنْتُمْ بِمَواطِنِ الْقُرْبِ تَسْتَقْرِبُوْنَ، قُلْ يا
قَوْمِ هذا عَبْدُ اللهِ وَخادِمُهُ فِي الْمُلْكِ ما يُرِيْدُ إِلاّ إِصْلاحَ
أَنْفُسِكُمْ وَيَشْهَدُ بِذلِكَ عِبادٌ مُكْرَمُوْنَ، إِذًا قُوْمُوا عَنْ فِراشِ
الْغَفْلَةِ ثُمَّ انْصُرُوْهُ بِقُلُوْبِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَرْواحِكُمْ
وَأَبْدانِكُمْ وَبِكُلِّ ما قُدِّرَ لَكُمْ إِنْ أَنْتُمْ تُرِيْدُوْنَ أَنْ
تَنْصُرُوْنَ، وَإِنْ لَنْ تَنْصُرُوْهُ فَاعْلَمُوا بِأَنَّهُ يَنْصُرُ نَفْسَهُ
بِذاتِهِ وَيَرْفَعُ أَمْرَهُ بِالْحَقِّ وَهذا مِنْ أَمْرٍ يَعْجَزُ عَنْ
عِرْفانِهِ كُلُّ الْعالِمُوْنَ، قُلْ يا قَوْمِ فَانْظُرُوا فِيْ قُرُوْنِ
الْماضِيَةِ وَفِيْما قُضِيَ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ كانُوا أَكْثَرَ مِنْكُمْ
قُوَّةً وَأَكْبَرَ مِنْكُمْ
عِزَّةً وَأَعْلى مِنْكُمْ شَأْنًا وَكُلُّهُمْ ذَهَبُوا إِلى مَواقِعِهِمْ
وَدُفِنُوا بِأَعْمالِهِمْ وَرَجَعُوا إِلی التُّرابِ كَما بُدِؤُا أَوَّلَ
مَرَّةٍ وَهذا لَهُوَ الْحَقُّ الْمَعْلُوْمُ، وَأَنْتُمْ سَتَرْجِعُوْنَ
إِلَيْهِمْ وَتُسْئَلُوْنَ عَمّا اكْتَسَبَتْ أَيْداكُمْ وَعَمّا سَمِعَتْ
أُذُناكُمْ وَلاحَظَتْ عَيْناكُمْ وَلِكُلِّ ما أَنْتُمْ عَمِلْتُمْ فِي الْحَيوةِ
الْباطِلَةِ وَهذا ما سُطِرَ بِالْحَقِّ عَلى أَلْواحِ عِزٍّ مَكْنُوْنٍ، إِذًا
خافُوا عَنِ اللهِ ثُمَّ ارْجِعُوا فِيْما فَرَّطْتُمْ فِيهِ ثُمَّ اسْتَنْصِحُوا
بِما أَنْصَحْناكُمْ لَعَلَّ أَنْتُمْ بِما أَرادَ اللهُ لَكُمْ تَصِلُوْنَ،
وَالتَّكْبِيْرُ عَلَيْكُمْ وَعَلى مَنِ اسْتَضآءَ بِأَنْوارِ الْوَجْهِ وَكانَ
مِنَ الَّذِيْنَهُمْ كانُوا فِيْ مَواقِعِ الْعِزِّ داخِلُوْنَ.
[١٤] هو العزيز المقدّس
الأمنع الأعلى
تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ
نُزِّلَتْ مِنْ سَحابِ رَحْمَةٍ مَنِيْعًا، وَمِنْها يَحْيى أَفْئِدَةُ
الْمُمْكِناتِ إِنْ يَتَوَجَّهُنَّ إِلى اللهِ بارِئِهِمْ وَيَنْقَطِعُنَّ عَمَّا
عِنْدَهُمْ وَكَذلِكَ نَزَّلْنا الأَمْرَ فِيْهذا اللَّوْحِ ذِكْرًا مِنْ لَدُنّا
عَلى الْعالَمِيْنَ جَمِيْعًا، إِنَّ
الَّذِيْنَهُمْ كَفَرُوا
بِآياتِ اللهِ فِيْ تِلْكَ الأَيّامِ أُوْلئِكَ كَفَرُوا بِمَظاهِرِ نَفْسِ اللهِ
فِيْكُلِّ عَهْدٍ وَعَصْرًا وَلَنْ يُذْكَرَ أَسْمآئُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَنْ
يَتَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ طَرْفُ قُدْسٍ مَنِيْعًا، وَإِنَّكَ أَنْتَ يا سَيِّدَ
الْقَوْمِ اسْمَعْ نِدآءَ اللهِ مِنْ هذِهِ السِّدْرَةِ الحَمْرا عَلى هذِهِ
الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ الأَحَدِيَّةِ الأَبَدِيَّةِ الْبَيْضا اللهُ لا إِلهَ
إِلاّ هُوَ قَدْ خَلَقَ الْمُمْكِناتِ لِعِرْفانِ نَفْسِهِ وَذَرَءَ
الْمَوْجُوْدات لاتِّباعِ أَمْرِهِ وَكَذلِكَ كانَ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ
بَعْدُ إِنْ أَنْتَ بِذلِكَ عَلِيْمًا، وَمِنَ النّاسِ مَنْ شَرِبَ كَأْسَ
الْعِرْفانِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ اللهِ بَعْدَ الَّذِيْ نُزِّلَتْ
عَلَيْهِ الآياتُ فِيْكُلِّ بُكُوْرٍ وَأَصِيْلاً، ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنّا
ابْتُلِيْنا بَيْنَ عِبادِنا الَّذِيْنَ ما آمَنُوا بِاللهِ فِيْ أَزَلِ الآزالِ
وَاشْتَعَلَتْ نارُ الْبَغْضا فِيْ صُدُوْرِهِمْ وَكانُوا عَلی أَعْقَابِ
الإِعْراضِ عَلی الظُّلْمِ مُنْقَلِبًا، وَأَحاطَتْنا الأَحْزانُ عَلی
شَأْنٍ لَنْ يَتَحَرَّكَ لِسانِيْ عَلی ذِكْرِ مَحْبُوْبِيْ وَكَذلِكَ
وَرَدَ عَلى الْغُلامِ فِيْ تِلْكَ الأَيّامِ إِنْ أَنْتَ بِذلِكَ خَبِيْرًا،
وَلَوْ تَكُوْنُ لِلْعِبادِ آذانٌ واعِياتٌ لَيَكْفِيْهِمْ ما نُزِّلَ عَلَيْهِمْ
مِنْ جَبَرُوْتِ قُدْسٍ مَنِيْعًا، وَمِنْ دُوْنِ ذلِكَ
لَنْ يَلْتَفِتُوا إِلی
كَلِماتِ اللهِ وَلَنْ يَسْمَعُوا نَغَماتِ عِزِّهِ وَلَوْ يُنْزِلُ عَلَيْهِمْ
فِيْكُلِّ الْحِيْنِ بِعَدَدِ الأَمْطارِ آياتِ عِزٍّ مُبِيْنًا، قُلْ يا قَوْمِ خافُوا
عَنِ اللهِ وَلا تُحارِبُوا بِنَفْسِهِ وَلا تُجَادِلُوا بِآياتِهِ بَعْدَ
الَّذِيْ نُزِّلَتْ بِالْحَقِّ وَأَحاطَتْ كُلَّ مَنْ فِي الْعالَمِيْنَ
مَجْمُوْعًا، أَنِ اسْتَمِعُوا نِدآءَ اللهِ ثُمَّ انْقَطِعُوا عَمّا دُوْنَهُ
وَهذا خَيْرٌ لَكُمْ عَنْ خَزائِنِ السَّمواتِ وَالأَرْضِ إِنْ أَنْتُمْ بِذلِكَ
عَلِيْمًا بَصِيْرًا، وَإِنَّكَ أَنْتَ أَنِ اسْتَقِمْ عَلى أَمْرِ اللهِ رَبِّكَ
إِيّاكَ أَنْ لا يَزَلَّكَ هَمَزاتُ الشَّيْطانِ لأَنَّهُ قامَ عَلى وَجْهِ
الرَّحْمنِ بِإِعْراضٍ كانَ فِيْ أُمِّ الْكِتابِ كَبِيْرًا، أَنِ اثْبُتْ عَلى
الأَمْرِ ثُمَّ ذَكِّرْ نَفْسَكَ فِيْكُلِّ الأَيّامِ وَإِنْ تَسْتَطِيْعُ فِيْ
نَفْسِكَ بَلِّغْ أَمْرَ رَبِّكَ إِلى الَّذِيْنَ تَجِدُهُمُ الْيَوْمَ فِيْ
غَفْلَةٍ وَشِقاقٍ بَعِيْدًا، كَذلِكَ أَذْكَرَكَ لِسانُ الْقِدَمِ لِتَتَّبِعَ ما
أُمِرْتَ بِهِ وَتَكُوْنَ عَلى أَمْرِ رَبِّكَ مُسْتَقِيْمًا، وَالْبَهآءُ
عَلَيْكَ وَعَلی مَنْ فِيْ حَوْلِكَ مِنَ الَّذِيْنَهُمْ آمَنُوا وَكانُوا
عَلى الأَمْرِ مُقِيمًا.
[١٥] هو
القيّوم الباقي
فَسُبْحانَ الَّذِيْ لَهُ
مُلْكُ السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَإِنَّهُ كانَ بِكُلِّشَيْءٍ عَلِيْمًا، وَلَهُ
يَسْجُدُ كُلُّ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالْعَرْشِ وَإِنَّهُ كانَ عَلاّمًا
حَكِيْمًا، لَهُ الْجُوْدُ وَالْفَضْلُ يُحْيِيْ مَنْ يَشآءُ بِسُلْطانِهِ
وَإِنَّهُ لَمُقْتَدِرٌ قَدِيْرًا، لَهُ السَّلْطَنَةُ وَالْبَقا وَالْعَظَمَةُ
وَالسَّنا وَالرِّفْعَةُ وَالْبَها وَالْقُدْرَةُ وَالضِّيا وَالْعِزَّةُ
وَالْبَدا يَغْفِرُ مَنْ يَشآءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشآءُ وَإِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ
حَكِيْمًا، قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِنّا كُنّا بِذلِكَ شَهِيْدًا، قُلِ
اللهُ رازِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِنّا كُنّا بِذلِكَ خَبِيْرًا، قُلِ اللهُ مُحْييْ
كُلِّ شَيْءٍ وَجاعِلُهُ وَسُلْطانُ كُلِّ شَيْءٍ وَخالِقُهُ وَإِنَّهُ كانَ عَلى
كُلِّشَيْءٍ مُحِيْطًا، قُلْ يا قَوْمِ اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِالَّذِيْ
جائَكُمْ بِسُلْطانٍ قَدْ كانَ عَلى الْحَقِّ مُبِيْنًا، إِيّاكُمْ أَنْ لا
تَسْتَنْكِفُوا عَنْ عِبادَةِ رَبِّكُمْ وَلا تَسْتَكْبِرُوا بَعْدَ الَّذِيْ
جائَكُمُ الْبُرْهانُ عَنْ كُلِّ طَرَفٍ قَرِيْبًا، وَلا تَتَّبِعُوا ما
يَأْمُرُكُمْ بِهِ هَوَيكُمْ ثُمَّ أَسْرِعُوا إِلى شَطْرِ عِزٍّ رَفِيْعًا، قُلْ
قَدْ جائَتْكُمُ الْفِتْنَةُ عَنْ كُلِّ الْجِهاتِ وَأَخَذَتْكُمْ صَواعِقُ
الأَمْرِ عَنْ كُلِّ طَرَفٍ بَدِيْعًا، اتَّقُوا اللهَ ثُمَّ اثْبُتُوا عَلى
الأَمْرِ ثُمَّ اسْتَقِيْمُوا
عَلى الصِّراطِ وَلا تَكُوْنُنَّ فِي الْمُلْكِ جَبّارًا شَقِيًّا، خافُوا عَنِ
اللهِ وَلا تَطْرُدُوا الَّذِيْ جآئَكُمْ بِآياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَدْعُوْكُمْ
إِلاّ بِسُلْطانٍ عَظِيْمًا، وَيَذْكُرُكُمْ أَحْسَنَ الذِّكْرِ فِيْ كَلِمَةِ
الَّتِيْ كانَتْ عَنْ أُفُقِ اللهِ لَمِيْعًا، وَيَأْمُرُكُمْ بِالْبِرِّ
وَالتَّقْوى وَيَمْنَعُكُمْ عَنِ الْبَغْيِ وَالْفَحْشآءِ وَيُسْمِعُكُمْ آياتِ
عِزٍّ بَدِيْعًا، يا قَوْمِ إِنْ نَسِيْتُمْ حُكْمَ اللهِ فِيْ قَبْلِ الْقَبْلِ
فَما فِئَةُ الْفُرْقانِ عَنْكُمْ بِبَعِيْدًا، أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِيْنَهُمْ كانُوا
مِنْ قَبْلُ وَكَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَاسْتَهْزَؤُا بِرُسُلِهِ وَأَخَذَهُمْ
نِكالُ قَهْرٍ مُبِيْنًا، اتَّقُوا اللهَ ثُمَّ تَفَكَّرُوا فِيْما مَضى مِنْ
قَبْلُ لَعَلَّ تَسْتَرْشِدُوْنَ فِيْهذِهِ الأَيّامِ الَّتِيْ كانَتِ الآياتُ
عَنْ كُلِّ الْجِهاتِ مَنْزُوْلاً، قُلْ إِنْ يَمْنَعُكُمْ كُلُّ مَنْ فِي
السَّمواتِ وَالأَرْضِ عَنْ ذلِكَ لا تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ ثُمَّ أَعْرِضُوا
عَنْهُ وَأَقْبِلُوا إِلى جَمالِ قُدْسٍ جَمِيْلاً، ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنْ حَضَرَ
بَيْنَ يَدَيْنا ما سُطِرَ مِنْ عِنْدِكَ وَوَجَدْنا مِنْهُ رَوائِحَ حُبٍّ
مَنِيْعًا، وَأَجَبْناكَ بِهذِهِ الآياتِ الَّتِيْ نُزِّلَتْ بِالْحَقِّ مِنْ سَمآءِ
قُدْسٍ رَفِيْعًا، ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنّا كُنّا أَجَبْناكَ مِنْ قَبْلُ
وَنُجِيْبُكَ حِيْنَئِذٍ وَأَرَدْنا لَكَ فِي الْفِرْدَوْسِ مَقامَ عِزٍّ
كَرِيْمًا، وَهذا مَقامُ
الَّذِيْ ما سَبَقَهُ مَقامٌ إِلاّ إِنْ يَشآءُ اللهُ رَبُّكَ وَرَبُّ
الْعالَمِيْنَ جَمِيْعًا، وَإِنَّكَ أَنْتَ يا حَبِيْبِيْ فَاسْعَ فِيْ نَفْسِكَ
لِتَكُوْنَ ثابِتًا فِيْ حُبِّكَ وَراسِخًا فِيْ دِيْنِكَ وَمُتَمَسِّكًا
بِعُرْوَةِ الَّتِيْ كانَتْ عَلى الْحَقِّ قَوِيًّا، كَذلِكَ أَلْقَيْناكَ ما هُوَ
خَيْرٌ لَكَ عَنْ كُلِّ ما فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ إِنْ أَنْتَ بِبَصَرِ
الرُّوْحِ بَصِيْرًا، ثُمَّ ذَكِّرْ مِنْ لَدُنّا كُلَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَكانَ عَلى الْحُبِّ مُقِيْمًا وَعَلى الأَمْرِ
مُسْتَقِيْمًا.
[١٦] بسم الرّبّ العزيز القدير
هذا كِتابٌ مِنْ شَجَرَةِ
الرُّوْحِ لِلَّذِيْ آمَنَ بِاللهِ ثُمَّ هَدى، وَسَمِعَ نِدآءَ اللهِ عَنْ وَرآءِ
قُلْزُمِ الرُّوْحِ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، أَنْ يا عَبْدُ بَشِّرْ فِيْ
نَفْسِكَ فِيْما بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فِيْ مَكامِنِ التُّقى، وَقُدِّرَ فِيْهِ
ما لا يَشْهَدُ أَحَدٌ فِي الْمُلْكِ وَما لا يُرى سَتَشْهَدُ ما وَعَدَكَ اللهُ
فِيْ جَنَّةِ الْمَأْوَی، وَتَجِدُ فِيْها ما لا تَعْرِفُهُ أَفْئِدَةُ
أُوْلِي النُّهى، قُلْ يا قَوْمِ لا تَحْرِمُوا أَنْفُسَكُمْ عَمّا هُوَ خَيْرٌ
لَكُمْ عَنْ مُلْكِ الآخِرَةِ وَالأُوْلى، فَاعْرِفُوا قَدْرَ
تِلْكَ الأَيّامِ ثُمَّ أَسْرِعُوا
إِلى مَقامِ الَّذِيْ ظَهَرَتْ فِيْهِ آيَةُ اللهِ الْكُبْرى مِنْ نُوْرِ اللهِ
الْعَلِيِّ الأَعْلى، قُلْ تَاللهِ هذا لَهُوَ الْمَنْظَرُ الْعُظْمى، الَّذِيْ وُصِفَ
فِيْ كُلِّ الأَلْواحِ وَفِيْما نُزِّلَ عَلى إِبْراهِيْمَ وَمُوْسى، وَإِنَّ هذا لَخَيْرُ الَّذِيْ ما أَدْرَكَهُ إِلاّ أُوْلِي
الْحِجى، الَّذِيْنَ إِذا سَمِعُوا نِدآءَ اللهِ أَجابُوا بِقَوْلِهِمْ بَلى،
أُوْلئِكَ الَّذِيْنَ عَلَيْهِمْ صَلَواةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ثُمَّ مِنْ أَصْحابِ
الْهُدى، إِذًا أَنْتَ فَانْظُرْ مَقامَكَ فِيْما أَراكَ اللهُ فِيْ نَوْمِكَ مِنْ
قَصَصِ الأُوْلى، لِتَعْرِفَ ما كَشَفْنا لَكَ مِنْ أَسْرارِ الْبَقا الَّتِيْ
كانَتْ تَحْتَ حُجُباتِ الْقَضا مِمّا سُتِرَ وَأَخْفى، قُلْ إِنَّهُ لَذُوْ
نَظْرَةٍ تَسْعى، وَيَمْشِيْ قُدَّامَهُ نُوْرُ الأَحَدِيَّةِ الَّذِيْ يُوْقِدُ
وَيُجْلى، لِيَهْتَدِيْ بِهِ مَنْ كانَ مِنْ أَهْلِ رَفْرَفِ الأَسْنى، وَيَضَلُّ
مَنْ كانَ مِنْ أَهْلِ الْحِمى، وَإِنَّ ذلِكَ ما سُطِرَ فِيْ صُحُفِ الرُّوْحِ
عِنْدَ شَجَرَةِ الْقُصْوى، وَإِنَّ هذا ما جَرى عَلَيْهِ قَلَمُ الأَعْلى،
وَالرَّوحُ عَلَيْكَ وَعَلى الَّذِيْنَهُمْ طارُوا فِيْهَوآءِ الْقُرْبِ ثُمَّ
اهْتَدى، وَالنّارُ لِمَنْ كَفَرَ بِاللهِ ثُمَّ شَقى، وَأَعْرَضَ عَنْ صِراطِ
الْعَدْلِ ثُمَّ طَغى، وَكانَ مِمَّنْ ضَلَّ وَغَوى، أَنْ يا حَبِيْبُ نَبِّئْ عِبادَ الله بِكَلِمَةِ
اللهِ الْعُلْيا الَّتِيْ
أَنْزَلَها الرُّوْحَ مَرَّةً أُخْرى، وَأَرْسَلَها شَدِيْدُ الأَمْرِ مِنْ
جَبَرُوْتِ الْقُوى، لِيُعَلِّمَكُمْ سُبُلَ الْفِرْدَوْسِ وَيَهْدِيْكُمْ إِلى
قِبابِ الأَبْهى، قُلْ إِنَّها أَشْرَقَتْ عَنْ أُفُقِ الْفَجْرِ كَالشَّمْسِ فِيْ
وَسَطِ الضُّحى، لِيُقَرِّبَكُمْ إِلى اللهِ وَتَكُوْنَ لَكُمُ الذِّكْرى، إِذْ
فَاسْتَمِعْ لِما يُوْحى عَلَيْكَ مِمّا رُقِمَ مِنْ قَضايآءِ الأَمْرِ عَلی
ألْواحِ الْياقُوْتِ مِنْ أَصابعِ الأَحْلى، لِيُخَلِّصَكَ عَنْ زَخارِفِ
الْمُلْكِ وَيَجْذُبَكَ إِلى مَواقِعِ الرُّوْحِ فِيْ وَطَنِ الأَوْفى، فَهَنِيْئًا
لِمَنْ سَمِعَ الْقَوْلَ وَخَضَعَ لِكَلِمَةِ اللهِ وَتَفِيْضُ عَيْناهُ مِنَ
الدَّمْعِ إِذا يَصْغى، وَيَحْتَرِقُ قَلْبُهُ بِنارِ الْحُبِّ ثُمَّ يُغْلى،
وَهذا ما رَقَمَ قَلَمُ الْعَبْدِ فِيْ هذا اللَّوْحِ الأَبَدِيِّ الأَجْلى، الَّذِيْ سَمّاهُ اللهُ بِالسِّيْنِ بَعْدَ الْحا
فِيْ مَلَكُوْتِ الأَسْما، وَالرَّوْحُ عَلَيْكَ وَعَلى مَنْ فازَ بِلِقآءِ يَوْمٍ
يَأْتِيْ بِالْحَقِّ وَفِيْهِ الرَّحْمنُ عَلى الْعَرْشِ اسْتَوى.
[١٧] هو
العزيز العليّ الحيّ الجميل
ذِكْرُ اللهِ فِيْ شَجَرَةِ
الْفِرْدَوْسِ فِيْ شاطِي الْبَقا عَلى أَفْنانِ الْعَما يَمِيْنِ الرُّوْحِ فِيْ
وادِي الْمُقَدَّسِ طُوْرِ الْجَمالِ أَنْ يا أَهْلَ الْبَها فَاسْمَعُوْنَ،
هُوَ الَّذِيْ أَنْطَقَ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ الآياتِ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ عَلى أَنَّهُ هُوَ الْمَلِكُ الْمُقْتَدِرُ الْمُهَيْمِنُ الْقَيُّوْمُ، إِنَّ
فِيْ خَلْقِ السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ النُّوْرِ وَالظُّلْمَةِ
وَتَوَرُّقِ الأَشْجارِ وَجَرَيانِ فُلْكِ الأَحَدِيَّةِ عَلى بَحْرِ النّارِ
وَهُبُوْبِ نَسَماتِ الْقُدْسِ عَنْ فِرْدَوْسِ الْجَمالِ وَتَصْرِيْفِ الآياتِ
مِنْ غَمامِ الْهُوِيَّةِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُوْنَ، قُلْ يا قَوْمِ اتَّقُوا
اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ وَلا تَظُنُّوا ظَنَّ السُّوْءِ وَلا تَفْتَرُوا
بِأَصْفِيائِهِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَ النّاسِ وَلا تَرْتَكِبُوا الْبَغْيَ
وَالْفَحْشآءَ إِنْ أَنْتُمْ بِحُكْمِ اللهِ فِيْ شَجَرَةِ الأَمْرِ تُوْقِنُوْنَ،
هذا ما يَنْصَحُكُمُ الرُّوْحُ فِيْما أَجْرى اللهُ عَلى قَلَمِ الأَعْلى فِيْ
أَلْواحِ قُدْسٍ مَكْنُوْنٍ، لِيُوْقِنُنَّ الْكُلُّ بِآياتِهِ فِيْ أَيّامِهِ
وَيَسْتَبْشِرُوا الَّذِيْنَ َهُمْ طارُوا بِجَناحَيْنِ الانْقِطاعِ وَهُمْ مِنْ
نِعْمَةِ اللهِ يُسْتَجْذَبُوْنَ، وَإِذا يُلْقى عَلَيْهِمُ الآياتُ
وَجَلَتْ قُلُوْبُهُمْ
وَتَفِيْضُ مِنْ قَطَراتِ الْحَمْرا وَهُمْ عَنْ نارِ الْحُبِّ يَشْتَعِلُوْنَ،
عَلَيْهِمْ رِضْوانٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمُ الزُّلْفى فِيْ مَعارِجِ الْبَقا وَقُدِّرَ
لَهُمْ بَيْنَ يَدَيِّ الْوَجْهِ سُرُرٌ مِنْ ياقُوْتِ الْبَيْضا وَهُمْ عَلَيْها
يَتَّكِئُوْنَ، كَذلِكَ نُلْقِيْ عَلَيْكَ مِنْ أَلْحانِ الْهُوِيَّةِ لَعَلَّ
يَنْقَطِعُكَ عَنْ كُلِّ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَيُقَلِّبُكَ إِلى
جِوارِ رَحْمَةِ اللهِ وَيُؤَيِّدُكَ عَلى النَّصْرِ وَيَرْزُقُكَ مِنْ ثَمَراتِ
الْخُلْدِ وَيَجْعَلُكَ مِنَ الَّذِيْنَ هُمُ اهْتَدُوا بِأَنْوارِ الْجَمالِ
وَعَنْ حِياضِ الرَّحْمَةِ يَشْرَبُوْنَ، كَذلِكَ صَرَّفْنا الآياتِ بِالْحَقِّ
وَأَنْزَلْنا الرُّوْحَ عَلَيْكَ لِتَهُزَّ نَفْسَكَ مِنَ الشَّوْقِ وَتَكُوْنَ
مِنَ الَّذِيْنَ هُمْ فِيْ رِضْوانِ الْوِصالِ يُحْبَرُوْنَ، يا حَرْفَ الْعِزِّ
اقْرَءْ ما رَتَّلْناهُ لَكَ ثُمَّ احْفَظْها لِيَحْدُثَ فِيْكَ رُوْحُ
الْحَيَوانِ وَيُقَرِّبَكَ إِلى مَكْمَنِ عِزٍّ مَخْزُوْنٍ، فَاعْمَلْ بِما أُمِرْتَ
ثُمَّ اسْتَقِمْ وَلا تَخَفْ مِنْ أَحَدٍ وَلَوْ يَعْتَرِضُ عَلَيْكَ كُلُّ مَنْ
فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ لِيَبْعَثَكَ اللهُ فِيْ هَوآءِ النُّوْرِ وَيَهِبَكَ
مُلْكًا فِي اسْمِهِ الأَعْلى وَيُنْزِلَ عَلَيْكَ مِنْ غَمامِ الرَّحْمَةِ ما
قُدِّرَ فِيْ لَوْحٍ
مَحْفُوْظٍ، وَالرَّوْحُ
عَلَيْكَ وَعَلى الَّذِيْنَ كانُوا لِوَجْهِ اللهِ ساجِدُوْنَ.
[١٨] هو
العزيز الباقي
أَنْ يا حُسَيْنُ أَنِ
اشْهَدْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِلِسانِكَ ثُمَّ بِقَلْبِكَ ثُمَّ بِذاتِكَ بِأَنَّهُ
لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَأَنَّ عَلِيًّا قَبْلَ مُحَمَّدٍ مَظْهَرُ جَمالِهِ
وَمَطْلِعُ إِجْلالِهِ وَمَعْدِنُ وَحْيِهِ وَمَنْبَعُ عِلْمِهِ لِمَنْ فِي
السَّمواتِ وَالأَرَضِيْنَ، وَبِهِ ثَبُتَ التَّوْحِيْدُ وَأُظْهِرَ جَمالُ
التَّفْرِيْدِ وَغَنَّتِ الْوَرْقاءُ عَلى أَفْنانِ سِدْرَةِ الْبَقا بِأَنَّهُ لا
إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيْمُ، ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنْ حَضَرَ بَيْنَ
يَدَيْنا كِتابُكَ وَاطَّلَعْنا بِما فِيْهِ وَإِنَّا كُنّا عالِمِيْنَ،
وَأَجَبْناكَ بِهذِهِ الآياتِ الَّتِيْ تَعْجَزُ عَنْها الْعالَمِيْنَ، قُلْ يا
قَوْمِ خافُوا عَنِ اللهِ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَلا تَكُوْنُنَّ مِنَ
الْمُفْسِدِيْنَ، وَإِذا نُزِّلَتْ عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ لا تَتَّخِذُوْها
هُزُوْءًا وَلا تَكُوْنُنَّ مِنَ الْغافِلِيْنَ، ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنَّا ما
أَرَدْنا أَنْ نُظْهِرَ وَجْهَنا لأَحَدٍ كَما كُنّا بَيْنَ الْعِبادِ وَما
عَرَفَنا مِنْ أَحَدٍ وَكُنّا فِيْ سَتْرٍ عَظِيْمٍ، وَلكِنَّ الْمُشْرِكِيْنَ
لَمّا حَبَسُوْنا فِيْ هذا السِّجْنِ الْبَعِيْدِ
لِذا كَشَفْنا حُجُباتِ
السَّتْرِ وَأَظْهَرْنا الْوَجْهَ كَالشَّمْسِ الْمُشْرِقِ
الْمَنِيْعِ لِيَحْتَرِقَ بِذلِكَ أَكْبادُ الْمُغِلِّيْنَ وَيَزْدادَ إِيْمانُ
الْمُوَحِّدِيْنَ، قُلْ تَاللهِ مِنْ سُلْطانِ الْقِدَمِ
قَدْ نُزِّلَ عَلى هذا الْقَلَمِ كَلِمَةٌ تَنْفَطِرُ عَنْها السَّمواتُ
وَالأَرْضُ إِلاّ مَنْ شآءَ رَبُّكَ الْعَزِيْزُ الْباقِي
الْمَنِيْعُ، كَذلِكَ غَنَّتِ الْوَرْقآءُ عَلَيْكَ لِتَطَّلِعَ
بِما هُوَ الْمَسْتُوْرُ عَنْ كُلِّ ذِيْ بَصَرٍ بَصِيْرٍ، وَتَكُوْنَ ثابِتًا
فِيْ أَمْرِ رَبِّكَ وَأَمِيْنًا فِيْ رِسالاتِهِ وَتُسَرَّ فِيْ ذاتِكَ
وَنَفْسِكَ وَتَكُوْنَ عَلى الصِّراطِ بِيَقِيْنٍ مُبِيْنٍ، ثُمَّ اعْلَمْ
بِأَنَّا ما نَسِيْناكَ مِنْ قَبْلُ وَما أَنْسَيْناكَ فِيْ هذا السِّجْنِ
الَّذِيْ كانَ خَلْفَ جِبالٍ عَظِيْمٍ، وَنَسْئَلُ اللهَ بِأَنْ يُوَفِّقَكَ عَلى
الأَمْرِ وَيَرْفَعَكَ إِلى مَقْعَدِ الْقُدْسِ مَقَرٍّ أَمِيْنٍ، بِحَيْثُ لَنْ
يَزَلَّ قَدَمُكَ عَنْ أَمْرِ الَّذِيْ لَنْ يَقُوْمَ مَعَها شَيْءٌ وَكانَ
أَعْظَمَ مِنْ كُلِّ عَظِيْمٍ، وَالرَّوْحُ وَالنُّوْرُ وَالْعِزُّ وَالسَّنا
عَلَيْكَ وَعَلى مَنْ مَعَكَ مِنْ يَوْمِئِذٍ إِلى يَوْمِ الدِّيْنِ.
[١٩] هو العزيز
قُلْ أَنْ يا أَهْلَ الأَرْضِ
أُفٍّ لَكُمْ وَبِما اكْتَسَبَتْ أَيْدِيْكُمْ فِيْ هذِهِ الأَيّامِ الَّتِيْ كانَ
الرُّوْحُ عَنْ أُفُقِ الْقُدْسِ لَمِيْعًا، وَكُنْتُمْ فِيْ أَلْفٍ مِنَ
السِّنِيْنِ بَكَيْتُمْ عَلى الْحُسَيْنِ بِما وَرَدَ عَلَيْهِ مِنْ هَياكِلِ
كُفْرٍ شَقِيًّا، وَفِيْ كُلِّ يَوْمٍ لَعَنْتُمْ عَلی مَنْ ظَلَمَهُ وَهذا ما
فَعَلْتُمْ بِهِ فِيْ شُهُوْرٍ وَسِنِيْنًا، فَلَمّا ظَهَرَ الْحُسَيْنُ
بِالْحَقِّ قَتَلْتُمُوْهُ بِأَسْيافِ لِسانِكُمْ فِيْ كُلِّ بُكُوْرٍ
وَأَصِيْلاً، إِلى أَنْ أَخْرَجْتُمُوْهُ عَنْ دِيارِكُمْ كَما قُضِيَ ذلِكَ
عَلَيْهِ فِيْ أَوَّلِ مَرَّةٍ وَهذا فِيْ صُحُفِ قُدْسٍ حَفِيْظًا، قُلْ يا مَلأَ
الْبَغْضآءِ لا تَفْرَحُوا بِذلِكَ لأَنّا نَشْتاقُ بِما قُدِّرَ لَنا مِنْ لَدُنْ
عَزِيْزٍ حَبِيْبًا، قُلْ إِنّا رَضِيْنا بِما كَتَبَ اللهُ لَنا وَقَبِلْنا
بِأَنْفُسِنا فِيْ سَبِيْلِهِ كُلَّ بَلآءٍ عَسِيْرًا، قُلْ كَذلِكَ فَصَلَ اللهُ
بَيْنَ الصّادِقِ وَالْكاذِبِ وَالنُّوْرِ وَالظُّلْمَةِ لِتَكُوْنَ أَنْوارُ
الصِّدْقِ عَنْ مَشْرِقِ هذا الصُّبْحِ لَمِيْعًا وَمُضِيْئًا، وَنُظْهِرَ آثارَ
الْكَذِبِ عَلى العالَمِيْنَ مُبِيْنًا، فَوَاللهِ إِنّا تَوَكَّلْنا عَلى اللهِ
رَبِّنا وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ لَنْ يَخافَ مِنْ أَحَدٍ
وَلَنْ يَلْتَفِتَ بِنَفْسٍ وَكانَ اللهُ عَلى
ذلِكَ شَهِيْدًا، وَأَنْتُمْ
يا أَصْحابَ اللهِ لَوْ تُصَدِّقُوْنَ فِيْ حُبِّكُمْ بارِئَكُمْ يَنْبَغِيْ
لَكُمْ بِأَنْ تَنْقَطِعُوا عَنْ كُلِّ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ بِحَيْثُ
لَمْ يَكُنِ الْمُلْكُ عِنْدَكُمْ إِلاّ كَكَفِّ تُرابٍ حَقِيْرًا، كَذلِكَ يَعِظُ
الْوَرْقآءُ عِبادَ الَّذِيْنَ يُرِيْدُوْنَ أَنْ يَتَّخِذُوا إِلى ذِي الْعَرْشِ
سَبِيْلاً، وَالرَّوْحُ عَلَيْكُمْ وَعَلى الْمُحِبِّيْنَ جَمِيْعًا.
[٢٠] هو
الله
هذِهِ فِرْدَوْسُ الْبَقا
قَدْ فَتَحْنا أَبْوابَها لِمَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ فَأَسْرِعُوا إِلَيْها
يا أَيُّها الْمُخْلِصُوْنَ، وَلا تَنْقَلِبُوا عَلى أَعْقابِكُمْ وَتَوَكَّلُوا
عَلى اللهِ ثُمَّ أَقْبِلُوا إِلَيْها إِنْ أَنْتُمْ فِيْ هُدى اللهِ
تَسْلُكُوْنَ، وَهذِهِ مَدِيْنَةٌ قَدْ أَظْهَرَها اللهُ بِقُدْرَتِهِ قُلْ
سِيْرُوا فِيْها إِنْ أَنْتُمْ بِوَجْهِ اللهِ تَنْظُرُوْنَ، قُلْ يا أَهْلَ
الأَرْضِ أَنِ انْصُرُوا اللهَ رَبَّكُمْ بِسُيُوْفِ فُؤادِكُمْ عَلى ما أَنْتُمْ
فِي الْمُلْكِ تَقْتَدِرُوْنَ، قُلْ هذِهِ مِنْ آياتِ اللهِ جَعَلْناها آيَةً
لِعُبُوْدِيَّتِيْ لَهُ إِنْ أَنْتُمْ بِطَرْفِ الرُّوْحِ تَشْهَدُوْنَ، قُلْ لا
لِيْ مِنْ أَمْرٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَهذا مِنْ إِذْنِهِ قَدْ نُزِّلَ
بِالْحَقِّ وَإِنْ كانَ النّاسُ فِيْ
مَراقِدِ هَواهُمْ
مَيِّتُوْنَ، قُلْ فَادْخُلُوا بَيْتَ اللهِ الأَكْبَرَ وَاذْكُرُوْهُ بِالرَّوْحِ
وَأَنْتُمْ عَلى الأَذْقانِ تَخُزُّوْنَ، وَلا تَخافُوا مِنْ شَيْءٍ فَافْتَحُوا
أَبْصارَكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا الَّذِيْنَ اتَّخَذُوا إِلهَهُمْ هَواهُمْ وَهُمْ
عَلَيْها عاكِفُوْنَ، وَأَنِ اشْهَدُوا الْحَقَّ بِالْعَدْلِ ثُمَّ انْظُرُوا إِلى
وَجْهِ الْجَمالِ إِنْ أَنْتُمْ فِيْ وادِي الْحُبِّ تَرْكُضُوْنَ، قُلْ أَنِ اسْتَغْفِرُوا فِيْما ظَنَنْتُمْ فِي
الَّذِيْ ما كانَ بَيْنَكُمْ إِلاّ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ وَلَوْ تَسِيْرُنَّ فِي الأَرْضِ
لَنْ تَجِدُوا بِمِثْلِهِ وَكانَ اللهُ شَهِيْدٌ عَلى ذلِكَ وَهذا بُرْهانُ
الصِّدقِ إِنْ أَنْتُمْ تَفْقَهُوْنَ.
[٢١] هو
الله العليُّ الأعلى
ذِكْرُ وَرَقَةِ الْبَقا فِيْ
شَجَرِ الْفِرْدَوْسِ أَنْ يا مَلأَ الأَعْلى فَاسْمَعُوْنَ، وَهذا مِنْ ذِكْرٍ يَهِبُ
كُلَّ شَيْءٍ ما يُغْنِيْهِ عَنْ كُلِّ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ إِنْ
أَنْتُمْ بِهذا الذِّكْرِ فِيْ كُلِّ حِيْنٍ مُتَذَكِّرُوْنَ، وَيُلْقِيْ عَلى
أَهْلِ الْعَما ما يَنْبَغِيْ لَهُ مِنْ عَوالِمِ الأَسْما وَيَهُبُّ عَلى أَهْلِ
الْفِرْدَوْسِ ما يُقَرِّبُهُمْ إِلى اللهِ الْمُهَيْمِنِ الْقَيُّوْمِ،
وَيُنْفِقُ
عَلى أَهْلِ السَّمواتِ مِنْ
لَحَظاتِ جَذْبٍ مَكْنُوْنٍ مِمّا سُتِرَ خَلْفَ سُرادِقِ الرُّوْحِ فِيْ حُجُباتِ
الْقُدْسِ إِنْ أَنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ، وَهذا ما يَدْعُو الْعاشِقِيْنَ إِلى
رَفْرَفِ الْخُلْدِ فِيْ جَنَّةِ عِزٍّ مَحْبُوْبٍ وَيَصِلُ الْعارِفِيْنَ إِلى
شاطِئِ الأَحَدِيَّةِ إِنْ أَنْتُمْ تَعْرِفُوْنَ، كُلُّ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ
عَلَيْكُمْ يا أَيُّها الْمُخْلِصُوْنَ، وَهذا ما قُدِّرَ فِي الأَلْواحِ مِنْ
قَلَمِ الَّذِيْ يَجْرِيْ مِنْهُ عَيْنُ الْحَيَوانِ عَلى قَدْرٍ مَقْدُوْرٍ،
وَأَحْجَبَهُ اللهُ فِيْ كَنائِزِ الْعِصْمَةِ وَغَطّاهُ مِنْ سُنْدُسِ قُدْسٍ
مَنْسُوْجٍ، فَهَنِيْئًا لِمَنِ انْقَطَعَ إِلى اللهِ بِكُلِّهِ وَأَجابَهُ فِي
الْقَوْلِ وَفازَ بِما قَدَّرَ اللهُ لَهُ فِيْ لَوْحٍ مَسْطُوْرٍ وَهذا مِنْ
فَضْلٍ ما سَبَقَهُ أَحَدٌ فِي الْمُلْكِ إِلاَّ الَّذِيْنَهُمْ فِيْ رِضى اللهِ
يَسْلُكُوْنَ، وَإِنَّكِ أَنْتِ يا أَمَةَ اللهِ اسْمَعِيْ ما يُلْقِيْكِ حَمامَةُ
الْقُدْسِ ثُمَّ قَرِّبِيْ بِقَلْبِكِ إِلى اللهِ رَبِّكِ وَلا تَحْزَنِيْ فِيْ
شَيْءٍ وَإِنَّ هذا ما فازَ بِهِ الْمُقَرَّبُوْنَ، وَلا تَنْسِيْنَ فَضْلَ اللهِ
فِيْما اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ عَنِ الْكُفْرِ وَرَزَقَكِ مِنْ أَثْمارِ شَجَرَةِ
الْحُبِّ فِيْ رِضْوانِ قُرْبٍ مَشْهُوْدٍ، ثُمَّ اشْكُرِيْهِ عَلى ذلِكَ وَعَلى
ما هَداكِ إِلى مَقامٍ يَشْتاقُهُ عِبادٌ مُكْرَمُوْنَ،
كَذلِكَ أَلْقَيْناكِ قَوْلَ
الْحَقِّ وَأَلْهَمْناكِ ما يَطْمَئِنُّ بِهِ قَلْبُكِ لِتَكُوْنَنَّ مِنَ
الَّذِيْنَهُمْ إِلى جِهَةِ الْعَرْشِ يُسْرِعُوْنَ، وَالرَّوْحُ عَلَيْكِ وَعَلى
اللَّواتِيْهِنَّ يَذْكُرْنَ
رَبَّهُنَّ فِيْكُلِّ حِيْنٍ وَيُصَلِّيُنَّ عَلَيْهِمْ مَلائِكَةُ
الْمُقَرَّبُوْنَ.
[٢٢] هو
الرّوح قد كان في قطب البقآء مشهودا
يا حَرْفَ الْقُرْبِ
فَاسْمَعْ نَغَماتِ الْوَرْقا مِنْ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، وَتُلْقِيْ عَلى
الأَرْواحِ مِنْ آياتِ رَبِّهِ الأَعْلى، الَّتِيْ رَفَعَها اللهُ فَوْقَ رَفْرَفِ
الْعِرْفانِ فِيْ مَقامٍ لا يُشْهَدُ وَلا يُرى، وَأَظْهَرَها مِنْ وَرآءِ
الْحُجُباتِ فِيْ جَبَرُوْتِ الأَسْنى، وَأَشْرَقَتِ الشَّمْسُ مِنْ نُوْرِها فِيْ
وَسَطِ الضُّحى، وَيُقْبِلُ إِلَيْها كُلُّ مَنْ آمَنَ بِالرُّوْحِ ثُمَّ هَدى،
وَيُعْرِضُ عَنْها كُلُّ مُتَكَبِّرٍ كَفَرَ وَشَقى، وَيُنادِيْ كُلَّ مَنْ فِي
السَّمواتِ إِلى تَحْتِ الثَّرى، بِما نادَ الرُّوْحُ فِيْ وَسَطِ الأَجْوا فِيْما
أَمَرَ وَأَوْحى، قُلْ هذِهِ أَرْضُ الْبَقا فَاسْمَعُوا مِنْ آياتِ رَبِّنا
الأَعْلى مِنْ هذِهِ الْفَمِ الأَحْلى فِيْهذا الْمَنْظَرِ الْكُبْرى، وَخُذُوا
نَصِيْبَكُمْ فِيْما يَنْزِلُ وَيُعْلى، وَهذا مِنْ رِزْقِ الَّذِيْ قُدِّرَ
لِمَنْ
سَكَنَ فِيْ رِضْوانِ
الْخُلْدِ ثُمَّ عَلا، وَوَصَلَ إِلى مَقامِ الْقُرْبِ فَوْقَ قَوْسِهِ الأَدْنى،
إِذًا قُلْ سُبْحانَ رَبِّي الأَعْلى، هذا ما نُزِّلَ مِنْ قَلَمِ الأَعْلى لِمَنْ
يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى، وَتَجْذُبُ مِنْ نَغَماتِ الْفِرْدَوْسِ عِنْدَ شَجَرَةِ
الْقُصْوى، ثُمَّ نَزَلَتْ رُوْحُ الأَمْرِ نَزْلَةً أُخْرى، لِتُلْقِيْ عَلى
الْعِبادِ ما لا يُلْقى مِنْ حِكْمَةِ الْبَقا عَمّا سَتَرَ وَأَخْفى، كَذلِكَ
يُنْزِلُ الآياتِ عَلى مَنْ يَشآءُ وَإِنَّهُ ما مِنْ إِلهَ إِلاّ هُوَ وَلَهُ
الأَمْرُ فِي الآخِرَةِ وَالأُوْلى، وَيُعَلِّمُ الْعِبادَ مِنْ أَسْرارِ
الْبَهِيِّ الأَبْهى، لِيُسْرِعُوا النّاسُ إِلى كَوْثَرِ الْوَصْلِ فِيْ مَكامِنِ
التُّقى، وَيَرْجِعُوا إِلى وَطَنِ الَّذِيْ لا يَمُوْتُ فِيْهِ وَلا يَحْيى،
وَالرَّوْحُ عَلى الَّذِيْنَهُمُ انْقَطَعُوا إِلى اللهِ فِيْ مَعارِجِ الْهُدى،
وَالنّارُ عَلى مَنْ أَعْرَضَ وَتَوَلّى.
[٢٣] هو
الله
هذا كِتابٌ يَنْطِقُ
بِالْحَقِّ وَيُبَشِّرُ النَّاسَ إِلى رِضْوانِ قُدْسٍ عَلِيًّا وَيُقَرِّبُ
الْمُقَرَّبِيْنَ إِلى ساحَةِ الْقُدْسِ وَيُبْلِغُهُمْ إِلى سَمآءِ عِزٍّ
بَهِيًّا، ثُمَّ يَذْكُرُ الَّذِيْنَ هُمْ آمَنُوا
بِاللهِ وَآياتِهِ وَوَرَدَ
عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَصائِبِ ما يَجْرِيْ عَنْها دُمُوْعُ كُلِّ مُؤْمِنٍ
أَمِيْنًا، قُلْ إِنَّ الَّذِيْ ماتَ مِنْكُمْ إِنَّهُ رُفِعَ إِلى اللهِ وَكَانَ
اللهُ عَلى ذلِكَ شَهِيْدًا، تَاللهِ إِنَّهُ رَجعَ إِلى نُقْطَةِ الأُوْلى فِيْ
مَقامِ عِزٍّ مَكِيْنًا، أَنْتُمْ يا أَحِبّآءَ اللهِ لا تَحْزَنُوا عَنْ ذلِكَ
بَلْ فَافْرَحُوا بِفَرَحِ اللهِ ثُمَّ تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ ثُمَّ ارْضَوْا
بِقَضائِهِ ثُمَّ اصْبِرُوا فِي الْبَلايآءِ وَالْمِحَنِ وَكُوْنُوا فِي الأَمْرِ
رَضِيًّا، كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةٌ الْمَوْتَ وَهذا ما رُقِمَ مِنْ قَلَمِ اللهِ
عَلى لَوْحِ عِزٍّ حَفِيْظًا، نَسْئَلُ اللهَ بِأَنْ يَرْفَعَكُمْ إِلى مَقامِ
الَّذِيْ لَنْ يَأْخُذَكُمُ الْحُزْنُ مِنْ طَرَفٍ قَرِيْبٍ وَبَعِيْدًا،
وَالرَّوْحُ وَالتَّكْبِيْرُ عَلَيْكُمْ جَمِيْعًا.
[٢٤] بسم الله الأمنع
الأقدس الأبهى
ذِكْرُ نُقْطَةِ الأُوْلى
عَبْدِهِ الَّذِيْ آمَنَ بِاللهِ وَسُمِّيَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمائِنا الَّذِيْ كانَ
رَحِيْمًا، أَنْ يا عَبْدُ اسْمَعْ نِداءَ رَبِّكَ عَنْ جِهَةِ الْعَرْشِ وَلا
تَكُنْ فِيْ أَمْرِهِ مُرِيْبًا، أَنِ اسْتَقِمْ عَلى أَمْرِ اللهِ وَدِيْنِهِ
ثُمَّ انْصُرْهُ بِما كُنْتَ مُسْتَطِيْعًا عَلَيْهِ ثُمَّ اتَّخِذْ لِنَفْسِكَ
إِلَيْهِ دَلِيْلاً، إِيّاكَ أَنْ تَحْزَنَ فِيْ
أَخِيْكَ وَإِنَّهُ قَدْ فازَ
بِلِقآءِ اللهِ وَأَصْعَدْنا رُوْحَهُ إِلى مَقامِ عِزٍّ عَلِيًّا، وَكُنّا
حاضِرًا لَدَيْهِ حِيْنَ ارْتِقاءِ رُوْحِهِ إِلى أُفُقِ الأَعْلى مَقامِ عِزٍّ
بَدِيْعًا، كَذلِكَ يِخْتَصُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ بِفَضْلٍ مِنْ عِنْدِهِ وَإِنَّهُ
كانَ بِعِبادِهِ رَحِيْمًا، وَإِنَّكَ أَنْتَ فَامْشِ عَلى أَثَرِ أَخِيْكَ ثُمَّ
اذْكُرْ رَبَّكَ فِي اللَّيالِيْ وَالأَيّامِ وَلا تُعاشِرْ مَعَ الَّذِيْنَهُمْ
كَفَرُوا وَأَشْرَكُوا وَكانُوا عَنْ ساحَةِ الْقُرْبِ بَعِيْدًا، كَذلِكَ
نَزَّلْنا الآياتِ عَلَيْكَ فَضْلاً مِنْ لَدُنّا لِتَكُوْنَ عَلى الأَمْرِ
مُسْتَقِيْمًا.
[٢٥] هو العزيز
العظيم
قَدْ ظَهَرَ ما هُوَ
الْمَسْتُوْرُ فِيْ كَنْزِ الْعِلْمِ وَنُزِّلَ ما كانَ مَكْنُوْنًا فِيْ خَزائِنِ
الْعِرْفانِ، قَدْ أَنْزَلْنا مِنْ سَمآءِ الْعِرْفانِ ما كانَ كَوْثَرَ
الْحَيَوانِ لِلإِمْكانِ، إِنّا أَنْزَلْنا الآياتِ وَأَظْهَرْنا فِي الْمُلْكِ ما
لا اطَّلَعَ بِهِ إِلاّ اللهُ مُظْهِرُ الإِبْداعِ، لَيْسَ الْفَضْلُ لِمَنْ
أَقَرَّ وَاعْتَرَفَ بَلْ لِمَنْ عَمِلَ فِي اللهِ سُلْطانَ الأَحْكامِ، إِنَّهُ
حَكَمَ كَيْفَ شآءَ وَيَحْكُمُ كَيْفَ يَشآءُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ العَزِيْزُ
الْمَنّانُ، قَدْ نُزِّلَتِ النِّعْمَةُ وَتَمَّتِ الْحُجَّةُ وَظَهَرَتِ
الْبَيِّنَةُ وَلكِنَّ الْقَوْمَ فِيْ مِرْيَةٍ وَنِفاقٍ، يَسْتَدِلُّوْنَ فِيْ
إِثْباتِ ما هُمْ
عَلَيْهِ بِالآياتِ
وَيُكَفِّرُوْنَ مَنْ أَنْزَلَها كَذلِكَ قُضِيَ الأَمْرُ فِي الْكِتابِ، إِنِّيْ
ما أَرَدْتُ مِنْهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّما نُذَكِّرُ الْعِبادَ لِوَجْهِ اللهِ
رَبِّ الأَرْبابِ، قَدْ خَسِرَ كُلُّ مُعْرِضٍ وَرَبِحَ مَنْ أَقْبَلَ إِلى
مَطْلِعِ الْبُرْهانِ، قَدْ حَكَمَ قَلَمِي الأَعْلى فِيْ يَوْمِ اللهِ بِما
عَلَّمَهُ شَدِيْدُ الْقُوى وَإِنَّهُ لَهُوَ السَّفِيْرُ الأَوَّلُ مِنْ
لَدی اللهِ المُقْتَدِرِ الْعَزِيْزِ الْعَلاّمِ، إِنَّا ذَكَرْناكَ
لِتَفْرَحَ وَتَشْكُرَ رَبَّكَ مالِكَ الْمَآبِ.
[٢٦] هو العليّ
الأعلى
ذِكْرُ كِتابٍ مِنَ الْعَبْدِ
إِلى الَّذِيْ آمَنَ بِاللهِ وَكانَ فِيْ صُحُفِ الْبَقا مِنَ الْمُقَرَّبِيْنَ
مَسْطُوْرًا، هذا شاطِئُ الْبَقا فِيْ بَحْرِ الْفِرْدَوْسِ عَلى لُجِّيِّ النّارِ
قُرْبَ الظُّهُوْرِ سِيْناءِ الطُّوْرِ فَادْخُلْ عَلَيْهِ لِتَجِدَ أَنْجُمَ
الْحِكْمَةِ فِيْ سَمآءِ هذا الْعِلْمِ مَشْهُودًا، وَلِتَعْرِفَ حُكْمَ الْبِدْعِ
مِنْ مُبْدِعِ الْوُجُوْدِ وَتَكُوْنَ فِيْهَوآءِ الْقُدْسِ مَطْيُورًا،
وَلِتَعَبُدَ اللهَ فِيْ صِراطِهِ الأَزَلِيَّةِ وَتَجِدَ نَسَماتِ الْقُرْبِ مِنْ
فِرْدَوْسِ الْبَقا فِيْ يَمِيْنِ هذا الْبُقْعَةِ وَتَكُوْنَ فِيْ حَدِيْقَةِ
الْحَياتِ مَخْلُوْدًا، كَذلِكَ أَلْقَيْناكَ مِنْ قَوْلِ
الْحَقِّ وَآوَيْناكَ فِيْ
فارانِ الْحُبِّ وَأَرْسَلْناكَ هذا الْقَمِيْصَ لِتَكُوْنَ فِيْ لَوْحِ الْمَحْفُوظِ
بِاسْمِ الأَبْرارِ مِنْ قَلَمِ الْجَبّارِ مَكْتُوْبًا، ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنّا
شَهِدْنا كِتابَكَ وَأَحْصَيْنا فِيْهِ حُكْمَ قَلْبِكَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْكَ
حِرْزانِ لِتَكُوْنا مِنْ كُلِّ الْبَلايا وَمِنْ نارِ النَّفْيِ مَحْفُوْظًا،
وَالرَّوْحُ عَلَيْكَ وَعَلى اسْمِ اللهِ مُحَمَّدٍ وَعَلى ابْنِكَ وَعَلى مَنْ
كانَ فِيْ طُوْرِ الْحُبِّ مَذْكُوْرًا.
[٢٧] هو
الله
أَنْ يا كَرِيْمُ قَدْ
أَرْسَلْنا إِلَيْكَ مِنْ قَبْلُ كِتابًا كَرِيْمَ، فِيْهِ قُدِّرَ مِنْ كُلِّ
أَمْرٍ عَلى تَفْصِيْلٍ مِنْ لَدُنْ عَزِيْزٍ حَكِيْمٍ، وَكَرَّمْناكَ فِيْهِ
وَأَذْكَرْناكَ عَلى أَحْسَنِ ذِكْرٍ مُبِيْنٍ، قُلْ يا قَوْمِ اتَّقُوا اللهَ
وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَلا تَكُوْنُنَّ مِنَ الْغافِلِيْنَ، فَامْشُوا
عَلى مَناكِبِ الأَرْضِ بِوَقارٍ مِنَ اللهِ وَسَكِيْنَةٍ عَظِيْمٍ، قُلْ كَذلِكَ
يُلْقِيْكُمُ الْغُلامُ قَوْلَ الْحَقِّ مِنْ لَدُنْ عَزِيْزٍ مُنِيْرٍ، وَلا
تَحْزَنُوا عَمّا وَرَدَ عَلَيْكُمْ وَتَوَكَّلُوا عَلى اللهِ وَكَذلِكَ نَذْكُرُ
مِنْ قَضايآءِ الْقُدْسِ عَلى أَلْواحِ عِزٍّ مَنِيْعٍ، قُلْ إِنَّ السِّراجَ
أُوْقِدَ
فِي الْمِصْباحِ وَإِنَّ
النّارَ قَدْ ظَهَرَتْ مِنَ الشَّجَرَةِ وَيُبَشِّرُكُمْ بِلِقآءِ اللهِ أَنْ
أَسْرِعُوا فِيْ قُلُوْبِكُمْ وَلا تَكُوْنُنَّ مِنَ الصّابِرِيْنَ، ثُمَّ أَلْقِ
التَّكْبِيْرَ مِنْ لَدُنّا عَلى اللَّواتِيْ كُنَّ عِنْدَكَ ثُمَّ اذْكُرْهُنَّ
بِذِكْرٍ جَمِيْلٍ.
[٢٨] هو
العزيز
قَدْ ظَهَرَ هَيْكَلُ
الْقُدْسِ عَلى هَيْئَةِ الشَّمْسِ فِيْ وَسَطِ السَّماءِ فَسُبْحانَ رَبِّي
الأَعْلى، وَللهِ مَلَكُوْتُ مُلْكِ الْبَقاءاتِ وَالرُّوْحِ، يُعِزُّ مَنْ يَشآءُ
بِعِزَّتِهِ وَيُذِلُّ مَنْ يُرِيْدُ بِقُدْرَتِهِ وَيُعْطِيْ عَلى مَنْ يَشاءُ ما
يَشاءُ وَإِنَّهُ هُوَ شاءَ كَما شاءَ لِمَنْ أَرادَ وَإِنَّهُ هُوَ فَعّالٌ لِما
يَشاءُ، وَإِنَّهُ كانَ عَلى كُلِّشَيْءٍ لَمُقْتَدِرًا قَيُّوْمًا.
[٢٩] هو
وَللهِ غَيْبُ غَيْبِ
السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَلَنْ يَصِلَ بِغَيْبِهِ أَحَدٌ لا مِنْ أَهْلِ سُرادِقِ
الْبَقا وَلا مِنْ مَلإِ الْعَما، لَمْ يَزَلْ كانَ فِيْ مَخْزَنِ غَيْبِهِ فِيْ
هُوِيَّةِ ذاتِهِ وَلا يَزالُ يَكُوْنُ لا بِمِثْلِ ما كانَ بَلْ كانَ وَيَكُوْنُ
مُقَدَّسٌ عَنْكُلِّ
ما بُدِعَ وَيُبْدَعُ وَعَمّا
كانَ وَيَكُوْنُ وَإِنَّهُ لَهُوَ الْغَيْبُ الْمَكْنُوْنُ، وَإِنَّهُ بِنَفْسِهِ
الْغَيْبِ قَدْ شَهِدَ بِأَنَّهُ هُوَ هُوَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْغَيْبُ الْمَنِيْعُ الْمُمْتَنِعُ
الْمَكْنُوْنا.
[٣٠] هو
قَدْ أَشْرَقَتْ أَنْوارُ
الْوَجْهِ عَنْ مَشْرِقِ الْبَقا لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْبَهِيُّ الأَبْهى، وَقَدْ
يَشْهَدُ أَهْلُ الْعالِيْنَ وَمَلأُ الْمُقَرَّبِيْنَ بِأَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ
هُوَ، وَإِنَّ هذا الْعَبْدَ قَدْ شَهِدَ بِنَفْسِهِ وَرُوْحِهِ وَما فِيْهِ
قَبْلَ كُلِّ الْوُجُوْدِ مِنَ الْغَيْبِ وَالشُّهُوْدِ للهِ رَبِّهِ وَرَبِّ
كُلِّ شَيْءٍ وَرَبِّ ما عُلِمَ وَما لا يُعْلَمُ وَعُرِفَ وَما لا يُعْرَفُ
وَرَبِّ السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَرَبِّ الْعالَمِيْنَ جَمِيْعًا.
[٣١] هو
العزيز
اسْمَعِيْ ما يَغَنُّ جَمالُ
الظُّهُوْرِ فِيْ هذا الطُّوْرِ عَلى هذِهِ الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ الَّتِي ارْتَفَعَتْ
عَنْ يَمِيْنِ الْعَرْشِ بِأَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَأَنَّ نُقْطَةَ
الأَوَّلِيَّةَ الَّتِيْ فُصِّلَتْ فِي السِّتِّيْنَ إِنَّها لَكَلِمَةُ اللهِ
وَسُلْطَانُهُ وَحِكْمَةُ اللهِ وَبُرْهانُهُ
وَأَمْرُ اللهِ وَبَهائُهُ
وَفِيْها اتَّحَدَ الْحَبِيْبُ وَالْمَحْبُوبُ وَإِنَّها لَكَلِمَةٌ مِنْها
فُصِّلَتِ الْحُرُوْفاتُ بِقَوْلِهِ كُنْ فَيَكُوْنُ، وَإِنَّها لَنُقْطَةُ
الَّتِيْ مِنْها ظَهَرَتِ الْحُرُوْفاتُ وَالْكَلِماتُ وَبِها ظَهَرَ كُلُّ عِلْمٍ
مَكْنُوْنٍ، وَبِها أُلِّفَ الْكافُ بِالنُّوْنِ وَطَلَعَ كُلُّ أَمْرٍ مُبْرَمٍ
مَحْتُوْمٍ، وَإِنَّها لَكِتابُ اللهِ الَّذِيْ رُقِمَ فِيْهِ عِلْمُ ما كانَ إِنْ
أَنْتُمْ تَعْرِفُوْنَ، وَإِنَّها لَمِيْزانُ اللهِ وَحُكْمُهُ وَصِراطُ اللهِ
وَأَمْرُهُ وَبِهِ فُصِّلَ كُلُّ مُوَحِّدٍ عَنْ كُلِّ مُشْرِكٍ مَرْدُوْدٍ، وَبِقُرْبِهِ
ظَهَرَ حُكْمُ الْجَنَّةِ وَمِنْ بُعْدِهِ حُكْمُ النّارِ إِنْ أَنْتُمْ
تَعْقِلُونَ، وَبِها غَنَّتِ الْوَرْقاءُ عَلى الأَفْنانِ وَظَهَرَتْ صَوْتُ
الرَّحْمنِ عَنْ وَراءِ حُجُباتِ السَّتْرِ وَالْكِتْمانِ بِأَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ
هُوَ الْعَزِيْزُ الْمُقْتَدِرُ الْمُهَيْمِنُ الْقَيُّوْمُ، وَبِها بُعِثَتِ
الْمُمْكِناتُ وَحُشِرَ كُلُّ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَأَخْرَجَتِ
الأَرْضُ مِنْ لَئالِىءِ عِزٍّ مَخْزُوْنٍ، وَإِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلى نَظَرِ
الْمُحِبِّيْنَ بِاسْمِ عَلِيٍّ بِالْحَقِّ وَجاءَ بِسُلْطانٍ مَشْهُوْدٍ، وَعَلى
نَظَرِ الْمُوَحِّدِيْنَ بِكُلِّ الأَسْماءِ إِنْ أَنْتُمْ تَفْقَهُوْنَ، وَعَلى
نَظَرِ الْمُقَرَّبِيْنَ قَدْ ظَهَرَتِ الأَسْماءُ وَالصِّفاتُ بِأَمْرٍ مِنْ
عِنْدِهِ وَإِنَّهُ لَهُوَ الْفَرْدُ الْمُتَعالِي
الْعَزِيْزُ الْمَحْمُوْدُ، وَعَلى نَظَرِيْ كُلُّ
ذلِكَ فِيْ خَلْقِهِ وَإِنَّ هذا لَخَلْقُهُ إِنْ أَنْتُمْ بِبَصَرِ اللهِ فِيْهِ
تَنْظُرُوْنَ، فَوَاللهِ إِنَّ الْوَرْقا تَغَنُّ عَلى غُصْنٍ مِنَ الأَغْصانِ
بِأَلْحانٍ لَنْ يُشابِهَ لَحْنٌ بِلَحْنٍ إِنْ أَنْتُمْ تَسْمَعُوْنَ، بِلَحْنٍ
مِنْها يَهْدِي الْمُضِلِّيْنَ إِلى صِراطِ عِزٍّ مَمْدُوْدٍ، وَبِلَحْنٍ أُخْرى
يَهْدِي الْمُؤْمِنِيْنَ إِلى رِضْوانِ الْقُدْسِ ثُمَّ الْعاشِقِيْنَ إِلى جَمالِ
الْمَحْبُوْبِ، وَبِلَحْنٍ يَنْصَعِقُ كُلُّ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ
بِحَيْثُ لَنْ يَبْقى فِيْ الْمُلْكِ أَحَدٌ مِنْ ذِيْ حُدُوْدٍ وَشُعُوْرٍ، إِذاً
يُنادِيْ لِمَنِ الْمُلْكُ وَلَنْ يُجِبْهُ مِنْ أَحَدٍ وَإِنَّهُ يُجِيْبُ بِنَفْسِهِ
لِنَفْسِهِ للهِ الْمَلِكِ الْمُقْتَدِرِ الْعَزِيْزِ السُّلْطانِ الْفَرْدِ
الْواحِدِ الغالِبِ الْقَيُّوْمِ، كَذلِكَ تَغَنُّ الْوَرْقا عَلى لَحْنِ
الإِمْكانِ عَلى قَدْرٍ مَقْدُورٍ، تَاللهِ إِنَّ لَها لَحْنٌ بَعْدَ لَحْنٍ
وَتَغَنِّيْ بَعْدَ تَغَنِّيْ وَلَوْ يَظْهَرُ لَحْنٌ مِنْها عَلى ما قَدَّرَ
اللهُ لَها لَتَضْطَرِبُ الأَفْئِدَةُ وَتَرْتَعِشُ الأَبْدانُ وَتَتَغَبَّرُ
الْوُجُوْهُ، وَإِنَّكِ أَنْتِ يا أَمَةَ اللهِ ثُمَّ يا أُمِّيْ فَافْرَحِيْ فِيْ
نَفْسِكِ ثُمَّ أَبْشِرِيْ فِيْ ذاتِكِ بِما نُزِّلَ عَلَيْكِ كِتابٌ مَرْقُوْمٌ،
الَّذِيْ سُطِرَ فِيْهِ أَسْرارُ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ مِنْ قَلَمِ الَّذِيْ
مِنْهُ
ظَهَرَ حُكْمُ الْكافِ
وَالنُّونِ، ثُمَّ اعْلَمِيْ بِأَنْ حَضَرَ بَيْنَ يَدَيْنا كِتابُكِ وَاطَّلَعْنا
بِما فِيْهِ وَنَسْئَلُ اللهَ بِأَنْ يُوَفِّقَكِ فِيْ أَمْرِهِ وَيُقَرِّبَكِ
إِلى لِقائِهِ وَيَرْزُقَكِ خَيْرَ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَبِكُلِّ ما أَنْتِ
تُحِبِّيْنَهُ وَتَرْضِيْنَهُ وَإِنَّهُ لَهْوَ الْكَرِيْمُ الْمُعْطِي
الْغَفُوْرُ، إِيّاكِ يا أَمَةَ اللهِ أَنْ لا تَحْزَنِيْ فِيْ الدُّنْيا بِشَيْءٍ
وَتَوَكَّلِيْ فِيْ كُلِّ الأُمُوْرِ إِلى اللهِ رَبِّكِ وَإِنَّ عَلَيْهِ
فَلْيَتَوَكَّلُنَّ الْمُنْقَطِعُوْنَ، ثُمَّ اعْلَمِيْ بِأَنّا وَرَدْنا فِي
السِّجْنِ خَلْفَ بَحْرٍ وَوادِيْ وَمُدُنٍ وَجِبالٍ مَرْفُوْعٍ، وَبِذلِكَ
نَشْكُرُ اللهَ وَنَحْمَدُهُ وَنُسَبِّحُهُ وَنَذْكُرُهُ وَنُقَدِّسُهُ عَلى ما
نَزَّلَ عَلَيْنا مِنْ مُحْكَمِ قَضائِهِ وَمُبْرَمِ تَقْدِيْرِهِ وَنَصْبِرُ
بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ وَإِنَّهُ يُوَفِّيْ أُجُوْرَ الَّذِيْنَهُمْ صَبَرُوا
وَتَوَكَّلُوا وَكانُوا إِلَيْهِ يَرْجِعُوْنَ، وَالرَّوْحُ وَالنُّوْرُ
وَالتَّكْبِيرُ وَالْبَهاءُ عَلَيْكِ وَعَلى مَنْ يَسْتَأْنِسُ بِكِ لِحُبِّ اللهِ
الْعَزِيْزِ الْمَحْبُوْبِ.
[٣٢] بسم الله
الأقدس الأمنع
هذا كِتابٌ مِنَ الْغَيْبِ
إِلى الشُّهُوْدِ لِئَلاّ يَشْهَدَ إِلاّ بِما شَهِدَ اللهُ قَبْلَ خَلْقِ
الأَشْياءِ بِأَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمُهَيْمِنُ
الْقَيُّوْمُ، يا قَوْمِ اتَّقُوا اللهَ وَلا
تَتَّبِعُوا الَّذِيْنَ هُمْ لا يَفْقَهُوْنَ وَالَّذِيْنَ سَمِعُوا آياتِ اللهِ
أُوْلئِكَ قَوْمٌ إِلهِيُّوْنَ يَطُوْفُ فِيْ حَوْلِهِمْ عِبادٌ أَحَدِيُّوْنَ،
كَذلِكَ جَرى مِنَ الْقَلَمِ كَوْثَرُ الْقِدَمِ وَيَتَرَشَّحُ بِهِ عَلى
الْمُمْكِناتِ لِيَتَوَجَّهُنَّ إِلى اللهِ مالِكِ الْمُلُوْكِ، يا قَوْمِ إِيّاكُمْ
أَنْ يَمْنَعَكُمْ مَظاهِرُ الْجَلالِ عَنْ مَطْلِعِ الْجَمالِ كَسِّرُوا
الأَصْنامَ بِقُوَّةِ اللهِ الْمُقْتَدِرِ الْمُهَيْمِنِ الْقَيُّوْمِ، إِنَّهُ
يَأْمُرُكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ النّاسَ لا يَفْقَهُوْنَ، قُلْ يا قَوْمِ إِنَّ
الأَسْماءَ خُلِقَ بِأَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ أَنِ اخْرُقُوا الأَحْجابَ وَلا
تَكُوْنُنَّ مِنَ الَّذِيْنَ هُمْ مُشْرِكُوْنَ، قُلْ إِنَّ هذا لَهُوَ
الْمَقْصُوْدُ تِلْكَ آياتُهُ نُزِّلَتْ بِالْحَقِّ وَعَنْ يَمِيْنِهِ خَمْرُ
الْحَيَوانِ هَنِيْئًا لِلَّذِيْنَ هُمْ يَشْرَبُوْنَ، إِنَّكَ أَنْتَ يا عَبْدُ
لا تَحْزَنْ مِنْ شَيْءٍ فَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ إِنَّهُ يَكْفِيْكَ بِالْحَقِّ
وَإِنَّهُ لَعَلِيْمٌ بِما فِي الصُّدُوْرِ، إِنَّ الَّذِيْنَ مُنِعُوا عَنْ هِذا
الْفَضْلِ أُوْلئِكَ لا يَفْقَهُوْنَ، بَلِّغْ أَمْرَ رَبِّكَ وَلا تَصْمُتْ عَنْ
ذِكْرِهِ إِنَّ بِذِكْرِهِ تَحْيى قُلُوْبُ الَّذِيْنَ هُمْ يُقْبِلُوْنَ إِلى
شَطْرِ اللهِ الْمُقْتَدِرِ الْعَزِيْزِ الْمَحْبُوْبِ، وَبِذِكْرِهِ تَشْتَعِلُ
قُلُوْبُ الأَبْرارِ وَتُغَرِّدُ وَرْقاءُ الظُّهُوْرِ، مَنْ فازَ بِذِكْرِهِ
وَكانَ
ثابِتًا فِيْ حُبِّهِ إِنَّهُ
فازَ بِكُلِّ الْخَيْرِ كَذلِكَ قُدِّرَ مِنْ لَدى اللهِ الْعَزِيْزِ الْوَدُوْدِ،
قُلْ يا مَلأَ الْبَيانِ لا تَكْفُرُوا بِالَّذِيْ أَتى بِالْحَقِّ مِنْ لَدُنْ
عَزِيْزٍ قَدِيْرِ، إِنَّهُ أَتى كَما أَتى عَلِيٌّ مِنْ سَماءِ الأَمْرِ
بِسُلْطانٍ مُبِيْنٍ، وَما يَأْمُرُكُمْ إِلاّ بِما أَمَرَ عَلِيٌّ مِنْ قَبْلُ
خافُوا عَنِ اللهِ وَلا تَكُوْنُنَّ مِنَ الْمُنْكِرِيْنَ، أَنِ اتَّبِعُوا
مِلَّةَ اللهِ وَلا تَخْتَلِفُوا فِيْها إِنَّ هذا لَنُصْحٌ عَظِيْمٌ، مَنْ سَمِعَ
نُصْحَكَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَعْرَضَ فَعَلَيْها وَما عَلى الرَّسُوْلِ إِلاّ
الْبَلاغُ الْمُبِيْنُ، وَالْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعالَمِيْنَ.
[٣٣] هو
الباقي
شَهِدَ شَعْرِيْ لِجَمالِيْ
بِأَنِّيْ أَنا اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنا، قَدْ كُنْتُ فِيْ أَزَلِ الْقِدَمِ
إِلهًا فَرْدًا أَحَدًا صَمَدًا حَيًّا باقِيًا قَيُّوْمًا، أَنْ يا أَهْلَ
الْبَقاءِ اسْمَعُوا ما يَظْهَرُ مِنْ أَطْوارِ هذا الشَّعْرِ الْمُوَلَّهَةِ
الْمُضْطَرِبَةِ الْمُحَرَّكَةِ عَلى سِيْناءِ النَّارِ فِيْ بُقْعَةِ النُّورِ
هذا العَرْشِ الظُّهُوْرِ، اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنا، قَدْ كُنْتُ فِيْ قِدَمِ
الأَقْدَمِ مَلِكًا سُلْطانًا أَحَدًا أَبَدًا وِتْرًا دائِمًا قُدُّوْسًا، أَنْ
يا مَلأَ السَّمواتِ وَالأَرْضِ
لَوْ تُصَفُّوا آذانَكُمْ
لَتَسْمَعُوا مِنْ شَعَراتِيْ بِأَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ، كانَ واحِدًا فِيْ
ذاتِهِ وَفِيْ ما يُنْسَبُ إِلَيْهِ، وَمَعَ ذلِكَ كَيْفَ يَعْتَرِضُوْنَ عَلى هذا
الْجَمالِ بَعْدَ الَّذِيْ أَحاطَ فَضْلُهُ كُلَّ مَنْ فِيْ لُجَجِ الأَمْرِ
وَالْخَلْقِ، إِذًا فَأَنْصِفُوا فِيْ أَنْفُسِكُمْ عَلى دِيْنِ الْقَيِّمِ فِيْ
حُبِّ هذا الْغُلامِ الَّذِيْ رَكِبَ عَلى ناقَةِ الْبَيْضاءِ بَيْنَ الأَرْضِ
وَالسَّماءِ وَكُوْنُوا عَلى الْحَقِّ قائِمًا مُسْتَقِيْمًا.
[٣٤] هو
العليم
أَنْ يا أَهْلَ السَّمواتِ
وَالأَرْضِ فَاعْلَمُوا بِأَنّا جَعَلْنا كُلَّ الأَشْياءِ كَنائِزَ قُدْرَتِيْ،
ثُمَّ اخْتَصَصْنا مِنْها الَّذِيْ جَعَلْناهُ
طِرازَ وَجْهِيْ وَلَهُ أَسْماءٌ لا يُحْصى وَصِفاتٌ لا تُعْدى وَفِيْ ظُهُوْرِهِ
عَلى هَيْئَةِ الثُّعْبانِ لآياتٌ لِلْمُتَفَرِّسِيْنَ، قُلْ إِنَّها لَثُعْبانُ
الْقَضاءِ بِها يَحْمِي اللهُ كُنُوْزَهُ وَيَحْفَظُها مِنْ أَيْدِي
السَّارِقِيْنَ وَأَنْظُرِ الْخائِنِيْنَ، قُلْ إِنَّها وَلَوْ تُحَرَّكُ عَلى
كَنْزِ الأَنْوارِ مِنْ وَجْهِ رَبِّكَ الْمُخْتارِ وَلكِنْ فِيْ نَفْسِها
سُتِرَتْ كُنُوْزٌ ما اطَّلَعَ بِها أَحَدٌ إِلاَّ اللهُ الْمَلِكُ الْعالِمُ
الْحَكِيْمُ وَمَنْ شاءَ وَأَرادَ وَإِنَّهُ لَذُوْ فَضْلٍ عَلى
الْعِبادِ يُعَلِّمُ مَنْ
يَشاءُ ما يُغْنِيْهِ عَنْ دُوْنِهِ فَتَبارَكَ اللهُ أَكْرَمُ الأَكْرَمِيْنَ،
فَيا حَبَّذا لِمَنْ فازَ بِعِرْفانِها وَبَلَغَ ذِرْوَةَ الْفَضْلِ مِنْ لَدُنْ
حَكِيْمٍ خَبِيْرٍ، كَذلِكَ نُلْقِيْ عَلى الْعِبادِ ما سُتِرَ عَنْهُمْ لَعَلَّ
يَفْقَهُ نَفْسٌ وَيَظْهَرُ فِي الإِبْداعِ ما يَتَحَيَّرُ عَنْهُ عُقُوْلُ
الْعُقَلاءِ وَأَفْئِدَةُ الْحُكَماءِ وَأَنْفُسُ الخَلائِقِ أَجْمَعِيْنَ.
[٣٥] هو
المحرِّك
فَلَكَ الْحَمْدُ يا إِلهِيْ
مِمّا قَدَّرْتَ كَنْزَ الْحَيَوانِ فِيْ جَنَّةِ الرِّضْوانِ وَفِيْهِ جَمَعْتَ النّارَ وَالْماءَ
وَأَلَّفْتَ بَيْنَهُما بِقُدْرَتِكَ بِحَيْثُ لَنْ يُفارِقا بِدَوامِ عِزِّ
أَزَلِيَّتِكَ وَبَقاءِ سَلْطَنَتِكَ، وَجَعَلْتَ خازِنَ هذا الْكَنْزِ ثُعْبانَ
اقْتِدارِكَ وَحَيَّةَ حِفْظِكَ، وَنَفَخْتَ فِيْ هذا الْخازِنِ مِنْ لَطِيْفَةِ
رُوْحِكَ بِحَيْثُ يَمُوْتُ كُلُّشَيْءٍ إِلاَّ هُوَ وَيَنُوْمُ كُلُّشَيْءٍ
إِلاَّ هُوَ كَأَنَّهُ جُعِلَ آيةَ التَّحْرِيْكِ لأَنَّ فِيْهِ شَغَفٌ وَوَلَهٌ
وَاضْطِرابٌ، إِذًا أَسْئَلُكَ يا إِلهِيْ بِاضْطِرابِ قُلُوْبِ الْعاشِقِيْنَ
بِأَنْ تَرْزُقَ أَصْفِيائَكَ ما قَدَّرْتَ فِيْ هذا الْكَنْزِ الْمَخْفِيَّةِ
المُشْهُوْرَةِ، ثُمَّ احْيِ مِنْ مائِهِ أَفْئِدَةَ أَحِبّائِكَ
وَمِنْ نارِهِ تَحْدُثُ
الْحَرارَةُ فِيْ قُلُوْبِ أَوِدّائِكَ، وَأَنْتَ الَّذِيْ يا إِلهِيْ حَتَّمْتَ
عَلى الْعاصِيْنَ دُخُوْلَهُمْ فِيْ نارِكَ وَإِخْلادَهُمْ فِيْ نِيْرانِكَ،
وَإِنِّيْ حِيْنَئِذٍ مِنْ قَبِيْلِ عاصِيْكَ أَقْبَلُ الدُّخُوْلَ فِيْ هذا
النّارِ وَالْخُلُوْدَ فِيْ هذا النِّيْرانِ، وَلَوْ عِبادُكَ يَفِرُّوْنَ مِنَ
الثُّعْبانِ وَسَمِّها وَإِنِّيْ فَوَعِزَّتِكَ أَشْتاقُ لِهذا الثُّعْبانِ وَلَدْغِها
وَسُمُوْمِها وَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيْزُ الْعالِمُ الْخَبِيْرُ، فَسُبْحانَكَ
يا إِلهِيْ أَسْئَلُكَ بِهذا الثُّعْبانِ بِأَنْ تُؤَلِّفَ بَيْنَ قُلُوْبِ
أَحِبّائِكَ ثُمَّ اجْمَعْهُمْ عَلى بِساطٍ واحِدٍ كَما أَلَّفْتَ بَيْنَ هذا
النّارِ وَالْماءِ وَجَمَعْتَهُما عَلى مَقْعَدٍ واحِدٍ وَإِنَّكَ عَلى ذلِكَ
لَمُقْتَدِرٌ قَدِيْرٌ، فَسُبْحانَكَ يا مَحْبُوْبِيْ وَمَقْصُوْدِيْ كَيْفَ
أَذْكُرُكَ فِيْ عَجائِبِ ما خَلَقْتَ فِيْ هذا الصُّنْعِ الْمُظْلِمِ الْمُنِيْرِ
وَغَرائِبِ ما صَنَعْتَ فِيْ هذا الْخَلْقِ الأَلْطَفِ الْعَظِيْمِ، كَأَنَّكَ
جَعَلْتَهُ سِهامًا لِقُلُوْبِ عاشِقِيْكَ وَرِماحًا لأَكْبادِ مُخْلِصِيْكَ،
وَكَأَنَّكَ يا مَحْبُوْبِيْ ما خَلَقْتَ فِيْهِ مِنْ رَحْمٍ وَلا مِنْ شَفَقَةٍ
لأَنَّهُ لَدَغَ أَفْئِدَةَ الَّذِيْنَهُمْ أَرادُوا قُرْبَكَ وَلِقائَكَ وَلَسَعَ
قُلُوْبَ الَّذِيْنَهُمْ تَوَجَّهُوا إِلى وَصْلِكَ وَجَمالِكَ، إِذًا خُذْ يا
مَحْبُوْبِيْ حَقَّ عِبادِكَ وَدِمائِهِمْ مِنْ
هذا الْكافِرِ الَّذِيْ تَحَصَّنَ فِيْ كَعْبَةِ
الْحَرامِ وَاسْتُحْفِظَ فِيْ هذا الْمَشْعَرِ وَالْمَقامِ وَجَعَلْتَ عِبادَكَ
مَمْنُوْعًا عَنِ الْوُرُوْدِ فِيْ هذا الْمَكانِ، فَوَعِزَّتِكَ لَنْ يَصِلَ
أَيْدِيْ أَحَدٍ إِلَيْهِ إِلاَّ أَيْداكَ الْقادِرَةُ وَلَنْ يَبْلُغَ إِلَيْهِ
نَفْسٌ سِوى حُكُوْمَتُكَ الْغالِبَةُ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ يا سَيِّدِيْ كَمْ
قَتَلَ مِنْ عِبادِكَ الأَصْفِياءِ وَكَمْ جَرَحَ مِنْ بَرِيَّتِكَ الأُمَناءِ
وَكَمْ مِنْ هَياكِلَ الْمُقَدَّسَةِ طُرِحُوا عَلى الْفِراشِ مِنْ جَرْحِهِ
وَكَمْ مِنْ وُجُوْهاتِ الْمُنَزَّهَةِ قَدْ وَقَعُوا عَلى التُّرابِ مِنْ
ظُلْمِهِ، أَما وَعَدْتَ يا رَبِّيْ وَإِلهِيْ بِأَنْ تُدْخِلَ الْمُحْسِنِيْنَ
فِيْ جَنَّتِكَ الأَعْلى وَتُنْزِلَ الْعاصِيْنَ فِيْ دَرَكِ السُّفْلى وَإِنِّيْ
أُشاهِدُ حِيْنَئِذٍ بِأَنَّ هذا الْعاصِي ارْتَقى إِلى جَنَّةِ وَصْلِكَ
وَلِقائِكَ وَسَكَنَ عَلى رِياضِ وَجْهِكَ وَكَأَنَّهُ سَمَنْدَرُ الْعِشْقِ
يَتَچَمْچَمُ فِيْ نارِ جَمالِكَ وَيتَخَمْخَمُ عَلى رِضْوانِ طَلْعَتِكَ،
فَسُبْحانَكَ سُبْحانَكَ عَمّا عَلَّقْتَ بِهذا الْخَيْطِ قُلُوْبَ الْمُمْكِناتِ
وَقَيَّدْتَ بِهذا الْحَبْلِ أَفْئِدَةَ الْمَوْجُوْداتِ، فَوَعِزَّتِكَ قَدْ
تَحَيَّرْتُ مِنْ بَدائِعِ فِعْلِكَ فِيْهِ وَعَلَيْهِ وَعَنْ بَدائِعِ ما ظَنَّهُ
فِيْ نَفْسِهِ كَأَنَّهُ ما يَظُنُّ فِيْ نَفْسِهِ الْعِصْيانَ بَعْدَ الَّذِيْ
سَفَكَ الدِّماءَ عَنْ
كُلِّ الأَدْيانِ، بَلْ عَرَفَ فِيْ ذاتِهِ
بِأَنَّهُ هُوَ مُوْجِدُ الإِحْسانِ وَيَطْلُبُ حِيْنَئِذٍ مِنْ عِبادِكَ جَزاءَ
ما فَعَلَ بِهِمْ وَعَلَيْهِمْ، وَكَأَنَّكَ قَدَّرْتَ لَهُ وَحَكَمْتَ عَلَيْهِ
بِأَنْ تُعْطِيْ جَزاءَ عِصْيانِهِ كُلَّ خَيْرِ الَّذِيْ قَدَّرْتَهُ بِقُوَّتِكَ
وَقَضَيْتَهُ بِقُدْرَتِكَ، وَبَعْدَ ذلِكَ لَمْ أَدْرِ بِأَيِّ جِهَةٍ أَفِرُّ
وَبِأَيِّ بابٍ أَهْرُبُ، لا فَوَنُوْرِكَ لَنْ أَهْرُبَ إِلاَّ إِلَيْكَ وَلَنْ
أَفِرَّ إِلاّ عَلَيْكَ وَأَتَوَكَّلُ بِكَ فِيْ كُلِّ ذلِكَ لا إِلهَ إِلاَّ
أَنْتَ الْعَزِيْزُ الْقَدِيْرُ.
[٣٦] باسم النّاطق في
كلّ شيء
وَالْحَمْدُ لِمَنْ جَعَلَ
الظُّلْمَةَ طِرازَ النُّوْرِ وَبِهِ زَيَّنَ جَمالَ الظُّهُوْرِ، وَهذا مِنْ
قُدْرَةٍ ما سَبَقَهُ قُدْرَةٌ فِي الْمُلْكِ كَأَنَّهُ قَلَمُ الصُّنْعِ
تَحَرَّكَ عَلى لَوْحِ الْقُدْسِ فِي الْفِرْدَوْسِ، فَلَمّا كانَ طائِفًا حَوْلَ
كَعْبَةِ الْحَرامِ أَسْكَنَهُ اللهُ فِيْ طُوْرِ الْمَقامِ الَّذِي انْقَطَعَتْ عَنْهُ
أَيْدِي الْمُقَرَّبِيْنَ.
[٣٧] هو
العليّ الأعلى
يا مَنْ جَعَلَ النُّقْطَةَ
طِرازَ الْجَمالِ فِيْ لَوْحِ الظُّهُوْرِ، وَعَلَّقَ خُيُوْطَ الظُّلْمَةِ عَلى
كُرَةِ النُّوْرِ، بِحَيْثُ زَيَّنَ صَفْحَةَ النُّوْرِ بِظُلْمَةِ الدَّيْجُوْرِ،
وَجَرى عَيْنُ السَّلْسالِ فِيْ مَكْمَنِ النّارِ، وَقُدِّرَ مَعِيْنُ الْحَيَوانِ
عَلى مَخْزَنِ النِّيْرانِ، وَأُلِّفْتْ بَيْنَهُما عَلى قَدْرِ الَّذِيْ لَنْ
يُفارِقا فِيْ أَزَلِ الآزالِ، فَتَفَكَّرُوا فِيْ بَدائِعِ صُنْعِ بارِئِكُمْ يا
أُوْلي الإِفْضالِ، فَسُبْحانَكَ اللّهُمَّ يا إِلهِيْ لَمّا شَهِدْتُ هذا
الصُّنْعَ الْبَدِيْعَةَ مِنْ قُدْرَتِكَ الأَزَلِيَّةِ أَسْئَلُكَ بِاسْمِكَ
الَّذِيْ بِهِ كُنْتَ قَيُّوْمًا عَلى مَظاهِرِ أَسْمائِكَ بِأَنْ تُؤَلِّفَ
بَيْنَ عِبادِكَ كَما أَلَّفْتَ بَيْنَ النُّوْرِ وَالظُّلْمَةِ وَالنّارِ
وَالْماءِ، ثُمَّ اجْتَمِعْهُمْ عَلى شاطِئِ بَحْرِ أَعْظَمِكَ كَما جَمَعْتَهُما
عَلى شاطِئِ كَوْثَرِ فَمِكَ وَإِنَّكَ أَنْتَ الْمُقْتَدِرُ الْعَزِيْزُ
الْكَرِيْمُ.
[٣٨] هو
شَعْرِيْ شِعارِيْ بِهِ
أَسْتُرُ جَمالِيْ لِئَلاَّ تَقَعَ عَلَيْهِ عُيُوْنُ الأَغْيارِ مِنْ عِبادِيْ،
كَذلِكَ نَسْتُرُ عَنِ الْمُشْرِكِيْنَ جَمالَ عِزٍّ مَنِيْعًا.
[٣٩] هو
العزيز
شَعْرِيْ سَفِيْرِيْ فِيْ
كُلِّ حِيْنٍ يُنادِيْ عَلى غُصْنِ النَّارِ فِيْ رِضْوانِ الْقُدْسِ
وَالأَنْوارِ، لَعَلَّ أَهْلَ الْمُلْكِ يَنْقَطِعُوْنَ عَنِ التُّرابِ
وَيَصْعَدُوْنَ إِلى مَكْمَنِ الْقُرْبِ الْمَقامِ الَّذِيْ فِيْهِ اسْتَضاءَ
النّارُ مِنْ جَمالِ اللهِ الْعَزِيْزِ الْمُخْتارِ، أَنْ يا عَبَدَةَ النّارِ
غَنُّوا وَاسْتَغِنُّوا ثُمَّ افْرَحُوا وَاسْرُعُوا إِلى الْمَعْبُوْدِ
وَقُوْلُوا لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ الْعَلِيْمُ الْحَكِيْمُ الْجَبّارُ.
[٤٠] هو
الحكيم
شَعْرِيْ سَمَنْدَرِيْ لِذا
اسْتَقَرَّ عَلى نارِ خَدِّيْ وَيَرْعى فِيْ رِياضِ وَجْهِيْ، وَهذا مَقامُ
الَّذِيْ خَلَعَ ابْنُ عِمْرانَ عَنْ رِجْلِ هَواهُ قَمِيْصَ ما سِوَيه، وَفازُوا
بِأَنْوارِ الْقُدْسِ
فِيْ نارِ اللهِ
الْمُقْتَدِرِ الْعَزِيْزِ الْغَفّارِ.
[٤١] هو العزيز
المحبوب
جَعْدِيْ حَبْلِيْ مَنْ
تَمَسَّكَ بِهِ لَنْ يَضَلَّ فِيْ أَزَلِ الآزالِ لأَنَّ فِيْهِ هِدايَةً إِلى
نُوْرِ الْجَمالِ.
[٤٢] هو
الباطن الظّاهر
فَسُبْحانَكَ اللهِ مِنْ هذا
الْخَيْطِ النّارِيِّ وَهذا الْحَبْلِ الرَّبّانِيِّ، مَرَّةً أُشاهِدُ أَنَّهُ
نارٌ لأَنَّ بِها تَحْتَرِقُ قُلُوْبُ الْمُخْلِصِيْنَ، وَمَرَّةً أُشاهِدُ
بِأَنَّهُ أَرْياحٌ لأَنَّ بِهِ اهْتَزَّ أَفْئِدَةُ الْمُوَحِّدِيْنَ، وَفِيْ
وَقْتٍ يَظْهَرُ مِنْهُ صَوْتٌ كَأَنَّهُ نَغَماتٌ تُجْتَذَبُ مِنْها قُلُوْبُ
الْعاشِقِيْنَ، فَسُبْحانَ اللهِ مِنْ هذا الرُّوْحِ الْمُتَحَرِّكِ اللَّمِيْعِ.
[٤٣] هو
الباقي ببقاء نفسه
أَظْهَرْتُ ماءَ الْحَيَوانِ
مِنْ كَوْثَرِ فَمِيْ كَما سَتَرْتُ شَمْسَ الْحَيَوانِ خَلْفَ شَعْرِيْ، أَيْ فِيْ
ظُلُماتِ شَعْرِيْ أَخْفَيْتُ أَنْوارَ جَمالِيْ لِيَكُوْنَ ظاهِرُهُ ظُلْمَةً
وَباطِنُهُ نُوْرًا
عَلى نُوْرٍ فَوْقَ كُلِّ
نُوْرٍ، كَذلِكَ ظَهَرَ الأَسْرارُ مِنْ قَلَمِ الْمُخْتارِ.
[٤٤] هو
الأقدس الأبهى
سُبْحانَكَ اللّهُمَّ يا
إِلهِيْ تَرى أَيّامَ الْعِيْدِ مَظْهَرَ اسْمِكَ الْفَرِيْدِ وَمَطْلِعَ كِتابِكَ
الْمَجِيْدِ فِيْ سِجْنِ أَعْدائِكَ وَمَنَعُوْهُ عَنِ الْخُرُوْجِ وَأَحِبَّتَكَ
عَنِ الدُّخُوْلِ، وَفِيْ
تِلْكَ الْحالَةِ إِنَّهُ يَدْعُوْكَ وَيَقُوْلُ يا إِلهِيْ وَفِّقْ أَحِبَّتَكَ
عَلى الصَّبْرِ فِيْ فِراقِكَ ثُمَّ اجْعَلْهُمْ راضِيًا بِرِضائِكَ وَظُهُوْرِ
قَضائِكَ، أَنْتَ تَعْلَمُ يا إِلهِيْ بِما وَرَدَ عَلى الْمُقْبِلِيْنَ مِنْ
عِبادِكَ بَعْدَ الَّذِيْ قَصَدُوا كَعْبَةَ لِقائِكَ وَحَرَمَ قُرْبِكَ
وَوِصالِكَ، وَمِنْهُمْ عِبادُ الَّذِيْنَ دَخَلُوا الْمَدِيْنَةَ مُقْبِلاً
مَقَرَّ الَّذِيْ جَعَلْتَهُ قِبْلَةَ مَنْ فِيْ سَمائِكَ وَأَرْضِكَ وَمُنِعُوا
عَنْ زِيارَةِ جَمالِكَ،
الَّذِيْنَ سَمَّيْتَهُمْ بِأَبِي الْحَسَنِ وَالرَّسُوْلِ وَاسْمٍ آخَرَ مِنْ
أَرْضِ الأَلِفِ وَالرَّا، وَبِمَنْعِهِمْ جَرَتْ دَمُوْعُ الْقاصِراتِ فِي
الْغُرُفاتِ وَاحْتَرَقَتْ أَفْئِدَةُ الْمَعانِيْ فِيْ قُصُوْرِ الْكَلِماتِ،
فَلَمّا عَلِمْتَ بِعِلْمِكَ الْمَكْنُوْنِ ما فِيْ قُلُوْبِهِمْ مِنْ نارِ
حُبِّكَ
وَشَوْقِ جَمالِكَ جاءَ
أَمْرُكَ الْمُبْرَمُ مِنْ سَمائِكَ الْقِدَمِ وَنُزِّلَ فِيْ شَأْنِهِمْ ما هاجَ
بِهِ أَفْئِدَةُ الْمُمْكِناتِ شَوْقًا لِنَفَحاتِ وَحْيِكَ وَشَغَفًا لِفَوَحاتِ
أَيّامِكَ، كَتَبْتَ لَهُمْ أَجْرَ مَنْ فازَ بِلِقائِكَ وَحَضَرَ وَنَظَرَ
وَسَمِعَ ما لاحَ وَأَشْرَقَ وَنُزِّلَ مِنْ عَرْشِكَ وَجَمالِكَ وَآياتِكَ وَقَبِلْتَ
أَعْمالَهُمْ عَلى شَأْنٍ جَرى ذِكْرُهُما مِنْ قَلَمِ وَحْيِكَ فِيْ أَلْواحٍ
مَعْدُوْداتٍ، أَشْكُرُكَ يا إِلهِيْ مِنْ قِبَلِهِمْ بِما أَعْطَيْتَهُمْ يا
مالِكَ الأَسْماءِ وَالصِّفاتِ، طُوْبى لِمَنْ تَوَجَّهَ إِلى سَماءِ الَّتِيْ
أَشْرَقْتَ مِنْ أُفُقِها، طُوْبى لِمَنْ زارَ جِدارَ مَدِيْنَةِ الَّتِيْ
تَفُوْحُ نَفَحاتُكَ مِنْها، طُوْبى لِنَفْسٍ أَقْبَلَتْ بَرَّ الشَّامِ وَهامَتْ
فِيْهِ بِشَوْقِها، طُوْبى لِنَفْسٍ رَضَتْ بِما قَضَيْتَ لَها، طُوْبى لِمَنْ
تَوَفَّقَ بِالإِقْبالِ إِلَيْكَ يا رَبَّ الْعَظَمَةِ وَالإِجْلالِ لا إِلهَ إِلاَّ
أَنْتَ الْمُقْتَدِرُ الْفَرْدُ الْغَنِيُّ الْمُتَعالِ.
[٤٥] بسم
الله الرّحمن الرّحيم
الْحَمْدُ للهِ مُحْيِي
الأَنامِ وَخالِقِ النُّوْرِ وَالظَّلامِ وَماحِيْ ظُلْمَةِ اللَّيالِيْ بِنُوْرِ
الأَيّامِ وَمُخْرِجِ الأَثْمارِ مِنَ
الأَكْمامِ، الَّذِيْ اخْتارَ
مِنَ الأَيّامِ أَحَدَ عَشَرَ عَدَدَ الْهُوْ، وَهُوَ سِرُّ الْمُسْتَتِرُ وَلا
يَعْرِفُهُ إِلاّ مَنِ اطَّلَعَ بِأَسْرارِ الْقَدَرِ، وَخَلَقَ فِيْ سِتَّةٍ
مِنْها السَّمواتِ وَالأَرْضَ، وَبَقِيَ عَدَدُ الْها وَهِيَ الْمُنْزَلَةُ فِيْ
لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَبِذلِكَ يُوْقِنُ كُلُّ ذِيْ بَصَرٍ بِأَنَّ ما خُلِقَ فِي
السِّتَّةِ خُلِقَ لِمَظاهِرِ الْها الَّتِيْ هِيَ خَمْسَةُ آلِ الْعَبا، ثُمَّ
زُيِّنَ الْهاءُ بِطِرازِ الْباءِ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ اللهِ الْمُطاعَةُ
الْمَكْنُوْنَةُ الَّتِيْ كانَتْ مَبْدَأَ اسْتِنْطاقِ كَلِمَةِ الأَمْرِيَّةِ
فِيْ عالَمِ الْخَلْقِ، وَتَجَلّى بِها عَلى كُلِّ الأَشْياءِ عَمّا خُلِقَ فِي
الأَرْضِ وَالسَّماءِ، إِذًا ظَهَرَ التَّمْيِيْزُ وَالتَّفْصِيْلُ فِيْ كُلِّ
صِنْفٍ مِنْ أَصْنافِ الْمَوْجُوْداتِ وَالْمُمْكِناتِ الَّتِيْ ذُوِّتَتْ مِنَ
الإِسْطَقِسّاتِ بِما قُدِّرَ مِنْ مالِكَ الأَسْماءِ وَالصِّفاتِ، وَالَّذِيْ
أَقْبَلَ إِنَّهُ آمَنَ بالْمَعْبُودِ وَالَّذِيْ أَدْبَرَ إِنَّهُ أَبى عَنِ
السُّجُوْدِ وَكَفَرَ بِاللهِ الْعَزِيْزِ الْوَدُوْدِ، فَلَمّا تَجَلّى بِها عَلى
الأَيّامِ أَقْبَلَتْ أَيّامٌ مَعْدُوْداتٌ، وَبَعْدَ انْقِضاءِ الْواوِ جَعَلَ
الْهاءَ عِيْدَ الإِسْلامِ وَذُخْرًا وَشَرَفًا لِلأَنامِ، فَلَمّا قُضِيَ عِيْدُ
الْفِطْرِ أَشْرَقَ عَنِ الأُفُقِ الأَعْلى فَجْرُ عِيْدِنا الأَضْحى، سُبْحانَ
مَنْ قَدَّرَهُ بِقَضائِهِ
الْمَحْتُوْمِ لأَصْحابِ
الْهُدى وَاخْتَصَّهُ لأُوْلِي النُّهى الَّذِيْنَ آمَنُوا بِاللهِ رَبِّ
الآخِرَةِ وَالأُوْلى، وَجَعَلَهُ لِجَبِيْنِ الأَيّامِ غُرَّةَ الْغَرّاءَ
وِلِدِيْباجِ كِتابِ الزَّمانِ النُّقْطَةَ الْبارِزَةَ عَنْها أَسْرارُ
الْفُرْقانِ، وَلَها مَظْهَرٌ فِي التَّدْوِيْنِ وَالتَّكْوِيْنِ، طُوْبى لِمَنْ
خَرَّجَ فَرِيْدَةَ الْبَيانِ مِنْ صَدَفِ الْجِنانِ حامِلِ التِّبْيانِ، وَجَعَلَ
اللهُ يَوْمَ الأَوَّلَ آيَةَ التَّوْحِيْدِ وَمَظْهَرَ التَّفْرِيْدِ لِكُلِّ
الْعَبِيْدِ لِتَشْهَدَنَّ كُلُّ الذَّرّاتِ بِأَنَّهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ خالِقُ
الأَرَضِيْنَ وَالسَّمواتِ، ثُمَّ أَشْرَقَ عَلى أَيّامٍ أُخَرٍ وَجَعَلَها
أَيّامَ التَّشْرِيْقِ لِهذا الْفَرِيْقِ، وَبِهذِهِ الثَّلثَةِ تَمَّتْ أَرْكانُ
الأَرْبَعَةِ بَيْنَ الْبَرِيَّةِ، نَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَمْ يَزَلْ
كانَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْ شَيْءٍ وَلا يَزالُ يَكُوْنُ كَما كانَ، قَدِ
انْقَطَعَ السَّبِيْلُ إِلى عِرْفانِ ذاتِهِ وَقَصُرَ الدَّلِيْلُ عَن الْبُلُوْغِ
إِلى إِدْراكِ كُنْهِهِ، السَّبِيْلُ مَسْدُودٌ وَالطَّلَبُ مَرْدُودٌ دَلِيْلُهُ
آياتُهُ وَظُهُوْرُهُ إِثْباتُهُ الْغَنِيُّ عَنْ ذِكْرِ دُوْنِهِ
وَالْمُسْتَغْنِيْ عَنْ وَصْفِ ما سِواهُ، قَدْ أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ
الْكُتُبَ وَجَعَلَهُمْ مَظاهِرَ آياتِهِ وَمَطالِعَ أَسْمائِهِ وَصِفاتِهِ
لِيَشْهَدَنَّ الْكُلُّ بِما شَهِدَ لِذاتِهِ قَبْلَ خَلْقِ
سَمائِهِ وَأَرْضِهِ
بِأَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ كانَ إِلهًا واحِدًا أَحَدًا فَرْدًا وِتْرًا
دائِمًا أَبَدًا قَيُّوْمًا، وَقَدِ انْتَهَتِ الرُّسُلُ بِهادِي السُّبُلِ
إِنَّهُ لَبِالْمَنْظَرِ الأَعْلى وَيَنْطِقُ مِنْ ذلِكَ الْمَقامِ الأَسْنى وَالأُفُقِ
الأَبْهى، طُوْبى لَكُمْ بِما فُزْتُمْ فِيْ هذا الْعِيْدِ الأَعْظَمِ بِخِلَعِ
الْعِرْفانِ وَآمَنْتُمْ بِرَبِّكُمُ الرَّحْمنِ وَبِما جاءَ بِهِ فَخْرُ
الأَكْوانِ وَسُلْطانُ الإِمْكانِ الَّذِيْ بِهِ جُدِّدَتِ الأَدْيانُ وَمَرَّتْ
نَفَحاتُ الْغُفْرانِ عَلى أَهْلِ الْعِصْيانِ، الَّذِيْ زُيِّنَ رَأْسُهُ
بِإِكْلِيْلِ (لَوْلاكَ) النّاطِقُ فِيْ مَقامِ الصَّحْوِ (ما عَرَفْناكَ) وَفِيْ
مَقامِ الْمَحْوِ (أَنا هُوَ وَهُوَ أَنا إِلاّ أَنَّهُ مُقَدَّسٌ عَنْ ذِكْرِ
أَنا وَإِيّاكَ)، الْمَبْدَأُ الَّذِيْ طُرِّزَ بِطِرازِ الْخَتْمِ وَالظّاهِرُ
الَّذِيْ بِهِ ظَهَرَ سِرٌّ الْباطِنِ، مَظْهَرُ الْقِدَمِ وَفَخْرُ الأُمَمِ
مُحَمَّدٌ الْمُصْطَفى صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلى آلِهِ وَأَصْحابِهِ
الَّذِيْنَ بِهِمْ فاضَ ما غاضَ وَجَعَلَهُمُ اللهُ أَبْوابَ الْعُلُوْمِ لِكُلِّ
قادِمٍ وَماضٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ هُوَ الْمُنْعِمُ الْمُعْطِي الْفَيّاضُ،
سُبْحانَكَ اللّهُمَّ يا إِلهِيْ أَسْئَلُكَ بِأَسْمائِكَ الْحُسْنى وَصِفاتِكَ
الْعُلْيا وَبِاسْمِكَ الأَعْظَمِ الَّذِيْ بِهِ طارَتْ طُيُوْرُ أَفْئِدَةِ
الْمُوَحِّدِيْنَ فِيْ هَواءِ قُرْبِكَ
وَعِنايَتِكَ وَارْتَقَتْ
قُلُوْبُ الْمُخْلِصِيْنَ إِلى سَماءِ عِزِّ بَقائِكَ بِأَنْ تَجْعَلَ هذا
الْعِيْدَ مُبارَكاً عَلَيْنا وَعَلى الَّذِيْنَ أَقَرُّوا بِوَحْدانِيَّتِكَ
وَاعْتَرَفُوا بِفَرْدانِيَّتِكَ، أَيْ رَبِّ هذا يَوْمٌ جَعَلْتَهُ عِيْداً
بَيْنَ الأَيّامِ لإِبْقاءِ ذِكْرِكَ بَيْنَ الأَنامِ وَبُلُوْغِهِمْ إِلى أَعْلى
الْمَقامِ، أَيْ رَبِّ نَحْنُ فُقَراءٌ تَوَجَّهْنا إِلى ظِلِّ غَنائِكَ
وَضُعَفاءٌ أَقْبَلْنا إِلى كَعْبَةِ أَلْطافِكَ وَمَواهِبِكَ وَظُمّاءٌ سَرُعْنا
إِلى كَوْثَرِ جُوْدِكَ وَإِحْسانِكَ أَسْئَلُكَ بِكَ وَبِمُحَمَّدٍ الَّذِيْ
اصْطَفَيْتَهُ فِيْ عالَمِ الْقِدَمِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ بِأَنْ لا تُخَيِّبَنا
عَنْ بَدائِعِ فَضْلِكَ وَجُوْدِكَ وَلا تَجْعَلَنا مَحْرُومًا عَمّا قُدِّرَ لأَصْفِيائِكَ،
أَيْ رَبِّ فَأَنْزِلْ عَلَيْنا مِنْ سَحابِ رَحْمَتِكَ وَسَماءِ عِنايَتِكَ ما
يُطَهِّرُنا عَنْ رِجْسِ الدُّنْيا وَيُقَرِّبُنا إِلَيْكَ يا مَنْ بِيَدِكَ
جَبَرُوْتُ الْقَضاءِ وَمَلَكُوْتُ الإِمْضاءِ، أَيْ رَبِّ نَوِّرْ أَبْصارَنا
بنُوْرِ عِرْفانِكَ وَقُلُوْبَنا بِنُوْرِ عِلْمِكَ ثُمَّ اجْذُبْنا إِلى ساحَةِ
الْقُرْبِ وَالْقُدْسِ وَالْجَمالِ وَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيْزُ الْمُتَعالِ لا
إِلهَ إِلاّ أَنْتَ ذُو الْعَظَمَةِ وَالإِفْضالِ.
[٤٦] بسم الله
الرّحمن الرّحيم
الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ
طَرَّزَ دِيْباجَ كِتابِ الأَيّامِ بِطِرازِ عِيْدِ الإِسْلامِ، وَبِهِ زَيَّنَ
هَياكِلَ الْمُوَحِّدِيْنَ مِنْ أَهْلِ الأَكْوانِ بِرِداءِ الْعِرْفانِ
وَاخْتَصَّهُمْ بِهذا الْفَضْلِ بَيْنَ أَهْلِ الأَدْيانِ وَطَهَّرَهُمْ عَنِ
الْعِصْيانِ بِرَحْمَتِهِ الَّتِيْ سَبَقَتِ الإِمْكانَ، وَبِذلِكَ هَدَرَتْ
وَرْقاءُ الْمَعانِيْ عَلى أَفْنانِ سِدْرَةِ الْبَيانِ بِأَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ
هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِكَيْنُوْنَتِهِ عَنْ عِرْفانِ الْمُمْكِناتِ الْمُنَزَّهُ
عَنْ كُلِّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الأَسْماءُ وَالصِّفاتُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ
وَالسَّمواتِ، قَدْ خَلَقَ الْمُمْكِناتِ لا مِنْ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ لَمْ يَزَلْ
كانَ فِيْ عُلُوِّ الرِّفْعَةِ وَالْعَظَمَةِ وَالْجَلالِ وَلا يَزالُ يَكُوْنُ
فِيْ سُمُوِّ الْقُدْرَةِ وَالْقُوَّةِ وَالإِجْلالِ بِمِثْلِ ما قَدْ كانَ فِيْ
أَزَلِ الآزالِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْكَبِيْرُ الْمُتَعالِ، وَالصَّلَوةُ
وَالسَّلامُ عَلى النُّقْطَةِ الأَوَّلِيَّةِ وَالأَلِفِ الْقائِمَةِ
الْمَعْطُوْفَةِ وَالْكَلِمَةِ الْجامِعَةِ الْجَبَرُوْتِيَّةِ وَالرُّوْحِ
الْمَلَكُوْتِيَّةِ الإِلهِيَّةِ الَّذِيْ بِهِ بُدِءَ الْوُجُوْدُ وَخُتِمَتْ
مَظاهِرُ الْغَيْبِ فِي الشُّهُوْدِ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفى الَّذِيْ جَعَلَهُ
اللهُ مَطْلِعَ أَسْمائِهِ الْحُسْنى وَمَظْهَرَ صِفاتِهِ الْعُلْيا وَعَلى آلِهِ
وَصَحْبِهِ مِنْ
هذا الْيَوْمِ إِلى يَوْمِ
الَّذِيْ فِيْهِ يَنْطِقُ لِسانُ الْقُوَّةِ وَالاقْتِدارِ لِمَنِ الْمُلْكُ
الْيَوْمَ ِللهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ.
[٤٧] هو النّاطق في ملكوت البيان
يا أَهْلَ الْبَهآءِ
اسْمَعُوا النِّدآءَ مِنَ السِّدْرَةِ النَّوْراءِ إِنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ
الْفَرْدُ الْواحِدُ الْمُقْتَدِرُ الْعَلِيْمُ الْحَكِيْمُ، أُمُّ الْكِتابِ
يَنْطِقُ وَيَقُوْلُ قَدْ أَتى الْوَهّابُ فِي الْمَآبِ اتَّقُوا اللهَ وَلا
تَكُوْنُوا مِنَ الْغافِلِيْنَ، أُمُّ الْبَيانِ يُنادِيْ يا مَلأَ الإِمْكانِ
قَدْ أَتى الرَّحْمنُ بِقَبِيْلٍ مِنَ الْمَلإِ الأَعْلى أَقْبِلُوا إِلَيْهِ وَلا
تَكُوْنُوا مِنَ الْخاسِرِيْنَ، أُمُّ الأَلْواحِ يَتَكَلَّمُ وَيَقُوْلُ يا مَلأَ
الأَرْضِ قَدِ اسْتَوى مُكَلِّمُ الطُّوْرِ عَلى عَرْشِ الظُّهُوْرِ لا تَمْنَعُوا
أَنْفُسَكُمْ عَنِ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ هذا ما أُمِرْتُمْ بِهِ فِيْ كُتُبِ
اللهِ وَفِيْهذا اللَّوْحِ الْمُبِيْنِ، يا كاظِمُ عَلَيْكَ بَهائِيْ وَعِنايَتِيْ، أَنْتَ الَّذِيْ أَقْبَلْتَ إِلى أُفُقِيْ وَتَمَسَّكْتَ بِحَبْلِ
عِنايَتِيْ وَقُمْتَ عَلى خِدْمَةِ أَمْرِيْ وَذِكْرِيْ وَثَنائِيْ بَيْنَ
عِبادِيْ نَسْئَلُ اللهَ أَنْ يُوَفِّقَكَ وَيَمُدَّكَ بِقَبِيْلٍ مِنَ
الْمَلائِكَةِ الْمُقَرَّبِيْنَ، طُوْبى لِلِسانٍ أَقَرَّ بِما نَطَقَ بِهِ لِسانُ
الْعَظَمَةِ وَلِعَيْنٍ فازَتْ
بِالنَّظَرِ إِلى شَطْرِهِ
الْمُنِيْرِ، قَدْ أَنْزَلْنا لَكَ مِنْ قَبْلُ ما لا تُعادِلُهُ ثَرْوَةُ
الْعِبادِ يَشْهَدُ بِذلِكَ مالِكُ الإِيْجادِ فِيْ سِجْنِهِ الْعَظِيْمِ، قَدْ
ذَكَرْناكَ فِيْ أَلْواحٍ شَتّى وَقَرَّبْناكَ إِلى شاطِئِ الْبَحْرِ الأَعْظَمِ
وَهَدَيْناكَ إِلى صِراطِي الْمُسْتَقِيْمِ، طُوْبى لِعَبْدٍ وَضَعَ ما عِنْدَهُ
وَسَمِعَ ما تَكَلَّمْتَ بِهِ فِيْ ذِكْرِ اللهِ الْعَزِيْزِ الْحَمِيْدِ، قُلْ يا
مَلأَ الْفُرْقانِ أَما سَمِعْتُمْ نِدآءَ رَبِّكُمُ الرَّحْمنِ بِقَوْلِهِ
(يَوْمَ يَقُوْمُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِيْنَ)، هذا يَوْمٌ فِيْهِ أَنارَ
أُفُقُ الْفَضْلِ وَظَهَرَ الْقَيُّوْمُ وَبِيَدِهِ رَحِيْقُهُ الْمَخْتُوْمُ
وَيَقُوْلُ تَعالَوْا تَعالَوْا وَلا تَكُوْنُوا مِنَ الْمُتَوَقِّفِيْنَ، هذا
يَوْمٌ بَشَّرَتْ بِهِ كُتُبُ اللهِ مالِكِ يَوْمِ الدِّيْنِ، قُلْ يا مَلأَ
الْبَيانِ لَعَمْرُ اللهِ يَنُوْحُ مِنْكُمْ نُقْطَةُ الْفُرْقانِ وَنُقْطَةُ
الْبَيانِ فِي الْفِرْدَوْسِ الأَعْلى اتَّقُوا اللهَ وَلا تَكُوْنُوا مِنَ
الظّالِمِيْنَ، لَوْ تُنْكِرُوْنَ هذا الْفَضْلَ الأَعْظَمَ بِأَيِّ بُرْهانٍ
يَثْبُتُ ما عِنْدَكُمْ أَنْصِفُوا يا قَوْمِ وَلا تَكُوْنُوا مِنَ الصّاغِرِيْنَ،
قَدْ فُتِحَ بابُ السَّماءِ وَأَتى مالِكُ الأَسْماءِ بِراياتِ الآياتِ اشْكُرُوا
رَبَّكُمْ بِهذا الْفَضْلِ الأَعْظَمِ الَّذِيْ أَحاطَ مَنْ فِي السَّمواتِ
وَالأَرَضِيْنَ، قُلْ قَدْ
جَرى فُراتُ الْبَيانِ مِنْ
قَلَمِ رَبِّكُمُ الرَّحْمنِ أَقْبِلُوا ثُمَّ اشْرَبُوا مِنْهُ بِاسْمِ رَبِّكُمُ
الْعَزِيْزِ الْبَدِيْعِ الَّذِيْ قامَ أَمامَ الْوُجُوْهِ وَدَعا الْكُلَّ إِلى
الْفَرْدِ الْخَبِيْرِ، كَذلِكَ نَطَقَ الْبَحْرُ الأَعْظَمُ بَيْنَ الأُمَمِ
وَارْتَعَدَتْ بِهِ فَرائِصُ الَّذِيْنَ كَفَرُوا بِاللهِ الْمُقْتَدِرِ
الْقَدِيْرِ، يا كاظِمُ إِنَّ قَلَمِي الأَعْلى أَرادَ أَنْ يَذْكُرَ أَخاكَ
الَّذِيْ صَعَدَ إِلى اللهِ الْمُهَيْمِنِ الْقَيُّوْمِ، وَفِيْ حِيْنِ صُعُوْدِهِ
وَجَدَ مِنْهُ الْمَلأُ الأَعْلى عَرْفَ حُبِّي الْعَزِيْزِ الْمَحْبُوْبِ،
وَأَدْخَلَتْهُ يَدُ الْفَضْلِ إِلى مَقامٍ عَجَزَتْ عَنْ ذِكْرِهِ أَقْلامُ
الْعالَمِ يَشْهَدُ بِذلِكَ مَنْ عِنْدَهُ لَوْحٌ مَحْفُوْظٌ، النُّوْرُ الَّذِيْ
أَشْرَقَ مِنْ أُفُقِ عِنايَةِ الظُّهُوْرِ وَأَوَّلُ عَرْفٍ تَضَوَّعَ مِنْ
قَمِيْصِ رَحْمَةِ رَبِّكَ مالِكِ الْوُجُوْدِ عَلَيْكَ يا مَنْ أَقْبَلْتَ إِلى
الأُفُقِ الأَعْلى إِذْ أَعْرَضَ عَنْهُ مَنْ عَلى الأَرْضِ نَشْهَدُ أَنَّكَ
سَمِعْتَ النَّداءَ وَأَقْبَلْتَ وَآمَنْتَ بِاللهِ مالِكِ الْغَيْبِ
وَالشُّهُوْدِ، وَكُنْتَ مُسْتَقِيْماً عَلى الأَمْرِ بِحَيْثُ ما مَنَعَتْكَ
شُبُهاتُ الَّذِيْنَ أَنْكَرُوا حُكْمَ النُّشُوْرِ، قَدْ فُزْتَ بِعِرْفانِ اللهِ
وَآياتِهِ وَسَمِعْتَ نِدائَهُ الأَحْلى إِذِ ارْتَفَعَ بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّماءِ
وَشَرِبْتَ رَحِيْقَةُ الْمَخْتُوْمَ بِاسْمِهِ الْقَيُّوْمِ
كَذلِكَ نَطَقَ الْقَلَمُ الأَعْلى فِيْهذا
الْمَقامِ الْمَحْمُوْدِ، سُبْحانَكَ يا إِلهَ الْوُجُودِ وَالْمُهَيْمِنَ عَلى ما
كانَ وَما يَكُوْنُ، أَسْئَلُكَ بِأَسْرارِ عِلْمِكَ وَنَفَحاتِ أَيّامِكَ
وَأَمْواجِ بَحْرِ الْبَيانِ فِي الإِمْكانِ بِأَنْ تُنْزِلَ عَلى مَنْ صَعَدَ
إِلَيْكَ فِيْكُلِّ حِيْنٍ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ وَعِنايَةً مِنْ لَدُنْكَ
إِنَّكَ أَنْتَ الْمُقْتَدِرُ عَلى ما تَشاءُ شَهِدَتْ بِكَرَمِكَ الْمُمْكِناتُ
وَبِعِنايَتِكَ الْكائِناتُ لا إِلهَ إِلا أَنْتَ الْغَفُوْرُ الرَّحِيْمُ، يا
كاظِمُ اشْكُرِ اللهَ بِما أَنْزَلَ لَكَ وَلأَخِيْكَ ما لا يَنْقَطِعُ عَرْفُهُ
بِدَوامِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوْتِ، قَدْ حَضَرَ كِتابٌ مِنْ سَلْمانَ عَلَيْهِ
بَهائِيْ وَكانَ فِيْهِ ذِكْرُ مَنْ صَعَدَ إِلى الرَّفِيْقِ الأَعْلى بِذلِكَ
أَخَذَتِ الأَحْزانُ الَّذِيْنَ طافُوا الْعَرْشَ فِي الْعَشِيِّ وَالإِشْراقِ،
إِنّا نُعَزِّيْكَ وَنُسَلِّيْكَ بِآياتٍ لا يُعادِلُها ما فِي الأَرَضِيْنَ
وَالسَّمواتِ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الصَّبّارُ يَأْمُرُكَ بِالصَّبْرِ الْجَمِيْلِ
إِنَّهُ هُوَ المُقْتَدِرُ عَلى ما يَشاءُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيْزُ
الْوَهّابُ، كَبِّرْ مِنْ قِبَلِيْ عَلى وَجُوْهِ أَحِبّائِيْ، قُلْ يا حِزْبَ
اللهِ إِيّاكُمْ أَنْ تُخَوِّفَكُمْ قُدْرَةُ الْعالَمِ أَوْ تُضْعِفَكُمْ قُوَّةُ
الأُمَمِ أَوْ تَمْنَعَكُمْ ضَوْضآءُ أَهْلِ الْجِدالِ أَوْ تُحْزِنَكُمْ
مَظاهِرُ الْجَلالِ كُوْنُوا
كَالْجِبالِ فِيْ أَمْرِ رَبِّكُمُ الْمُقْتَدِرِ الْعَزِيْزِ الْمُخْتارِ،
كَذلِكَ أَنْزَلْنا مِنْ سَحابِ الْفَضْلِ أَمْطارَ الْحِكْمَةِ وَالْبَيانِ
طُوْبى لِمَنْ شَهِدَ وَرَأَى وَقالَ لَكَ الْحَمْدُ يا مُنْزِلَ الآياتِ وَلَكَ
الثَّنآءُ يا مُظْهِرَ الْبَيِّناتِ، أَشْهَدُ أَنَّكَ ظَهَرْتَ وَأَظْهَرْتَ ما
كانَ مَكْنُوْناً فِيْ أَزَلِ الآزالِ، مَنْ أَقْبَلَ إِلَيْكَ قَدْ أَقْبَلَ إِلى
اللهِ مِنَ الأَوَّلِ الَّذِيْ لا أَوَّلَ لَهُ وَمَنْ أَعْرَضَ إِنَّهُ أَعْرَضَ
عَنِ اللهِ فِيْ الْمَبْدَءِ وَالْمَآلِ، الْبَهآءُ الْمُشْرِقُ مِنْ أُفُقِ
سَمآءِ رَحْمَتِيْ عَلَيْكَ وَعَلى مَنْ يَسْمَعُ قَوْلَكَ فِيْهذا الأَمْرِ
الَّذِيْ بِهِ ارْتَعَدَتْ فَرائِصُ الرِّجالِ، وَعَلى أَوْلِيائِيْ هُناكَ الَّذِيْنَ
ما نَقَضُوا الْمِيْثاقَ.
[٤٨] بسمه الغفور الكريم
يا إِلهِيْ قَدْ حَضَرَ مِنْ
عَبْدِكَ كِتابٌ فِيْهِ أَقَرَّ بِوَحْدانِيَّتِكَ وَاعْتَرَفَ بِفَرْادنِيَّتِكَ
وَأَرادَ الْعَفْوَ مِنْ بَحْرِ جُوْدِكَ وَأَلْطافِكَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِها
مِنْ أَحِبَّتِكَ، أَيْرَبِّ رَشِّحْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَبْحُرِ جُوْدِكَ
وَمَواهِبِكَ ما يُطَهِّرُهُمْ عَنْ ذِكْرِ دُوْنِكَ وَيُقَدِّسُهُمْ عَنِ
النَّظَرِ إِلى ما سِواكَ،
وَنَوِّرْهُمْ بِأَنْوارِ
شَمْسِ وَجْهِكَ الَّتِيْ أَشْرَقَتْ مِنْ أُفُقِكَ الأَعْلى وَأَضائَتْ بِها الأَرْضُ
وَالسَّمآءُ، ثُمَّ أَشْرِبْهُمْ كَوْثَرَ الْبَقاءِ بِأَيادِي الْفَضْلِ
وَالْعَطاءِ فِيْهذا الْفَجْرِ الَّذِيْ بِهِ أَنارَ أُفُقُ الْعِرْفانِ وَلاحَ
نَيِّرُ الإِيْقانِ لِيَرَوْا تَقْدِيْسَ نَفْسِكَ عَنِ الأَشْباهِ وَتَنْزِيْهَ
ذاتِكَ عَنِ الأَمْثالِ، أَيْرَبِّ فَأَلْبِسْهُمْ خِلَعَ غُفْرانِكَ
وَزَيِّنْهُمْ بِما أَرَدْتَهُ فِيْ أَيّامِكَ إِنَّكَ أَنْتَ الْمُقْتَدِرُ عَلى
ما تَشآءُ تُعْطِيْ وَتَمْنَعُ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ الْمُهَيْمِنُ الْقَيُّوْمُ،
أَسْئَلُكَ اللّهُمَّ يا إِلهِيْ بِاسْمِكَ الَّذِيْ بِهِ سَخَّرْتَ الأَرْضَ
وَالسَّمآءَ وَفُكَّ بِهِ رَحِيْقُكَ الْمَخْتُوْمُ لأَهْلِ الإِنْشاءِ بِأَنْ
تُؤَيِّدَ عَبْدَكَ الْجَوادَ عَلى إِعْلآءِ كَلِمَتِكَ فِيْ مَمْلَكَتِكَ
لِتَنْجَذِبَ بِها الْقُلُوْبُ إِلى مَشْرِقِ وَحْيِكَ وَمَطْلِعِ إِلْهامِكَ
وَتُسْرِعَ بِها أَهْلُ الْقُبُوْرِ إِلى مَظْهَرِ ظُهُوْرِ نُوْرِ كَيْنُوْنَتِكَ
وَمَصْدَرِ بُرُوْزِ نارِ سِدْرَةِ أُلُوْهِيَّتِكَ، ثُمَّ اخْرُقْ بِهِ حُجُباتِ
التَّقْلِيْدِ لِتَظْهَرَ شَمْسُ التَّوْحِيْدِ لِمَنْ فِيْ أَرْضِكَ وَسَمائِكَ،
أَيْرَبِّ أَنْتَ تَعْلَمُ بِأَنِّيْ ما أَرَدْتُ إِلاّ ما أَرَدْتَهُ وَما
تَكَلَّمْتُ إِلاّ بِما أَلْهَمْتَنِيْ بِجُوْدِكَ وَأَلْطافِكَ، قَدْ قُمْتُ
بِحَوْلِكَ عَلى أَمْرِكَ وَدَعَوْتُ الْكُلَّ إِلى سَمآءِ
عِرْفانِكَ وَبَحْرِ
إِفْضالِكَ بِحَيْثُ ما مَنَعَتْنِيْ سَطْوَةُ الْمُلُوْكِ عَنْ ذِكْرِكَ
وَثَنآئِكَ وَلا ضَوْضآءُ الْمَمْلُوْكِ عَنْ وَصْفِكَ وَإِظْهارِ أَمْرِكَ
وَبَلَّغْتُهُمْ جَهْرَةً ما أُمِرْتُ بِهِ مِنْ عِنْدِكَ، لَكَ الْحَمْدُ بِما
جَعَلْتَنِيْ قَيُّوْماً عَلى خَلْقِكَ وَبَرِيَّتِكَ بِحَيْثُ لَمْ تُضْعِفْنِيْ
قُوَّةُ الْجَبابِرَةِ وَلا قُدْرَةُ الْقَياصِرَةِ، أَظْهَرْتُ مَشِيَّتَكَ
الْمُهَيْمِنَةَ وَإِرادَتَكَ الْمُحِيْطَةَ وَبَيَّنْتُ ما هُوَ الْمُسْتُوْرُ
فِيْ صُحُفِكَ الْمَسْطُوْرَةِ وَأَلْواحِكَ الْمُنْزَلَةِ، لَكَ الْحَمْدُ
حَمْداً يَطِيْرُ بِهِ الْمُخْلِصُوْنَ إِلى الذِّرْوَةِ الْعُلْيا
وَالْمُقَرَّبُوْنَ إِلى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهى، وَلَكَ الحَمْدُ حَمْداً بِهِ
بُيِّنَتْ آثارُكَ وَيَظْهَرُ أَحْكامُك، وَلَكَ الْحَمْدُ فِيْما تُحِبُّ
وَتَرْضى إِنَّكَ أَنْتَ الْحاكِمُ عَلى ما تَشآءُ، ثُمَّ أَسْئَلُكَ يا إِلهِيْ
بِأَنْ تُوَفِّقَ أَحِبَّتِيْ عَلى الْقِيامِ عَلى خِدْمَتِكَ وَنُصْرَةِ
أَمْرِكَ، إِنَّكَ أَنْتَ الَّذِيْ شَهِدَتِ الْكائِناتُ بِقُوَّتِكَ
وَاقْتِدارِكَ وَالْمُمْكِناتُ بِعَظَمَتِكَ وَسُلْطانِكَ تَفْعَلُ ما تَشآءُ
وَتَحْكُمُ ما تُرِيْدُ بِأَمْرِكَ الْمُهَيْمِنِ عَلى الْعالَمِيْنَ لا إِلهَ
إِلاّ أَنْتَ الْعَلِيْمُ الْحَكِيْمُ. ﴿بِسْمِهِ
النّاطِقِ
فِيمَلَكُوتِ الْبَيَانِ﴾ ج وإِنّا أَرَدْنا أَنْ نُصَرِّفَ لَكَ
الآياتِ عَلى تَصْرِيْفٍ آخَرَ
إِنَّهُ لَهُوَ الْمُقْتَدِرُ
الْمُخْتارُ، لِتَجْذُبَكَ نَفَحاتُ الْوَحْيِ عَلى شَأْنٍ تَقُوْمُ بَيْنَ
الإِبْداعِ بِاسْمِ رَبِّكِ مالِكِ الاخْتِراعِ، وَتُشِيْرُ بِيَدِكَ الْيُمْنى
إِلى جِهَةِ الشَّرْقِ وَتَقُوْلُ تَاللهِ قَدْ أَنارَ مَشْرِقُ الْعِرْفانِ،
وَبِيَدِكَ الْيُسْرى تَخْرُقُ حُجُباتِ أَهْلِ الْغَرْبِ بِهذا الاسْمِ الَّذِيْ بِهِ
انْصَعَقَتِ الأَصْنامُ وَتَزَلْزَلَتِ الأَدْيانُ، قَدْ حَضَرَ لَدى
الْمَظْلُوْمِ كِتابُكَ وَوَجَدْنا مِنْهُ عَرْفَ حُبِّكَ للهِ نَزَّلْنا لَكَ هذا
اللَّوْحَ الَّذِيْ بِهِ سَرَتْ نَسَماتُ الْعِرْفانِ وَفاحَتْ نَفَحاتُ
الْغُفْرانِ فِي الإِمْكانِ، نَسْئَلُ اللهَ بِأَنْ يُؤَيِّدَكَ عَلى خِدْمَتِهِ
عَلى شَأْنٍ تَخْرُقُ أَحْجابَ النَّاسِ وَتَدْعُوْهُمْ بِالتَّقْدِيْسِ
وَالتَّنْزِيْهِ وَالْعَمَلِ الَّذِيْ يَنْبَغِيْ لأَيّامِ رَبِّهِمُ الْغَنِيِّ
الْمُتَعالِ، إِنّا لَمّا وَرَدْنا السِّجْنَ الأَعْظَمَ دَعَوْنا مَظاهِرَ
الاقْتِدارِ مَرَّةً أُخْرى إِلى اللهِ مُنْزِلِ الآياتِ، غَرَّتْهُمُ
الدُّنْيا عَلى شَأْنٍ نَبَذُوا ما أُمِرُوا بِهِ مِنْ لَدى اللهِ مالِكِ
الأَسْمآءِ وَأَخَذُوا ما يُرْجِعُهُمْ إِلى النِّيْرانِ، سَوْفَ يَعْرِفُوْنَ ما
فاتَ عَنْهُمْ فِيْ أَمْرِ اللهِ وَيَنُوْحُوْنَ عَلى أَنْفُسِهِمْ إِنَّ رَبَّكَ
لَهُوَ الْعَزِيْزُ الْعَلاّمُ، كُنْ طائِراً فِيْهَوآءِ الْمَحَبَّةِ
وَالْعِرْفانِ وَطالِعاً مِنْ أُفُقِ
الْبَيانِ بِذِكْرٍ
تَنْجَذِبُ بِهِ الْعُقُوْلُ وَتَطِيْرُ بِهِ الأَبْدانُ، قُلْ يا قَوْمِ قَدْ
جَرى السَّلْسَبِيْلُ وَفُكَّ خَتْمُ الرَّحِيْقِ تَوَجَّهُوا ثُمَّ اشْرَبُوا
بِاسْمِهِ الْمُهَيْمِنِ عَلى الأَكْوانِ، إِيّاكَ أَنْ يَمْنَعَكَ ضَوْضآءُ
الْمُشْرِكِيْنَ أَوْ تُخَوِّفَكَ سَطْوَةُ الْفُجّارِ، أَنِ اذْكُرِ اللهَ
بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحانِ وَبِالْحِكْمَةِ الَّتِيْ نَزَّلْناها مِنْ سَمآءِ
الْوَحْيِ وَالإِلْهامِ لِيَقُوْمَ بِذِكْرِكَ كُلُّ راقِدٍ وَيَتَوَجَّهَ بِهِ
كُلُّ غافِلٍ وَيُسْرِعَ بِهِ كُلُّ مُتَوَقِّفٍ مُرْتابٍ، كَذلِكَ غَنَّتِ
الْوَرْقآءُ وَدَلَعَ دِيْكُ الْبَقآءِ لِيَفْرَحَ بِهِ قَلْبُكَ وَتَنْصُرَ
رَبَّكَ مالِكَ الأَنامِ، قَدْ نَزَّلْنا لَكَ لَوْحاً مِنْ قَبْلُ بِلِسانٍ
عَجَمِيٍّ أَحْلى وَبَعْدَ حُضُوْرِ كِتابِكَ هذا اللَّوْحَ الَّذِيْ نُزِّلَ
بِاللُّغَةِ الْفُصْحى لِتَشْكُرَ رَبَّكَ الْعَزِيْزَ الْوَهّابَ، إِنَّما
الْبَهآءُ عَلَيْكَ وَعَلى الَّذِيْنَ فازُوا بِهذا الْيَوْمِ الَّذِيْ فِيْهِ نَطَقَتِ
الأَشْيآءُ الْمُلْكُ للّهِ فالِقِ الإِصْباحِ.
[٤٩] هو النّاطق أمام الملوك والمملوك
خَرَجْنا الْيَوْمَ مِنْ
مَقامٍ قاصِدًا مَقامًا آخَرَ وَنَطَقْنا بِما انْجَذَبَتْ بِهِ أَفْئِدَةُ
الْقَوْمِ وَنَطَقَتِ الأَشْيآءُ بِما نَطَقَ
اللِّسانُ وَنادَتْ حَمامَةُ
الأَمْرِ فِيْ الْفِرْدَوْسِ الأَعْلى قَدْ ظَهَرَ مَنْ كانَ مَسْتُوْرًا وَأَتى
مَنْ كانَ مَوْعُوْدًا افْرَحُوا يا مَلأَ الأَرْضِ وَأَجِيْبُوا مَنْ دَعاكُمْ
إِلى أُفُقِهِ الأَعْلى وَمَقامِهِ الأَبْهى الَّذِيْ كانَ مَطافَ الْمَلإِ
الأَعْلى فِي الْقُرُوْنِ وَالأَعْصارِ، مَرَرْنا عَلى الأَشْجارِ وَالأَنْهارِ
وَسَمِعْنا حَفِيْفَ الأُوْلى فِيْ ذِكْرِ مَوْلى الْوَرى وَخَرِيْرَ الأُخْرى
فِيْذِكْرِ هذا الذِّكْرِ الأَبَدِيِّ وَالنُّوْرِ السَّرْمَدِيِّ الَّذِيْ بِهِ ماجَتْ
لُجَّةُ الأَحَدِيَّةِ وَهاجَ عَرْفُ اللهِ رَبِّ الأَرْبابِ، طُوْبى لِمُنْصِفٍ
أَنْصَفَ فِي الأَمْرِ وَلِمُقْبِلٍ أَقْبَلَ إِلى مَطْلِعِ الأَنْوارِ، هذا
يَوْمٌ فِيْهِ اسْتَوى هَيْكَلُ الظُّهُوْرِ عَلى عَرْشِ الْبَيانِ وَنَطَقَ بِما
سَرُعَ الْمُوَحِّدُوْنَ وَالْمُخْلِصُوْنَ إِلى اللهِ مُنْزِلِ الآياتِ، يا
عَنْدَلِيْبُ عَلَيْكَ بَهآءُ اللهِ وَعِنايَتُهُ، قَدْ حَضَرَ كِتابُكَ وَجَدْنا
مِنْهُ عَرْفَ حُبِّكَ وَخُلُوْصِكَ وَاسْتِقامَتِكَ وَذِكْرِكَ وَحِكْمَتِكَ للّهِ
وَلِوَجْهِهِ الْمُشْرِقِ مِنْ أُفُقِ الآفاقِ، قُلْ يا قَوْمِ تَاللهِ قَدْ
ظَهَرَ مَنْ كانَ مَقْصُوْدَ الأَصْفِيآءِ وَبِهِ أَشْرَقَتْ شَمْسُ الْحِكْمَةِ
وَالْبُرْهانِ فِي الإِمْكانِ، تَعالى الرَّحْمنُ الَّذِيْ بَشَّرَ الْعِبادَ
بِذِكْرِ مُكَلِّمِ الطُّوْرِ الَّذِيْ بِهِ ابْتَسَمَ ثَغْرُ
الْوُجُوْدِ وَنَطَقَتِ
الذَّرّاتُ الْمُلْكُ وَالْمَلَكُوْتُ وَالْعِزَّةُ وَالْجَبَرُوْتُ لِلّهِ مالِكِ
يَوْمِ المَآبِ، يا عَنْدَلِيْبُ لَعَمْرُ اللهِ أَحْزَنَتْنِيْ أَعْمالُ
الَّذِيْنَ نَبَذُوا التَّقْوى وَرائَهُمْ مُتَمَسِّكِيْنَ بِالْبَغْيِ
وَالْفَحْشاءِ وَيَنْسِبُوْنَ أَنْفُسَهُمْ إِلى مَطْلِعِ التَّقْدِيْسِ
وَالتَّنْزِيْهِ بِذلِكَ ناحَ قَلَمُ اللهِ فِيْ أَعْلى الْمَقامِ، إِنّا
أَنْزَلْنا فِيْ الأَلْواحِ ما يُقَرِّبُ الْعِبادَ إِلى الْعَزِيْزِ الْوَهّابِ،
مِنْهُمْ مَنِ ادَّعى حُبِّيْ وَالْوُرُوْدَ فِيْ حِصْنِ عِنايَتِيْ وَارْتَكَبَ
ما ناحَ بِهِ قَلْبِيْ وَقَلَمِيْ وَبَكَتْ عَيْنُ سِرِّيْ فِي اللَّيالِيْ
وَالأَيّامِ، قُلْ يا قَوْمِ اتَّقُوا اللهَ ولا تَتَّبِعُوا أَهْوائَكُمُ
اتَّبِعُوا مَنْ أَتى مِنْ سَمآءِ الأَمْرِ بِقُدْرَةٍ وَسُلْطانٍ، إِنّا
وَصَّيْناكُمْ بِتَقْوى اللهِ وَأَنْزَلْنا ما يُقَرِّبُكُمْ إِلَيْهِ إِيّاكُمْ
أَنْ تَدَعُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ فِيْ أُمِّ الْكِتابِ، إِنّا ما نُرِيْدُ
مِنْكُمْ جَزآءً وَأَرَدْنا لَكُمْ فِي الْجَنَّةِ الْعُلْيا مَقاماً عَجَزَتْ
عَنْ ذِكْرِهِ الأَقْلامُ، ضَعُوا ما عِنْدَكُمْ وَخُذُوا ما أُوْتِيْتُمْ مِنْ
لَدُنْ مالِكِ الرِّقابِ، إِنَّا مَنَعْنا الْعِبادَ فِيْهذا الظُّهُوْرِ عَنِ
النِّزاعِ وَالْفَسادِ وَما يَتَكَدَّرُ بِهِ أُوْلُوا الأَلْبابِ وَأَمَرْناهُمْ
بِفَتْحِ مَدائِنِ الْقُلُوْبِ بِجُنُوْدِ الْحِكْمَةِ وَالْبَيانِ يَشْهَدُ
بِذلِكَ رَبُّكُمُ
الْعَزِيْزُ الْعَلاّمُ، يا
أَوْلِيآئِيْ تَمَسَّكُوا بِحَبْلِ الأَعْمالِ وَالأَخْلاقِ لِيَظْهَرَ مِنْكُمْ
ما تَنْجَذِبُ بِهِ أَفْئِدَةُ مَنْ فِي الْبِلادِ، اعْلَمُوا أَنَّ جُنُوْدَ
الأَخْلاقِ أَقْوى الْجُنُوْدِ فِي الْعالَمِ فَاعْتَبِرُوا يا أُوْلِي
الأَبْصارِ، بِها تَرْتَفِعُ مَقاماتُكُمْ وَمَراتِبُكُمْ بَيْنَ الأَحْزابِ، يا
عَنْدَلِيْبُ قَدْ خَلَقْنا النُّفُوْسَ لِنُصْرَةِ أَمْرِنا وَلكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ نَصَرُوا أَعْدآئِيْ بِأَعْمالٍ ناحَتْ بِها جُنُوْدُ الْوَحْيِ
وَالإِلْهامِ، هذا ما نُزِّلَ مِنْ قَلَمِي الأَعْلى أَمْراً مِنْ عِنْدِنا وَأَنا
الْعَزِيْزُ الْوَهّابُ، ذَكِّرِ النّاسَ بِآياتِيْ وَبِما نُزِّلَ مِنِ
مَلَكُوْتِ بَيانِيْ لَعَلَّ يَتَّخِذُوْنَ لأَنْفُسِهِمْ إِلى الْحَقِّ
سَبِيْلاً، قُلْ سُبْحانَكَ اللّهُمَّ يا إِلهِيْ وَسَيِّديْ وَمَحْبُوْبِيْ
وَمَقْصُوْدِيْ، أَسْئَلُكَ بِنُوْرِ أَمْرِكَ الَّذِيْ بِهِ أَشْرَقَتِ الأَرْضُ
وَالسَّمآءُ وَمِنْ عَرْفِهِ اهْتَزَّتِ الأَشْيآءُ أَنْ تُؤَيِّدَ الْعِبادَ عَلى
الرُّجُوْعِ إِلَيْكَ وَالإِنابَةِ لَدى بابِ فَضْلِكَ وَالتَّمَسُّكِ بِحَبْلِ عَطآئِكَ
إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الْكَرِيْمُ وَإِنَّكَ أَنْتَ الْفَيّاضُ الْغَفُوْرُ
الرَّحِيْمُ، أَيْرَبِّ أَيْرَبِّ أَيْرَبِّ أَيْرَبِّ أَيْرَبِّ أَيْرَبِّ
أَيْرَبِّ أَيْرَبِّ أَيْرَبِّ قَدِّسْ أَحِبّائَكَ مِنْ شُئُوْناتِ النَّفْسِ
وَالْهَوى وَزَيِّنْهُمْ بِطِرازِ التَّقْدِيْسِ
بَيْنَ عِبادِكَ يا مَوْلى
الْوَرى وَمالِكَ الآخِرَةِ وَالأُوْلى، أَيْرَبِّ نَوِّرْ ظاهِرَهُمْ
وَباطِنَهُمْ بِنُوْرِ مَعْرِفَتِكَ ثُمَّ اكْتُبْ لَهُمْ كُلَّ خَيْرٍ
أَنْزَلْتَهُ فِيْ كُتُبِكَ وَصُحُفِكَ وَزُبُرِكَ وَأَلْواحِكَ، أَشْهَدُ أَنَّكَ
أَنْتَ الْمُقْتَدِرُ عَلى ما تَشآءُ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ الْفَضّالُ الْفَيّاضُ
الْعَزِيْزُ الْحَكِيْمُ.
[٥٠] بسم الله الأعظم الأقدم العليّ الأبهى
سُبْحانَ الَّذِيْ أَظْهَرَ
الْكَلِمَةَ بِسُلْطانٍ مِنْ عِنْدِهِ إِنَّها تَنْطِقُ بَيْنَ أَهْلِ الإِمْكانِ
إِنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيْزُ الْمَنّانُ، لَوْ يَتَوَجَّهُ إِلَيْها
أَحَدٌ بِأُذُنِ الْفِطْرَةِ لَيَطِيْرُ إِلى هَوآءِ مَحَبَّةِ رَبِّهِ الرَّحْمنِ
بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحانِ، قُلْ إِنَّها لَنارٌ لِمَنْ أَعْرَضَ عَنِ الْمُخْتارِ
وَنُوْرٌ لِلأَبْرارِ بِها فُصِّلَ بَيْنَ الْمُقْبِلِ وَالْمُعْرِضِ وَإِنَّها
لَمِيْزانُ الأَعْمالِ وَإِنَّها لَصِراطُ الأَمْرِ لِمَنْ فِي السَّمواتِ
وَالأَرْضِ وَكَوْثَرُ الْحَيَوانِ لِمَنْ فِي الإِمْكانِ، طُوْبى لِمَنْ أَقْبَلَ
إِلَيْها وَتَمَسَّكَ بِهذا الاسْمِ الَّذِيْ جَعَلَهُ اللهُ مُهَيْمِنًا عَلى
الآفاقِ، قَدْ غَلَبَتْ شَقْوَةُ الَّذِيْنَهُمْ كَفَرُوا بِأَيّامِ اللهِ
الَّتِيْ فِيْها أَشْرَقَ الأَمْرُ مِنْ أُفُقِ الأَسْرارِ، قَدْ أَخَذْنا
الَّذِيْنَهُمْ كَفَرُوا
بِاللهِ وَظَلَمُوا بِمَطالِعِ الْوَحْيِ إِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيْدُ الْعِقابِ،
مِنْهُمْ مَنْ أَخَذْناهُ بِقَهْرٍ مِنْ لَدُنّا وَمِنْهُمْ مَنْ أَهْلَكْناهُ
بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْناهُ فِي الْبَحْرِ وَمِنْهُمْ مَنْ
خَسَفْنا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَحْرَقْناهُ بِلَهِيْبِ النّارِ
وَمِنْهُمْ مَنْ أَمْطَرْنا عَلَيْهِ الأَحْجارَ كَذلِكَ نَزَّلْنا قَصَصَهُمْ فِي
الأَلْواحِ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيْزُ الْعَلاّمُ، سَوْفَ نَأْخُذُ
الَّذِيْنَ ظَلَمُوا كَما أَخَذْنا الْمُعْتَدِيْنَ فِيْ تِلْكَ الْجِهاتِ
الَّذِيْنَ أَخْرَجُوْنا مِنْ أَرْضِ السِّرِّ إِذ اعْتَرَضُوا عَلى اللهِ مالِكِ
الرِّقابِ، قَدْ أَخَذْنا كُلَّهُمْ بِسُلْطانٍ مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نُزِّلَ
فِيْ لَوْحِ الْفُؤادِ طُوْبى لأُوْلِي الأَبْصارِ، قَدْ أَخَذْنا الأَوَّلَ كَما
واعَدْناهُ فِي الْكِتابِ وَأَخَذْنا الثّانِيْ وَمَنْ مَعَهُ بِقَهْرٍ
اضْطَرَبَتْ عَنْهُ أَفْئِدَةُ الْفُجّارِ، قَدْ أَصْبَحُوا وَلا يُسْمَعُ مِنْ
أَماكِنِهِمْ إِلاّ صَوْتُ الصَّدى وَنَعِيْبُ الْغُرابِ، أَنْ يا قَلَمُ الأَعْلى
أَنِ اذْكُرْ إِذْ أَرْسَلْنا الْبَدِيْعَ بِآياتٍ بَيِّناتٍ إِلى الَّذِيْ كانَ
فِيْ غَفْلَةٍ وَشِقاقٍ، قَدِ ارْتَكَبَ ما ناحَ بِهِ أَهْلُ الْفِرْدَوْسِ ثُمَّ
حَقايِقُ أَهْلِ الرِّضْوانِ، إِذًا تَرَكْنا الظّالِمَ بِنَفْسِهِ لِحِكْمَةٍ
وَأَخَذْنا مَنْ فِي الدِّيارِ سَوْفَ
نَأْخُذُهُ بِأَمْرٍ مِنْ
عِنْدِنا وَأَنا الْمُقْتَدِرُ عَلى ما أَرادَ، طُوْبى
لِمَنْ قَرَءَ لَوْحَ اللهِ الَّذِيْ أَرْسَلْناهُ إِلَيْهِ لِيُوْقِنَ بِأَنّا ما
مُنِعْنا عَمّا وَرَدَ عَلَيْنا نَطَقَ لِسانُ الْعَظَمَةِ بِالْحَقِّ الْخالِصِ
لِيَشْهَدَنَّ الْكُلُّ بِأَنَّهُ لَهُوَ الْمُقْتَدِرُ الْمُخْتارُ، قَدْ تَمَّتْ
عَلَيْهِمْ حُجَّةُ رَبِّكَ وَأَشْرَقَ الْبُرْهانُ مِنْ أُفُقِ الإِيْقانِ، إِنَّ
الَّذِيْنَ يَقْرَؤُنَ آياتِ اللهِ أُوْلئِكَ يَجِدُوْنَ حَلاوَةَ بَيانِ
رَبِّهِمُ الْعَزِيْزِ الْوَهّابِ وَيَتَوَجَّهُوْنَ بِقُلُوْبٍ بَيْضآءَ إِلى
شَطْرِ الَّذِيْ فِيْهِ ظَهَرَ نَيِّرُ الإِبْداعِ، قَدْ حَضَرَ لَدى الْعَرْشِ
كِتابٌ مِنَ الَّذِيْ إِذا سَمِعَ النِّدآءَ قالَ بَلى بَلى يا مُخْرِقَ
الأَحْجابِ، لِذا نَزَّلْنا لَكَ هذا اللَّوْحَ الَّذِيْ بِهِ فاحَ عَرْفُ
الْقَمِيْصِ فِي الأَكْوانِ، أَنِ اشْكُرْ رَبَّكَ بِما تَوَجَّهَ إِلَيْكَ لِحاظُ
الْمَظْلُوْمِ إِذْ سُجِنَ فِيْ أَبْعَدِ الْبِلادِ، يا حُسَيْنُ أَنِ اسْتَمِعْ
نِدآءَ الْحُسَيْنِ اسْتَقِمْ عَلى شَأْنٍ يَضْطَرِبُ مِنْهُ أَرْكانُ الَّذِيْنَ
كَفَرُوا بِاللهِ مالِكِ الرِّقابِ، قُلْ يا مَعْشَرَ الْعُلَمآءِ قَدْ يَجُوْلُ
قَلَمُ الأَعْلى فِيْ مَيادِيْنِ الأَلْواحِ، هَلْ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَنْ
يَرْكُضَ مَعَ فارِسِ الاقْتِدارِ فِيْ هذا الْمِضْمارِ لا وَنَفْسِيْ مَثَلُهُمْ
مِثْلُ الظّالِعِ قَدْ تَوَقَّفُوا فِيْ طِيْنِ
الأَوْهامِ، قُلْ هذِهِ
لَشَمْسُ الْعِلْمِ قَدْ أَشْرَقَتْ مِنْ أُفُقِ الْبَيانِ رَغْمًا لأَنْفُسِكُمْ
يا مَلأَ الْفُجّارِ، دَعْ هؤُلآءِ يَكْفِيْهِمْ عَذابُ رَبِّكَ الْمُقْتَدِرِ
الْقَهّارِ، كُنْ ناظِرًا فِيْ كُلِّ الأَحْوالِ بِطَرْفِ الْحِكْمَةِ كَذلِكَ
أَمَرْنا الْبَرِيَّةَ فِيْ أَكْثَرِ الأَلْواحِ، طُوْبى لَكَ وَلِمَنْ أَسْمَعَكَ
هَدِيْرَ الْوَرْقاءِ عَلى الأَفْنانِ وَخَرِيْرَ كَوْثَرِ الْبَيانِ فِيْ تِلْكَ
الأَيّامِ، لَعَمْرِيْ إِنَّهُ هُوَ الْمَذْكُوْرُ لَدى الْعَرْشِ وَالذّاكِرُ
بِهذا الذِّكْرِ الَّذِيْ مِنْهُ انْعَدَمَتِ الأَصْنامُ، قُلْ
يا خَلِيْلُ أَنْ اسْتَمِعْ نِدآءَ الْجَلِيْلِ الَّذِيْ يُنادِيْكَ مِنْ لِسانِ
هذا الْعَلِيْلِ الَّذِيْ ابْتُلِيَ بَيْنَ أَهْلِ الشِّقاقِ، بَيْنَ الظُّلْمَةِ
أَضآءَ النُّوْرَ وَفِي الاضْطِرارِ اسْتَقَرَّ هذا الرِّجْلُ عَلى شَأْنٍ لا
تُعادِلُهُ الْجِبالُ، طُوْبى لَكَ بِما جُعِلْتَ ساقِي الرَّحْمنِ وَتُعْطِيْ
خَمْرَ الْحَيَوانِ عَلى الَّذِيْنَهُمْ أَقْبَلُوا إِلى اللهِ المَلِكِ
الْمُسْتَعانِ، قَدْ نُزِّلَتْ لَكَ آياتٌ بَيِّناتٌ وَأَرْسَلْناها مِنْ قَبْلُ
إِنَّهُ لَمُحَرِّكُ حَبْلِ الْوَدادِ، إِنَّما الْبَهاءُ عَلَيْكُمْ يا أَهْلَ
الْبَهاءِ مِنْ لَدُنْ رَبِّكُمُ الْعَزِيْزِ الْفَضّالِ.
[٥١] بسم الله الأمنع الأبدع الأقدس الأبهى
ذِكْرُ اللهِ قَدِ ارْتَفَعَ
بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمآءِ مِنْ هذا اللِّسانِ الَّذِيْ ما تَحَرَّكَ إِلاّ عَلى
ذِكْرِ اللهِ وَيَشْهَدُ بِذلِكَ أَهْلُ مَلإِ الأَعْلى ثُمَّ الَّذِيْنَهُمُ
اسْتَظَلُّوا خَلْفَ سُرادِقِ الْكِبْرِيا عَنْ وَرآءِ قُلْزُمِ الأَبْهى مَقامِ
الَّذِيْ سُمِّيَ فِيْ مَدايِنِ الْعَما بِحُوْرِيْبِ الأَمْرِ وَفِيْمَلَكُوْتِ
الأَسْما بِبُقْعَةِ الرَّمّانِ وَفِيْ مَيادِيْنِ السَّنا بِفارانِ الرَّحْمنِ
كَذلِكَ يُلْقِيْكَ قَلَمُ الأَمْرِ لِتَقْرَءَ ما أَلْقى اللهُ عَلَيْكَ فِيْهذا
اللَّوْحِ الَّذِيْ فِيْهِ أَظْهَرَ نَفْسَهُ بِسُلْطانٍ كانَ عَلى الْحَقِّ
مُبِيْنًا، أَنِ اسْتَقِمْ بِقُوَّةِ اللهِ عَلى أَمْرِهِ وَلَوْ يُخالِفُكَ فِيْ
ذلِكَ عَيْناكَ فَاقْلَعْها ثُمَّ دَعْها عَنْ وَرائِكَ تَاللهِ الْحَقِّ
يُعْطِيْكَ اللهُ مِنْ بَصَرٍ تَشْهَدُ بِهِ كُلَّ الأَشْيا بِكَيْنُوْنِيَّتِها
وَحَقِيْقَتِها وَسِرِّها وَتَشْهَدُ بَوارِقَ الْجَمالِ مِنْ سُلْطانِ
الْعَظَمَةِ وَالْجَلالِ وَإِنَّهُ كانَ عَلى كُلِّشَيْءٍ قَدِيْرًا، أَنْ يا
كاظِمُ أَنْصِفْ بِاللهِ ثُمَّ اجْعَلْ مَحْضَرَكَ يَوْمَ الْقِيمَةِ بَيْنَ
يَدَيْهِ هَلْ سَمِعْتَ نَغْمَةً أَبْدَعَ مِنْ هذِهِ النَّغَماتِ الَّتِي
ارْتَفَعَتْ بِالْحَقِّ لا وَنَفْسِي الْحَقِّ إِنْ أَنْتَ بِذلِكَ عَلِيْمًا،
طَهِّرْ نَفْسَكَ عَنِ الإِشاراتِ ثُمَّ دَعْ كُلَّ ذِكْرٍ عَنْ
وَرائِكَ ثُمَّ انْطِقْ
بَيْنَ الْعِبادِ بِهذا النَّبَإِ الَّذِيْ كانَ فِيْ أَزَلِ الآزالِ عَلى
الْحَقِّ عَظِيْمًا، قُلْ يا قَوْمِ إِنّا لَوْ نَكْفُرُ بِهذا الْجَمالِ الَّذِيْ
جادَلَ مَعَهُ كُلُّ الْعِبادِ وَهُوَ قامَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ ظَهَرَ بِسُلْطانِ
الَّذِيْ كانَ عَلى الْعالَمِيْنَ مُحِيْطًا، فَبِأَيِّ أَمْرٍ يَثْبُتُ
إِيْمانُنا بِاللهِ الَّذِيْ خَلَقَنا وَكُلَّشَيْءٍ إِذًا فَأَنْصِفُوا يا مَلأَ
الْبَغْضا وَلا تَصْبِرُوا أَقَلَّ مِنْ حِيْنًا، تَاللهِ الْحَقِّ يا اسْمَ الْمَذْكُوْرَ
لَدى الْعَرْشِ إِذًا تَجِدُ فِيْ وُجُوْهِهِمْ غَبْرَةَ النّارِ
وَيَتَكَلَّمُوْنَ بِما تَكَلَّمُوا بِهِ أُوْلُوا الْفُرْقانِ حِيْنَ الَّذِيْ
شُقَّتْ سَمآءُ الأَمْرِ وَأَتى اللهُ
عَلى ظُلَلٍ ظَلِيْلاً، أَنِ اشْتَعِلْ بِهذِهِ النّارِ الَّتِي اشْتَعَلَتْ فِيْ
قُطْبِ الْبَقا وَأَحاطَتْها الْمُشْرِكُوْنَ لِيُخْمِدُوْها قُلْ تَاللهِ
أَنْتُمْ لَنْ تَسْتَطِيْعُنَّ بِذلِكَ وَلَوْ تَتَّخِذُنَّ كُلَّ مَنْ فِي
السَّمواتِ وَالأَرْضِ لأَنْفُسِكُمْ ظَهِيْرًا، قُلْ يا قَوْمِ إِذًا يَصِيْحُ
نُقْطَةُ الأُوْلى فِي الرَّفِيْقِ الأَعْلى وَيَقُوْلُ أُفٍّ لَكُمْ يا قَوْمِ تَاللهِ
قَدْ ظَهَرَ ما لا ظَهَرَ فِي الإِبْداعِ وَأَنْتُمْ أَعْرَضْتُمْ عَنْهُ بَعْدَ
الَّذِيْ دَعَوْناكُمْ بِهِ فِيْكُلِّ الأَلْواحِ بَلْ فِيْكُلِّ سَطْرٍ
مَنِيْعًا، ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنْ حَضَرَ بَيْنَ يَدَيْنا كِتابُكَ وَوَجَدْنا
مِنْهُ رائِحَةَ
حُبِّ رَبِّكَ لِذا
أَنْزَلْنا عَلَيْكَ هذِهِ الآياتِ وَأَرْسَلْناها إِلَيْكَ لِتَأْخُذَها
وَتَدْخُلَ مَقَرَّ الْمُعْرِضِيْنَ بِسُلْطانٍ كانَ عَلى الْحَقِّ مُبِيْنًا،
وَإِذا دَخَلْتَ قُلْ يا قَوْمِ قَدْ جِئْتُكُمْ عَنْ مَشْرِقِ الأَمْرِ بِنَبَإٍ
قَدْ كانَ فِيْ أُمِّ الْبَيانِ عَظِيْمًا، وَأَنْتُمْ إِنْ كَفَرْتُمْ بِما
سَمِعْتُمْ وَشَهِدْتُمْ مِنْ قُدْرَةِ اللهِ رَبِّكُمْ وَظُهُوْراتِ عَظَمَتِهِ
وَشُئُوْناتِ عِزَّتِهِ إِذًا جِئْتُكُمْ بِحُجَّةٍ أُخْرى وَهِيَ هذا اللَّوْحِ
الَّذِيْ قَدْ أَرْسَلَهُ اللهُ إِلى عَبْدِهِ هذا فَها أَنا أَتْلُوْ عَلَيْكُمْ
وَأَنْتُمْ فَاقْرَؤُا ما عِنْدَكُمْ لِيَظْهَرَ الْحَقُّ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ
كَذلِكَ أَمَرَكَ قَلَمُ الأَمْرِ أَنِ اعْمَلْ وَلا تَخَفْ وَإِنَّ رَبَّكَ
يَحْرُسُكَ عَنْ كُلِّ مُشْرِكٍ أَثِيْمًا، فَيا للهِ مِنْ بَصِيْرٍ فَيا للهِ
مِنْ خَبِيْرٍ فَيا للهِ مِنْ مُنْصِفٍ لِيَجِدَ رائِحَةَ الْمَحْبُوْبِ عَنْ
كُلِّ ما يَظْهَرُ مِنْهُ وَيُنْصِفَ بِالْحَقِّ وَيَنْقَطِعَ عَنْ كُلِّ مُنْكِرٍ
عَنِيْدًا، وَيُطَهِّرَ نَفْسَهُ عَنْ كُلِّ الإِشاراتِ وَيَصِيْحَ بَيْنَ
الأَرْضِ وَالسَّمآءِ بِأَنِّي اسْتَغْنَيْتُ بِاللهِ عَنْكُلِّ ما خُلِقَ فِي
الإِنْشا وَأَكُوْنُ بِحَوْلِ اللهِ عَلى أَمْرِهِ مُسْتَقِيْمًا، كَذلِكَ
نَطَقَتْ وَرْقاءُ الْبَقا فِيْ سَمآءِ الْبَها حُبًّا لِنَفْسِكَ وَرَحْمَةً
لِذاتِكَ لِتُقَلِّبَكَ عَنْ شِمال الْوَهْمِ إِلى مَقَرِّ عِزٍّ يَمِيْنًا، ثُمَّ
اعْلَمْ
بِأَنَّا وَجَدْنا فِيْ
قَلْبِ الَّتِيْ جَعَلَها اللهُ قَرِيْنًا لِنَفْسِكَ مِنْ حُزْنٍ بَدِّلْهُ
بِالسُّرُوْرِ بِأَمْرٍ مِنْ لَدُنّا لِيَرْزُقَكَ اللهُ مِنْ فَرَحِ الأَمْرِ
مِنْ هذِهِ السِّدْرَةِ الَّتِيْ كانَتْ بِيَدِ الرَّحْمنِ فِيْ أَعْلى الْجِنانِ
عَلى الْحَقِّ مَغْرُوْسًا، وَأَمّا ما أَرَدْتَ فِيْ حُضُوْرِكَ تِلْقآءَ
الْوَجْهِ إِنَّا نُحِبُّ ذلِكَ وَأَذِنّاكَ بِالْحَقِّ إِنْ لَنْ يُصِيْبَكَ مِنْ
ضَرٍّ وَلَنْ يَشْتَهِرَ ما أَرَدْتَهُ بَيْنَ النّاسِ كَذلِكَ قُضِيَ الأَمْرُ
مِنْ قَلَمِ الْقَضا مِنْ لَدُنْ مُقْتَدِرٍ حَكِيْمًا، وَإِنَّكَ لَوْ تَحْضُرُ
لَتَطَّلِعُ بِما لا اطَّلَعَ بِهِ الْعالَمِيْنَ جَمِيْعاً، وَتَشْهَدُ ما وَرَدَ
عَلى نَفْسِيْ مِنَ الَّذِيْنَهُمْ خُلِقُوا بِقَوْلِيْ وَتَكُوْنُ عَلى
بَصِيْرَةٍ مُنِيْرًا، وَالبَهاءُ عَلَيْكَ وَعَلى الَّذِيْنَهُمْ كانُوا مَعَكَ
عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيْمًا.
[٥٢] بسمي المهيمن على من في الأرض والسّمآء
هذا يَوْمٌ فِيْهِ أَتى
الْقَيُّوْمُ وَقامَ عَلى الأَمْرِ عَلى شَأْنٍ ما خَوَّفَتْهُ سَطْوَةُ الْعالَمِ
وَما مَنَعَتْهُ ضَوْضآءُ الأُمَمِ الَّذِيْنَ نَقَضُوا الْمِيْثاقَ فِيْ يَوْمِ
الطَّلاقِ وَكَفَرُوا بِاللهِ مالِكِ يَوْمِ الدِّيْنِ، تَاللهِ قَدِ ارْتَفَعَ
نَوْحُ الأَصْفِياءِ فِي
الْفِرْدَوْسِ الأَعْلى بِما
وَرَدَ عَلى أَوْلِيآءِ اللهِ مِنَ الَّذِيْنَ أَعْرَضُوا عَنِ الْوَجْهِ إِذْ
أَشْرَقَتْ أَنْوارُهُ مِنْ أُفُقِ إِرادَةِ رَبِّهِمُ الْمُقْتَدِرِ الْقَدِيْرِ،
مِنَ النّاسِ مَنْ أَعْرَضَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْتى عَلى
سَفْكِ دَمِيْ وَمِنْهُمْ مَنْ نَطَقَ بِما احْتَرَقَ بِهِ أَكْبادُ
الْمُخْلِصِيْن، قَدْ ذابَتْ قُلُوْبُ الْمَلإِ الأَعْلى بِما وَرَدَ عَلى أَهْلِ
الْبَهآءِ وَلكِنَّ الْقَوْمَ فِيْ حِجابٍ مُبِيْنٍ، سَوْفَ يَرَوْنَ جَزاءَ ما
عَمِلُوا كَما رَأَتِ الرَّقْشآءُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدِها الذِّئْبُ وَمِنْ
قَبْلِهِ الْكاذِبُ الَّذِيْ أَفْتى عَلى اسْمِيْ مِنْ دُوْنِ بَيِّنَةٍ وَلا
كِتابٍ مِنَ اللهِ الْعَزِيْزِ الْعَظِيْمِ، قُلْ يا قَوْمِ أَنِ اقْرَؤُا لَوْحَ
الرَّئِيْسِ وَما نُزِّلَ فِي الأَلْواحِ لَعَلَّ يَرْجِعُوْنَ إِلى اللهِ
وَيَجِدُوْنَ عَرْفَ الْقَمِيْصِ سَوْفَ يَأْخُذُ اللهُ الَّذِيْنَ ظَلَمُوا كَما
أَخَذَ الظّالِمِيْنَ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُ لا تُعْجِزُهُ صُفُوْفُ الْعالَمِ وَلا
سَطْوَةُ الأُمَمِ يَفْعَلُ ما يَشآءُ وَهُوَ الْفَرْدُ الْواحِدُ الْمُقْتَدِرُ
الْعَلِيْمُ الْحَكِيْمُ، إِنَّكَ لا تَحْزَنْ مِنْ شَيْءٍ أَنِ افْرَحْ فِيْ
أَيّامِ رَبِّكَ تَاللهِ قَدْ ماجَ بَحْرُ الْفَرَحِ أَمامَ الْوَجْهِ طُوْبى
لِمَنْ شَهِدَ وَرَأَى وَوَيْلٌ لِكُلِّ غافِلٍ بَعِيْدٍ، إِنَّكَ إِذا جَذَبَتْكَ
نَفَحاتُ الْوَحْيِ وَسَمِعْتَ
حَفِيْفَ السِّدْرَةِ قُمْ
وَقُلْ لَكَ الْحَمْدُ يا إِلهِيْ بِما أَسْمَعْتَنِيْ نِدائَكَ وَعَرَّفْتَنِيْ
ظُهُوْرَكَ وَأَيَّدْتَنِيْ عَلى الإِقْبالِ إِلى أُفُقِكَ وَعَلَّمْتَنِيْ
سَبِيْلَكَ الْمُسْتَقِيْمَ، أَسْئَلُكَ يا مَنْ فِيْ قَبْضَتِكَ زِمامُ
الْكائِناتِ وَأَزِمَّةُ الْمَوْجُوْداتِ بِاسْمِكَ الَّذِيْ بِهِ سَخَّرْتَ
الْمُلْكَ وَالْمَلَكُوْتَ بِأَنْ تَجْعَلَنِيْ قائِماً عَلى خِدْمَتِكَ وَناطِقًا
بِذِكْرِكَ وَمُتَحَرِّكًا بِإِرادَتِكَ وَمُنْجَذِبًا بِآياتِكَ وَمُنادِيًا
بِاسْمِكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْبَيانِ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ الْغَفُوْرُ الْكَرِيْمُ،
أَيْرَبِّ لا تَحْرِمْنِيْ مِنْ لَئآلِىءِ بَحْرِ فَضْلِكَ وَلا تَمْنَعْنِيْ مِنْ
إِشْراقاتِ شَمْسِ عِنايَتِكَ، إِنَّكَ أَنْتَ الَّذِيْ لا يُعْجِزُكَ شَيْءٌ وَلا
يَمْنَعُكَ أَمْرٌ قَدْ شَهِدَ كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِكَ وَقُدْرَتِكَ لا إِلهَ
إِلاّ أَنْتَ الْقَوِيُّ الْغالِبُ الْعَلِيْمُ الْحَكِيْمُ.
[٥٣] بسم الله الأقدس العليّ الأعلى
هذِهِ وَرَقَةٌ مِنْ لَدُنّا
إِلى الَّتِيْ أَيْقَنَتْ بِاللهِ وَسَمِعَتْ نِدآئَهُ وَعَرَفَتْ نَفْسَهُ
وَأَقْبَلَتْ إِلَيْهِ وَحَضَرَ لَدى الْعَرْشِ كِتابُها لِتَجْذُبَها مَرَّةً
أُخْرى إِلى اللهِ الْعَزِيْزِ الْحَكِيْمِ، أَنْ يا وَرَقَةُ الْعُلْيا أَنِ
اسْتَمِعِيْ نِدآءَ رَبِّكِ الأَعْلى مِنَ
السِّدْرَةِ الْمُنْتَهى عَلى
الْبُقْعَةِ النَّوْرآءِ إِنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنا الْعَزِيْزُ الْكَرِيْمُ،
أَنْ يا وَرَقَةَ الْفِرْدَوْسِ أَنِ اسْتَمعِ النِّدا تارَةً أُخْرى مِنَ
الشَّجَرَةِ الْقُصْوى عَلى الْكَثِيْبِ الأَحْمَرِ مِنْ هذِهِ الْمَنْظَرِ
الأَكْبَرِ إِنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنا الْغَفُوْرُ الرَّحِيْمُ، قَدْ حَضَرَ
لَدى الْعَرْشِ كِتابُكِ وَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ لِحاظُ رَبِّكِ الْعَلِيِّ
الْعَظِيْمِ، طُوْبى لَكِ لِما وَجَدْنا مِنْهُ عَرْفَ حُبِّكِ رَبَّكِ الرَّحْمنَ
الرَّحِيْمَ، قَدْ كُنْتِ مَذْكُوْرًا لَدى الْوَجْهِ فِيْ أَكْثَرِ الأَحْيانِ
هذا مِنْ فَضْلِهِ عَلَيْكِ إِنَّهُ لَهُوَ الْحاكِمُ عَلى ما يُرِيْدُ، طُوْبى
لَكِ بِما وَفَيْتِ مِيْثاقَ اللهِ وَعَهْدَهُ وَأَعْرَضْتِ عَنِ الْخائِنِيْنَ،
إِنَّا وَجَدْنا مِنْكِ رائِحَةَ الْوَفا أَنِ افْتَخِرِيْ بِشَهادَةِ اللهِ
بَيْنَ الْعالَمِيْنَ، لا تَحْزَنِيْ مِنْ شَيْءٍ لَعَمْرِيْ إِنَّهُ مَعَكِ
فِيْكُلِّ الأَحْيانِ، يَنْبَغِيْ لِكُلٍّ أَنْ يُوَقِّرُوْكِ وَيُعَظِّمُوْكِ
وَيُراعُوا فِيْكِ حَقَّ اللهِ وَأَمْرِهِ كَذلِكَ نُزِّلَ الأَمْرُ مِنْ لَدُنْ
مُقْتَدِرٍ قَدِيْرٍ، أَنِ اشْكُرِيْ اللهَ ثُمَّ اذْكُرِيْهِ بِالرَّوْحِ
وَالرَّيْحانِ بِما أَنْزَلَ لَكِ مِنْ قَلَمِ الْوَحْيِ فِيْ هذا اللَّوْحِ الْمُبِيْنِ،
يا إِلهِيْ وَمَحْبُوْبِيْ أَنا الَّتِيْ أَقْبَلْتُ إِلَيْكَ وَآمَنْتُ
بِمَشْرِقِ أَمْرِكَ وَمَطْلِعِ إِلْهامِكَ وَفُزْتُ بِما لا فُزْنَ بِهِ
إِمآئُكَ، أَسْئَلُكَ
بِاسْمِكَ الأَعْظَمِ الَّذِي ابْتُلِيَ بَيْنَ طُغاةِ خَلْقِكَ وَعُصاةِ
بَرِيَّتِكَ وَصارَ كَبْدُهُ مُشَبَّكاً مِنْ سِهامِ أَعْدائِكَ وَقَمِيْصُهُ
مُحْمَرًّا بِدَمِ الْبَغْضا بِما وَرَدَ عَلَيْهِ فِيْ حُبِّكَ بِأَنْ
تَجْعَلَنِيْ مُسْتَقِيْمًا عَلى أَمْرِكَ وَحُبِّكَ وَناطِقًا بِذِكْرِكَ
وَثَنائِكَ وَلائِذًا بِحَضْرَتِكَ فِيْكُلِّ عالَمٍ مِنْ عَوالِمِكَ، أَيْرَبِّ
لا تَمْنَعْنِيْ مِنْ نَفَحاتِ قَمِيْصِ وَحْيِكَ وَفَوَحاتِ ثَوْبِ رَحْمَتِكَ
وَآياتِكَ الَّتِيْ تَمُرُّ مِنْها أَرْياحُ فَضْلِكَ، أَيْرَبِّ أَنْتَ الَّذِيْ
أَحاطَ فَضْلُكَ الأَشْيآءَ وَسَبَقَتْ رَحْمَتُكَ مَنْ فِي الأَرْضِ وَالسَّمآءِ،
فَأَنْزِلْ عَلَيَّ فِيْكُلِّ الأَحْوالِ ما يَنْبَغِيْ لِحَضْرَتِكَ وَيَلِيْقُ
لِسُلْطانِكَ، أَنا الَّتِيْ يا مَحْبُوْبِيْ كُنْتُ مُقِرًّا بِفَرْدانِيَّتِكَ
وَمُعْتَرِفًا بِوَحْدانِيَّتِكَ وَمُؤآنِسًا بِمَظْهَرِ نَفْسِكَ، تَرانِيْ يا
إِلهِيْ مُسْتَجِيْرًا بِذِمَّتِكَ وَمُتَشَبِّثًا بِفَضْلِكَ وَأَلْطافِكَ
فَأَشْرِبْنِيْ يا مَحْبُوْبَ الْعالَمِيْنَ بِيَدِ أَلْطافِكَ خَمْرَ
مَكْرُمَتِكَ لِيَأْخُذَنِيْ سُكْرُ كَوْثَرِ عِنايَتِكَ عَلى شَأْنٍ يَجْعَلُنِيْ
مُنْقَطِعًا عَمّا سِواكَ وَبِكُلِّيْ مُقْبِلاً إِلَيْكَ إِنَّكَ أَنْتَ
الْمُقْتَدِرُ الْمُتَعالِي الْغَفُوْرُ الرَّحِيْمُ.
[٥٤] بسمه النّاطق بين الأرض والسّمآء
هذا كِتابٌ مِنْ لَدى
الْوَهّابِ إِلى مَنْ آمَنَ بِاللهِ رَبِّ الأَرْبابِ وَفازَ بِالْبَحْرِ
الأَعْظَمِ إِذْ ماجَ بِهذا الاسْمِ الَّذِيْ جَعَلَهُ اللهُ مُهَيْمِنًا عَلى
مَنْ فِي الْبِلادِ، قَدْ نَزَّلْنا الْبَيانَ لِهذا الظُّهُوْرِ الَّذِيْ بِهِ
أَشْرَقَتِ الأَكْوانُ فَلَمّا أَتى الْمِيْقاتُ وَظَهَرَ مُنْزِلُ الآياتِ
أَخَذَتِ النّاسَ شُبُهاتُ أَفْئِدَةِ الَّذِيْنَ كَفَرُوا بِاللهِ مالِكِ الْمَبْدَءِ
وَالْمَآبِ، مِنْهُمْ مَنِ ارْتابَ فِيْ أَمْرِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ هذا
الْحِيْنَ الَّذِيْ مِنْهُ أَشْرَقَتِ الأَحْيانُ، قُلْ أَعِنْدَكُمْ عِلْمُ
السّاعَةِ أَمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ فِي الْكتابِ، لا يُحِيْطُ بِعِلْمِهِ عِلْمُ
مَنْ عَلى الأَرْضِ يَشْهَدُ بِذلِكَ كُلُّ عارِفٍ بَصَّارٍ، قُلْ قَدْ ظَهَرَ
كُلُّ ساعَةٍ بِأَمْرِهِ وَقامَ كُلُّ قِيامَةٍ بِسُلْطانِهِ الَّذِيْ أَحاطَ
الإِمْكانَ، هَلْ أَرَدْتُمْ بِما عِنْدَكُمْ تَتَقَرَّبُوا هذِهِ النّارَ الَّتِي
الْتَهَبَتْ مِنَ السِّدْرَةِ الَّتِي ارْتَفَعَتْ فِيْ أَعْلى الْمَقامِ،
لَعَمْرِيْ لا يَكْفِيْكُمُ الْيَوْمَ ما نُزِّلَ فِي الْبَيانِ إِلاّ بِهذا
الظُّهُوْرِ الَّذِيْ إِذا ظَهَرَ دَلَعَ دِيْكُ الْعَرْشِ وَنَطَقَ لِسانُ
الْكِبْرِيآءِ الْمُلْكُ للهِ الْواحِدِ الْمُقْتَدِرِ الْغَفّارِ، قَدْ
أَخْبَرَكُمُ الْبَيانُ بِعُلُوِّ هذا الظُّهُوْرِ أَنِ
انْظُرُوا يا أُوْلِي
الأَبْصارِ، قالَ إِيّاكُمْ أَنْ تَحْتَجِبُوا بِما فِي الْبَيانِ عَنْ هذا
الظُّهُوْرِ الْمُشْرِقِ عَلى الآفاقِ، مَنْ أَرادَ أَنْ يَعْرِفَنِيْ بِغَيْرِ ما
نُزِّلَ مِنْ عِنْدِيْ إِنَّهُ لأَحْجَبُ الْخَلْقِ عِنْدَ الْغَنِيِّ
الْمُتَعالِ، مَنْ أَرادَ أَنْ يَنْظُرَنِيْ يَنْبَغِيْ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيَّ
بِعَيْنِيْ كَذلِكَ قُضِيَ الأَمْرُ فِي الأَلْواحِ، قُلِ اتَّقُوا اللهَ وَلا
تَجْعَلُوا ما عِنْدَكُمْ مِيْزانًا لِهذا النُّوْرِ الَّذِيْ أَشْرَقَ مِنْ أُفُقِ
الإِيْقانِ، قَدْ ظَهَرَ كُلُّ قِسْطاسٍ بِأَمْرِهِ وَبِهِ ظَهَرَ الصِّراطُ
وَنُصِبَ الْمِيْزانُ، لَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يُجَرِّبَ الرَّبَّ إِنَّهُ يُجَرِّبُ
مَنْ يَشآءُ بِسُلْطانٍ مِنْ عِنْدِهِ إِنَّهُ لَهُوَ الْمُقْتَدِرُ الْمُخْتارُ،
لَوْ يَقْرَءُ أَحَدٌ ما نُزِّلَ فِي الْبَيانِ لَيَنُوْحُ بِما وَرَدَ عَلى
الْمَظْلُوْمِ مِنْ مَطالِعِ الظَّلامِ، أَنْ يا كَرِيْمُ قَدْ حَضَرَ لَدى
الْكَرِيْمِ كِتابُكَ وَأَجَبْناكَ بِهذا اللَّوْحِ الَّذِيْ مِنْهُ لاحَ نَيِّرُ
الأَمْرِ بِقُدْرَةٍ وَسُلْطانٍ أَنِ اشْكُرِ اللهَ بِما أَرْسَلَ إِلَيْكَ
فِيْكُلِّ حَجَّةٍ حُجَّةَ اللهِ وَبُرْهانَهُ وَنَطَقَ بِاسْمِكَ إِذْ كانَ
بَيْنَ أَيْدِي الْفُجّارِ، لا تَحْزَنْ مِنْ شَدائِدِ الدُّنْيا قَدْ وَرَدَ
عَلَيْنا أَعْظَمُها أَنِ اصْبِرْ كَما صَبَرَ مَوْلَيكَ إِنَّهُ لَهُوَ
الْعَزِيْزُ الصَّبّارُ، قُمْ عَلى خِدْمَتِهِ بَيْنَ النّاسِ هذا يَنْبَغِيْ
لَكَ وَلِلَّذِيْنَ أَقْبَلُوا إِلى قِبْلَةِ الأَنامِ،
طُوْبى لَكَ بِما فُزْتَ بِذِكْرِ رَبِّكَ وَنَطَقْتَ بِثَنآئِهِ بَيْنَ
الْعِبادِ، إِنَّما الْبَهآءُ عَلَيْكَ وَعَلى مَنْ مَعَكَ الَّذِيْنَ اسْتَقامُوا
عَلى الأَمْرِ وَوَفَوْا بِالْمِيْثاقِ، ثُمَّ اذْكُرْ أَهْلَكَ مِنْ لَدى
الْمَظْلُوْمِ قُلْ أَنِ اذْكُرِيْ إِذْ كُنْتِ فِي الْبَيْتِ بَيْنَ يَدَيْ
رَبِّكِ الْعَزِيْزِ الْوَهّابِ، وَسَمِعْتِ نِدآئَهُ الأَحْلى إِذْ تَمُرُّ
نَفَحاتُ الْوَحْيِ عَنْ خَلْفِ الْحِجابِ، كَذلِكَ مَنَنّا عَلَيْكِ إِذْ كانَ
نَيِّرُ الآفاقِ فِي الْعِراقِ.
[٥٥] بسم الله الأظهر الأظهر
سُبْحانَ الَّذِيْ بِيَدِهِ
مَلَكُوْتُ كُلِّشَيْءٍ يُسَبِّحُ لَهُ الرَّعْدُ مِنْ خَشْيَتِهِ وَالسَّحابُ
مِنْ عَظَمَتِهِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمُقْتَدِرُ الْعَزِيْزُ السُّبْحانُ، أَنْ
يا عَبْدُ اسْمَعْ نِدآءَ هذا الْمَسْجُوْنِ عَنْ شَطْرِ السِّجْنِ ثُمَّ
انْقَطِعْ عَمّا خُلِقَ فِي الأَكْوانِ، قُلْ بِسْمِ اللهِ وَبِاللهِ ثُمَّ وَلِّ
وَجْهَكَ شَطْرَ اسْمِ اللهِ الأَعْظَمِ وَقُلْ يا قَوْمِ تَاللهِ الْحَقِّ قَدْ
شُقَّتِ السَّحابُ وَانْفَطَرَتِ السَّمآءُ وَأَتى الْمَحْبُوْبُ بِقُدْرَةٍ
وَسُلْطانٍ، أَنِ اسْتَحْيُوا عَنِ اللهِ الَّذِيْ خَلَقَكُمْ وَلا تَكْفُرُوا
بِالَّذِيْ
سَجَدَ لَهُ كُلُّ
الْوُجُوْهِ فِيْكُلِّ الأَحْيانِ، قُلْ يا قَوْمِ إِنْ أَرَدْتُمْ قُدْرَةَ اللهِ
قَدْ شَهِدْتُمْ بِعُيُوْنِكُمْ وَإِنْ أَرَدْتُمْ سَلْطَنَةَ اللهِ قَدْ
رَأَيْتُمْ بِأَبْصارِكُمْ وَإِنْ أَرَدْتُمُ الآياتِ إِنَّها قَدْ نُزِّلَتْ
بِالْحَقِّ عَلى شَأْنٍ تَعْجَزُ عَنْ إِحْصآئِها كُلُّما خُلِقَ مِنْ كَلِمَةِ
اللهِ الْعَزِيْزِ السُّبْحانِ، لَمْ نَدْرِ أَنْتُمْ بِأَيِّ حُجَّةٍ آمَنْتُمْ
بِعَلِيٍّ مِنْ قَبْلُ اتَّقُوا اللهَ وَلا تَعْقِبُوا الشَّيْطانَ، فَكِّرُوا
فِيْ أَنْفُسِكُمْ أَقَلَّ مِنْ آنٍ ثُمَّ أَنْصِفُوا فِيْهذا الأَمْرِ الَّذِيْ
ظَهَرَ بِالْحَقِّ وَهذا الْغُلامِ الَّذِيْ ظَهَرَ بِقُدْرَةِ اللهِ وَيَنْطِقُ
حِيْنَئِذٍ بَيْنَ كُلِّ الأَدْيانِ، وَعَنْ يَمِيْنِهِ يَمْشِيْ جُنُوْدُ
الْوَحْيِ بِراياتِ الأَمْرِ ثُمَّ عَنْ يَسارِهِ قَبِيْلٌ مِنَ الْغِلْمانِ،
بِيَدِ كُلِّ واحِدٍ مِنْهُمْ رَحِيْقُ الْمَخْتُوْمُ الَّذِيْ خُتِمَ بِسِرِّ
اسْمِي الْمَكْنُوْنِ، وَنُقِشَ مِنْ قَلَمِ اللهِ الْعَلِيِّ الأَعْلى عَلى
غُرَرِهِمُ الْغَرّا تَاللهِ قَدْ ظَهَرَ مَحْبُوْبُ الرَّحْمنِ الَّذِيْ
وُعِدْتُمْ بِهِ فِيْكُلِّ الأَلْواحِ فَبِأَيِّ آيَةٍ مِنْ آياتِ اللهِ
تُكَذِّبانِ، تَاللهِ لَمّا ظَهَرَ كُسِفَتِ الشُّمُوْسُ وَخُسِفَتِ الأَقْمارُ
وَسَقَطَتِ الأَثْمارُ وَظَهَرَ الزَّلْزالُ بَيْنَ أَهْلِ الإِمْكانِ، كَذلِكَ
دَلَعَ دِيْكُ الْعَرْشِ فِيْ رِضْوانِ الْبَقا وَغَرَّدَتْ وَرْقاءُ الأَمْرِ
عَلى أَفْنانِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى
وَ تَزَيَّنَ طاوُسُ الْمَعانِيْ
بِطِرازِ الْبَيانِ، إِنَّكَ أَنْتَ يا عَبْدُ أَنِ اشْكُرْ رَبَّكَ بِما
تَحَرَّكَ عَلى ذِكْرِكَ قَلَمُ الْقُدْرَةِ وَالْقُوَّةِ ثُمَّ اسْتَقِمْ عَلى
حُبِّ مَوْلاكَ وَبَلِّغِ النّاسَ هذا الأَمْرَ الَّذِيْ مِنْهُ شُقَّتْ سُبُحاتُ
الأَوْهامِ وَطَلَعَ فَجْرُ الْمَعانِيْ عَنْ أُفُقِ مَشِيَّةِ رَبِّكَ العَزِيْزِ
الْمُسْتَعانِ، طَهِّرْ أَفْئِدَةَ النّاسِ مِنْ هذا الْمآءِ الَّذِيْ جَرى مِنْ
مَعِيْنِ أَمْرِ رَبِّكَ ثُمَّ ذَكِّرْهُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ لَعَلَّ
يَتَوَجَّهُنَّ إِلى اللهِ فِيْهذِهِ الأَيّامِ الَّتِيْ ظَهَرَتْ مِنْكُلِّ
الْجِهاتِ طَلايعُ الافْتِنانِ، وَالْبَهآءُ عَلَيْكَ وَعَلى الَّذِيْنَ ما
مَنَعَتْهُمْ نَفَحاتُ الامْتِحانِ عَنِ التَّوَجُّهِ إِلى اللهِ الْمُقْتَدِرِ
الْعَزِيْزِ الرَّحْمنِ.
[٥٦] بسم الله الكافي الباقي
سُبْحانَكَ يا إِلهِيْ تَرى
ضَعْفَ أَحِبّآئِكَ وَقُدْرَةَ أَعْدآئِكَ وَذِلَّةَ أَصْفِيآئِكَ وَعِزَّةَ
الَّذِيْنَ جَحَدُوا أَمْرَكَ وَكَفَرُوا بِآياتِكَ إِنَّهُمْ يُنْكِرُوْنَ
آياتِكَ بِما أَعْطَيْتَهُمْ مِنَ النِّعَمِ الْفانِيَةِ وَهؤُلاءِ يَشْكُرُونَكَ
بِما وَرَدَ عَلَيْهِمُ ابْتِغآءَ ما عِنْدَكَ مِنَ النِّعَمِ الْباقِيَةِ، وَما
أَحْلى ذِكْرَكَ فِي الشِّدَّةِ
وَالْبَلا وَثَنآئَكَ عِنْدَ
هُبُوْبِ أَرْياحِ الْقَضا، وَأَنْتَ تَعْلَمُ يا إِلهِيْ بِأَنَّ الْبَها لا
يَجْزَعُ عَمّا وَرَدَ عَلَيْهِ فِيْ سَبِيْلِكَ بَلْ أَجِدُ كُلَّ أَعْضآئِيْ وَجَوارِحِيْ
يَشْتاقُ الْبَلا لإِظْهارِ أَمْرِكَ يا مالِكَ الأَسْما، مِنْ مآءِ حُبِّكَ
اسْتَبْقى الْبَها فِيْمَلَكُوْتِ الإِنْشآءِ وَمِنْ نارِ ذِكْرِكَ اشْتَعَلَ
الْبَها بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّما، طُوْبى لِيْ وَلِهذِهِ النّارِ الَّتِيْ
تُسْمَعُ مِنْ زَفِيْرِها لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ الْمَحْبُوْبُ فِيْ صَدْرِ
الْبَها وَالْمَذْكُوْرُ فِيْ قَلْبِ الْبَها، فَوَعِزَّتِكَ لَوْ يَجْتَمِعُنَّ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ
عَلى أَنْ يَمْنَعُنَّ الْبَها عَنْ ذِكْرِكَ وَثَنآئِكَ لا يَسْتَطِيْعُنَّ وَلا
يَقْدِرُنَّ لَوْ يَقْتُلُوْنَنِي الْمُشْرِكُوْنَ إِذاً دَمِيْ يَنْطِقُ
بِإِذْنِكَ وَيَقُوْلُ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ يا مَقْصُوْدَ الْبَها، وَلَوْ
يَطْبُخُوْنَنِيْ فِيْ قِدْرِ الْبَغْضا قُتارُ الَّذِيْ يَفُوْحُ مِنْ لَحْمِيْ
يَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ وَيُنادِيْ أَيْنَ أَنْتَ يا مَوْلى الْعالَمِيْنَ
وَمَقْصُوْدَ الْعارِفِيْنَ، وَلَوْ يَحْرِقُوْنَنِيْ بِالنّارِ فَوَعِزَّتِكَ
رَمادِيْ يَنْطِقُ وَيَقُوْلُ قَدْ فازَ الْغُلامُ بِما أَرادَ مِنْ رَبِّهِ
الْعَزِيْزِ الْعَلاّمِ، وَالَّذِيْ كانَ كَذلِكَ هَلْ يُخَوِّفُهُ اجْتِماعُ
الْمُلُوْكِ عَلى ضَرِّهِ فِيْ أَمْرِكَ لا فَوَنَفْسِكَ يا مالِكَ الْمُلُوْكِ،
لا يُجْزِعُنِيْ
سَطْوَةُ الْعالَمِيْنَ فِيْ
حُبِّكَ وَقُمْتُ بِنَفْسِيْ عَلى أَمْرِكَ بِحَوْلِكَ وَلا يَضْطَرِبُنِيْ
جُنُوْدُ الظّالِمِيْنَ، وَأُنادِيْ مَنْ فِي الأَرْضِ يا عِبادَ اللهِ اتَّقُوا
اللهَ وَلا تَحْرِمُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ هذا الرَّحِيْقِ الَّذِيْ جَرى عَنْ
يَمِيْنِ عَرْشِ رَحْمَةِ رَبِّكُمُ الرَّحْمنِ، تَاللهِ ما عِنْدَهُ خَيْرٌ
لَكُمْ عَمّا عِنْدَكُمْ وَعَمّا أَرَدْتُمْ وَتُرِيْدُوْنَهُ فِي الْحَيَوةِ
الْباطِلَةِ دَعُوا الدُّنْيا وَتَوَجَّهُوْا إِلى الأُفُقِ الأَعْلى، إِنَّ
الَّذِيْ شَرِبَ خَمْرَ ذِكْرِهِ يغْفَلُ عِنْ ذِكْرِ ما سِواهُ وَالَّذِيْ
عَرَفَهُ يَنْقَطِعُ عَنِ الدُّنْيا وَما فِيْها، يا إِلهِيْ وَسَيِّدِيْ
أَسْئَلُكَ بِالْكَلِمَةِ الَّتِيْ بِها طارَ الْمُوَحِّدُوْنَ فِيْهَوآءِ
عِرْفانِكَ وَعَرَجَ الْمُخْلِصُوْنَ إِلى سَمآءِ أَحَدِيَّتِكَ بِأَنْ تُلْهِمَ
أَحِبَّتَكَ ما يَطْمَئِنُّ بِهِ قُلُوْبُهُمْ عَلى أَمْرِكَ، ثُمَّ اسْتَقِمْهُمْ
عَلى شَأْنٍ لا يَمْنَعُهُمْ شَيْءٌ عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَيْكَ إِنَّكَ أَنْتَ
الْمُعْطِي الْباذِلُ الْغَفُوْرُ الرَّحِيْمُ، الْحَمْدُ لَكَ يا مَحْبُوْبَ
الْعالَمِيْنَ.
[٥٧] هو البديع في الأفق الأبهى
سُبْحانَ الَّذِيْ نَزَّلَ
الآياتِ بِالْحَقِّ وَجَعَلَها هُدىً وَذِكْرى لِلْعالَمِيْنَ، وَبِها عَرَّفَ
الْعِبادَ نَفْسَهُ الْعَلِيَّ
الْعَظِيْمَ، وَبِها أَنْطَقَ
الْمُمْكِناتِ عَلى ما شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ بِأَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ
أَنا الْمُقْتَدِرُ الْعَزِيْزُ الْقَدِيْرُ، وَالَّذِيْ جَعَلَ اللهُ بَصَرَهُ
حَدِيْدًا يَعْرِفُهُ بِنَفْسِهِ وَبِظُهُوْرِهِ بَيْنَ السَّمواتِ
وَالأَرَضِيْنَ، وَالَّذِيْ عَجِزَ عَنْ عِرْفانِ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ جَعَلَ
الآياتِ لَهُ دَلِيْلاً لِئَلاّ يُجْعَلَ مَحْرُوْمًا عَنْ شَمْسِ الْعِرْفانِ
فِيْ أَيّامِ رَبِّهِ وَيُتِمَّ حُجَّتَهُ عَلى الْعِبادِ وَهذا مِنْ فَضْلِهِ
عَلَيْهِمْ لِيَشْكُرُوْهُ وَيَكُوْنُنَّ مِنَ الشّاكِرِيْنَ، أَنِ اثْبُتْ يا
أَيُّها النّاظِرُ إِلى اللهِ فِيْ أَمْرِ مَوْلاكَ تَاللهِ الْحَقِّ قَدْ
ظَهَرَتْ فِتْنَةٌ انْصَعَقَتْ عَنْها كُلُّ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ إِلاّ
الَّذِيْنَ أَخَذَ اللهُ أَيادِيْهِمْ بِأَيادِي الْفَضْلِ وَنَجّاهُمْ مِنَ الْقَوْمِ
الظّالِمِيْنَ، وَنَصَرَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلى قُلُوْبِهِمْ سَكِيْنَةً
مِنْ عِنْدِهِ وَانْقَطَعَهُمْ عَنْ المُشْرِكِيْنَ، وَلكِنَّ الْفِتْنَةَ
فِتْنَةٌ لِلَّذِيْنَ ما اسْتَقَرُّوا عَلى الأَمْرِ وَمَنِ اسْتَقَرَّ عَلى
سَرِيْرِ الإِيْقانِ وَعَرَفَ اللهَ بِنَفْسِهِ لَنْ يُحَرِّكَهُ عَواصِفُ
الامْتِحانِ وَلا قَواصِفُ الافْتِتانِ وَإِنَّهُمْ لَنْ يُحَوِّلُوا أَبْصارَهُمْ
عَنْ مَنْظَرِ قُدْسٍ كَرِيْمٍ، أُوْلئِكَ مَرُّوا عَنِ الدُّنْيا وَما فِيْها
وَلَوْ يَشْتَغِلُنَّ فِي الظّاهِرِ بِآلائِها لأَنَّ اللهَ جَعَلَ قُلُوْبَهُمْ
مُطَهَّرًا عَنْ
ذِكْرِ دُوْنِهِ
وَاختَصَّهُمْ لِذِكْرِهِ الأَبْدَعِ الْبَدِيْعِ، أَنِ اسْتَقِمْ عَلى الأَمْرِ
بِشَأْنٍ لَوْ يَعْتَرِضُ عَلَيْكَ كُلُّ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ لَنْ
تَضْطَرِبَ فِيْ نَفْسِكَ وَتَكُوْنُ مِنَ الرّاسِخِيْنَ، كَذلِكَ الْقَيْناكَ
قَوْلَ الْحَقِّ لِيَنْشَرِحَ بِهِ قَلْبُكَ وَتَذْكُرَ رَبَّكَ بَيْنَ عِبادِهِ
الْمُشْرِكِيْنَ، ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنْ حَضَرَ بَيْنَ يَدَيْنا كِتابُكَ
وَشَهِدْنا ما نادَيْتَ بِهِ اللهَ رَبَّكَ وَرَبَّ الْعالَمِيْنَ، فَطُوْبى لَكَ
يا عَبْدُ بِما فُزْتَ بِعِرْفانِ رَبِّكَ وَلكِنْ فَاسْعَ فِيْ نَفْسِكَ بِأَنْ
تَكُوْنَ مِنَ الثّابِتِيْنَ الَّذِيْنَ لَنْ يَمْنَعَهُمْ مَنْعُ مانِعٍ وَلا
شَماتَتُ مُشْمِتٍ وَلا إِعْراضُ الْخَلائِقِ أَجْمَعِيْنَ، انِ اخْرُقِ
الأَحْجابَ ثُمَّ انْظُرْ رَبَّكَ بِبَصَرِكَ ثُمَّ انْقَطِعْ عَنْ أَبْصارِ
الْعالَمِيْنَ، لأَنَّ مَنْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ بِعَيْنِ سِواهُ لَنْ يَعْرِفَهُ
وَإِنَّ هذا لَحَقٌ يَقِيْنٌ، ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ قَبِلَ عَنْكَ ما
عَمِلْتَهُ وَمالا عَمِلْتَهُ فَضْلاً مِنْ عِنْدِهِ وَإِنَّهُ لَهُوَ الْفَضّالُ
الْكَرِيْمُ، وَقَدَّرَ لَكَ فِيْ سَمآءِ الأَمْرِ ما أَرادَ لِنَفْسِكَ فَسَوْفَ
يُنْزِلُ عَلَيْكَ لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ وَإِنَّهُ وَلِيُّ الْمُحْسِنِيْنَ،
وَيَرْزُقُكَ خَيْرَ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ إِنْ لَنْ يَزَلَّ قَدَماكَ عَنْ هذا الصِّراط
الَّذِي ارْتَفَعَ بِالْحَقِّ مِنْ لَدُنْ عَزِيْزٍ
حَكِيْمٍ، وَإِنَّهُ يَعْلَمُ
ما فِيْ قَلْبِكَ وَفِيْ قَبْضَتِهِ مَلَكُوْتُ كُلِّ شَيْءٍ يُعْطِيْ ما يَشآءُ وَيَأْخُذُ ما يُرِيْدُ إِيّاكَ أَنْ لا تَحْزَنْ
عَنْ شَيْءٍ إِلاّ بِما وَرَدَ عَلى نَفْسِيْ مِنَ الَّذِيْ خُلِقَ بِقَوْلِيْ
وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيْدَ، وَلَقَدْ زَلَّتِ الْيَوْمَ أَقْدامُ
الَّذِيْنَهُمُ اتَّخَذُوا الْوَهْمَ لأَنْفُسِهِمْ رَبًّا مِنْ دُوْنِ اللهِ
وَكانُوا فِيْ حِجابٍ عَظِيْمٍ، إِيّاكَ أَنْ لا تُعاشِرْ مَعَ الَّذِيْنَ تَجِدُ
مِنْ شَطْرِ قُلُوْبِهِمْ بُغْضَ اللهِ رَبِّكَ وَرَبِّ ما خُلِقَ بَيْنَ
السَّمواتِ وَالأَرَضِيْنَ، كَذلِكَ أَلْقَيْناكَ وَأَذْكَرْناكَ فِيْهذا
الْحِيْنِ الَّذِيْ أَخَذَتْنِي الأَحْزانُ مِنْ كُلِّ الأَقْطارِ مِنَ الَّذِيْنَ
غَفَلُوا عَنْ ذِكْرِ اللهِ الْعَزِيْزِ الْحَكِيْمِ، وَالرَّوْحُ وَالْبَهاءُ
عَلَيْكَ وَعَلى مَنْ مَعَكَ مِنَ الَّذِيْنَهُمْ أَخَذَتْهُمْ نَفَحاتُ الأَمْرِ
مِنْ هذا الرِّضْوانِ الرَّفِيْعِ.
[٥٨] الأقدم الأعظم
يا أَيُّها الْمُتَغَمِّسُ
فِي الْخَلِيْجِ الْمُنْشَعِبِ مِنَ الْبَحْرِ الأَعْظَمِ وَالنّاظِرُ إِلى
الأُفُقِ اللاّئِحِ الْمُشَعْشَعِ مِنْ أَنْوارِ صُبْحِ الْقِدَمِ، فَاعْلَمْ قَدْ
تَزَيَّنَ كِتابُكَ الَّذِيْ
أَرْسَلْتَهُ إِلى الْعَبْدِ
الْحاضِرِ بِلِحاظِ عِنايَةِ مَوْلَيكَ وَاطَّلَعْنا بِما أَرَدْتَ فِيْ جَهْرِكَ
وَنَجْوَيكَ وَوَجَدْنا ذِكْرَكَ كَتَرَنُّماتِ الْعُشّاقِ فِي الشَّوْقِ
وَالاشْتِياقِ، مَرَّةً رَأَيْتَ الْمَحْبُوْبَ بِعَيْنِكَ وَذَكَرْتَهُ بِما
وَجَدْنا عَنْهُ رَوائِحَ التَّذَلُّلِ وَالإِذْلالِ مَعَ أَنَّهُ يَنْبَغِيْ
لِلْمَعْشُوْقِ الْمُجَلِّيْ عَلى الآفاقِ بِأَنْوارِ هذا الإِشْراقِ، وَطَوْرًا
تَوَجَّهْتَ إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ وَوَصَفْتَهُ بِما وَجَدْنا عَنْهُ عَرْفَ
الانْقِطاعِ وَقِيامِكَ بِالْخِدْمَةِ للهِ مالِكِ الْمَبْدَءِ وَالْمَآلِ،
كَأَنَّكَ ما أَرَدْتَ فِيْ هذَيْنِ الذِّكْرَيْنِ فِي الْمَقامَيْنِ إِلا
إِصْغآءَ مالِكِ الأَسمآء لِذا ما أَحْبَبْنا أَنْ نُجِيْبَكَ بِمَقالاتِ أُوْلِي
الإِشاراتِ مِنْ أَهْلِ الأَدْيانِ، طُوْبى لَكَ بِما شَرِبْتَ مِنَ الْقَدَحَيْنِ
رَحِيْقَ الذِّكْرِ فِيْ ذِكْرِ الاسْمَيْنِ الأَعْلَيَيْنِ فِيْهذا الْيَوْمِ
الَّذِيْ جَعَلَهُ اللهُ سَيِّدَ الأَيّامِ، يا أَيُّها الْمُقْبِلُ إِلى الأُفُقِ
الأَعْلى تَحَرَّكْ مِنَ الْحَرَكَةِ الظّاهِرَةِ مِنْ حَرارَةِ كَلِمَةِ اللهِ
الْمُطاعَةِ الَّتِيْ جَعَلَها اللهُ مُقَدَّساً عِنِ الْحَرَكاتِ الثَّلاثَةِ
الَّتِيْ هِي السِّتَّةُ وَما فَوْقَها مِنَ الْحَرَكاتِ الْمَذْكُوْرَةِ فِيْ
كُتُبِ الْقَوْمِ كَذلِكَ يَأْمُرُكَ مِوْلى الأَنامِ، وَهذِهِ الْحَرَكَةُ وَلَوْ
أَنَّها تَدُوْرُ حَوْلَ
نَفْسِها وَلكِنَّ لَها
حَرَكاتٍ ما اطَّلَعَ بِها إِلاّ رَبُّكَ الْعَزِيْزُ الْعَلاّمُ، مَرَّةً تَراها
تُضْبَطُ بِالسُّكُوْنِ لأَنّا جَعَلْناها أَقْوى شَيْءٍ لِضَبْطِها وَمَرَّةً
تَظْهَرُ مِنْها نَفْسُ السُّكُوْنِ تَعالى اللهُ رَبُّكَ الْمُقْتَدِرُ
الْمُهَيْمِنُ عَلى الأَضْدادِ، إِنَّ الْمُمْكِنَ لَمْ يَزَلْ فِيْ حَدِّ
الإِمْكانِ وَالْخَلْقَ فِيْ أَماكِنِهِ وَالْحَقَّ هُوَ الَّذِيْ لا يُعْرَفُ
بِالذِّكْرِ وَالْبَيانِ وَلا بِالْحِكْمَةِ وَالأَمْثالِ، كُنْ مَقاماً ساكِنًا
مُنْبَسِطًا أمّا السُّكُوْنُ لِضَبْطِ الْحَرَكَةِ الْمُحْدَثَةِ مِنَ
الْكَلِمَةِ كَما ذُكِرَ مِنْ قَبْلُ وَأَمّا الانْبِساطُ لأَبْنِيْ عَلَيْكَ
بَيْتاً لِذِكْرِيْ عَلى ما أُرِيْدُ أَنِ اعْرِفِ الْمَقْصُوْدَ وَقُلْ لَكَ
الْحَمْدُ يا مالِكَ الْعِبادِ وَالْحاكِمَ عَلى الْبِلادِ، لَوْ تَعْرِفُ ما
أَرَدْناهُ لَكَ فِيْ غَياهِبِ هذِهِ الإِشاراتِ لَيَأْخُذُكَ الْفَرَحُ
وَالشَّوْقُ إِلى مَقامٍ تَجِدُ نَفْسَكَ مُنْقَطِعًا عَنِ الْجِهاتِ، إِنَّكَ
لَوْ تَتَفَكَّرُ فِيْ نَفْسِ الإِقْبالِ وَسَيْرِكَ إِلى الْغَنِيِّ الْمُتَعالِ
لَتَعْرِفُ ما ذُكِرَ فِيْكِتابِكَ بِالشُّهُوْدِ وَالْعَيانِ إِنَّا نُؤَيِّدُكَ
فِيْ ذلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْمُقْتَدِرُ الْمُخْتارُ، إِنَّا أَرَدْنا أَنْ
نُقَدِّسَكَ عَمّا عِنْدَ الْقَوْمِ وَنَجْعَلَكَ مُنادِيًا بِهذا الذَّكْرِ
الْمُهَيْمِنِ عَلى مَنْ فِي الإِبْداعِ وَمُبَشِّرًا بِهذا النَّبَإِ
الأَعْظَمِ بَيْنَ الأُمَمِ
إِنَّ رَبِّكَ لَهُوَ الْعَزِيْزُ الْعَلاّمُ، ثُمَّ اعْلَمْ فِيْ حِيْنِ الَّذِيْ
أَقْبَلْتَ إِلى اللهِ خُلِقْتَ مِنْ مآءِ الرُّوْحِ مَرَّةً أُخْرى إِيّاكَ أَنْ
تَذْكُرَ بِالْمَهِيْنِ هذا الْماءَ الْمَعِيْنِ، إِنَّ الأَوَّلَ قُدِّرَ
لِلأَوَّلِيْنَ وَالثّانِيْ لِمَنْ أَقْبَلَ إِلى مَشْرِقٍ كانَ بِأَنْوارِ
الْوَجْهِ مُضِيْئًا، إِنَّ إِقْبالَكَ هُوَ نَفْسُ الْقابِلِيَّةِ وَإِنَّها
لَعِنايَةُ الرَّبّانِيَّةُ كانَتْ مُوْدَعَةً بِالْحَقِّ فِيْ نَفْسِكَ
بِنَفْسِكَ وَداخِلاً فِيْكَ لا كَدُخُوْلِ الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ فَلَمّا أَتى
الْمِيْقاتُ ظَهَرَتْ مِنْكَ أَنِ احْفَظْها كَذلِكَ يَأْمُرُكَ رَبُّكَ الَّذِيْ
كانَ مَقَدَّسًا عَن الدُّخُوْلِ وَالْخُرُوْجِ مِنْ هذا الْمَقامِ الَّذِيْ كانَ
باسْمِ اللهِ
مَرْفُوْعًا، وَكَذلِكَ نادَيْناكَ مِنَ الشَّطْرِ الأَيْمَنِ مِنَ الْبُقْعَةِ
النَّوْرآءِ لِتَشْكُرَ رَبَّكَ وَتَقُوْمَ عَلى أَمْرِهِ بِفَرَحٍ وَانْجِذابٍ،
إِنَّما الْبَهآءُ عَلَيْكَ يا أَيُّها الْمُقْبِلُ إِلى اللهِ فِي الْمَآبِ.
[٥٩] بسمي الحكيم
يا حَكِيْمُ طُوْبى
لِوَجْهِكَ بِما تَوَجَّهَ إِلى الْوَجْهِ وَلأُذُنِكَ بِما سَمِعَتِ النِّداءَ
إِذِ ارْتَفَعَ مِنَ الأُفُقِ الأَعْلى
وَلِلِسانِكَ بِما نَطَقَ
بِهذا الذِّكْرِ الْحَكِيْمِ، قَدْ فاضَ بَحْرُ الْعِرْفانِ بَيْنَ الإِمْكانِ
وَارْتَفَعَ حَفِيْفُ سِدْرَةِ الرَّحْمنِ وَلكِنَّ الْقَوْمَ فِيْ خُسْرانٍ
مُبِيْنٍ، قُمْ عَلى خِدْمَةِ الأَمْرِ ثُمَّ وَصِّ الْعِبادَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْبَيانِ هذا ما أَنْزَلَهُ الرَّحْمنُ فِيْكِتابِهِ الْعَظِيْمِ، طُوْبى
لِعَبْدٍ وَجَدَ عَرْفَ الظُّهُوْرِ وَسَمِعَ ما نَطَقَ بِهِ مُكَلِّمُ الطُّوْرِ
وَوَيْلٌ لِمَنْ أَعْرَضَ وَاعْتَرَضَ عَلى اللهِ رَبِّ الْعالَمِيْنَ، كُنْ
مُشْتَعِلاً بِنارِ حُبِّ رَبِّكَ لِيَشْتَعِلَ بِها الْعالَمُ هذا يَنْبَغِيْ
لَكَ فِيْهذا الْيَوْمِ الْعَزِيْزِ الْبَدِيْعِ، كُنْ مُنادِيًا لأَمْرِ الْحَقِّ
بَيْنَ الْخَلْقِ وَمُبَشِّرًا بِهذا النَّبَإِ الْعَظِيْمِ الَّذِيْ بِهِ
اقْشَعَرَّتِ الْجُلُوْدُ وَتَزَلْزَلَ كُلُّ بُنْيانٍ مَتِيْنٍ، قُلْ يا مَلأَ
الأَرْضِ اتَّقُوا اللهَ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ عُلَمائِكُمْ لَعَمْرُ اللهِ
إِنَّهُمْ يَسُوْقُوْنَكُمْ إِلى النَّارِ وَيَهْدُوْنَكُمْ إِلى السَّعِيْرِ،
تَاللهِ الْحَقِّ أَشْرَقَ نَيِّرُ الإِيْقانِ مِنْ أُفُقِ سَمآءِ إِرادَةِ
رَبِّكُمُ الرَّحْمنِ اتَّقُوا يا مَعْشَرَ الْجُهَلاءِ وَلا تَكُوْنُوا مِنَ
الْمُعْرِضِيْنَ، سَوْفَ يَفْنى ما عِنْدَكُمْ وَما تَرَوْنَهُ الْيَوْمَ وَيَبْقى
الْمُلْكُ للهِ الْمُقْتَدِرِ الْقَدِيْرِ، طُوْبى لِنَفْسٍ فازَتْ بِكَلِمَةِ
اللهِ وَشَرِبَتْ رَحِيْقَ الْبَيانِ مِنْ أَيادِي الْعَطآءِ أَلا
إِنَّهُ مِنَ الْمُقَرَّبِيْنَ فِيْ لَوْحٍ كَرِيْمٍ، قُلْ تَاللهِ فاحَتْ
نَفْحَةُ الرَّحْمنِ بَيْنَ الإِمْكانِ إِيّاكُمْ أَنْ تَمْنَعُوا أَنْفُسَكُمْ
عَنْ هذا الْفَضْلِ الأَعْظَمِ اتَّقُوا اللهَ يا قَوْمِ وَلا تَكُوْنُوا مِنَ
الصَّاغِرِيْنَ، كَذلِكَ أَنْزَلْنا الآياتِ وَصَرَّفْناها بِالْحَقِّ فَضْلاً
مِنْ لَدُنَّا وَأَنا الْفَضّالُ الْقَدِيْمُ، الْبَهاءُ الْمُشْرِقُ مِنْ أُفُقِ
سَمآءِ فَضْلِيْ عَلَيْكَ وَعَلى الَّذِيْنَ آمَنُوا بِاللهِ الْفَرْدِ
الْخَبِيْرِ.
[٦٠] هو المهيمن على الأسمآء
يا قَلَمِي اسْمَعْ نِدائِيْ
ما لِيْ أَسْمَعُ حَنِيْنَكَ وَصَرِيْخَكَ مَرَّةً أَرَيكَ مُتَحَيِّرًا فِي
الذِّكْرِ وَالْبَيانِ وَأُخْرى أُشاهِدُكَ كَالْمُوَلَّهِ الْباهِتِ فِيْما
وَرَدَ عَلى مَوْلَيكَ مِنْ كُلِّ جاهِلٍ وَكُلِّ ظالِمٍ عَنِيْدٍ، دَعْ ما عِنْدَ
الْقَوْمِ وَما تَراهُ الْيَوْمَ بَشِّرِ النّاسَ بِما أَشْرَقَ وَلاحَ مِنْ
أُفُقِ اللهِ رَبِّ الْعالَمِيْنَ، قُلْ تَاللهِ قَدْ فُتِحَ بابُ السَّمآءِ
وَأَتى مَنْ كانَ مَوْعُوْدًا فِيْ كُتُبِ اللهِ الْعَزِيْزِ الْحَمِيْدِ، لا
يَنْفَعُكُمْ ما عِنْدَكُمْ يَشْهَدُ بِذلِكَ مَنْ عِنْدَهُ كِتابٌ مُبِيْنٌ، يا
أَصْحابَ الآذانِ اسْمَعُوا نِداءَ اللهِ مالِكِ الأَسْمآءِ
وَفاطِرِ السَّمآءِ إِنَّه
يَدْعُوْكُمْ بِما يُقَرِّبُكُمْ إِلَيْهِ يَشْهَدُ بِذلِكَ لِسانُ الْعَظَمَةِ
فِيْهذا الْمَقامِ الْمَنِيْعِ، إِنّا ما أَرَدْنا إِلاّ نَجاةَ الأُمَمِ وَإِصْلاحَ
الْعالَمِ وَلكِنَّ الْقَوْمَ أَعْرَضُوا عَنّا وَارْتَكَبُوا ما تَفَرَّقَتْ بِهِ
أَرْكانُ الْكَلِمَةِ الأُوْلى كَذلِكَ سَوَّلَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَلا
إِنَّهُمْ مِنَ الأَخْسَرِيْنَ فِيْ كِتابِ اللهِ مالِكِ يَوْمِ الدِّيْنِ، قُلْ
يا مَلأَ الأَرْضِ ضَعُوا كُتُبَ الْقَوْمِ وَخُذُوا كِتابَ اللهِ الْمُقْتَدِرِ
الْعَلِيْمِ الْحَكِيْمِ، هذا يَوْمٌ لا يَنْفَعُكُمْ شَيْءٌ مِنَ الأَشْيآءِ
إِلاّ بِهذا الْكِتابِ الْمُبِيْنِ، قَدْ
مُلِئَتِ الآفاقُ مِنْ بُرْهانِ رَبِّكَ وَالْقَوْمُ فِيْ سُكْرٍ عَجِيْبٍ، رَفَعُوا أَصْنامَ
أَهْوائِهِمْ وَوَضَعُوا إلهَهُمْ أَلا إِنَّهُمْ مِنَ الأَخْسَرِيْنَ، الْبَهآءُ
عَلَيْكَ وَعَلى كُلِّ ناطِقٍ أَقْبَلَ وَقالَ لَكَ الْحَمْدُ يا إِلهَ الْعالَمِ
وَيا مَقْصُوْدَ الْعارِفِيْنَ.
[٦١] بسمي
المهيمن على الأسمآء
ذِكْرٌ مِنْ لَدُنّا عِبادِي
الَّذِيْنَ نَبَذُوا ما عِنْدَ الْقَوْمِ مُتَمَسِّكِيْنَ بِما عِنْدَ اللهِ
الْمُهَيْمِنِ الْقَيُّوْمِ، قُلْ هذا يَوْمٌ أَخْرَجَتِ الأَرْضُ كُنُوْزَها
وَأَظْهَرَتْ ما كانَ مَكْنُوْنًا
فِيْها فَضْلاً مِنْ لَدى
اللهِ مالِكِ الْوُجُوْدِ، طُوْبى لِقَوِيٍّ أَقْبَلَ إِلى الأُفُقِ الأَعْلى
بِحَيْثُ ما مَنَعَهُ ظُلْمُ كُلِّ ظالِمٍ وَلا إِعْراضُ كُلِّ مُعْرِضٍ أَقْبَلَ
بِوَجْهٍ مُنِيْرٍ إِلى اللهِ رَبِّ ما كانَ وَما يَكُوْنُ، يا مُحَمَّدُ قَبْلَ
حَسَنٍ عَلَيْكَ بَهآءُ اللهِ مالِكِ السِّرِّ وَالْعَلَنِ، إِنَّا ذَكَرْناكَ
فِيْهذا السِّجْنِ الأَعْظَمِ بِما يَجِدُ مِنْهُ الْمُقَرَّبُوْنَ عَرْفَ اللهِ
الْعَزِيْزِ الْوَدُوْدِ، ضَعْ ما عِنْدَ الْقَوْمِ وَخُذْ ما أُوْتِيْتَ مِنْ
لَدى اللهِ مالِكِ الْيَوْمِ الْمَوْعُوْدِ، قُلْ إِلهِيْ إِلهِيْ لَكَ الْحَمْدُ
بِما هَدَيْتَنِيْ إِلى صِراطِكَ الْمُسْتَقِيْمِ وَعَرَّفْتَنِيْ نَبَأَكَ
الْعَظِيْمَ، أَسْئَلُكَ بِأَنْوارِ عَرْشِكَ وَبِاسْمِكَ الَّذِيْ بِهِ نُصِبَتْ
رايَةُ عَدْلِكَ فِيْ مَمْلَكَتِكَ وَعَلَمُ تَوْحِيْدِكَ فِيْ بِلادِكَ بِأَنْ
تُقَدِّرَ لِيْ ما يَنْفَعُنِيْ فِيْكُلِّ عالَمٍ مِنْ عَوالِمِكَ، أَيْرَبِّ أَنا
عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ مُعْتَرِفًا بِفَرْدانِيَّتِكَ وَوَحْدانِيَّتِكَ
وَبِما أَنْزَلْتَهُ فِيْ كُتُبِكَ وَأَلْهَمْتَ بِهِ رُسُلَكَ، أَسْئَلُكَ
بِبَحْرِ جُوْدِكَ وَراياتِ آياتِكَ بِأَنْ تَكْتُبَ لِيْ خَيْرَ الآخِرَةِ
وَالأُوْلى إِنَّكَ أَنْتَ مَوْلى الْوَرى لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ الْمُشْفِقُ
الْكَرِيْمُ.
[٦٢] هو النّاطق بالعدل في ملكوت البيان
كِتابٌ أَنْزَلَهُ الرَّحْمنُ
لِتُجْذَبَ أَفْئِدَةُ الْعِبادِ إِلى أُفُقٍ مِنْهُ أَشْرَقَتْ شَمْسُ
الْعِرْفانِ أَمْرًا مِنْ لَدى اللهِ مالِكِ الأَنامِ، إِنَّ الْبَهآءَ يُبَشِّرُ
الْوَرى وَيَقُوْلُ افْرَحُوا يا مَلأَ الأَرْضِ بِما ارْتَفَعَ خِبآءُ الْمَجْدِ
عَلى أَعْلى الأَعْلامِ وَقِبابُ الْعَظَمَةِ عَلى مَقامٍ عَجِزَتْ عَنْ ذِكْرِهِ
الأَنامُ، قَدْ كُنْتُ ماشِيًا فِي الْبَيْتِ حَضَرَ ثَنائُكَ وَما ظَهَرَ مِنْ
فُؤادِكَ فِيْهذا الذِّكْرِ الأَعْظَمِ الَّذِيْ بِهِ انْصَعَقَ الأُمَمُ إِلاّ
مَنْ شآءَ اللهُ رَبُّ الأَرْبابِ، قَدْ سَمِعْنا ما أَنْشَأْتَهُ فِيْ ثَنآءِ
اللهِ وَأَنْشَدْتَهُ أَمامَ وُجُوْهِ الْعِبادِ، طُوْبى لَكَ بِما أَقْبَلْتَ
إِذْ ارْتَفَعَ النِّدآءُ وَنَطَقْتَ بِثَنآءِ مَوْليكَ فِي الْعَشِيِّ
وَالإِشْراقِ، طُوْبى
لِلِسانٍ نَطَقَ بِذِكْرِ الْحَقِّ وَلِيَدٍ أَخَذَتْ كِتابَ اللهِ بِقُدْرَةٍ
وَسُلْطانٍ، قُلْ يا مَلأَ الأَرْضِ خافُوا اللهَ وَلا تَتَّبِعُوا مَطالِعَ
الظُّنُوْنِ وَالأَوْهامِ، إِنّا نُبَشِّرُكُمْ بِعِنايَةِ اللهِ وَفَضْلِهِ
وَنَذْكُرُكُمْ بِآياتٍ إِذا نُزِّلَتْ تَعَطَّرَتِ الآفاقُ، قُلْ يا مَلأَ
الْغافِلِيْنَ أَما تَرَوْنَ ما ظَهَرَ بِإِرادَتِيْ وَنَطَقَ بِهِ لِسانِيْ
وَظَهَرَ ما كانَ مَسْتُوْرًا فِي أَزَلِ الآزالِ، اسْمَعُوا النِّدآءَ وَضَعُوا
ما عِنْدَكُمْ تَاللهِ قَدِ
انْفَطَرَتِ السَّمآءُ وَأَتى
مالِكُ الأَسْمآءِ بِقُدْرَةٍ وَسُلْطانٍ، كَذلِكَ تَحَرَّكَ الْقَلَمُ الأَعْلى
عَلى ذِكْرِ أَصْفِيائِهِ الَّذِيْنَ ما خَوَّفَتْهُمْ ضَوْضآءُ الْعالَمِ وَلا
صُفُوْفُ الأُمَمِ أُوْلئِكَ أَهْلُ الْبَهآءِ فِي الصَّحِيْفَةِ الْحَمْرآءِ
كَذلِكَ نَطَقَ لِسانُ الْعَظَمَةِ فِيْ سِجْنِ عَكّآءَ أَمْراً مِنْ لَدُنْ آمِرٍ
أَمّارٍ، يا أَوْلِيآئِي اسْمَعُوا نِدآئِيْ ثُمَّ اعْمَلُوا ما يَرْتَفِعُ بِهِ
مَقاماتُكُمْ فِي الْعالَمِ بَيْنَ الأُمَمِ إِيّاكُمْ أَنْ تَمْنَعَكُمْ
شُئُوْناتُ الدُّنْيا وَزُخْرُفُها وَآلاتُها وَنَعْمآئُها وَأَلْوانُها عَنِ
الإِقْبالِ إِلى مَشْرِقِ وَحْيِ اللهِ مالِكِ الرِّقابِ، فِيْ آخِرِ الْقَوْلِ
نَسْئَلُ اللهَ تَبارَكَ وَتَعالى أَنْ يَسْقِيَكُمْ رَحِيْقَهُ الْمَخْتُوْمَ
بِهذا الاسْمِ الَّذِيْ إِذْ ظَهَرَ انَجَذَبَتْ حَقائِقُ الأَشْيآءِ وَنادى
الْمُنادِ مِنَ الشَّطْرِ الأَيْمَنِ الْفِرْدَوْسِ الأَعْلى الْمُلْكُ للهِ
مالِكِ هذا الْيَوْمِ الْمُنِيْرِ، الْبَهآءُ الْمُشْرِقُ مِنْ أُفُقِ هذا
السَّمآءِ عَلَيْكُمْ يا حِزْبَ اللهِ وَعَلى الَّذِيْنَ عَمِلُوا بِما أُمِرُوا
بِهِ فِي الْكِتابِ.
[٦٣] هو النّاظر من أفقه الأعلى
يا عَلِيُّ إِنَّ الْمَظْلُوْمَ يُرِيْدُ أَنْ
يَذْكُرَكَ فِيْ يَوْمٍ فِيْهِ غاضَ الإِنْصافُ وَفاضَ الاعْتِسافُ وَفِيْهِ
نُكِسَتْ رايَةُ الْعَدْلِ وَنُصِبَ عَلَمُ الْجَهْلِ لا تَدْرِ نَفْسٌ مَنِ
الَّذِيْ يَأْمُرُها بِالْبَغْيِ وَالْفَحْشآءِ وَمَنِ الَّذِيْ يَدْعُوْها إِلى
اللهِ مالِكِ الأَسْمآءِ كَذلِكَ أَنْزَلْنا الآياتِ وَصَرَّفْناها فَضْلاً مِنْ
عِنْدِنا إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْفَضّالُ الْمُهَيْمِنُ الْقَيُّوْمُ، قُلْ يا
قَوْمِ اتَّقُوا اللهَ وَلا تَمْنَعُوا أَنْفُسَكُمْ عَنِ النَّبَإِ الأَعْظَمِ
الَّذِيْ بَشَّرَكُمُ اللهُ بِهِ فِيْ كُتُبِهِ وَصُحُفِهِ وَفِيْ لَوْحٍ نَزَّلَ
فِيْهِ أَسْرارَ ما كانَ وَما يَكُوْنُ، ضَعُوا ما عِنْدَكُمْ وَما عِنْدَ
عُلَمائِكُمْ مُتَمَسِّكِيْنَ بِما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنْ لَدى اللهِ الْعَزِيْزِ
الْوَدُوْدِ، هذا يَوْمُ اللهِ لَوْ أَنْتُمْ تَعْرِفُوْنَ وَهذا يَوْمُ
الْمَوْعُوْدِ الَّذِيْ إِذا ظَهَرَ أَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُوْرِهِ وَنُفِخَ فِي
الصُّوْرِ وَانصَعَقَ مَنْ عَلى الأَرْضِ إِلاّ مَنْ شآءَ اللهُ مالِكُ
الْوُجُوْدِ، قُمْ عَلى الأَمْرِ ثُمَّ اذْكُرْ رَبَّكَ الَّذِيْ خَلَقَكَ
وَأَظْهَرَكَ لِهذا الْيَوْمِ الْمَشْهُوْدِ، إِنّا ظَهَرْنا وَأَظْهَرْنا
الأَمْرَ رَغْمًا لِكُلِّ عالِمٍ مَحْجُوْبٍ، طُوْبى لِمُقْبِلٍ أَقْبَلَ إِلى اللهِ
فِيْ أَيّامِهِ وَوَيْلٌ لِمَنْ أَعْرَضَ
مُتَمَسِّكًا بِالأَوْهامِ
وَالظُّنُوْنِ، كَذلِكَ نَطَقَ الْقَلَمُ إِذْ كانَ الْمَظْلُوْمُ فِي السِّجْنِ
الأَعْظَمِ وَنَذْكُرُ الَّذِيْنَ أَقْبَلُوا إِلى الأُفُقِ الأَعْلى وَسَمِعُوا
نِدآءَ اللهِ مالِكِ الْغَيْبِ وَالشُّهُوْدِ.
[٦٤] الأعظم الأقدس الأقدم
كِتابٌ مِنْ لَدُنّا لِقَوْمٍ
اتَّبَعُوا ما نُزِّلَ مِنْ لَدى اللهِ الْمُقْتَدِرِ الْقَدِيْرِ، نَذْكُرُ
فِيْهِ إِمآئَهُ الَّلائِيْ آمَنَّ بِاللهِ إِذْ أَتى بِالْحَقِّ بِأَمْرٍ فَزَعَ
عَنْهُ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ رَبُّكَ الْعَلِيْمُ
الْخَبِيْرُ، يَنْبَغِي الْيَوْمَ لِكُلِّ نَفْسٍ أَنْ يَنْصُرَ رَبَّهُ كَذلِكَ
قُضِيَ الأَمْرُ فِيْ كِتابٍ ما اطَّلَعَ بِهِ أَحَدٌ إِلاّ اللهُ الْمُقْتَدِرُ
الْحَكِيْمُ، يا إِمآئِيْ أَنِ اسْتَمِعْنَ نِدآءَ اللهِ الْعَلِيِّ الأَبْهى
مَرَّةً أُخْرى مِنَ السِّدْرَةِ الْمُرْتَفِعَةِ عَلى الْكَثِيْبِ الأَحْمَرِ
إِنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنا الْعَزِيْزُ الْكَرِيْمُ، أَنِ اتَّبِعْنَ نِدآءَ
اللهِ وَحُدُوْدَهُ ثُمَّ انْطِقْنَ بِهذا الاسْمِ الَّذِيْ بِهِ اسْوَدَّتِ
الْوُجُوْهُ وَأَنارَتْ وُجُوْهُ الْمُقَرَّبِيْنَ، لا تَعْقِبْنَ الَّذِيْنَ
يَتَكَلَّمُوْنَ بِأَهْوآئِهِمْ وَيَعْمَلُوْنَ ما نُهُوا عَنْهُ فِي الْكِتابِ
أَلا إِنَّهُمْ مِنَ الظّالِمِيْنَ، أَنِ اذْكُرْنَ اللهَ فِيْ أَيّامِ
الْمَحْبُوْبِ الَّذِيْ بِهِ
ظَهَرَ كُلُّ أَمْرٍ
حَكِيْمٍ، طُوْبى لِمَنْ سَمِعَ الْيَوْمَ نِدآئِيْ وَأَعْرَضَ عَنْ سِوائِيْ
وَاسْتَقامَ عَلى أَمْرِي الَّذِيْ أَحاطَ الْعالَمِيْنَ، كَذلِكَ جَرى الْقَلَمُ
الأَعْلى عَلى ذِكْرِ عِبادِهِ وَإِمآئِهِ لِيَفْرَحَنَّ الْكُلُّ وَيَكُوْنَنَّ
مِنَ الشّاكِرِيْنَ.
[٦٥] هو الشّاهد السّامع العليم
إِنّا نَذْكُرُ مَنِ
انْجَذَبَ مِنَ النِّداءِ إِذِ ارْتَفَعَ مِنَ الأُفُقِ الأَعْلى وَأَقْبَلَ إِلى
اللهِ رَبِّ الْعالَمِيْنَ، إِنَّهُ مِمَّنْ سَمِعَ وَأَجابَ مَوْلَيهُ إِذْ كانَ
الْعِبادُ فِيْ حُجُباتٍ مُبِيْنٍ، قَدْ شَهِدَ بِما شَهِدَ اللهُ وَأَقَرَّ بِما
نَطَقَ بِهِ لِسانُ الْعَظَمَةِ يَشْهَدُ بِذلِكَ مالِكُ الأَسْمآءِ فِيْهذا
الْكِتابِ الْعَظِيْمِ، يا قَلَمِي الأَعْلى بَشِّرْهُ مِنْ قِبَلِيْ بِما قُدِّرَ
لَهُ مِنْ لَدى اللهِ الْقَوِيِّ الْقَدِيْرِ، قَدْ أَحاطَتْهُ الأَحْزانُ فِيْ
أَكْثَرِ الأَحْيانِ إِنَّ رَبَّهُ الرَّحْمنَ لَهُوَ الشّاهِدُ الْعَلِيْمُ، أَنِ
افْرَحْ بِما تَوَجَّهَ إِلَيْكَ وَجْهُ الْمَظْلُوْمِ وَذَكَرَكَ مِنْ قَبْلُ
وَفِيْهذا الْحِيْنِ، ذَكِّرْ أَحِبّائِيْ مِنْ قِبَلِيْ وَبَشِّرْهُمْ بِعِنايَةِ
رَبِّهِمُ الْمُعْطِي الْكَرِيْمِ، إِنّا نُكَبِّرُ مِنْ هذا الْمَقامِ عَلى
الَّذِيْنَ تَمَسَّكُوا بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَشَرِبُوا رَحِيْقَ
الاسْتِقامَةِ مِنْ
أَيادِيْ عَطآءِ رَبِّهِمُ
الْعَزِيْزِ الْحَمِيْدِ، هذا يَوْمٌ فِيْهِ السَّمْعُ يُنادِيْ تَاللهِ هذا
يَوْمِيْ وَفِيْهِ أَسْمَعُ النِّدآءَ الأَحْلى مِنْ شَطْرِ سِجْنِ رَبِّي
الظّاهِرِ السَّميْعِ، وَالْبَصَرُ يُنادِيْ وَيَقُوْلُ إِنَّ الْيَوْمَ يَوْمِيْ
وَأَرى الأُفُقَ الأَعْلى أَمْراً مِنْ لَدُنْ آمِرٍ قَدِيْرٍ، طُوْبى لِسَمْعٍ
سَمِعَ انْظُرْ تَرانِيْ وَلِبَصَرٍ رَأى الآيَةَ الْكُبْرى مِنْ هذا الأُفُقِ
الْمُنِيْرِ، قُلْ يا مَعْشَرَ الأُمَرآءِ وَالْعُلَمآءِ وَالْعُرَفآءِ قَدْ
ظَهَرَ الْيَوْمُ الْمَوْعُوْدُ وَأتى رَبُّ الْجُنُوْدِ أَنِ افْرَحُوا بِهذا
الْفَرَحِ الأَعْظَمِ ثُمَّ انْصُرُوْهُ بِالْحِكْمَةِ وَالْبَيانِ كَذلِكَ
يَأْمُرُكُمْ مَنْ نَطَقَ وَيَنْطِقُ إِنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنا الْعَلِيْمُ
الْحَكِيْمُ، الْبَهآءُ عَلَيْكَ وَعَلى مَنْ مَعَكَ وَعَلى الَّذِيْنَ
يُحِبُّونَكَ وَيَسْمَعُوْنَ بَيانَكَ فِيْهذا الأَمْرِ الْعَزِيْزِ الْمَنِيْعِ.
[٦٦] الأقدس
الأعظم الأبهى
يُنادِي الْمُنادِ فِيْكُلِّ
الأَحْيانِ يا عِبادَ الرَّحْمنِ أَنِ اسْرُعُوا بِالْقُلُوْبِ إِلى شَطْرِ
الْمَحْبُوْبِ قَدْ مُنِعَ السَّبِيْلُ بِما اكْتَسَبَتْ أَيْدِي الْفُجّارِ، كَمْ
مِنْ عِبادٍ أَرادُوا الْوَجْهَ وَمُنِعُوا عَنِ الْحُضُوْرِ لَدى الْعَرْشِ
بِذلِكَ ناحَتْ
سُكّانُ مَدايِنِ مَلَكُوْتِ
الأَسْمآءِ وَأَهْلُ مَلإِ الأَعْلى عَلَيْهِمْ صَلَواتِيْ وَرَحْمَتِيْ إِلى
يَوْمِ الَّذِيْ لا يَتِمُّ بِالْحِسابِ، طُوْبى لِوُجُوْهِهِمْ بِما تَوَجَّهُوا
إِلى وَجْهِ اللهِ وَلِقُلُوْبِهِمْ بِما أَقْبَلُوا إِلى نَيِّرِ الأَرَضِيْنَ
وَالسَّمواتِ، كَمْ مِنْهُمْ تَوَجَّهُوا وَحَضَرُوا وَفازُوا بِما أَرادَ اللهُ
لَهُمْ فِي الْكِتابِ، لِكُلٍّ نَصِيْبٌ مِنْ هذا الْبَحْرِ الأَعْظَمِ إِنَّ
رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيْزُ الْغَفّارُ، إِيّاكُمْ أَنْ يُحْزِنَكُمُ الْبُعْدُ كَمْ
مِنْ عِبادٍ ما حَضَرُوا لَدى الْعَرْشِ وَكُتِبَ لَهُمُ اللِّقا فِي الزُّبُرِ
وَالأَلْواحِ وَكَمْ مِنْ عَبْدٍ كانَ فِيْ جِوارِيْ وَما فازَ بِلِقائِيْ كَذلِكَ
شَهِدَ الرَّحْمنُ فِيْ هذا اللَّوْحِ الَّذِيْ مِنْ أُفُقِهِ لاحَتْ شَمْسُ
الْحِكْمَةِ وَالعِرْفانِ، طُوْبى لِلَّذِيْنَ فازُوا بِالأَمْرَيْنِ قَدْ قُدِّرَ
لَهُمْ ما تَقَرُّ بِهِ عُيُوْنُ الإِبْداعِ، أَنْ يا أَحِبّآئِيْ إِذا
اجْتَمَعْتُمْ فِيْ بُقْعَةٍ أَنِ اذْكُرُوا ما وَرَدَ عَلَيَّ فِيْ أَيّامِيْ
وَما رَأَيْتُ مِنَ الَّذِيْنَ كَفَرُوا بِاللهِ فالِقِ الإِصْباحِ، مِنَ النَّاسِ
مَنْ أَرادَ إِطْفآءَ نُوْرِيْ وَمِنْهُمْ مَنْ أَرادَ سَفْكَ دَمِيْ وَمِنْهُمْ
مَنْ ظَهَرَ بِالإِعْراضِ جَهْرَةً وَمِنْهُمْ مَنْ قالَ إِنَّهُ افْترى عَلى
اللهِ بَعْدَ الَّذِيْ جِئْتُهُمْ مِنْ مَشْرِقِ الْعَظَمَةِ وَالاقْتِدارِ بِقُدْرَةٍ
وَسُلْطانٍ، سَوْفَ
نَأْخُذُهُمْ كَما أَخَذْنا مِنْ قَبْلِهِمُ الأَحْزابَ وَنَرْفَعُ راياتِ
الأَمْرِ كَيْفَ نَشآءُ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ المُقْتَدِرُ الْقَهّارُ، لَوْلا
رَحْمَتِيْ نُنْزِلُ عَلَيْهِمُ الْعَذابَ وَلكِنْ أَمْهَلْناهُمْ ناظِرًا إِلى
الْمِيْقاتِ، إِنَّكَ فَاحْمَدِ اللهَ بِما نَزَّلْنا لَكَ الآياتِ وَأَرْسَلْناها
إِلَيْكَ لِتَجِدَ ما تَضَوَّعَ فِي الْمَنْظَرِ الأَكْبَرِ أَمامَ وَجْهِ رَبِّكَ
مالِكِ الأَنامِ.
[٦٧] هو
الشّاهد العالم السّميع
شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا
إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالَّذِيْ أَتى مِنْ سَمآءِ الأَمْرِ إِنَّهُ لَهُوَ الْغَيْبُ
الْمَكْنُوْنُ وَالسِّرُّ الْمَصُوْنُ وَهُوَ الَّذِيْ بَشَّرَ بِهِ كُتُبُ اللهِ
وَأَنْبِيآئُهُ وَسُفَرآئُهُ وَبِهِ ظَهَرَتِ الأَسْرارُ وَخُرِقَتِ الأَسْتارُ
وَبَرَزَتِ الآثارُ قَدْ ظَهَرَ وَأَظْهَرَ ما أَرادَ وَيَمْشِيْ عَلى مَشارِفِ
الأَرْضِ بِالْعَظَمَةِ وَالاقْتِدارِ، طُوْبى لِقَوِيٍّ كَسَّرَ أَصْنامَ
الأَوْهامِ بِاسْمِ رَبِّهِ مالِكِ الأَنامِ، يا أَفْنانِيْ إِنَّا أَرَدْنا أَنْ
نَذْكُرَكَ فَضْلاً مِنْ لَدُنّا لِتَجْذُبَكَ نَفَحاتُ ذِكْرِيْ إِلى مَلَكُوْتِيْ
وَخِبآءِ مَجْدِي الَّذِيْ ارْتَفَعَ بِهذا الاسْمِ الَّذِيْ مِنْهُ تَزَعْزَعَتِ
الأَرْكانُ، قُلْ يا مَلأَ الأَرْضِ لَعَمْرُ اللهِ قَدْ أَتى وَظَهَرَ ما
وُعِدْتُمْ
بِهِ فِيْ كِتابِ رَبِّكُمْ
مالِكِ الْمَآبِ، إِيّاكُمْ أَنْ تَمْنَعَكُمْ شُئُوْناتُ الْخَلْقِ عَنِ الْحَقِّ
سَوْفَ يَفْنى ما يُرى وَيَبْقى ما نُزِّلَ مِنْ لَدى اللهِ رَبِّ الأَرْبابِ،
قُلْ هذا يَوْمُ الأَعْمالِ لَوْ أَنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ وَهذا يَوْمُ الذِّكْرِ
وَالْبَيانِ لَوْ أَنْتُمْ تَشْعُرُوْنَ، دَعُوا ما عِنْدَ الْقَوْمِ وَخُذُوا ما أُمِرْتُم
بِهِ مِنْ لَدى اللهِ الْمُهَيْمِنِ الْقَيُّوْمِ، سَيَأْتِيْ يَوْمٌ لا يَنْفَعُكُمْ فِيْهِ خَزائِنُ الأَرْضِ
كُلُّها يَشْهَدُ بِذلِكَ مالِكُ الأَسْماءِ، الَّذِيْ يَنْطِقُ إِنَّهُ لا إِلهَ
إِلاّ هُوَ الْحَقُّ عَلاّمُ الْغُيُوْبِ، هَنِيْئاً لَكَ يا أَفْنانِيْ بِما
فُزْتَ بِآياتِيْ وَوَجَدْتَ عَرْفَ ظُهُوْرِيْ وَأَجَبْتَ نِدآئِي إِذْ
أَنْكَرَنِيْ عِبادِيْ وَخَلْقِي الَّذِيْنَ نَبَذُوا أُمَّ الْبَيانِ عَنْ
وَرائِهِمْ وَأَخَذُوا ما أُمِرُوا بِهِ مِنْ مَطالِعِ الأَوْهامِ وَالظُّنُوْنِ،
كَذلِكَ نَطَقَ لِسانُ الْعَظَمَةِ فِيْ مَلَكُوْتِ الْبَيانِ مِنْ لَدى اللهِ
مالِكِ الْوُجُوْدِ، أَنِ اسْتَقِمْ عَلى ما أَنْتَ عَلَيْهِ وَعَلى خِدْمَةِ
الأَمْرِ ثُمَّ احْفَظْ مَقامَكَ بِاسْمِ رَبِّكَ مالِكِ الغَيْبِ وَالشُّهُوْدِ،
تَاللهِ لَوْ يَطَّلِعُ أَحَدٌ بِما هُوَ الْمَسْتُوْرُ لَيَطِيْرُ شَوْقًا إِلى
اللهِ رَبِّ ما كانَ وَما يَكُوْنُ، الْبَهآءُ عَلَيْكَ وَعَلى الَّذِيْنَ
أَقْبَلُوا وَفازُوا بِما سُطِرَ فِي اللَّوْحِ مِنْ
قَلَمِ اللهِ الْعَزِيْزِ
الْوَدُوْدِ.
[٦٨] هو النّاطق بالحقّ في ملكوت البيان
سُبْحانَ الَّذِيْ أَنْزَلَ
الآياتِ وَفَتَحَ بِها أَبْوابَ الْعِرْفانِ عَلى مَنْ فِيْ الإِمْكانِ، تَعالى
الرَّحْمنُ الَّذِيْ ظَهَرَ وَأَظْهَرَ ما كانَ مَكْنُوْنًا فِيْ أَزَلِ الآزالِ،
يا أَهْلَ الْبَهآءِ أَنِ اسْتَمِعُوا النِّدآءَ مِنْ شَطْرِ الْبُقْعَةِ الْبَيْضآءِ
إِنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْفَرْدُ الْواحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِيْ
دَعا الْكُلَّ إِلى أَعْلى الْمَقامِ،
نَعِيْمًا لِمَنْ وَجَدَ عَرْفَ الْقَمِيْصِ وَأَقْبَلَ إِلى أُفُقٍ أَعْرَضَ
عَنْهُ الْفُجّارُ، هذا يَوْمٌ فِيْهِ أَخَذَ جَذْبُ النِّدآءِ الْمَلأَ الأَعْلى
وَأَهْلَ الْجَنَّةِ الْعُلْيا وَالْقَوْمُ أَكْثَرُهُمْ فِيْ غَفْلَةٍ وَحِجابٍ،
يا حَمِيْدُ أَنِ احْمَدِ اللهَ بِما شَرَّفَكَ بِاللِّقاءِ وَسَقاكَ كَوْثَرَ
الْوِصالِ مِنْ يَدِ عَطآئِهِ فِي الْمَآلِ، كُنْ مُشْتَعِلاً بِنارِ حُبِّيْ
وَقائِمًا عَلى خِدْمَةِ أَمْرِيْ وَناطِقًا بِثَنآئِيْ عَلى شَأْنٍ لا تَمْنَعُكَ
ضَوْضاءُ الَّذِيْنَ كَفَرُوا بِالْمَبْدَءِ وَالْمَآبِ، أَنِ اذْكُرْ إِذْ كُنْتَ
حاضِرًا لَدى الْوَجْهِ وَشَرِبْتَ رَحِيْقَ الْبَيانِ وَسَمِعْتَ نِدآءَ
الْمَقْصُودِ فِي طُوْرِ الْعِرْفانِ، إِنّا نَسْئَلُ
اللهَ بِأَنْ يُؤَيِّدَكَ
عَلى ما يَنْبَغِيْ لأَيّامِهِ وَيَرْزُقَكَ ما يَبْقى بِهِ ذِكْرُكَ بِدَوامِ
أَسْمآئِي الْحُسْنى إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْمُقْتَدِرُ عَلى ما يَشآءُ لا إِلهَ
إِلاّ هُوَ الْعَزِيْزُ الْوَهّابُ، كَذلِكَ أَنْزَلْنا الآياتِ وَأَرْسَلْناها
إِلَيْكَ لِتَجْذُبَكَ إِلى مَقامٍ تَضَعُ الصَّمْتَ وَرائَكَ وَتَنْطِقُ بَيْنَ
الْعِبادِ بِالْحِكْمَةِ وَالْبَيانِ، لا تَنْظُرْ إِلى الْعُلَمآءِ
وَضَوْضائِهِمْ وَلا إِلى الأُمَرآءِ وَإِعْراضِهِمْ سَوْفَ يَأْتِيْ يَوْمٌ
فِيْهِ يُذْكَرُ ما قُضِيَ فِيْ أَيّامِ رَبِّكَ مَوْلى الأَنامِ، كَبِّرْ مِنْ
قِبَلِيْ عَلى أَحِبّائِيْ ثُمَّ اذْكُرْهُمْ بِما أَنْزَلْنا لَكَ لَعَلَّ
يَقُوْمُوْنَ بِما فاتَ عَنْهُمْ فِيْ أَيّامِ اللهِ رَبِّ الأَرْبابِ.
[٦٩] الأقدس الأمنع الأعظم الأقدم
قَدْ تَوَجَّهَ كُلُّ
الأَشْيآءِ إِلى اللهِ فاطِرِ الأَسْمآءِ وَلكِنَّ النّاسَ أَكْثَرَهُمْ مِنَ
الْمُبْعَدِيْنَ، قَدْ مَنَعَتْهُمْ أَهْوآءُ الَّذِيْنَ اتَّخَدُوْهُمْ أَرْبابًا
مِنْ دُوْنِ اللهِ أَلا إِنَّهُمْ مِنَ الْهالِكِيْنَ، لِسانُ الْقِدَمِ
يَدْعُوْهُمْ وَهُمْ نَبَذُوْهُ عَنْ وَرآئِهِمْ وَأَقْبَلُوا إِلى كُلِّ أَخْرَسٍ
بَعِيْدٍ، قُلْ قَدْ خُلِقْتُمْ بِهذا النِّدآءِ تَاللهِ لَوْ تَتَوَجَّهُوْنَ
بِقُلُوْبٍ نَوْرآءَ إِلى اللهِ مالِكِ الأَسْمآءِ
يَجْرِيْ مِنْها فُراتُ
الْحِكْمَةِ وَالْبَيانِ فِيْهذا النَّبَإِ الْمُبِيْنِ، قُلْ أفِيْهِ شَكٌّ أَوْ
فِيْما عِنْدَكُمْ أَنْ أَنْصِفُوا وَلا تَكُوْنُنَّ مِنَ الظّالِمِيْنَ، قَدْ
سَجَدَ كُلُّ حُجَّةٍ لأَمْرِيْ وَأَذْعَنَ كُلُّ بُرْهانٍ لِهذا الْبُرْهانِ
اللاّئِحِ الْمَنِيْعِ، خافُوا اللهَ وَلا تَمْنَعُوا أَنْفُسَكُمْ عَمّا
خُلِقْتُمْ لَهُ كَذلِكَ يَنْصَحُكُمُ الْقَلَمُ الأَعْلى فَضْلاً مِنْ عِنْدِهِ
إِنْ أَنْتُمْ مِنَ الْعارِفِيْنَ، إِنَّهُ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ وَلا يَضُرُّهُ
أَمْرٌ قَدْ جَعَلَهُ اللهُ مُقَدَّسًا عَمّا عِنْدَكُمْ يَشْهَدُ بِذلِكَ كُلُّ
عارِفٍ بَصِيْرٍ، إِيّاكُمْ أَنْ تَتَّبِعُوا الَّذِيْنَ كَفَرُوا بِاللهِ
وَآياتِهِ وَأَعْرَضُوا عَنِ الَّذِيْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ مَلأُ الأَعْلى ثُمَّ
النَّبِيِّيْنَ وَالْمُرْسَلِيْنَ، أَنِ اقْصُدُوا مَقَرَّ الأَقْصى إِنَّهُ
لَسِدْرَةُ الْمُنْتَهى لَوْ أَنْتُمْ مِنَ الْمُوْقِنِيْنَ، كَذلِكَ
أَلْقَيْناكُمْ قَوْلَ الْحَقِّ مَنْ أَقْبَلَ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْبَهآءِ
وَالَّذِيْ أَعْرَضَ إِنَّهُ مِنْ أَصْحابِ السَّعِيْرِ، طُوْبى لِبَصَرٍ
تَوَجَّهَ وَلِقَلْبٍ أَقْبَلَ إِلى اللهِ الْعَزِيْزِ الْحَكِيْمِ، كَذلِكَ
يَخْتَصُّ اللهُ مَنْ يَشآءُ مِنْ عِبادِهِ وَيُنْزِلُ لِمَنْ أَرادَ ما يَثْبُتُ
بِهِ ذِكْرُهُ فِي الإِبْداعِ إِنَّهُ لَهُوَ الْمُقْتَدِرُ الْقَدِيْرُ.
[٧٠] بسم
الله الأقدس العليّ الأبهى
قَدْ حَضَرَ كِتابُكَ
تِلْقآءَ الْوَجْهِ فِي السِّجْنِ وَكانَ مُزَيَّنًا صَدْرُهُ بِالْكَلِمَةِ
الَّتِيْ أَحْبَبْناها فِيْ سَبِيْلِ اللهِ الْمُهَيْمِنِ الْقَيُّوْمِ،
وَأَرَدْناها لِنَفْسِيْ وَلِمَنْ مَعِيْ وَرَبُّكَ الرَّحْمنُ هُوَ الْعَلِيْمُ
عَلى ما أَقُوْلُ وَهِيَ هذِهِ: يا لَيْتَنِيْ كُنْتُ مِنَ الْمُسْتَشْهَدِيْنَ
فِيْ سَبِيْلِكَ، لَعَمْرِيْ بِهذا الرَّجا تَوَجَّهَ إِلَيْكَ طَرْفُ اللهِ
وَأَقْبَلَ إِلَيْكَ أَهْلُ مَلإِ الأَعْلى وَلكِنَّ النّاسَ هُمْ لا
يَفْقَهُوْنَ، إِنَّا بِرَجائِكَ هذا الْمَقامَ كَتَبْنا لَكَ أَجْرَ مَنِ
اسْتُشْهِدَ فِيْ سَبِيْليْ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْغَفُوْرُ الْوَدُوْدُ،
فَاعْلَمْ بِأَنَّ فِيْ مِثْلِ تِلْكَ الأَيّامِ مَنْ يَقُوْمُ عَلى ذِكْرِ اللهِ
مُوْجِدِ الأَسْمآءِ بَيْنَ عِبادِهِ الْجُهَلا إِنَّهُ مِمَّنْ فازَ بِخَيْرِ ما
كانَ وَما يَكُوْنُ، فَكِّرْ فِيْ تِلْكَ الأَيّامِ لِيَظْهَرَ لَكَ عَظَمَتُها
وَالَّذِيْ ظَهَرَ فِيْها بِسُلْطانِ رَبِّكَ الْعَزِيْزِ الْمَحْمُوْدِ، إِنَّ
أَعْظَمَ الأَعْمالِ هُوَ ذِكْرُ رَبِّكَ بَيْنَ الْعِبادِ كَذلِكَ نُزِّلَ فِيْ لَوْحٍ
مَحْفُوْظٍ، مَنْ فازَ بِهِ فازَ بِما أَرادَ اللهُ لَهُ عِنْدَ رَبِّكَ عِلْمُ
كُلِّشَيْءٍ وَلكِنَّ النّاسَ عَنْهُ مُحْتَجِبُوْنَ، أَنِ اطْلُعْ عَنْ أُفُقِ
الْيَقِيْنِ بِقُدْرَةِ رَبِّكَ الْعَلِيِّ الْعَظِيْمِ ثُمَّ ادْخُلْ مَقَرَّ
الْمُشْرِكِيْنَ مِنْ مَلإِ
الْبَيانِ الَّذِيْنَ كَفَرُوا بِاللهِ فاطِرِ الأَرْضِ وَالسَّمآءِ قُلْ يا
قَوْمِ دَعُوا الْمَوْهُومَ قَدْ أَتى الْقَيُّوْمُ عَلى ظُلَلِ الْبُرْهانِ،
إِنَّهُ لَرَبُّكُمُ الرَّحْمنُ الَّذِيْ عُلِّقَ بِهِ الْبَيانُ اتَّقُوا اللهَ
وَلا تَتَّبِعُوا الَّذِيْنَ لا يَشْعُرُوْنَ، كَذلِكَ أَلْقَيْناكَ ما يَحْيى
بِهِ أَفْئِدَةُ الَّذِيْنَ أَقْبَلُوا إِلى الْوَجْهِ بِخُضُوْعٍ وَخُشُوْعٍ
وَقَدْ قَدَّرْنا لَكَ أَجْرًا غَيْرَ مَمْنُوْنٍ، أَنِ افْرَحْ بِذلِكَ
وَتَمَسَّكْ بِعُرْوَةِ اللهِ الْمُهَيْمِنِ الْقَيُّوْمِ.
[٧١] هو الشّاهد العليم
كِتابٌ مَرْقُوْمٌ مِنْ
قَلَمِ اللهِ الْمُهَيْمِنِ الْقَيُّوْمِ وَلَوْحٌ مَسْطُوْرٌ مِنْ أَيِّ يَراعَةٍ
مِنْ يَراعَةِ اللهِ رَبِّ ما كانَ وَما يَكُوْنُ، يا عَبْدَ الْحَمِيْدِ اسْمَعْ
نِدآءَ الْحَمِيْدِ إِنَّهُ يَذْكُرُكَ فِي السِّجْنِ الأَعْظَمِ فِيْ حِيْنٍ
يَكُوْنُ تَحْتَ مَخالِبِ الْبَغْضآءِ بِما اكْتَسَبَتْ أَيْدِي الَّذِيْنَ
كَفَرُوا بِاللهِ مالِكِ الْيَوْمِ الْمَوْعُوْدِ، قَدْ ذَكَرْناكَ مِنْ قَبْلُ
بِلَوْحٍ لاحَ مِنْ أُفُقِهِ نَيِّرُ عِنايَةِ رَبِّكَ الْعَزِيْزِ الْوَدُوْدِ،
طُوْبى لَكَ بِما شَرِبْتَ رَحِيْقَ الاسْتِقامَةِ عَلى هذا الأَمْرِ الَّذِيْ
بِهِ ارْتَعَدَتْ فَرائِصُ
الأَسْمآءِ وَاضْطَرَبَتِ الأَفْئِدَةُ وَالْقُلُوْبُ، خُذْ مَرَّةً أُخْرى
كَوْثَرَ الْبَقاءِ بِاسْمِي الأَبْهى ثُمَّ اشْرَبْ مِنْهُ أَمامَ الْوُجُوْهِ،
إِيّاكَ أَنْ تَمْنَعَكَ سَطْوَةُ الَّذِيْنَ كَفَرُوا بِالشّاهِدِ
وَالْمَشْهُوْدِ، قُلْ يا مَعْشَرَ الْعُلَمآءِ تَاللهِ قَدْ أَتى الْوَعْدُ
وَمُكَلِّمُ الطُّوْرِ اسْتَوى عَلى عَرْشِ الظُّهُوْرِ وَيَنْطِقُ بِأَعْلى
النِّدآءِ بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمآءِ قَدْ أَتى الْمالِكُ الْمُلْكُ للهِ رَبِّ
ما كانَ وَما يَكُوْنُ، كَذلِكَ ارْتَفَعَ حَفِيْفُ سِدْرَتِيْ وَنَطَقَ لِسانُ
عَظَمَتِيْ فِيْمَقامِي الْمَحْمُوْدِ، اذْكُرْ مِنْ قِبَلِيْ أَوْلِيائِيْ
وَبَشِّرْهُمْ بِعِنايَتِيْ وَذَكِّرْهُمْ بِآياتِي وَنَوِّرْهُمْ بِما أَشْرَقَ
مِنْ أُفُقِ قَلَمِيْ فِيْهذا الْمَقامِ الْمَرْفُوْعِ، كَذلِكَ أَظْهَرَ بَحْرُ
الْبَيانِ لَئآلِئَ الْحِكْمَةِ وَالْبَيانِ فَضْلاً مِنْ لَدى الرَّحْمنِ، طُوْبى
لِقَوْمٍ تَقَرَّبُوا وَآمَنُوا وَوَيْلٌ لِكُلِّ غافِلٍ مَحْجُوْبٍ، الْبَهآءُ
الْمُشْرِقُ مِنْ أُفُقِ سَمآءِ فَضْلِيْ عَلَيْكَ وَعَلى أَهْلِكَ وَمَنْ مَعَكَ
مِنْ لَدى اللهِ مالِكِ الْغَيْبِ وَالشُّهُوْدِ.
[٧٢] بسمه المشرق من أفق الأيقان
أَنْ يا عَبْدُ أَنِ
اسْتَمِعْ نِدآءَ اللهِ مالِكِ الْقِدَمِ مِنْ شَطْرِ سِجْنِهِ الأَعْظَمِ
لَعَمْرِيْ لَوْ يَفُوْزُ مَنْ فِيْ الْعالَمِ بِإِصْغآءِ هذا النِّدآءِ
يَنْقَطِعُنَّ عَمّا عِنْدَهُمْ وَيُسْرِعُنَّ إِلى مَشْرِقِ الإِلْهامِ، إِنَّا
أَرَدْنا أَنْ نَسْقِيْكَ مِنْ قَدَحِ الْبَيانِ ما يَجْذُبُكَ إِلى اللهِ رَبِّكَ
الْعَزِيْزِ الْوَهّابِ، لِتَظْهَرَ فِي الْمُلْكِ بِنارِ الْكَلِمَةِ الْعُلْيا
عَلى شَأْنٍ لا تُطْفِئُكَ إِشاراتُ أَهْلِ الْحُجُباتِ وَلا تُخْمِدُكَ
شُئُوْناتُ مَنْ فِي الإِبْداعِ، لا تَلْتَفِتْ إِلى الَّذِيْنَ تَمَسَّكُوا
بِالأَوْهامِ وَاعْتَرَضُوا عَلى مَنْ ظَهَرَ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ صُمّآءُ
عُمْيآءُ لا يَرَوْنَ أَنْوارَ الْوَجْهِ وَلا يَسْمَعُوْنَ ما يَنْطِقُ بِهِ
لِسانُ الْوَحْيِ فِيْ أَعْلى الْمَقامِ، فَاذْكُرْ إِذْ أَنارَ أُفُقُ الْعِرْفانِ بِنَيِّرِ الْبَطْحآءِ
اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْعُلَمآءُ وَالأُدَبآءُ وَقالُوا ما نَسْمَعُ الْيَوْمَ مِنَ
الَّذِيْنَ تَوَقَّفُوا فِيْ أَمْرِ رَبِّكَ مالِكِ الرِّقابِ، قُلْ يا قَوْمِ لَيْسَ
هذا يَوْمَ السُّؤالِ قَدْ ظَهَرَ الْغَنِيُّ الْمُتَعالِ بِسُلْطانٍ أَحاطَ مَنْ
فِي الأَرَضِيْنَ وَالسَّمواتِ، تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِقُلُوْبٍ نَوْرآءَ
لِتَجِدُوا مِنْهُ ما وَجَدَ الْحَبِيْبُ فِي الْمِعْراجِ، هذا يَوْمٌ يَنْبَغِيْ
لِكُلِّ
نَفْسٍ إِذا سَمِعَ النِّدآءَ
مِنَ السِّدْرَةِ الْمُنْتَهى الَّتِيْ نَبَتَتْ فِي الأَرْضِ الْبَيْضآءِ
تَقُوْلُ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ يا مَوْلى الأَنامِ، لَيْسَ هذا مَشْرَبُ كُلِّ
هَيِّمٍ هذا لَمَنْهَلُ الَّذِيْ مِنْهُ انْشَعَبَتِ الْمَناهِلُ وَالْبَحْرُ
الَّذِيْ مِنْهُ ظَهَرَتِ الْبِحارُ، قُلْ يا قَوْمِ دَعُوا الظُّنُوْنَ تَاللهِ
قَدْ أَتى اسْمِي الْمَكْنُوْنُ الَّذِيْ كانَ مَسْتُوْرًا فِي الأَلْواحِ، إِيَّاكُمْ أَنْ تَمْنَعُوا أَنْفُسَكُمْ عَنْ هذا الرَّحِيْقِ
الأَطْهَرِ الَّذِيْ فُكَّ خِتامُهُ بِإِصْبَعِ الْقُدْرَةِ وَالاقْتِدارِ، أَنِ
احْمَدْ رَبَّكَ بِما حَضَرَ كِتابُكَ لَدى الْعَرْشِ وَنُزِّلَ لَكَ هذا
اللَّوْحُ الَّذِيْ مِنْهُ يَمُرُّ عَرْفُ الرَّحْمنِ عَلى الأَكْوانِ، أَنِ
اسْتَقِمْ عَلى الأَمْرِ مُنْقَطِعًا عَنْ دُوْنِهِ هذا ما يَنْصَحُكَ بِهِ فالِقُ
الإِصْباحِ، أَنِ اقْرَءْ هذا اللَّوْحَ فِي اللَّيالِيْ وَالأَيّامِ إِنَّهُ
يَجْذُبُكَ إِلى مَقامٍ تَسْمَعُ مِنَ الأَشْيآءِ إِنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ
الْعَزِيْزُ الْمُخْتارُ، كَذلِكَ زَيَّنّا سَمآءَ الإِيْقانِ بِنَيِّرِ الْبَيانِ
وَأَرْسَلْناها إِلِيْكَ فَضْلاً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيْزُ
الْعَلاّمُ.
[٧٣] هو الأعظم الأقدم الأبهى
يا حُسَيْنُ قَدْ حَضَرَ كِتابُكَ لَدى الْمَظْلُوْمِ وَقَرَئَهُ الْعَبْدُ الْحاضِرُ سَمِعْنا وَأَجَبْناكَ بِهذا
الْكِتابِ الَّذِيْ شَهِدَ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيْزُ الْعَظِيْمُ،
إِيّاكَ أَنْ تَأْخُذَكَ الأَحْزانُ فِيْ أَيّامِ رَبِّكَ الرَّحْمنِ دَعِ
الإِمْكانَ عَنْ وَرآئِكَ مُتَوَكِّلاً عَلى اللهِ رَبِّ الْعالَمِيْنَ، لا تَنْظُرْ إِلى الْخَلْقِ وَما عِنْدَهُمْ تَفَكَّرْ
فِيْظُهُوْرِ اللهِ وَسُلْطانِهِ وَما ظَهَرَ مِنْ عِنْدِهِ فِيْهذا الْيَوْمِ
الَّذِي اسْتَبْشَرَ بِهِ الْمَلأُ الأَعْلى وَالَّذِيْنَ سَرُعُوا إِلى الْبَحْرِ
الأَعْظَمِ وَشَرِبُوا مِنْهُ بِاسْمِي الْكَرِيْمِ، إِيّاكَ أَنْ تُحْزِنَكَ
شُئُوْناتُ الْبَشَرِ أَنِ اسمِعْ ما يَنْطِقُ بِهِ مالِكُ الْقَدَرِ مِنْ شَطْرِ
مَنْظَرِهِ الأَكْبَرِ لِيَأْخُذَكَ الْفَرَحُ عَلى شَأْنٍ لا تَحْجُبُكَ حُجُباتُ
الْعالَمِ عَنْ هذا الأَمْرِ الَّذِيْ إِذا ظَهَرَ اضْطَرَبَتْ أَفْئِدَةُ
الْغافِلِيْنَ،
تَمَسَّكَ بِذَيْلِ رَحْمَةِ رَبِّكَ وَقُلْ يا مَوْلى الْوَرى وَسُلْطانَ
الآخِرَةِ وَالأُوْلى أَسْئَلُكَ بِاسْمِكَ الأَعْظَمِ الأَبْهى الَّذِيْ بِهِ سَرَتْ
سَفِيْنَةُ أَمْرِكَ عَلى بَحْرِ رَحْمَتِكَ بِأَنْ تَجْعَلَنِيْ مُسْتَقِيْمًا
عَلى هذا الأَمْرِ الَّذِيْ بِهِ زَلَّتْ أَقْدامُ الْعُلَمآءِ وَاضْطَرَبَتْ
أَفْئِدَةُ الْعُرَفآءِ الَّذِيْنَ
نَبَذُوا أَمْرَكَ عَنْ وَرآئِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَوْهامَهُمْ مِنْ
دُوْنِ بَيِّنَةٍ وَلا كِتابٍ مُنِيْرٍ، كَذلِكَ أَوْقَدْنا سِراجَ الْعِرْفانِ فِيْ
مِشْكَوةِ الْبَيانِ وَأَرْسَلْناهُ إِلَيْكَ لِتَشْكُرَ رَبَّكَ الْغَفُوْرَ
الرَّحِيْمَ.
[٧٤] بسم الله الأعظم الأبهى
ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ
عَبْدِهِ الَّذِيْ اتَّخَدَ لِنَفْسِهِ إِلى اللهِ سَبِيْلاً وَأَرادَ أَنْ
يَحْضَرَ تِلْقآءَ الْعَرْشِ بَعْدَ الَّذِيْ حُبِسَ جَمالُ
الْقِدَمِ بِما اكْتَسَبَتْ أَيْدِي الأَشْرارِ الَّذِيْنَ إِذا قِيْلَ لَهُمْ
بِأَيِّ حُجَّةٍ آمَنْتُمْ بِاللهِ يَقُوْلُوْنَ بِالْبَيانِ وَإِذا أَتى سُلْطانُ
الْمَعانِيْ عَلى ظُلَلِ التِّبْيانِ كَفَرُوا بِاللهِ رَبِّهِمُ الرَّحْمنِ،
كَذلِكَ أَخَذْنا الْمُجْرِمِيْنَ وَأَظْهَرْنا ما فِيْ صُدُوْرِهِمْ
وَجَعَلْناهُمْ عِبْرَةً لِلْعِبادِ فَاعْتَبِرُوا يا أُوْلِي الأَبْصارِ، قُلْ
هذا يَوْمٌ فِيْهِ ناحَتْ قَبائِلُ الأَرْضِ وَاضْطَرَبَتِ الأَكْوانُ وَتَرى فِيْ
وُجُوْهِ الْمُجْرِمِيْنَ غَبَرَةَ النّارِ، قُلْ تَاللهِ إِنَّ السَّاعَةَ قَدِ
اضْطَرَبَتْ وَالصُّوْرَ يَنُوْحُ لِنَفْسِهِ وَمَعْشَرَ الْمُقَرَّبِيْنَ
أَخَذُوا ذَيْلَ اللهِ وَيَقُوْلُوْنَ ارْحَمْنا يا رَبَّ الأَرْبابِ
وَالْمَلائِكَةَ واقِفُونَ تِلْقآءَ الْعَرْشِ وَلَنْ يَقْدِرُوْنَ أَنْ
يَتَكَلَّمُوْنَ إِلاّ بَعْدَ إِذْنِ رَبِّكُمُ
الْعَزِيْزِ الْمُخْتارِ،
اتَّقُوا اللهَ يا قَوْمِ وَلا تَعْتَرِضُوا عَلى الَّذِيْ بإِشارَةٍ مِنْ
إِصْبَعِهِ انْفَطَرَتْ سَمآءُ الأَدْيانِ وَانْشَقَّتْ أَرْضُ الْوَهْمِ وَأَكَبَّ الأَصْنامُ
وَانْقَعَرَتِ الأَعْجازُ، قُلْ يا قَوْمِ هذا لَهُوَ الَّذِيْ ناحَ لِحُزْنِهِ
نُقْطَةُ الْبَيانِ وَسَمِعَ نِدآئَهُ نُقْطَةُ الْفُرْقانِ اتَّقُوا الرَّحْمنَ
يا مَلأَ الْفُجّارِ، إِنَّكَ لا تَحْزَنْ مِنْ شَيْءٍ تَاللهِ قَدْ قُدِّرَ لَكَ
ما تَقَرُّ بِهِ الأَبْصارُ، أَنِ اسْتَقِمْ عَلى الأَمْرِ بِحَوْلِ اللهِ
وَقُوَّتِهِ عَلى شَأْنٍ لا يَمْنَعُكَ عَنْ ذِكْرِهِ إِشاراتُ الَّذِيْنَ
كَفَرُوا بِرَبِّهِمُ الْمُخْتارِ، وَالْبَهآءُ عَلَيْكَ وَعَلى الَّذِيْنَ قامُوا
عَنْ بَيْنِ الأَمْواتِ وَتَوَجَّهُوا إِلى وَجْهٍ مِنْهُ أَضائَتِ الآفاقُ.
[٧٥] الأقدس الأعظم الأعلم
قَدْ حَضَرَ لَدى الْعَرْشِ
كِتابُ أَحَدٍ مِنْ أَفْنانِي الَّذِي اقْتَبَسَ مِنْ مِشْكَوةِ الْبَيانِ وَفازَ
بِالْعِرْفانِ إِذْ أَتى الرَّحْمنُ بِسُلْطانِهِ الْمُهَيْمِنِ عَلى
الْعالَمِيْنَ، إِنَّا نُجِيْبُهُ بِهذا اللَّوْحِ لِيَجْذُبَهُ أَثَرُ قَلَمِ
الْوَحْيِ إِلى مَقامٍ جَعَلَهُ اللهُ مُقَدَّسًا عَنْ كُلِّ ذِكْرٍ بَدِيْعٍ،
إِنَّا قَرَئْنا كِتابَكَ
وَسَمِعْنا نِدآئَكَ إِنَّهُ
لَهُوَ السَّمِيْعُ الْعَلِيْمُ، طُوْبى لِكَلِمَةٍ ظَهَرَتْ فِيْ ثَنآءِ اللهِ
وَلِمُتَكَلِّمٍ تَكَلَّمَ بِذِكْرِهِ الْحَكِيْمِ، إِنّا ذَكَرْناكَ مِنْ قَبْلُ
وَنَذْكُرُكَ فِيْهذا الْحِيْنِ الَّذِيْ اسْتَقَرَّ جَمالُ الْقِدَمِ فِي
السِّجْنِ الأَعْظَمِ عَلى عَرْشِهِ الْعَظِيْمِ، نَسْئَلُ اللهَ بِأَنْ يَجْعَلَكَ
مُسْتَقِيْمًا عَلى هذا الأَمْرِ الَّذِيْ بِهِ زَلَّتْ أَقْدامُ الْعارِفِيْنَ،
لَعَمْرِيْ لَوْلا حِفْظِيْ لَيَزَلُّ أَقْدامُ الأَوْلِيآءِ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ
الْحافِظُ الْعَلِيْمُ الْخَبِيْرُ، لا
حَوْلَ لأَحَدٍ وَلا قُوَّةَ لِنَفْسٍ إِلاّ بِاللهِ الْمُقْتَدِرِ الْقَدِيْرِ،
نَسْئَلُهُ بِأَنْ يَجْعَلَكَ فِيْكُلِّ الأَحْوالِ مُسْتَقِيْمًا عَلى أَمْرِهِ
وَيَسْقِيْكَ فِيْكُلِّ الأَحْيانِ كَوْثَرَ عِرْفانِهِ الْعَزِيْزِ الْمُنِيْرِ،
كَذلِكَ تَرَشَّحَ بَحْرُ الْوَحْيِ مِنْ هذا الْمَقَرِّ الْمُقَدَّسِ
الْمُتَعالِي الْبَدِيْعِ الْمَنِيْعِ، إِنَّما الْبَهآءُ عَلَيْكَ وَعَلى
الَّذِيْنَ تَمَسَّكُوا بِهذا الْحَبْلِ الْمَتِيْنِ، قَدْ كانَ فِيْ كِتابِكَ
ذِكْرُ أَحَدٍ مِنَ الَّذِيْنَ أَقْبَلُوا إِلى اللهِ رَبِّ الْعالَمِيْنَ،
ذَكِّرْهُ مِنْ قِبَلِيْ وَبَشِّرْهُ بِهذا الذِّكْرِ الَّذِيْ بِهِ أَنارَ مَنْ
فِي السَّمواتِ وَالأَرَضِيْنَ، قُلْ
هذا يَوْمُ الذِّكْرِ أَنِ اذْكُرْ مَصائِبَ الرَّحْمنِ بِالْحِكْمَةِ وَالْبَيانِ
كَما يَذْكُرُكَ بِفَضْلِهِ الْعَمِيْمِ.
[٧٦] الأقدس الأبهى
أَنْ يا قَلَمَ الأَمْرِ أَنِ
اذْكُرْ مَنْ أَقْبَلَ إِلى الْمَنْظَرِ الأَكْبَرِ لِتَجْذُبَهُ نَفَحاتُ الآياتِ
إِلى اللهِ مالِكِ الأَسْمآءِ وَالصِّفاتِ، فَانْظُرِ الَّذِيْنَ يَحْمِلُونَ
الشَّدايِدَ لاسْمِيْ فَلَمّا جِئْتُهُمْ بِسُلْطانِ الأَمْرِ كَفَرُوا بِاللهِ
مُظْهِرِ الظُّهُوْراتِ، مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ الأَسْما وَإِذا ظَهَرَ
الْمُسَمَّى بِاسْمِهِ الأَبْهى كَفَرَ بِرَبِّ الأَرْبابِ، إِذا رَأُوا ما
أَرادُوا مِنَ الاقْتِدارِ قالُوا هذا ساحِرٌ كَذّابٌ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمُ
الآياتُ قالُوا هذا مُفْتَرٍ مُرْتابٍ، قَدْ طَوَيْنا سَمواتِ الأَوْهامِ
وَحَدَّثَتِ الأَرْضُ أَخْبارَها وَهُمْ فِيْ سُكْرٍ عُجابٍ، قَدْ أَخَذَ
الزَّلازِلُ كُلَّ الْقَبائِلِ إِلاّ مَنْ أَخَذَهُ سُكْرُ السُّرُوْرِ مِنْ
رَحْمَةِ رَبِّهِ الرَّحْمنِ، إِذا قِيْلَ لَهُمْ بِمَنْ آمَنْتُمْ يَقُوْلُوْنَ
بِمُحَمَّدٍ رَسُوْلِ اللهِ قُلْ سَحْقًا لَكُمْ وَلِمَنِ اتَّبَعَكُمْ مِنَ
الأَحْزابِ، إِنَّهُ يَنُوْحُ وَيَقُوْلُ إِنْ آمَنْتُمْ بِظُهُوْرِيْ لِمَ
أَعْرَضْتُمْ عَنِ الَّذِيْ أَرْسَلَنِيْ بِالْعَلاماتِ، تَاللهِ هذا لَهُوَ
الَّذِيْ سَمِعْتُ نِدائَهُ وَما رَأَيْتُ جَمالَهُ إِذا أَتى الْمِيْقاتُ شَقَّ
سُبُحاتِ الْجَلالِ وَفَتَحَ بابَ الْوِصالِ أَعْرَضْتُمْ يا أَهْلَ النِّفاقِ،
إِنَّا
أَخْبَرْناكُمْ بِظُهُوْرِ
الْحُسَيْنِ بَعْدَ الْقائِمُ هذا لَهُوَ الْقَيُّوْمُ يا أَهْلَ الْكِتابِ، قَدْ
دَخَلَ فِيْظِلِّهِ الْقائِمُ ثُمَّ مَظاهِر الأَسْما كُلِّها مِنْكُمْ مَنْ
أَعْرَضَ وَمِنْكُمْ مَنْ تَوَقَّفَ لَدى الْبابِ، خافُوا اللهَ وَلا تَمْنَعُوا
أَنْفُسَكُمْ عَنْ هذا الْفَضْلِ الَّذِيْ بِهِ قَرَّتِ الأَبْصارُ، أَنْ
أَقْبِلُوا إِلَيْهِ ثُمَّ اخْرُقُوا أَحْجابَ الارْتِيابِ بِنارِ الْوَجْهِ
إِنَّها لَنُوْرٌ لأَهْلِ الظُّهُوْرِ وَرَحْمَةٌ لِمَنْ فِي الأَكْوانِ، كَذلِكَ
يَنْطِقُ الرَّسُوْلُ وَيَقُوْلُ طُوْبى لِمَنْ يَسْمَعُ وَيَتَوَجَّهُ إِلى
مَشْرِقِ الأَنْوارِ، إِنَّكَ لا تَحْزَنْ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ أَقْبِلْ بِقَلْبِكَ
إِلى قِبْلَةِ الآفاقِ، قُلْ لَكَ الحَمْدُ يا مَنْ ذَكَرْتَنِيْ فِي السِّجْنِ
إِذْ كُنْتَ فِيْ أَيْدِي الأَشْرارِ.
[٧٧] هو النّاظر العليم الحكيم
قَدْ ماجَ بَحْرُ الْبَيانِ
بِما هاجَ عَرْفُ حُبِّكَ للهِ رَبِّ الْعالَمِيْنَ، قُلْ يا مَلأَ الأَرْضِ
تَاللهِ إِنَّهُ ظَهَرَ وَأَظْهَرَ مِنْ كَنْزِ الْعِلْمِ لَئآلِىءَ الْحِكْمَةِ
وَالْعِرْفانِ اتَّقُوا الرَّحْمنَ وَلا تَكُوْنُوا مِنَ الْجاهِلِيْنَ، قُلْ لا
يُعادِلُ بِما نُزِّلَ مِنْ عِنْدِهِ كُتُبُ الْعالَمِ يَشْهَدُ بِذلِكَ مالِكُ
الْقِدَمِ فِيْمَقامِهِ
الْعَزِيْزِ الْبَدِيْعِ،
قَدْ حَضَرَ لَدى الْمَظْلُوْمِ كِتابُكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَسَمِعْنا
حَنِيْنَ قَلْبِكَ وَضَجِيْجَهُ وَوَجَدْنا مِنْ كُلِّ حَرْفٍ عَرْفَ التَّوَجُّهِ
وَالْخُضُوْعِ وَالْخُشُوْعِ أَمامَ ظُهُوْرِ اللهِ الْعَزِيْزِ الْعَظِيْمِ،
نَشْهَدُ أَنَّكَ تَكُوْنُ قائِمًا لَدى بابِ الْعَظَمَةِ وَحاضِرًا أَمامَ
الْعَرْشِ وَسامِعًا صَرِيْرَ الْقَلَمِ وَناظِرًا إِلى أُفُقِ عِنايَةِ اللهِ
مَحْبُوْبِ الْعارِفِيْنَ، نَسْئَلُ اللهَ أَنْ يَبْعَثَ بِذِكْرِكَ وَتَوَسُّلِكَ
عِبادًا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ هُوَ الْقَوِيُّ الْقَدِيْرُ، سَوْفَ يَظْهَرُ ما
قُدِّرَ مِنْ لَدى اللهِ الْفَرْدِ الْواحِدِ الْعَزِيْزِ الْحَمِيْدِ، لَوْ
نَكْشِفُ الْغِطآءَ لَتَرى الْقَوْمَ يَطُوْفُوْنَ حَوْلَ إِرادَةِ رَبِّكَ
الْمُهَيْمِنِ عَلى مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرَضِيْنَ، يا أَفْنانِيْ أَنْتَ مِنّا
هذِهِ كَلِمَةٌ ظَهَرَتْ مِنَ الْكَنْزِ الْمَكْنُوْنِ الْمَخْزُوْنِ فِيْ قَلَمِي
الأَعْلى سَوْفَ يَظْهَرُ هذا الْمَقامُ كَالشَّمْسِ مِنْ أُفُقِ السَّمآءِ إِنَّ
رَبَّكَ هُوَ الْمُبَيِّنُ الأَمِيْنُ، الْبَهآءُ مِنْ لَدُنّا عَلَيْكَ وَعَلى
أَفْنانِي الَّذِيْنَ مَعَكَ وَيُحِبُّوْنَكَ وَيُطِيْعُوْنَ ما تَأْمُرُهُمْ
فِيْهذا الأَمْرِ الْعَزِيْزِ الْمَنِيْعِ.
[٧٨]
ج وَيُعَزِّيْكُمُ اللهُ
بِفَضْلٍ مِنْ عِنْدِهِ إِنَّهُ لَهُوَ الْمُعَزِّي
الْعَلِيْمُ الْحَكِيْمُ، لا
تَحْزَنْ فِيْ أَبِيْكَ إِنَّهُ صَعَدَ إِلى اللهِ وَكانَ مُتَضَوِّعًا مِنْهُ
عَرْفُ حُبِّي الْعَزِيْزِ، يَنْبَغِيْ أَنْ تُكَدَّرُوا لِمَنْ غَفَلَ لا لِمَنْ
فازَ بِذِكْرِي الْحَكِيْمِ، قَدْ غَفَرَهُ اللهُ قَبْلَ صُعُوْدِهِ وَبَعْدَ
صُعُوْدِهِ أَدْخَلَهُ فِيْ مَقامٍ يَعْجَزُ عَنْ ذِكْرِهِ قَلَمُ الْعَالَمِيْنَ،
كَبِّرْ مِنْ قِبَلِيْ عَلى مَنْ سُمِّيَ بِعَلِيٍّ قُلْ إِيّاكَ أَنْ تَحْزَنَ
فِيْ أَيّامِيْ وَإِيّاكَ أَنْ يُكَدِّرَكَ شَيْءٌ أَنِ انْظُرْ بَحْرَ عِنايَةِ
رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ الْفَرِحِيْنَ، قَدْ كُنْتُ أَصْغَرَ مِنْكَ إِذْ صَعَدَ
أَبِيْ إِلى اللهِ وَكانَ يُعَزِّيْنِيْ بَعْضُ الْعِبادِ وَأَنْتَ يُعَزِّيْكَ
اللهُ بِلِسانِهِ الْمُقَدَّسِ الْعَزِيْزِ الْبَدِيْعِ، فَأَنْصِفْ هَلْ
يَنْبَغِي الْحُزْنُ بَعْدَ ذلِكَ لا وَجَمالِي الْمُشْرِقِ مِنْ هذا الأُفُقِ
الْمُبِيْنِ، هذِهِ كَلِمَةٌ نَزَّلْناها بِالْفَضْلِ لِئَلاّ يُحْزِنَكَ ما
يَظْهَرُ فِي الأَرْضِ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْمُبَيِّنُ الْعَلِيْمُ، لَيْسَ هذا
يَوْمَ الْكُدُوْرَةِ وَالْبُكآءِ بَلْ يَنْبَغِيْ لَكَ وَلِلَّذِيْنَ آمَنُوا
بِأَنْ يَفْرَحُوا فِيْ أَيّامِ رَبِّهِمُ الْغَفُوْرِ الْكَرِيْمِ، إِنَّهُ يَكْفِيْكُمْ بِالْحَقِّ وَهُوَ أَشْفَقُ مِنْ أَلْفِ
أَبٍ وَهذا فِيْ حَدِّ الإِنْشآءِ وَإِلاّ تَعالى أَنْ يُحَدَّ صِفاتُهُ
بِالْحُدُوْدِ أَوْ يَنْتَهِيْ بِالْقَلَمِ وَالْمِدادِ يَشْهَدُ بِذلِكَ كُلُّ
عالِمٍ بَصِيْرٍ، تَوَكَّلُوا
عَلَيْهِ ثُمَّ اشْتَغِلُوا
بِذِكْرِهِ ثُمَّ افْرَحُوا بِما يَذْكُرُكُمْ فِيْ سِجْنِهِ الأَعْظَمِ بِآياتٍ
لا تُعادِلُها خَزائِنُ الْعالَمِيْنَ، طُوْبى
لِلَّذِيْ صَعَدَ إِنَّهُ مِمَّنِ اهْتَدى بِأَنْوارِ الأَمْرِ وَتَوَجَّهَ إِلى
الْمَحْبُوْبِ بِوَجْهٍ مُنِيْرٍ، وَمِنْ حُسْنِ نِيَّتِهِ ظُهُوْرُكُمْ
وَقِيامُكُمْ عَلى خِدْمَةِ مَوْلَيكُمُ الْقَدِيْمِ، أَنِ اذْكُرُوْهُ
بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحانِ وَإِنَّا نَذْكُرُهُ فِيْهذا الْمَنْظَرِ الْكَرِيْمِ،
عَلَيْهِ بَهآءُ اللهِ وَبَهآءُ مَنْ فِيْ مَلَكُوْتِيْ وَكُلُّ ذِكْرٍ جَمِيْلٍ.
[٧٩] هو الشّاهد النّاظر العليم الحكيم
يا إِبْراهِيْمُ عَلَيْكَ
بَهآءُ هذا النَّبَإِ الْعَظِيْمِ الَّذِيْ بِهِ أَنْجَزَ اللهُ وَعْدَهُ
وَأَظْهَرَ سُلْطانَهُ وَبِهِ فُكَّ خَتْمُ رَحِيْقِهِ الْمَخْتُوْمِ وَظَهَرَتْ
أَسْرارُ اسْمِهِ الْمَكْنُوْنِ، طُوْبى لِمَنْ أَقْبَلَ وَأَخَذَ وَشَرِبَ
بِاسْمِهِ الْمُهَيْمِنِ الْقَيُّوْمِ، يا إِبْراهِيْمُ إِنَّ الْخَلِيْلَ
يَذْكُرُكَ فِيْهذا الْمَقامِ إِذْ كانَ مُشْتَعِلاً بِنارِ مَحَبَّةِ اللهِ
الَّتِيْ تَجَلَّتْ بِجُذْوَةٍ مِنْها عَلى مُوْسى بِنْ عِمْرانَ فِيْ طُوْرِ
الْبَيانِ بِذلِكَ انْجَذَبَتِ الأَفْئِدَةُ وَالْقُلُوْبُ، قُلْ يا مَلأَ
الأَرْضِ اتَّقُوا الرَّحْمنَ
وَلا تَعْتَرِضُوا عَلى
الَّذِيْ بِهِ طارَ الْمُوَحِّدُوْنَ إِلى مَلَكُوْتِ اللِّقآءِ وَالْمُخْلِصُوْنَ
إِلى جَبَرُوْتِ الْقُرْبِ وَالْوَصالِ تَعالى هذا الْفَضْلُ الَّذِيْ أَحاطَ
بِالْوُجُوْدِ مِنَ الْغَيْبِ وَالشُّهُوْدِ، قُلْ أَقْبِلُوا يا قَوْمِ إِلى
أُفُقٍ مِنْهُ أَشْرَقَتْ شَمْسُ الْبُرْهانِ مِنْ لَدى اللهِ الْمُقْتَدِرِ
الْعَزِيْزِ الْوَدُوْدِ، هذا يَوْمٌ فِيْهِ خُرِقَتِ الأَحْجابُ وَظَهَرَتِ
الأَسْرارُ وَبَرَزَ ما كانَ مَكْنُوْنًا فِي الْعِلْمِ وَمَسْتُوْرًا عَنِ
الأَبْصارِ وَالْعُيُوْنِ، قُمْ عَلى خِدْمَةِ أَمْرِ رَبِّكَ ثُمَّ انْطِقْ
بَيْنَ الْعِبادِ بِآياتِ اللهِ رَبِّ ما كانَ وَما يَكُوْنُ، إِنَّا ذَكَرْناكَ
مِنْ قَبْلُ بِآياتٍ مَحْكَماتٍ وَأَنْزَلْنا لَكَ فِيْهذا الْحِيْنِ ما
انْجَذَبَتْ بِهِ حَقايِقُ الأَشْيآءِ وَانْشَرَحَتْ بِهِ الصُّدُوْرُ، قُلْ لا
عاصِمَ الْيَوْمَ لأَحَدٍ إِلاّ بِهذا الأَمْرِ الَّذِيْ إِذْ ظَهَرَ خَضَعَتْ
لَهُ كُتُبُ الْقَوْمِ طُوْبى لِقَوْمٍ يَعْلَمُوْنَ، طُوْبى لِمَنْ سَمِعَ
وَشَهِدَ بِما شَهِدَ اللهُ وَوَيْلٌ لِكُلِّ مُغِلٍّ مَرْدُوْدٍ الَّذِيْنَ
أَنْكَرُوا حُجَّةَ اللهِ وَبُرْهانَهُ وَارْتَكَبُوا ما ناحَ بِهِ
الْمُقَرَّبُوْنَ، خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَقُلْ لَكَ الْحَمْدُ يا مَوْلى
الْعالَمِ وَلَكَ الثَّنآءُ يا مالِكَ الْوُجُوْدِ، كَذلِكَ أَنْزَلْنا لَكَ
الآياتِ مَرَّةً أُخْرى لِتَفْرَحَ
وَتَقُوْمَ عَلى نُصْرَةِ
الأَمْرِ بِالْحِكْمَةِ وَالْبَيانِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْمُؤَيِّدُ
الْمُقْتَدِرُ الْعَزِيْزُ الْمَحْبُوْبُ، الْبَهآءُ الْمُشْرِقُ مِنْ أُفُقِ
سَمآءِ عِنايَتِيْ عَلَيْكَ وَعَلى الَّذِيْنَ عَمِلُوا بِما أُمِرُوا بِهِ مِنْ
لَدى اللهِ الْمُهَيْمِنِ الْقَيُّوْمِ.
[٨٠] الأقدس الأعظم الأمنع
يا أَحِبّائِيْ فِيْ
سَرْوِسْتانَ أَنِ اسْتَمِعُوا نِدآءَ الرَّحْمنِ فِي الإِمْكانِ إِنَّهُ لا إِلهَ
إِلاّ هُوَ الْعَزِيْزُ الْمَنّانُ، قَدْ
وَجَدْنا عَرْفَ حُبِّكُمْ ذَكَرْناكُمْ فِيْهذا السِّجْنِ الَّذِيْ فِيْهِ حُبِسَ
مَحْبُوْبُ الآفاقِ، قَدِ انْتَظَرُوا أَيّامِيْ فَلَمّا أَظْهَرْنا لَهُمْ
نَفْسِيْ كَفَرُوا بِها إِلاّ مَنْ نَبَذَ الْعالَمَ مُقْبِلاً إِلى اللهِ مالِكِ
الرِّقابِ، أَنِ اتَّحِدُوا فِيْ كَلِمَةِ اللهِ ثُمَّ ذَكِّرُوا الْعِبادَ
بِالْحِكْمَةِ الَّتِيْ نُزِّلَتْ فِي الزُّبُرِ وَالأَلْواحِ، قُوْلُوا يا قَوْمِ
تَوَجَّهُوا إِلى أُفُقِ الْفَضْلِ تَاللهِ أَنارَ مِنْ شَمْسِ ذِكْرِ اسْمِ
رَبِّنا الْعَزِيْزِ الْوَهّابِ، نُوْصِيْكُمْ بِالتَّقْدِيْسِ وَالتَّنْزِيْهِ
وَما يَرْتَفِعُ بِهِ أَمْرُ اللهِ فِي الدِّيارِ، كُوْنُوا مَصابِيْحَ الْهُدى
بَيْنَ الْوَرى وَمَطالِعَ الْخَيْرِ لِمَنْ فِي الإِبْداعِ، لا تَحْزَنُوا مِنْ
شَيْءٍ إِنَّهُ مَعَكُمْ وَيُقَدِّرُ لَكُمْ ما
يَنْفَعُكُمْ بِدَوامِ اللهِ
مالِكِ الإِيْجادِ، أَنِ اسْتَبْشِرُوا فِيْهذا الْيَوْمِ تَاللهِ إِنَّهُ يَوْمُ
اللهِ وَلكِنَّ الْقَوْمَ فِيْغَفْلَةٍ وَضَلالٍ، أَنِ اقْرَؤُوا آياتِ اللهِ بِها
تَنْجَذِبُ قُلُوْبُ الأَبْرارِ، إِنَّها لَكَوْثَرُ الْحَيَوانِ لأَهْلِ
الْعِرْفانِ وَالرَّحِيْقُ الْمَخْتُوْمُ لِمَنْ أَقْبَلَ إِلى الْعَزِيْزِ
الْمُخْتارِ، سَتَفْنى الدُّنْيا وَما فِيْها وَيَبْقى ما قُدِّرَ لَكُمْ مِنْ
لَدُنْ مُسَخِّرِ الأَرْياحِ، إِنَّما الْبَهاءُ عَلَيْكُمْ وَعَلى الَّذِيْنَ
فازُوا بِأَنْوارِ الْوَجْهِ وَاسْتَقامُوا عَلى هذا الأَمْرِ الَّذِيْ بِهِ
ذَلَّتِ الرِّقابُ.
[٨١] هو المستوي على عرش البيان
يا أَوْلِيائِي اسْمَعُوا
نِدآئِيْ ثُمَّ انْصُرُوْنِيْ بِالْحِكْمَةِ وَالْبَيانِ، هذا ما أُمِرْتُمْ بِهِ
فِيْ أَلْواحِ رَبِّكُمُ الْعَزِيْزِ الْحَمِيْدِ، قَدْ ظَهَرَ الْيَوْمَ مِنْ
صَدَفِ بَحْرِ بَيانِ رَبِّكُمُ الرَّحْمنِ لُؤْلُؤُ الْعِرْفانِ وَهُوَ هذا يا
أَهْلَ الْبَهآءِ اعْرِفُوا مَقامَ الأَيّامِ ثُمَّ انْصُرُوْهُ بِجُنُوْدِ
الأَعْمالِ وَالأَخْلاقِ هذا ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنْ قَبْلُ وَفِيْهذا اللَّوْحِ
الْمُنِيْرِ، قَدْ أَنْزَلْنا الآياتِ وَأَظْهَرْنا الْبَيِّناتِ وَالْقَوْمُ فِيْ
وَهْمٍ عَظِيْمٍ، قَدْ حَضَرَ اسْمُكَ لَدى الْمَظْلُوْمِ ذَكَرَكَ بِما لا
تُعادِلُهُ أَذْكارُ
الْعالَمِ يَشْهَدُ بِذلِكَ مالِكُ الْقِدَمِ الَّذِيْ يُنادِيْ
أَمامَ وُجُوْهِ الْعالَمِ الْمُلْكُ للهِ رَبِّ الْعالَمِيْنَ، قُلْ يا مَلأَ
الأَرْضِ اتَّقُوا اللهَ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوآءَ الَّذِيْنَ كَفَرُوا بِيَوْمِ
الدِّيْنِ، تَاللهِ قَدْ ظَهَرَ السَّبِيْلُ الأَعْظَمُ وَالنَّبَأُ الْعَظِيْمُ
يُنادِيْ وَيَدْعُ الْكُلَّ إِلى الْفَرْدِ الْخَبِيْرِ، إِنَّكَ إِذا أَخَذَتْكَ
حَرارَةُ بَيانِيْ وَاجْتَذَبَكَ تَغَرُّداتُ حَماماتِ فِرْدَوْسِيْ قُلْ إِلهِيْ
إِلهِيْ أَشْهَدُ أَنَّ حُجَّتَكَ أَحاطَتْ وَظَهَرَ دَلِيْلُكَ وَبُرْهانُكَ
وَفاضَ بَحْرُ عِلْمِكَ وَأَشْرَقَ نَيِّرُ حِكْمَتِكَ، أَسْئَلُكَ بِالأَسْرارِ
الْمَخْزُوْنَةِ فِيْ كُتُبِكَ بِأَنْ تُؤَيِّدَ عَبْدَكَ هذا عَلى الاسْتِقامَةِ
عَلى حُبِّكَ بِحَيْثُ لا تَمْنَعُهُ زَماجِيْرُ عِبادِكَ وَلا سُبُحاتُ عُلَمآءِ
أَرْضِكَ، أَيْرَبِّ قَدِّرْ لِيْ بِفَضْلِكَ ما يُذَكِّرُنِيْ فِيْكُلِّ
الأَحْوالِ وَيُقَرِّبُنِيْ إِلَيْكَ يا رَبِّي الْمُتَعالِ، ثُمَّ اقْبَلْ
مِنِّيْ يا إِلهِيْ ما عَمِلْتُهُ فِيْ سَبِيْلِكَ وَأَقْبَلْتُ إِلى أُفُقِكَ،
ثُمَّ أَيِّدْنِيْ يا إِلهِيْ بِأَخْذِ كِتابِكَ بِقُوَّةٍ لا تُضْعِفُها قُوَّةُ
الأَقْوِيآءِ وَلا شَوْكَةُ الأُمَرآءِ إِنَّكَ أَنْتَ الْمُقْتَدِرُ الْقَوِيُّ
الْغالِبُ الْعَلِيْمُ الْحَكِيْمُ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ الْعَزِيْزُ
الْكَرِيْمُ.
[٨٢] بسمه الأبدع الأمنع الباقي الكافي