كتاب الإيقان


شهر الرّحمة 145 بديع

حزيران 1997

 

من منشورات دار النّشر البهائيّة في البرازيل

EDITORA BAHA’I – DO BRASIL

Rua Edgar Neto de Araujo Nr. 104

13800-000 Mogi Mirim, S.P. Brazil


كتاب الإيقان

"قل هذا يوم فيه تمّت الحجّة وظهرت الكلمة"

ولاح البرهان

 

"إنّه يدعُوكم بما ينفعكم ويأمركم بما يقرّبكم إلى الله"

مالك الأديان

 

الطّبعة الرّابعة

معرّبة عن الفارسيّة


صفحة خالية
بسم ربِّنا العليّ الأعلى

 

        "الباب المذكور في بيان أنّ العباد لن يصلوا إلى شاطئ بحر العرفان إلاّ بالانقطاع الصّرف عن كلّ من في السّموات والأرض.  قدّسوا أنفسكم يا أهل الأرض لعلّ تصلنّ إلى المقام الّذي قدّر الله لكم وتدخلنّ في سرادق جعله الله في سمآء البيان مرفوعًا"«

 

        «جوهر هذا الباب هو أنّه يجب على السّالكين سبيل الإيمان والطّالبين كؤوس الإيقان أن يطهّروا أنفسهم ويقدّسوها عن جميع الشؤونات العرضيّة - يعني ينزّهون السّمع عن استماع الأقوال، والقلب عن الظّنونات المتعلّقة


بسبحات الجلال، والرّوح عن التّعلّق بالأسباب الدّنيويّة، والعين عن ملاحظة الكلمات الفانية، ويسلكون في هذا السّبيل متوكّلين على الله ومتوسّلين إليه، حتّى يصبحنّ قابلين لتجلّيات إشراقات شموس العلم والعرفان الإلهيّ، ومحلاًّ لظهورات فيوضات غيب لا يتناهى.  لأنّ العبد لو أراد أن يجعل أقوال العباد من عالم وجاهل، وأعمالهم وأفعالهم ميزانًا لمعرفة الحقّ وأوليائه فإنّه لن يدخل أبدًا رضوان معرفة ربّ العزّة، ولن يفوز بعيون علم سلطان الأحديّة وحكمته، ولن يرد منزل البقاء، ولن يذوق كأس القرب والرضا«

 

        انظروا إلى الأيّام السّالفة، كم من العباد من شريف ووضيع، كانوا دائمًا ينتظرون ظهورات الأحديّة في الهياكل القدسيّة، على شأن كانوا في جميع الأوقات والأزمنة يترصّدون وينتظرون، يدعون ويتضرّعون، لعلّ يهبُّ نسيم الرّحمة الإلهيّة، ويطلع جمال الموعود من خلف سرادق الغيب إلى عرصة الظّهور.  وعندما كانت تنفتح أبواب العناية، ويرتفع غمام المكرمة، وتظهر شمس الغيب عن أفق القدرة، يقوم الجميع على تكذيبها وإنكارها ويحترزون عن


لقائها الّذي هو عين لقاء الله، كما هو مذكور ومسطور تفصيله في جميع الكتب السّماويّة«

 

        تدبّروا الآن وتفكّروا قليلاً، لِمَ اعترض العباد من بعد طلبهم وانتظارهم؟! وكان اعتراضهم أيضًا بدرجة يعجز اللِّسان والبيان عن وصفه، ويقصر التّقرير والتّحرير عن ذكره.  فلم يظهر أحد من المظاهر القدسيّة والمطالع الأحديّة إلاّ وابتلي باعتراض النّاس وإنكارهم واحتجاجهم كما قال تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون([1])، وكما قال في موضع آخر ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ([2]) وكذلك كانت الكلمات النّازلة من غمام القدرة الصّمدانيّة، وسماء العزّة الرّبّانيّة تفوق حدّ الإحصاء وإحاطة العباد، وإنّ في سورة هود لكفاية لأولي الأفئدة وأصحاب البصر.  فتأمّلوا قليلاً في هذه السّورة المباركة وتدبّروا فيها بالفطرة الأصليّة، حتّى تطّلعوا قليلاً على بدائع أمور الأنبياء وردّ كلمات النّفي لهم وتكذيبهم إيّاهم، لعلَّ تكوننَّ سببًا لأن


يطير النّاس من موطن الغفلة النّفسانيّة إلى أوكار الوحدة والمعرفة الإلهيّة، وتشربنَّ من زلال الحكمة الباقية، وترزقنَّ من أثمار شجرة علم ذي الجلال. هذا هو نصيب الأنفس المجرّدة من المائدة المنزّلة القدسيّة الباقية«

 

        «لو اطّلعتم على علّة إبتلاء الأنبياء، وسبب اعتراضات العباد على تلك الشّموس الهويّة، لوقفتم على كثير من أمورهم.  كذلك كلّما لاحظتم وتفحّصتم كثيرًا في اعتراضات العباد على مشارق شموس صفات الأحديّة، ازددتم إحكامًا في دينكم، ورسوخًا في أمر الله.  لذا نذكر في هذه الألواح بعضًا من قصص الأنبياء على سبيل الإجمال، حتّى يكون معلومًا ومثبوتًا أنّه قد ورد على مظاهر القدرة ومطالع العزّة في جميع الأعصار والقرون، ما يضطرب له القلم ويخجل من ذكره.  لعلَّ تصير هذه الأذكار سببًا لعدم اضطراب بعض النّاس من إعراض العلماء واعتراض جُهّال العصر، بل ربّما يزيدهم هذا إيقانًا واطمئنانًا«

 

فمن جملة الأنبياء نوح عليه السّلام الّذي ناح تسعمائة


وخمسين سنة، ودعا العباد إلى وادي الرّوح الأيمن، وما استجاب له أحد، وفي كلّ يومٍ كان يرد منهم على هذا الوجود المبارك من الأذيّة والإيذاء ما كانوا به يوقنون أنّه قد هلك.  وكثيرًا ما ورد على حضرته من أنواع السّخرية والاستهزاء والتّعريض.  كما قال تعالى: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) ([3])«  وبعد حين من الزّمن وعد أصحابه وعدًا معيّنًا عدّة مرّات بإنزال النّصر عليهم، وفي كلّ مرّةٍ منها كان يحصل البداء، فأعرض بسبب ظهور البداء بعضٌ من أصحابه المعدودين، كما هو مثبوت تفصيله في أكثر الكتب المشهورة مِمّا لا بدّ أنّكم قد اطّلعتم عليه أو ستطّلعون.  حتّى أنّه لم يبق مع حضرته إلا أربعون نفسًا أو اثنان وسبعون، كما هو مذكور في الكتب والأخبار، إلى أن صرخ أخيرًا من أعماق قلبه بدعائه ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا([4])«

 

        والآن يجب التّأمّل قليلاً.  ماذا كان سبب اعتراض


العباد واحترازهم إلى هذه الدّرجة في ذلك الزّمان، ولِمَ لم يخلعوا قميص النّفي، ويتحلّوا برداء الإثبات ويفوزوا به.  وكذلك لماذا حصل البداء في الوعود الإلهيّة ممّا كان سببًا في إدبار بعض المقبلين. لذا يجب التأمّل كثيرًا، حتّى تقف على أسرار الأمور الغيبيّة، وتستنشق رائحة الطّيب المعنويّ من الفردوس الحقيقيّ، وتوقن بأنّ الامتحانات الإلهيّة لم تزل كانت بين العباد، ولا تزال تكون بينهم، حتّى يتبيّن ويتميّز النّور من الظّلمة، والصّدق من الكذب، والحقّ من الباطل، والهداية من الضّلالة، والسّعادة من الشّقاوة، والشّوك من الورد، كما قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ([5])«

 

        ومن بعد نوح، أشرق جمال هود من مشرق الإبداع، ودعا النّاس إلى رضوان القرب من ذي الجلال نحوًا من سبعمائة سنة أو يزيد، على حسب اختلاف الأقوال.  فكم من البلايا نزلت على حضرته كالغيث الهاطل، حتّى صارت كثرة الدّعوة سببًا لكثرة الإعراض، وشِدّة الاهتمام علّةً لشدّة


الإغماض ﴿وَلا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَارًا([6])«

 

        ومن بعده طلع هيكل صالح من رضوان الغيب المعنويّ، ودعا العباد إلى شريعة القرب الباقية، وفي مائة سنة أو أزيد، أمرهم بالأوامر الإلهيّة ونهاهم عن المناهي الربّانيّة، فلم يأت ذلك بثمر، ولم يظهر منه أثر، فاختار الغيبة والعزلة عنهم مرّات عديدة، مع إنّ هذا الجمال الأزليّ، ما دعا النّاس إلاّ إلى مدينة الأحديّة، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ.  إلى قوله ﴿قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ([7])، وما أتى ذلك بفائدة ما، إلى أن أخذتهم الصّيحة جميعًا، وكان مرجعهم إلى النّار«

 

        ومن بعده كشف الخليل النِّقاب عن جماله، ورفع علم الهدى، ودعا أهل الأرض إلى نور التُّقى، وكلَّما بالغ في النّصيحة لهم، لم يثمر ذلك غير الحسد، ولم ينتج غير


الغفلة، إلاّ الّذين هم انقطعوا بكلّهم إلى الله، وعرجوا بجناحيّ الإيقان إلى مقام جعله الله عن الإدراك مرفوعًا«

 

        وقصّة حضرته مشهورة، فكم من الأعداء أحاطوا به إلى أن اشتعلت نار الحسد والإعراض.  ومن بعد حكاية النّار أخرجوا ذلك السّراج الإلهيّ من بلده، كما هو مذكور في الكتب والرّسائل«

 

        ولمّا انقضى زمانه أتت دورة موسى، فظهر حضرته من سيناء النّور إلى عرصة الظّهور بعصا الأمر وبيضاء المعرفة.  وأتى من فاران المحبّة الإلهيّة، ومعه ثعبان القدرة والشّوكة الصّمدانيّة.  ودعا جميع من في الملك الى ملكوت البقاء، وأثمار شجرة الوفاء.  ولقد سمعت ما ورد عليه من فرعون وملأه من الاعتراضات، وكم أُلقي على تلك الشّجرة الطّيّبة من أحجار الظّنونات من الأنفس المشركة، وبلغ الاعتداء عليه إلى حدّ أن همّ فرعون وملأه بإخماد نار تلك السّدرة الرّبّانيّة وإطفائها بماء الإعراض والتّكذيب.  وغفلوا عن أنّ نار الحكمة الإلهيّة لا يخمدها الماء العنصريّ، وسراج القدرة الرّبّانيّة لا تطفئه الأرياح المخالفة. بلّ إنّ الماء في


هذا المقام يصير سببًا للاشتعال، والرّيح علّةً للحفظ لو أنتم بالبصر الحديد تنظرون، وفي رضا الله تسلكون«

 

        وما أحلى البيان الّذي فاه به مؤمن آل فرعون، كما أخبر ربّ العزّة حبيبه بحكايته قائلاً ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ([8]).

 

        وأخيرًا وصل الأمر الى حدّ أن قتلوا هذا المؤمن، واستشهد بنهاية العذاب (ألا لعنةُ الله على القوم الظّالمين) فانظروا الآن وتأمّلوا قليلاً في هذه الأمور وماذا كان سبب أمثال هذه الاختلافات، إذْ كلّما ظهر ظهور حقّ في الإمكان من أفق اللاّمكان كان يظهر ويبدو في أطراف العالم أمثال هذا النّوع من الفساد والفتنة والظّلم والانقلاب، مع أنّ جميع الأنبياء كانوا يبشّرون النّاس في حين ظهورهم بالنّبيّ

 


التّالي، ويذكرون لهم علامات الظّهور الآتي، كما هو مسطور في كلّ الكتب.  ومع طلب النّاس وانتظارهم لظهور المظاهر القدسيَّة، وذكر العلامات في الكتب، لماذا تحدث هذه الأمور في العالم، ويرد على جميع الأنبياء والأصفياء في كلّ عهد وعصر أمثال هذا الظّلم والعسف و التعدِّي؟ كما قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ([9]) أي أنّه كلّما جاءكم رسول من قبل الله بما لا تهوى أنفسكم في أيّ عهد وزمان استكبرتم، وما أيقنتم، ففريقًا من هؤلاء الأنبياء كذّبتم وفريقًا كنتم تقتلون«

 

        تأمَّلوا حينئذٍ ماذا كان سبب هذه الأفعال، ولم كانوا يسلكون بهذه الكيفيّة مع طلعات جمال ذي الجلال؟  إذ كلّ ما كان سبب إعراض العباد وإغماضهم في تلك الأزمنة، قد أصبح اليوم أيضًا بعينه سبب غفلة هؤلاء العباد.  فإذا قلنا أنّ الحجج الإلهيّة لم تكن كاملة ولا تامّة، ولذا كانت سببًا لاعتراض العباد، فإنّ هذا يكون كفرًا صراحًا.  لأنّه بعيد جدًّا


عن فيض الفيّاض، وبعيد عن واسع رحمته، أن يجتبي نفسًا من بين جميع العباد لهداية خلقه، ولا يؤتيها الحجّة الكافية الوافية، ومع ذلك يعذّب الخلق لعدم إقبالهم إليها.  بل لم يزل جود سلطان الوجود محيطًا على كلّ الممكنات بظهور مظاهر نفسه، وما أتى على الإنسان حين من الدّهر انقطع فيه فيضه، أو منع نزول أمطار الرّحمة من غمام عنايته.  إذًا فليست هذه الأمور المحدثة إلاّ من الأنفس ذات الإدراكات المحدودة، الّذين يهيمون في وادي الكبر والغرور، ويسيرون في بيداء البعد، ويتأسّون بظنوناتهم، وبما استمعوه من علمائهم.  لهذا لم يكن عندهم أمور غير الإعراض، ولا بغية الاّ الإغماض، ومن المعلوم لدى كلّ ذي بصر، أنّه لو كان هؤلاء العباد في حين ظهور أيّ مظهر من مظاهر شمس الحقيقة، يقدّسون ويطّهرون السّمع والبصر والفؤاد من كلِّ ما سمعوه وأبصروه وأدركوه، لما حرموا البتَّة من الجمال الإلهيّ، ولا منعوا عن حرم القرب والوصال للمطالع القدسيّة«

 

        ولمّا كانوا يزنون الحجّة في كلّ زمان بمعرفتهم الّتي تلقّوها عن علمائهم، وكانوا يجدونها غير متّفقة مع عقولهم


الضّعيفة، لذا كان يظهر منهم في عالم الظّهور أمثال هذه الأمور غير المرضيّة«

 

        إنَّ علماء العصر في كلِّ الأزمان كانوا سببًا لصدِّ العباد، ومنعهم عن شاطئ بحر الأحديّة، لأنَّ زِمام هؤلاء العباد كان في قبضة قدرتهم. فكان بعضهم يمنع النَّاس حبًّا للرّياسة، والبعض الاخر يمنعهم لعدم العلم و المعرفة. كما أنّه بإذن علماء العصر وفتاويهم قد شرب جميع الأنبياء سلسبيل الشّهادة، وطاروا إلى أعلى أفق العزَّة.  فكم ورد على سلاطين الوجود، وجواهر المقصود، من ظلم رؤساء العهد، وعلماء العصر، الّذين قنعوا بهذه الأيّام المحدودة الفانية، ومنعوا أنفسهم عن الملك الّذي لا يفنى، كما حرموا عيونهم من مشاهدة أنوار جمال المحبوب، ومنعوا آذانهم عن استماع بدائع نغمات ورقاء المقصود.  ولهذا ذكرت أحوال علماء كلّ عصر في جميع الكتب السّماويّة كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ([10])  وكما قال ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ


بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ([11]) وكما قال تعالى في مقامٍ آخر ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ([12])«

 

        ومن المعلوم أنّ أهل الكتاب الّذين صدّوا النّاس عن الصّراط المستقيم كانوا علماء ذلك العهد، كما هو مذكور اسم الجميع ورسمهم في الكتب، وكما هو مُستفاد من أكثر الآيات والأخبار، لو أنتم بطرف الله تنظرون«

 

        إذًا تأمّلوا قليلاً بعين البصيرة الإلهيّة، في آفاق العلم الربّانيّ، وتعقَّلوا في أنفس الكلمات التّامّات الصمدانيّة، حتّى تنكشف لكم وتظهر جميع أسرار الحكمة الرّوحانيّة، من خلف سرادق الفضل والإفضال، مجرّدة عن سبحات الجلال، وتعرفوا أنّ أساس اعتراضات النّاس واحتجاجاتهم، لم يكن إلاّ من عدم الإدراك والعرفان. فمثلاً إنّهم لمّا لم يفهموا البيانات التّي صدرت من طلعات جمال الحقّ، عن علامات الظّهور الآتي، ولم يصلوا إلى


معرفة حقيقتها، لذا رفعوا علم الفساد، ونصبوا رايات الفتنة«

 

        ومن المعلوم أنّ تأويل كلمات الحمامات الأزليّة لا يدركه إلاّ الهياكل الأزليّة، وأنَّ نغمات الورقاء المعنويّة، لا يسمعها الاّ مسامع أهل البقاء.  فليس لقبطيّ الظّلم نصيب أبدًا من شراب سبطيّ العدل، ولا لفرعون الكفر خبر عن بيضاء موسى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ([13]) ومع ذلك طلبوا تفسير الكتاب وتأويله من أهل الحجاب، ولم يأخذوا العلم من منبعه«

 

        فمثلاً لمّا انقضت أيّام موسى، وأحاطت العالم أنوار عيسى السّاطعة من فجر الرّوح، اعترض جميع اليهود بأنّ ذلك الموعود في التّوراة، يجب أن يروّج ويكمّل شرائع التّوراة.  بينما هذا الشّاب النّاصريّ، الّذي يدعو نفسه بمسيح الله، قد نسخ حكميّ الطّلاق والسّبت، الّذين هما أعظم أحكام موسى، فضلاً عن أنّ علائم الظّهور لم تظهر


بعد، ولهذا لا يزال اليهود إلى الآن منتظرين ذلك الظّهور المذكور في التّوراة.  ولَكَم ظهر في عالم الإبداع من بعد موسى، من مظاهر القدس الأحديّة، ومطالع النّور الأزليّة، واليهود ما زالوا محتجبين بالحجبات النّفسيّة الشّيطانيّة، والظّنونات الإفكيّة النّفسانيّة، ولا يزالون ينتظرون ظهور ذلك الهيكل المجعول، بالعلامات المذكورة الّتي يتصوّرونها بإدراكاتهم،  كذلكم أخذهم الله بذنبهم، وأخذ عنهم روح الإيمان، وعذّبهم بنارٍ كانت في هاوية الجحيم. ولم يكن هذا إلاّ من عدم عرفان اليهود للعبارات المسطورة في التّوراة، والمذكورة في علائم الظّهور التّالي. ولمّا لم يقفوا على حقيقة هذه العلامات، ولم تظهر تلك الأمور بحسب الظّاهر، فقد حرموا عن الجمال العيسويّ، ولم يفوزوا بلقاء الله وكانوا من المنتظرين. ومازال جميع الأمم، ولا يزالون متمسِّكين بهذه الأفكار المجعولة غير اللاّئقة، وقد حرموا أنفسهم من العيون اللّطيفة الصّافية الجارية«

 

        ولقد ذكرنا بعضًا من عبارات الأنبياء، في كشف هذه الأسرار، في ألواح مسطورة من قبل، رقّمناها لأحد من


الأحبّاء ببدائع النّغمات الحجازيّة«

 

        والآن، إجابة لطلب جنابكم، نجدّد ذكرها في هذه الأوراق بمليح التّغنّيات العراقيّة، لعلّ يهتدي بها عطاش صحارى البعد الى بحر القرب، ويصل الضّالون في فيافي الهجر والفراق الى خيام القرب والوصال.  حتّى ينقشع غمام الضّلالة وتطلع من أفق الرّوح شمس الهداية المضيئة على العالم، وعلى الله أتّكل، وبه أستعين، لعلَّ يجري من هذا القلم، ما يحيا به أفئدة النّاس ليقومنّ الكلّ عن مراقد غفلتهم، ويسمعنَّ أطوار ورقات الفردوس من شجر كان في الرَّوضة الأحديّة من أيدي القدرة بإذن الله مغروسًا«

 

        من الواضح المعلوم لدى أهل العلم، أنّه لمّا أحرقت نار المحبّة العيسويّة حجبات حدود اليهود، ونفذ حكم حضرته نوعًا ما حسب الظّاهر، ذكر ذاك الجمال الغيبيّ في يومٍ من الأيّام لبعضٍ من أصحابه الرّوحانيّين أمر الفراق، وأشعل فيهم نار الاشتياق قائلاً لهم: "إنّي ذاهب ثم أعود."  وقال في مقامٍ اخر: "إنّي ذاهب ويأتي غيري حتّى يقول ما لم أقله ويتمِّم ما قلته."  وهاتان العبارتان هما في الحقيقة شيء

 

 

 


واحد، لو أنتم في مظاهر التّوحيد بعين الله تشهدون«

 

        ولو نظرنا بعين البصيرة المعنويّة، نشاهد في الحقيقة أنّ كتاب عيسى وأمره أيضًا قد ثبتا في عهد خاتم الأنبياء.  فمن حيث الاسم قال حضرة محمّد (إنّي أنا عيسى) وقد صدّق أخباره وآثاره وكتابه أيضًا بقوله (إنّه من عند الله)، ففي هذا المقام لا يشاهد بينهما فرق ولا يرى في كتابيهما غيريّه، لأنّ كلاًّ منهما كان قائمًا بأمر الله، وناطقًا بذكر الله، وكتاب كلّ منهما مشعر بأوامر الله.  فمن هذه الوجهة قال عيسى بنفسه إنّي ذاهب وراجع.  مَثَلُ ذلك مثل الشّمس، فإذا قالت شمس اليوم إنّني أنا شمس الأمس فهي صادقة، ولو قالت إنّني غيرها نظرًا لاختلاف الأيّام فهي صادقة أيضًا.  وكذلك لو نظرنا إلى الأيّام، وقلنا إنّها جميعها شيء واحد، فإنّ هذا القول يكون صحيحًا وصادقًا.  وإذا قلنا إنّها غيرها من حيث تحديد الاسم والرّسم، فإنّ ذلك أيضًا يكون صحيحًا وصادقًا.  إذ بينما نلاحظ أنّها شيء واحد، فإنّه مع ذلك يلاحظ أنّ كلاً منها له اسم خاصّ، وخواصّ أخرى، ورسم معيّن لا يُرى في غيرها.  فأدرِك بهذا البيان وهذه القاعدة مقامات التّفصيل والفرق والاتّحاد بين المظاهر


القدسيّة، حتّى تعرف وتقف على مرامي الإشارات، في كلمات مبدع الأسماء والصّفات في مقامات الجمع والفرق بينها.  وتطَّلع تمامًا على جواب سؤالك في سرِّ اتّخاذ ذاك الجمال الأزليّ لنفسه في كلِّ مقام اسمًا خاصًا ورسمًا مخصوصًا.  ومن بعد ذلك طلب أصحاب عيسى وتلاميذه من حضرته بيان علامات الرَّجعة والظُّهور، ومتى يكون وقتها واستفهموا من طلعته نادرة المثال عن هذا السّؤال في عدّة مواقع.  وفي كلّ موقع منها ذكر حضرته علامة، كما هو مسطور في الأناجيل الأربعة«

 

        وهذا المظلوم يذكر فقرة منها، ويمنح عباد الله النّعم المكنونة في السّدرة المخزونة، حبًّا لوجه الله حتّى لا تحرم الهياكل الفانية من الأثمار الباقية، عساهم يفوزون برشح من أنهار حضرة ذي الجلال، المقدَّسة عن الزّوال، والّتي جرت في دار السّلام (بغداد) ولا نطلب على ذلك جزاء ولا أجرًا ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا([14])  وهذا هو الطّعام الّذي به تحيا الأرواح والأفئدة المنيرة


الحياة الباقية، وهو المائدة الّتي قيل في حقّها ﴿رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء([15]) وهذه المائدة لا انقطاع لها أبدًا عن أهلها ولا نفاذ لها، وفي كلّ حين تؤتي أكلها من شجرة الفضل، وتنزل من سماء الرّحمة والعدل كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ([16])«

 

        فيا حسرة على الإنسان من حرمان نفسه عن هذه العطيّة اللّطيفة، ومنعها عن هذه النّعمة الباقية، والحياة الدّائمة.  فاعرف إذن قدر هذه المائدة المعنويّة، لعلَّ تحيا الأجساد الهامدة بحياةٍ جديدة من الألطاف البديعة من شمس الحقيقة، وتفوز الأرواح الخامدة بروحٍ غير محدود.  فاجهد نفسك يا أخي، واغتنم الفرصة لتشرب من الأكواب الدّائمة الباقية ما دامت في الحياة بقيّة، لأنّ نسيم الرّوح الهابّ من مصر المحبوب، لا يستمرّ على الدّوامِ في هبوب.  وأنهار التِّبيان، لا تظلّ إلى الأبد في جريان، وأبواب الرّضوان لا تبقى مفتّحة على الدّوام.  سوف يأتي يوم فيه يطير عندليب


الفردوس من روضة القدس الى الأوكار الإلهيّة.  وحينئذٍ لا تعود تسمع نغمة البلبل ولا ترى جمال الورد.  أمّا ما دامت الحمامة الأزليّة في وله وتغريد، والرّبيع الإلهيّ في جلوة وزينة، فيجب اغتنام الفرصة حتّى لا تحرم أذن قلبك من الاستماع لألحانها.  هذه نصيحة هذا العبد لجنابك ولأحباء الله، فمن شاء فليقبل، ومن شاء فليعرض، إنّ الله كان غنيًّا عنه وعمّا يشاهد ويرى«

 

        وهذه نغمات عيسى ابن مريم الّتي تغنّى بها في رضوان الإنجيل بلحن جليل، في وصف علائم الظّهور الآتي بعده، المذكور في السّفر الأوّل المنسوب الى متّى، عندما سألوه عن علامات الظّهور الآتي بعده، فأجاب بقوله "وللوقت من بعد ضيق تلك الأيّام تظلم الشّمس، والقمر لا يعطي ضوءه، والكواكب تتساقط من السّماء، وقوّات الأرض ترتجّ، حينئذٍ يظهر علامات ابن الإنسان في السّماء، وينوح كلّ قبائل الأرض ويرون ابن الإنسان آتيًا على سحاب السّماء مع قوّاتٍ ومجدٍ كبير، ويرسل ملائكته مع صوت السّافور العظيم."  انتهى« أي أنّه بعد أن يحيط الضّيق والبلاء بكلّ العباد، تظلم الشّمس أي تمنع عن الإفاضة، والقمر لا يعطي


نوره، وكواكب السّماء تتساقط على الأرض، وتتزلزل أركان الأرض.  ففي هذا الوقت تظهر علامة ابن الإنسان في السّماء، يعني أنّ جمال الموعود وساذج الوجود من بعد ظهور هذه العلامات، يظهر من عرصة الغيب إلى عالم الشّهود.  ثمّ يقول إنّه في ذلك الحين ينوح ويندب جميع القبائل السّاكنة على الأرض، ويرون محيّا جمال الأحديّة آتيًا من السّماء، راكبًا على السّحاب، بقوّةٍ وعظمةٍ ومجدٍ كبير، ويرسل ملائكته مع صوت السّافور العظيم.  انتهى«

 

        وهذه العبارات مذكورة أيضًا في الأسفار الثّلاثة الأخرى المنسوبة إلى لوقا ومرقس ويوحنّا.  ولمّا كانت هذه العبارات مذكورة في الألواح العربيّة بالتّفصيل، فإنّنا لا نتعرّض لذكرها على صفحات هذه الأوراق، ونكتفي بالإشارة إلى واحدة منها«

 

إنّ علماء الإنجيل، لمّا لم يعرفوا معاني هذه البيانات، ولا المقصود منها، المودع في تلك الكلمات، وتمسّكوا بظاهرها، لهذا صاروا ممنوعين من شريعة الفيض المحمّدي، وسحابة الفضل الأحمديّ. وجهّال تلك


الطّائفة، الّذين تمسّكوا بعلمائهم أيضًا، ظلّوا محرومين من زيارة جمال سلطان الجلال، لأنّ في ظهور الشّمس الأحمديّة، لم تظهر هذه العلامات المذكورة«

 

وها قد انقضت القرون، ومضت الدّهور والأعصار، ورجع جوهر الرّوح ذاك إلى مقرّ بقاء سلطنته، ونفخت النّفخة الأخرى في الصّور الإلهيّ من النّفس الرّوحانيّ، وحشرت الأنفس الميتة من قبور الغفلة والضّلالة إلى أرض الهداية ومحلّ العناية.  وهؤلاء الأقوام ما زالوا منتظرين إلى الآن ظهور هذه العلامات، وبروز ذاك الهيكل المعهود إلى حيّز الوجود، حتّى ينصروه، وينفقوا الأموال في سبيله، ويفدوا الأرواح في حبّه، كما ابتعدت الملل الأخرى بهذه الظّنون والأفكار عن كوثر معاني رحمة حضرة البارئ الّتي لا نهاية لها، وشغلوا عنها بتخيّلاتهم وأوهامهم«

 

وفضلاً عن هذه العبارة السّالفة، فإنّ هناك بيانًا آخر في الإنجيل يقول فيه "السّماء والأرض تزولان ولكنّ كلامي لا يزول" أي أنّه من الممكن أنّ السّماء والأرض تزولان وتنعدمان، أمّا كلامي فلا يزول أبدًا، وسيكون باقيًا وثابتًا


على الدّوام بين النّاس«

 

        ولذلك يقول أهل الإنجيل، إنّ حكمه لا يُنسخ أبدًا، حتّى أنّه في أيّ وقت وزمان يظهر فيه طلعة الموعود بكلّ العلامات، لا بدّ وأنّه يؤيّد ويثبّت الشّريعة المرتفعة في الإنجيل، بحيث لا يبقى دين في كلّ العالم إلاّ هذا الدّين.  وهذه الفقرة من المطالب المحقّقة المسلّم بها عندهم، والّتي يعتقدون فيها أنّه لو بعث شخص أيضًا بجميع العلامات الموعودة، ولكنّه يحكم بخلاف الحكم الظّاهر في الإنجيل، فإنّهم لا يذعنون إليه البتّة، ولا يقبلون منه حكمًا، بل يكفّرونه ويستهزؤن به، كما شوهد ذلك في ظهور الشّمس المحمّدية.  أمّا لو كان جميع النّاس قد سألوا بتمام الخضوع ظهورات الأحديّة في أيّ ظهور، عن معاني تلك الكلمات المنزّلة في كلّ الكتب، والّتي بسبب عدم بلوغهم إلى معانيها قد حجبوا عن الغاية القصوى وسدرة المنتهى، فلا بدّ أنّهم كانوا يهتدون بأنوار شمس الهداية، ويقفون على أسرار العلم والحكمة«

 

        والآن يذكر هذا العبد رشحًا من معاني هذه الكلمات،


كي يقف أصحاب البصيرة والفطرة، بواسطة تفسيرها، على جميع تلويحات الكلمات الإلهيّة، وإشارات بيانات المظاهر القدسيّة، حتّى لا تمنعهم هيمنة الكلمات عن بحر الأسماء والصّفات، ولا تحجبهم عن مصباح الأحديّة، الّذي هو محلّ تجلّي الذّات«

 

        فقوله من بعد ضيق تلك الأيّام، إشارة إلى زمان تُبتلى فيه النّاس بالشّدّة والضّيق، وتزول فيه آثار شمس الحقيقة من بين النّاس، وتنعدم أثمار سدرة العلم والحكمة، ويصبح زمام النّاس بأيدي الجهّال، وتغلق أبواب التّوحيد والمعرفة، الّتي هي المقصد الأصليّ من خلق الإنسان، ويتبدّل العلم بالظّنّ، وتنقلب الهداية بالشّقاوة.  كما نشاهد اليوم، أنّ زمام كلّ طائفة في يد جاهل، يحرّكهم كيفما أراد، ولم يبق بينهم من المعبود إلاّ اسمه، ولا من المقصود إلاّ لفظه، وغلبت عليهم أرياح النّفس والهوى، إلى درجة أطفئت معها سرج العقل والفؤاد من القلوب.  مع أنّ أبواب العلم الإلهيّ قد فتحت بمفاتيح القدرة الرّبّانيّة، وجواهر وجود الممكنات قد تنوّرت بنور العلم، واهتدت بالفيوضات القدسيّة، على شأن فتح في كلّ شيء باب من العلم،


وشوهد في كلّ ذرّة آثار من الشّمس.  ومع كلّ هذه الظّهورات العلميّة الّتي أحاطت العالم، فإنّهم للآن يحسبون باب العلم مسدودًا، وأمطار الرّحمة مقطوعة، متمسّكين بالظّن، بعيدين عن عروة العلم الوثقى الّتي لا انفصام لها.  وكلّ ما يعرف عنهم أنّ ليس لهم بالفطرة رغبة في العلم وبابه، وأنّ لا فكرة عندهم أيضًا عن ظهوره لأنّهم قد وجدوا في الظّنّ والزّعم أبواب المعاش، بينما لا يجدون في ظهور مظاهر العلم إلاّ إنفاق الرّوح.  لهذا حتمًا يهربون من هذا ويتمسّكون بذاك.  ومع أنّهم يعتقدون أنّ حكم الله واحد، فإنّه يصدر منهم من كلّ ناحية حكم، ويظهر من كلّ محلّ أمر.  فلا يشاهد بينهم نفسان متّفقان على حكم واحد.  إذ لا يعرفون إلهًا غير الهوى، ولا يسلكون سبيلاً إلاّ الخطأ.  يعدّون الرّياسة نهاية الوصول إلى المطلوب، ويحسبون الكبر والغرور غاية البلوغ إلى المحبوب.  جعلوا التّزويرات النّفسانيّة مقدّمة على التّقديرات الربّانيّة.  تركوا التّسليم والرضا، واشتغلوا بالتّدبير والرّيا، يحافظون على هذه المراتب بتمام القوّة والقدرة، حتّى لا يجد النّقص سبيلاً إلى شوكتهم، ولا يتطرّق الخلل إلى عزّتهم، وإذا ما تنوّرت عين بكحل المعارف الإلهيّة، فإنّها تشاهد عدّة وحوش مرتمية


على جيف أنفس العباد«

 

فالآن أيّ ضيق وشدّة أشدّ من هذه المراتب المذكورة، فإنّه إذا أراد شخص أن يطلب حقًّا، أو يلتمس معرفةً، فلا يدري إلى من يذهب، وممَّن يطلب، لأنَّ الآراء مختلفة للغاية، والسّبل متعدِّدة.  وهذا الضّيق وتلك الشّدَّة من شرائط كلّ ظهور.  وما لم يقع هذا ويحصل، فلا تظهر شمس الحقيقة، لأنّ صبح ظهور الهداية يطلع بعد ليل الضّلالة.  ولهذا توجد الإشارة في الرّوايات والأحاديث إلى كلِّ هذه المضامين، بأنَّ الكفر يغشى العالم، وتحيط به الظّلمة وأمثالها ممّا قد سبقت الإشارة إليه، وبالنظر لشهرة هذه الأحاديث، ورغبة هذا العبد في الاختصار فإنّه لم يتعرّض لذكر عبارات تلك الأحاديث«

 

أمّا لو كان المقصود من هذا الضيق، هو ما يدركونه من أنّ العالم يضيق فعلاً، أو تقع تلك الأمورات الأخرى الّتي يتوهّمونها بزعمهم، فإنّ ذلك لا يحصل أبدًا، وحتمًا يقولون بأنّ هذا الشرط لم يظهر، كما قالوا ويقولون.  والحال أنَّ المقصود من الضّيق هو ضيق عن استيعاب


المعارف الإلهيّة، وعجز عن إدراك الكلمات الربّانيّة حيث إنَّ العباد بعد غروب الشّمس، واختفاء مراياها عن الأبصار، يقعون في ضيق وشدّة، ولا يعرفون إلى من يتوجّهون كما قد ذُكر.  كذلك نعلِّمك من تأويل الأحاديث، ونلقي عليك من أسرار الحكمة، لتطّلع بما هو المقصود، وتكون من الّذين هم شربوا كأس العلم والعرفان«

 

وقوله، تظلم الشّمس والقمر لا يعطي ضوءه، والكواكب تتساقط من السماء.  فالمقصود من الشّمس والقمر المذكورين في كلمات الأنبياء، ليس منحصرًا في هذين الكوكبين المشهورين، بل إنّهم قد أرادوا من الشّمس والقمر معاني عديدة.  وفي كلّ مقام منها يريدون معنىً خاصًّا بمناسبة ذلك المقام.  فمثلاً: أحد معاني الشّمس يطلق على شموس الحقيقة، الّذين يطلعون من مشرق القدم، ويكونون واسطة إبلاغ الفيض إلى جميع الممكنات.  وهؤلاء الشّموس هم المظاهر الإلهيّة الكلِّيّة، في عوالم صفاته وأسماءه.  فكما أنَّ الشّمس الظّاهرة بتقدير من المعبود الحقيقيّ تربّي الأشياء الظّاهرة، من الأثمار والأشجار والألوان والمعادن وما دون ذلك، ممّا هو مشهود في عالم


الملك، بتأثير حرارتها، كذلك تظهر أشجار التّوحيد وأثمار التّفريد، وأوراق التّجريد وأوراد العلم والإيقان، ورياحين الحكمة والبيان، من أثر تربية الشّموس المعنويّة وعنايتها.  ولهذا يتجدَّد العالم في حين إشراق هذه الشّموس، وتجري أنهار الحيوان، وتتموّج بحور الإحسان ويرتفع سحاب الفضل، وتهبّ نسمات الجود على هيكل كلّ موجود، وتنبعث حرارة المحبّة الإلهيّة في أركان العالم من هذه الشّموس الإلهيّة ونيرانها المعنويّة، وتوهب روح الحياة الباقية إلى أجساد الأموات البالية، بعناية هذه الأرواح المجردة.  وفي الحقيقة أنَّ هذه الشّمس الظاهريّة إن هي إلاّ آية من تجلّي تلك الشّمس المعنويّة، الّتي لا يشاهد لها نظيرٌ ولا شبيهٌ ولا ندٌّ، والكلّ قائم بوجودها، وظاهر من فيضها، وراجع إليها.  منها ظهرت الأشياء، وإلى خزائن أمرها رجعت، ومنها بدئت الممكنات، وإلى كنائز حكمها عادت«

 

أمّا كون هذه الشّموس قد تخصّصت وتحدّدت ببعض من الأسماء والصّفات في مقام الذّكر والبيان كما سمعتم وتسمعون الآن، فلم يكن هذا إلاّ لأجل إدراك العقول النّاقصة الضّعيفة، وإلاّ فهي لم تزل كانت ولا تزال تكون


مقدّسة عن كلّ اسم، ومنزّهة عن كلّ وصف.  ليس لجواهر الأسماء في ساحة قدسها طريق، ولا للطائف الصّفات في ملكوت عزِّها سبيل.  فسبحان الله من أن يُعرف أصفياؤه بغير ذواتهم، أو يوصف أولياؤه بغير أنفسهم، فتعالى عمّا يذكر العباد في وصفهم، وتعالى عمّا هم  يعرفون«

 

وأمّا إطلاق لفظة الشّموس على تلك الأنوار المجرّدة، في كلمات أهل العصمة فهو كثير.  فمن جملة ذلك ما ورد في دعاء النّدبة([17])، حيث يقول "أين الشّموس الطّالعة. أين الأقمار المنيرة،  أين الأنجم الزّاهرة". إذًا صار من المعلوم أنَّ المقصود من الشّمس والقمر والنّجوم في الرّتبة الأولى هم الأنبياء والأولياء وأصحابهم، الّذين من أنوار معارفهم قد أضاءت وتنوّرت عوالم الغيب والشّهود، وفي الرّتبة الثّانية يكون المقصود من الشّمس والقمر والنّجوم هم علماء الظّهور السّابق، الّذين يكونون موجودين في زمان الظّهور اللاّحق، وبيدهم زمام دين النّاس.  فإذا ما استناروا بضياء شمس أخرى أثناء ظهورها، يكونون من المقبولين


 والمضيئين والمتلألئين، وإلاّ يجري في حقِّهم حكم الظّلمة، ولو يكونون بحسب الظّاهر من الهادين.  لأنّ جميع هذه المراتب من الكفر والإيمان، والهداية والضّلالة، والسّعادة والشّقاوة، والنّور والظّلمة، منوطة بتصديق تلك الشّموس المعنويّة الإلهيّة.  فكلّ نفس من العلماء جرى عليها في يوم التّغابن والإحسان حكم الإيمان من مبدأ العرفان، يصدق في حقِّها العلم والرّضا، والنّور والإيمان.  وإلاّ يجري في حقّها حكم الجهل والنّفي والكفر والظّلم«

 

ومن المشهود لدى كلّ ذي بصر، أنّه كما ينمحي نور النّجم عند إشراق الشّمس الظّاهرة، كذلك تنمحي وتظلم شمس العلم والحكمة والعرفان الظّاهريّ عند طلوع شمس الحقيقة وإشراق نيِّر المعاني«

 

وإطلاق لفظ الشّمس على أولئك العلماء، هو لمناسبة علوّهم وشهرتهم ومكانتهم، لأنهم علماء العصر المعترف بهم، المشهورون في البلاد، والمسلَّم بهم بين العباد.  فإذا ما حكوا عن الشّمس الإلهيّة، فإنّهم يحسبون من الشّموس العالية، وإلا فيعتبرون من شموس سجّين، كما قال تعالى:


﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ([18]).  ولا بدَّ أنّك قد أطّلعت على معنى الشّمس والقمر المذكورين أيضًا في الآية فلا احتياج لذكره.  وكذلك كلّ من كان من عنصر هذه الشّمس وذاك القمر، أعني أنّه مقبل إلى الباطل، ومعرض عن الحقّ، فلا بدّ وأنّه قد ظهر من الحسبان، وإلى الحسبان راجع.  فعلينا إذًا أيُّها السّائل أن نتمسَّك بالعروة الوثقى، كي نخرج من ليل الضّلالة بنور الهداية، ونفرَّ من ظلّ النّفيّ، لندخل في ظلّ الإثبات، ونحرِّر أنفسنا من نار الحسبان، لنتنوّر بنور جمال حضرة المنّان والسّلام.  كذلك نعطيكم من أثمار شجرة العلم لتكونُنّ في رضوان حكمة الله لَمِن المَحبرين«

 

        وفي مقام آخر يكون المقصود من إطلاقات الشّمس والقمر والنّجوم، هو العلوم والأحكام المرتفعة في كلّ شريعة، مثل أحكام الصّوم والصّلاة، الّتي صارت في شريعة الفرقان، بعد غيبة الجمال المحمّديّ أحكم وأعظم من كلّ الأحكام، كما تدلّ الأحاديث والأخبار على ذلك.  وبالنّظر لشهرتها فلا داعي لذكرها، بل أنَّ حكم الصّلاة في كلّ عصر


 كان محكمًا ونافذًا كما هو المأثور عن الأنوار المشرقة من الشّمس المحمّديّة، من أنَّ حكم الصّلاة قد نزل على جميع الأنبياء في كلّ عصر.  غاية ما هنالك أنّه قد أختصّ في كلّ وقت باقتضاء الزّمان برسوم وآداب جديدة.  وحيث أنّه في كلّ ظهور لاحق، كانت تنسخ العادات والآداب والعلوم، الّتي كانت مرتفعةً ومحكمةً ومشرقةً وواضحةً وثابتةً في الظّهور السّابق، لهذا قد ذكرت تلويحًا باسم الشّمس والقمر ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾([19])«

 

وكذلك جاء في الحديث إطلاق الشّمس والقمر على الصّوم والصّلاة كما يقول "الصّوم ضياء والصّلاة نور" ولكن بينما كنت جالسًا ذات يوم في محلّ، ورد علينا شخص من العلماء المعروفين، وذكر هذا الحديث بمناسبةٍ، وقال لمّا كان الصّوم يحدث حرارة في المزاج، لهذا عُبِّر عنه بالضّياء الّذي هو الشّمس، ولمّا كانت الصّلاة في الليل تتطلب البرودة، لهذا عُبِّر عنها بالنّور الّذي هو القمر.  فلاحظت أنَّ ذلك الفقير لم يوفّق إلى قطرة من بحر


المعاني، ولم يفز بجذوة من نار سدرة الحكمة الرّبّانيّة.  وبعد برهة قلت له بنهاية الأدب، إنَّ ما ذكرتَه جنابُك في معنى الحديث هو المتداول على الألسن، والمذكور في أفواه النّاس.  ولكن ربّما يستفاد من الحديث أيضًا معنى آخر، فطلب منّا بيان ذلك.  فذكرنا له بأنّ خاتم الأنبياء، وسيِّد الأصفياء، قد شبّه الدّين المرتفع في الفرقان بالسّماء، بسبب علوَّه، ورفعته، وعظمته، وإحاطته على جميع الأديان.  ولمّا كان في السّماء الظّاهرة يوجد ركنان أعظمان أقومان، هما النّيران المسمّيان بالشّمس والقمر، كذلك قدّر في سماء الدّين أيضًا نيِّران هما الصّلاة والصّوم.  الإسلام سماء والصّوم شمسها والصّلاة قمرها«

 

والخلاصة أنَّ هذا هو المقصود من تلويحات كلمات المظاهر الإلهيّة.  إذًا قد ثبت وتحقّق بالآيات النّازلة والأخبار الواردة، إطلاق لفظ الشّمس والقمر في هذه المراتب، على هذه المقامات المذكورة في الآيات النّازلة والأخبار الواردة.  وهذا هو المقصود من ذكر ظلمة الشّمس والقمر، وسقوط النّجوم، أي ضلالة العلماء، ونسخ الأحكام المرتفعة في الشّريعة، الّتي كان مظهر ذلك


الظّهور يخبر عنها بهذه التّلويحات.  ولم يكن لغير الأبرار نصيب من كأسها، ولا لغير الأخيار قسمة فيها ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا([20])«

 

ومن المسلّم أنّه في كلّ ظهور تالٍ، تظلم شمس العلوم والأحكام والأوامر والنّواهي، الّتي كانت مرتفعة في الظّهور السّابق، والّتي أظلّت أهل ذلك العصر، واستناروا من شمس معارفها، و اهتدوا بقمر أوامرها.  أي أنّه ينتهي حكمها وينعدم أثرها.  فتأمّلوا الآن: لو كانت أُمَّة الإنجيل قد عرفت المقصود من الشّمس والقمر، أو استفسرت عنها من مظهر العلم الإلهيّ بدون اعتراض ولجاج، لكانت قد وضحت لها معانيها، ولما ابتُليت بهذا النّوع من ظلمه النّفس والهوى.  نعم، أنّها لمّا لم تأخذ العلم من مبدئه، ولا من معدنه، لهذا قد انتهت إلى الهلاك في الوادي المهلك، وادي الكفر والضّلالة.  وإلى الآن لم يشعروا بأنّ جميع العلامات قد ظهرت، وشمس الموعود قد أشرقت من أفق الظّهور.  وشمس العلوم قد كوِّرت وأظلمت، وقمر الأحكام


والمعارف السّابقة قد خسف وغرب.  والآن ضع القدم على صراط حقّ اليقين، بعين علم اليقين، وجناحيّ عين اليقين ﴿قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ([21]) حتّى تُحسب من الأصحاب الّذين نزل فيهم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ([22])، وتشهد ببصرك جميع هذه الأسرار«

 

أي أخي: سر بقدم الروح، حتّى تطوى في آن واحد بَوَادِي البعد والهجر النّائية، وتدخل في رضوان القرب والوصال، وتفوز في نَفَسٍ بالأنفس الإلهيّة، لأنّ هذه المراحل لا تطوى أبدًا بقدم الجسد، ولا يوصل بها إلى المقصود.  والسّلام على من أتّبع الحقّ بالحقّ، وكان على صراط الأمر، في شاطئ العرفان، باسم الله موقوفًا«

 

هذا هو معنى الآية المباركة ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ([23])، وذلك لأنّ لكلّ شمس من هذه الشّموس

 
المذكورة محلّ شروق ومحلّ غروب.  وحيث أنّ علماء التّفسير ما اطّلعوا على حقيقة هذه الشّموس المذكورة، لهذا تحيّروا في تفسير هذه الآية المباركة.  فالبعض ذكر فيها "أنّه لمّا كانت الشّمس في كلّ يوم تطلع من نقطة غير النّقطة الّتي طلعت منها في يوم أمس، فقد ذكرت بلفظ الجمع"، والبعض ذكروا بأنّ المقصود من ذلك هو الفصول الأربعة، الّتي في كلّ فصل منها تطلع الشّمس من محلّ، وتغرب في محلّ آخر، لهذا قد ذكرت بلفظ المشارق والمغارب، هذه مراتب علم العباد.  ومع ذلك فكم ينسبون من الجهل والعيوب إلى الّذين هم جواهر العلم ولطائف الحكمة
«

 

كذلك فأَدْرِك واعْرِف من هذه البيانات الواضحة المحكمة المتقنة غير المتشابهة، معنى انفطار السماء، الّذي هو من علامات السّاعة والقيامة.  ولهذا قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ([24])، إذ المقصود هنا سماء الأديان، الّتي ترتفع في كلّ ظهور، ثمَّ تنشقّ وتنفطر في الظّهور الّذي يأتي بعده، أي أنّها تصير باطلة ومنسوخة.  قسمًا بالله لو تلاحظ


ملاحظةً صحيحة لترى أنّ تفطّر هذه السّماء أعظم من تفطّر السّماء الظّاهرة.  تأمّل قليلاً، كيف أنّ الدّين الّذي ارتفع سنينًا، ونشأ ونما في ظلِّه الجميع، وتربّوا بأحكامه المشرقة في تلك الأزمنة، ولم يسمعوا من آبائهم وأجدادهم إلاّ ذكره، بدرجة لم تدرك العيون أمرًا غير نفوذ أمره، ولم تسمع الآذان إلا أحكامه، ثمَّ تظهر بعد ذلك نفسٌ تفرِّق وتمزِّق كلّ هذا بقوَّة وقدرة إلهيّة، بل قد تنفيه كلّه وتنسخه.  فكِّر بربِّك أيُّهما أعظم؟ أهذا أم ذاك الّذي تصوِّره هؤلاء الهمج الرّعاع من تفطُّر السّماء؟  وأيضًا تفكَّر في مصاعب ومشقّات أولئك الطّلعات، الّذين أقاموا حدود الله أمام جميع أهل الأرض من غير ناصر ولا معين في الظّاهر، ومع ما ورد على أولئك الوجودات المباركة اللّطيفة الرّقيقة من كلّ أذى، فإنّهم صبروا بكمال القدرة، وتحمّلوا بنهاية الغلبة«

 

كذلك اعرَف معنى تبديل الأرض، الّذي هو عبارة عن تبديل أراضي القلوب، بما نزل عليها من أمطار المكرمة الهاطلة من غمام الرّحمة من تلك السّماء، إذ تبدَّلت أراضيها بأرض المعرفة والحكمة.  فكم نبت في رياض قلوبهم من رياحين التوحيد، وكم تفتَّح في صدورهم المنيرة من شقائق


حقائق العلم والحكمة.  وإذا لم تكن أراضي قلوبهم قد تبدَّلت، فكيف يقدر رجال ما تعلَّموا حرفًا، وما رأوا معلِّمًا، وما دخلوا أيَّة مدرسةٍ، أن يتكلّموا بكلمات ومعارف لا يستطيع أحدٌ أن يدركها، بل كأنّهم قد خلقوا من تراب العلم السّرمديّ، وعُجنوا من ماء الحكمة اللّدنّيّة.  ولهذا قيل "العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء".  وهذا النّوع من العلم هو الّذي كان ولا يزال ممدوحًا، لا العلوم المحدودة الحادثة من الأفكار المحجوبة الكدرة، الّتي تارة يسرقونها من بعض، ويفتخرون بها على الغير«

 

فيا ليت صدور العباد تتقدَّس وتتطهَّر من نقوش هذه التّحديدات والكلمات المظلمة، لعلَّ تفوز بتجلّي أنوار شمس العلم والمعاني، وجواهر أسرار الحكمة اللّدنّيّة.  فانظر الآن، لو لم تتبدّل الأراضي الجرزة لهذه الوجودات، كيف يمكن أن تصبح محلاًّ لظهور أسرار الأحديَّة.  وبروز جواهر الهويَّة.  ولهذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ([25]).  كذلك بفضل نسمات جود سلطان الوجود،


حتّى الأرض الظّاهرة قد تبدَّلت، لو أنتم في أسرار الظّهور تتفكَّرون«

 

وهكذا فأدرك معنى هذه الآية الّتي تقول ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾([26]).  وهنا يجب الإنصاف قليلاً، لأنّه لو كان المقصود منها ما أدركه النّاس، فأيّ حسن يترتّب على ذلك؟  فضلاً عن أنّه من المسلَّم به أنّه لا ينسب إلى ذات الحقِّ المنيع يدٌ مرئيّة بالبصر الظّاهر، تعمل هذه الأمور، لأنّ الإقرار بمثل هذا الأمر يكون كفرًا محضًا، وإفكًا صرفًا.  وإذا قلنا أنّ هذا يرجع إلى مظاهر أمره الّذين يكونون مأمورين بهذا الأمر في يوم القيامة، فإنّ هذا أيضًا يكون بعيدًا للغاية، ولا يأتي بفائدة بل أنّ المقصود من الأرض هو أرض المعرفة والعلم، ومن السّموات هو سموات الأديان.  فانظر الآن كيف أنّ أرض العلم والمعرفة الّتي كانت مبسوطة من قبل، قد قبضها بقبضة القدرة والاقتدار، وبسط أرضًا منيعة جديدة في قلوب العباد،


وأنبت رياحين جديدة، وورودًا بديعة، وأشجارًا منيعة في الصّدور المنيرة«

 

وكذلك فانظر كيف قد طويت بيمين القدرة سماوات الأديان المرتفعة من قبل، وارتفعت سماء البيان بأمر الله، وتزيّنت بالشّمس والقمر والنّجوم من أوامره البديعة الجديدة.  هذه أسرار الكلمات قد أصبحت مكشوفة وظاهرة بغير حجاب، لعلَّ تدرك صبح المعاني، وتطفئ سرج الظّنون والوهم، والشكّ والرّيب، بقوّة التّوكّل والانقطاع، وتوقد في مشكاة قلبك وفؤادك مصباح العلم واليقين الجديد«

 

واعلم بأنّ المقصود من جميع هذه الكلمات المرموزة، والإشارات العويصة الظّاهرة من المصادر الأمريّة، إنْ هو إلاّ امتحان للعباد، كما قد ذُكر، حتّى تعرف أراضي القلوب الجيّدة المنيرة من الأراضي الجرزة الفانية، هذه سُنَّة الله بين عباده في القرون الخالية، يشهد بذلك ما هو مسطور في الكتب«


ثمَّ تأمّل آية القبلة، وكيف أنّه بعد هجرة شمس النبوّة المحمّديّة من مشرق البطحاء إلى يثرب، استمرّ في التّوجّه إلى بيت المقدس في وقت الصّلاة، حتّى جرى لسان اليهود بكلمات غير لائقة لا يناسب ذكرها في هذا المقام، ويدعو إلى التّطويل.  ولمّا تكدّر حضرته كثيرًا من ذلك، شخص ببصره إلى السّماء متفكّرًا متحيّرًا، فنزل بعدئذٍ جبريل، وتلى عليه هذه الآية ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السّماء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾([27]) وبعدئذٍ،  بينما كان حضرته قائمًا يصلّي ذات يوم فريضة الظّهر مع جمع من أصحابه، وأدّى ركعتين منها، نزل عليه جبريل وقال ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾([28])، فانحرف حضرته أثناء الصّلاة عن بيت المقدس، وولّى وجهه شطر الكعبة وفي الحين حصل تزلزل واضطراب بين أصحابه بدرجة أنّ جمعًا منهم تركوا الصّلاة وأعرضوا.  فهذه الفتنة لم تكن إلاّ امتحانًا للعباد، وإلاّ فذاك السّلطان الحقيقيّ كان قادرًا على أن لا يغيّر القبلة أبدًا، وأن يبقى بيت المقدس قبلة في ذلك العصر، وأن لا يسلب منه خلعة القبول هذه«


هذا وفي عهد أكثر الأنبياء، الّذين بعثوا بالرّسالة بعد موسى، مثل داود وعيسى ودونهم من الأنبياء العظام، الّذين جاءوا بين هذين النّبيّين، لم يحدث أن تغيّر حكم القبلة، بل كان كلّ هؤلاء المرسلين من جانب ربّ العالمين، يأمرون النّاس بالتوجّه إلى تلك الجهة، إذ أنّ كلّ الأراضي في نظر ذلك السّلطان الحقيقيّ هي في درجة واحدة، إلاّ أرضًا يكون قد أختصّها بأمرٍ في أيّام ظهور مظاهره، كما قال تعالى:﴿وَللهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾([29]).  ومع تحقُّق هذه الأمور فلماذا حصل هذا التّبديل الّذي تسبّب منه جزع العباد وفزعهم، وصار علَّة تزلزل الأصحاب واضطرابهم.  أجل إنّ مثل هذه الأمور الّتي هي سبب وحشة جميع النّفوس لم تقع إلاّ لكي يردّ الكلّ على محكِّ  امتحان الله، كي يحصل التّمييز والفصل بين الصّادق والكاذب.  ولهذا قال بعد اختلاف النّاس، ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الّتي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾([30]) الّتي مضمونها إنّا ما غيّرنا وما نسخنا القبلة الّتي كانت بيت المقدس إلاّ لنعلم من يتّبعك ممّن ينقلب على


عقبيه.  أي من يعرض عنك ولا يطيعك، ويبطل الصّلاة ويفرّ منك، ﴿حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾([31])«

 

وإنّك لو تأمَّلت قليلاً في هذا المطلب والبيان، لشاهدت أبواب المعاني والتّبيان مفتوحة أمام وجهك، وترى كلّ العلوم وأسرارها بلا ستر ولا حجاب.  وإنّ هذه الأمور ليست إلاّ لتربية النّفوس وخلاصهم من قفص النّفس والهوى.  وإلاّ فإنّ ذاك السّلطان الحقيقيّ لم يزل كان غنيًّا بذاته عن معرفة الموجودات، ولا يزال يكون مستغنيًا بكينونته عن عبادة الممكنات.  فنسمة من نسمات غنائه تجعل كلّ العالم يفتخر بخلعه الغنى.  وقطرةً واحدة من بحر جوده، تهب كلّ الوجود شرف الحياة الباقية.  ولكن لمّا كان المقصود هو تمييز الحقّ من الباطل، والشّمس عن الظّل، لهذا كانت الامتحانات النّازلة في كلّ حين من قبل ربِّ العزّة جاريةً كالغيث الهاطل«

 

وإذا ما تدبَّر النّاس وتفكّروا ولو قليلاً في حياة الأنبياء


السّالفين وظهورهم فإنّ الأمر يسهل كثيرًا على أهل الدّيار، بدرجةٍ أنّهم لا يحتجبون من الأفعال والأقوال الّتي تخالف النّفس والهوى، ويحرقون كلّ الحجبات بنار سدرة العرفان، ويستريحون على عرش السّكون والاطمئنان.  فمثلاً: موسى بن عمران الّذي كان أحد الأنبياء العظام، وصاحب كتاب، بينما كان مارًّا في السّوق ذات مرة في أوائل أيّامه قبل بعثته رأى اثنين يتخاصمان، فطلب أحدهما من موسى أن يعاونه على خصمه، فأعانه حضرته بما أدّى إلى قتله كما هو مسطورٌ في الكتاب، ولا نذكر تفصيله لئلاّ يكون سببًا للتّعويق، وتعطيل المقصود.  فاشتهر هذا الخبر في المدينة، وغلب على حضرته الخوفُ، كما نُصَّ في الكتاب إلى أن أتاه الخبر﴿إنّ الملأ يأتمرون بِكَ ليَقْتُلُوكَ﴾ فخرج من المدينة، وأقام في مَدْيَن في خدمة شعيب، وفي أثناء عودته، ورد بالوادي المبارك بريّة سيناء، وشاهد تجلِّي سلطان الأحديّة من شجرةٍ لا شرقيَّةٍ ولا غربيَّةٍ، واستمع النّداء الرّوحانيّ المنعش للروح من النّار الموقدة الربّانيّة، وتلقّى الأمر بأن يهدي الأنفس الفرعونيّة، حتّى ينقذ العباد من وادي النّفس والهوى، ويدخلهم في رياض الرّوح  والهدى المحيية للقلوب، ويخلّص جميع من في الإبداع


بسلسبيل الانقطاع من حيرة البعد، ويوصلهم إلى دار سلام القرب.  ولمَّا ورد على بيت فرعون، وبلّغه ما كان مأمورًا به، أطلق فرعون عِنان لسانه بغير أدب وقال: "ألم تَكُ أنت قَتَلْتَ نفسًا وكنت من الكافرينَ" كما أخبر ربّ العزّة عن لسانِ فرعون لمّا اعترض على موسى بقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.  قال: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ([32]).

 

فتفكّر الآن في الفتن الإلهيّة وبدائع امتحاناته كيف أنّ شخصًا عُرف بقتل النّفس، واعترف أيضًا بالظّلم كما هو مذكور في الآية، وتربَّى أيضًا في بيت فرعون بحسب الظّاهر نحوًا من ثلاثين سنة أو أقلّ، ونشأ ونما في نعمائه، ثمَّ يجتبيه ربُّه بغتةً من بين العباد، ويأمره بأمر الهداية الكبرى، والحال أنّ ذاك السّلطان المقتدر، كان قادرًا على أن يمنع موسى من القتل، حتّى لا يكون مشهورًا بين العباد بهذا الاسم، الّذي هو سبب وحشة القلوب، وعلّة احتراز النفوس«


ولننتقل الآن إلى حالة مريم لنشاهد كيف أنَّ هذه الطّلعة الكبرى تمنَّت الموت من عظمة الأمر وشدّة التّحيّر، كما يستفاد من الآية المباركة الّتي ناحت بها مريم بعد ولادة عيسى، ونطقت بهذه الكلمة ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾([33]).  قسمًا بالله، إنّ الأكباد لتذوب من استماع هذا الكلام، والفرائص لترتعد.  وما كان هذا الحزن والاضطراب إلاّ خشية من شماتة الأعداء، واعتراض أهل الكفر والشّقاء.  ثمّ تفكّر أيّ جواب كان يمكن أن تقوله مريم للنّاس بشأن طفل ليس له أب مُعَيَّن! وكيف يمكن أن يُقال لهم إنّه من روح القدس! لهذا حملتْ مُخَدَّرةُ البقاء ذاك الطفل، ورجعت به إلى المنزل.  فقال لها القوم لمَّا وقعت عيونهم عليه ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾([34])«

 

فانظر الآن إلى هذه الفتنة الكبرى، والامتحان الأعظم، واصرف نظرًا عمّا مضى، وتفكّر كيف أنّ نفس جوهر الرّوح، المعروف بين القوم بأنّ لا أب له، قد منحه الله النّبوّة وجعله حجّته على كلّ أهل السموات والأرض.  ثمّ تأمّل بعدها في أمور مظاهر الظّهور الّتي تظهر على خلاف


مشتهى أنفس العباد وأهوائهم بتقدير من سلطان الإيجاد، وإذا ما اطّلعت على جواهر هذه الأسرار، فإنّك تطَّلع على مقصود ذاك المحبوب، وتلاحظ أنَّ أقوال ذاك المليك ذي الاقتدار هي مثل أفعاله تمامًا، بدرجة أنّ ما تشاهده في أفعاله تراه أيضًا في كلماته، وما تلاحظه في كلماته يتجلّى لك في أفعاله.  ولذلك كانت هذه الأفعال والأقوال، في الظّاهر نقمة للفجّار، وفي الباطن رحمة للأبرار.  وإذا ما نظرت بعين البصيرة شاهدت أنّ الكلمات المنزّلة من سماء المشيّة متّفقة متّحدة مع الأمور الظّاهرة من ملكوت القدرة، ولأدركت أنّهما كشيء واحد، كما قد سبق ذكره«

 

والآن أيّها الأخ، انظر وتفكّر لو كانت تظهر أمثال هذه الأمور في هذا العهد، وتَذِيعُ أمثال هذه الحكايات فماذا كانوا يفعلون؟  قسمًا بمربيّ الوجود ومنزل الكلمات، إنّهم كانوا يحكمون بالكفر في الحال، ويأمرون بالقتل بلا سؤال.  فكيف يستمعون إلى القول بأنّ عيسى قد ظهر من نفخة روح القدس؟ أو أنّ موسى قد أُمر بالأمر المبرم؟  إنّك لو تصيح بذلك مائة ألف مرّة، فإنّه لا يدخل في أذن أحد أنّ من لا أب له قد بعث بالرّسالة، أو أنّ قاتلاً قد سمع النّداء


 من شجرة نار - أنّي أنا الله«

 

ولو نُظِرَ بعين الإنصاف، لَيُشاهدُ من جميع هذه البيانات أنّ مظهر هذه الأمور كلّها هو اليوم ظاهر كما أنّ نتائجها أيضًا ظاهرة.  ومع أنّه لم يقع في هذا الظّهور أمثال هذه الأمور، فإنّهم مع ذلك متمسّكون بظنونات الأنفس المردودة.  ولكَمْ افترَوْا عليه من افتراءات، ولكَمْ ارتكبوا في حقّه من بلايا لم يظهر لها شبه في الإبداع«

 

الله أكبر، لمَّا بلغ البيان هذا المقام، مَرّ الشّذى الرّوحاني من الصّبح الصّمداني، وهبَّ نسيم الصّباح من مدينة سبأ البقاء، وبمروره بشّر النّفس ببشارة جديدة، وفتح للرّوح فتوحًا غير محدود، وبسط أمامها بساطًا جديدًا.  وأتى بهدايا ثمينة لا عداد لها من قِبَلِ المحبوب الّذي جلّ عن الوصف، فَخِلْعَة الذّكر قاصرة عن أن تتناسب مع قَدِّه اللطيف، ورداء البيان ناقص لا يفي بقامته المنيرة، يكشف رمز المعاني من غير لفظ، وينطق بأسرار التّبيان من دون لسان.  يلقّن بلابل أغصان الهجر والفراق النّوح والأنين، ويعلّمهم قواعد العشق وسلوك العاشقين، ويُبيِّنُ لهم سِرَّ


الخضوع للمحبوب، ويلقِّن الورود البديعة في رضوان القرب والوصال كيف يكون جذب القلوب وسحر الدّلال.  ويفيض بأسرار الحقائق على شقائق بستان العشق، ويستودع في صدور العشاق دقائق الرموز، ولطائف الأسرار.  ولقد تدفَّقت حياض عنايته في هذه السّاعة على شأن يغتبط له روح القدس غاية الغبطة، إذ وهب للقطرة أمواج البحر، وللذرَّة طراز الشّمس.  وبلغت الألطاف إلى مقام: قصد الجُعل مكمن المسك، واستقرّ الخفّاش في مقابل الشّمس، وبعثت الأموات من قبور الأجساد بنفخة الحياة، وأجلسَ الجهّالَ على سرير العلم، وأقام الظّالمين على أريكة العدل«

 

إنّ عالم الوجود حامل بجميع هذه العنايات.  ينتظر السّاعة الّتي فيها تظهر آثار هذه العناية الغيبيّة في العوالم التّرابيّة، وبها يبلغ العطاش الّذين سقطوا من شدّة الظّمأ إلى كوثر زلال المحبوب، ويفوز الضّالون في فيافي البعد والعدم بسرادق القرب والحياة في جوار المعشوق.  ومن هم الّذين تنبت في أرض قلوبهم هذه الحبوب القدسيّة؟ وتنفتح في رياض نفوسهم شقائق الحقائق الغيبيّة؟ وحقيقةً إنّ سدرة العشق مشتعلة في سيناء الحبّ بأشدّ اشتعال،بحيث لا


تخمدها ولا تقضي عليها مياه البيان، وإنّ عَطَشَ هذا الحوت لا ترويه البحور، وإنّ هذا السّمندر النَّاريَّ لا يستقرّ إلا في وهج سناء طلعة المحبوب.  فأوقد إذًا يا أخي سراج الرّوح  في مشكاة قلبك، وأشعله بدهن الحكمة، واحفظه بزجاج العقل، كي لا يطفئه نَفَس الأنفس المشركةِ، ويمنعه عن الإنارة.  كذلك نوّرنا أفق سماء البيان من أنوار شموس الحكمة والعرفان، ليطمئنَّ بها قلبك وتكون من الّذين طاروا بأجنحة الإيقان في هواء محبّة ربّهم الرّحمن«

 

أمّا قوله: حينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء، فمعناه أنّه من بعد كسوف شمس المعارف الإلهيّة، وسقوط نجوم الأحكام الثّابتة، وخسوف قمر العلم المربّي للعباد، وانعدام أعلام الهداية والفلاح، وإظلام صُبْح الصّدق والصّلاح، تظهر علامة ابن الإنسان في السّماء.  والمقصود من السّماء هنا هو السّماء الظّاهرة.  إذ عند قرب ظهور فَلك سموات العدل، وجريان فُلك الهداية على بحر العظمة، يظهر في السّماء نجم بحسب الظّاهر يكون مبشّرًا لخلق السّموات بظهور ذاك النّير الأعظم، كما يظهر في سماء المعاني نجم يكون مبشّرًا لأهل الأرض بذاك الفجر الأقوم الأكرم.


وهاتان العلامتان تظهران في السّماء الظّاهرة، وفي السّماء الباطنة، قبل ظهور كلّ نبيّ كما هو المعروف والمشهور«

 

من جملة ذلك خليل الرّحمن، حيث قُبيل ظهور حضرته رأى النّمرودُ منامًا، فاستطلع فيه رأيَ الكهنة، فأخبروه عن طلوع نجمٍ في السّماء.  كما أنّه ظهر في الأرض شخص أخذ يبشِّرُ النّاسَ بظهور حضرته«

 

ومن بعده كانت حكاية كليم الله الّتي أخبر عنها كهنةُ ذاك الزّمان فرعون بأنّ كوكبًا قد طلع في السّماء، وهو دليل على انعقاد نطفة على يدها يكون هلاكك أنت وقومك.  وكذلك قد ظهر عالمٌ كان يبشِّر بني إسرائيل في اللّيالي، يُسلِّيهم ويطمئنهم كما هو مسطور في الكتب.  ولو توخّينا تفصيل تلك الأمور لأصبحت هذه الرّسالة كتابًا مفصّلاً.  كما أنّنا لا نحبّ أن نذكر حكايات الأيّام الخالية، ويشهد الله بأنّ هذا البيان الّذي ذكرناه الآن لم يكن إلاّ من فرط الحبِّ لجنابكم، لعلّ يصل جمع من فقراء الأرض إلى شاطئ الغِنى، أو تَرِد فئة من الجهّال إلى بحر العلم، أو يصل طلاب العلم المتعطّشون للمعرفة إلى سلسبيل الحكمة.  وإلاّ فإنّ هذا


العبد يَعُدّ الاشتغال بهذه المقالات ذنبًا عظيمًا، ويحسبه عصيانًا كبيرًا«

 

وكذلك أيضًا، عند قرب ظهور عيسى اطّلع نفر من المجوس على ظهور نجم عيسى في السّماء.  واقتفوا أثَر ذلك النّجم إلى أن دخلوا المدينة الّتي كانت مقرَّ سلطنة هيريدوس، وهو الّذي كانت سلطنة تلك الممالك في قبضة تصرّفه في تلك الأيام.  وجاء هؤلاء المجوس قائلين: أين هو المولود ملك اليهود؟ لأنّنا قد رأينا نجمه في المشرق ووافينا لنسجد له.  وبعد البحث والفحص علموا بأنّ ذاك الطّفل قد ولد في بيت لحم بأرض يهوذا.  فهذه هي العلامة في السّماء الظّاهرة.  وأمّا العلامة في السّماء الباطنة، الّتي هي سماء العلم والمعاني فكانت ظهور يحيى بن زكريّا، الّذي كان يبشّر النّاس بظهور عيسى، كما قال عزَّ من قائل﴿أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾([35]) فالمقصود من الكلمة هنا، هو حضرة عيسى الّذي كان يحيى مبشّرًا بظهوره.  ومسطورٌ أيضًا في الألواح السّماوية هذه العبارة:


كان يوحنا يكرز في برّيّة يهوذا قائلاً: "توبوا فقد اقترب ملكوت السّماوات"، والمقصود من يوحنّا هو يحيى«

 

كذلك كان قبل ظهور الجمال المحمّدي قد ظهر آثار في السّماء الظّاهرة.  وأمّا الآثار الباطنة فقد كانوا أربعة رجال واحدًا بعد الآخر يبشّرون النّاس على الأرض بظهور شمس الهويّة.  وقد تشرّف بشرف خدمتهم "رُوزبَهْ" الّذي سُمِّي بسلمان، وكان كلّما حضرت الوفاةُ أحدًا منهم يُرسل "رُوزبَهْ" إلى الشّخص الآخر إلى أن أتت نوبة الرّابع الّذي قال له في حين وفاته: يا روزبه اذهب من بعد تكفيني ودفني إلى الحجاز حيث تشرق هناك الشّمس المحمّديّة ويا بشراك بلقاء حضرته«

 

ولمّا بلغت الأيّام إلى هذا الأمر البديع المنيع، أخبر أكثر المنجّمين عن ظهور نجم في السّماء الظّاهرة.  كما أنّه قد كان على الأرض النّوران النّيّران أحمد وكاظم قدّس الله تربتهما«

 

إذاً قد ثبت من هذه المعاني بأنّ قبل ظهور أيّ أحد من المرايا الأحديّة، تظهر علامات ذلك الظّهور في السّماء


الظّاهرة، وفي السّماء الباطنة، الّتي هي محلّ شمس العلم، وقمر الحكمة وأنجم المعاني والبيان، وتلك عبارة عن ظهور إنسان كامل قبل كلّ ظهور لتربية العباد وإعدادهم لملاقاة شمس الهويّة، وقمر الأحديّة«

 

أمَّا قوله: وحينئذٍ ينوح كلّ قبائل الأرض ويرون ابن الإنسان آتيًا على سحاب السّماء بقوَّةٍ ومجدٍ كبير.  فالتّلميح في هذا البيان الإلهيّ يقصد به أنّه في ذاك الوقت ينوح العباد من فقدان شمس الجمال الإلهيّ، وقمر العلم، وأنجم الحكمة اللّدنّيّة، ويشاهد في تلك الأثناء طلعة الموعود، وجمال المعبود نازلاً من السّماء، وراكبًا على السّحاب.  يعني أنّ ذاك الجمال الإلهيّ يظهر من سماوات المشيئة الربّانيّة في هيكل بشري، ولم يقصد من السّماء هنا إلاّ جهة العلوّ والسموّ، الّتي هي محلُّ ظهور تلك المشارق القدسيّة والمطالع القدميّة.  ولو أنّ هذه الكينونات القديمة قد ظهرت من بطون الأمّهات بحسب الظّاهر إلاّ أنّهم في الحقيقة نازلون من سماوات الأمر، وإن يكونوا ساكنين على الأرض، إلاّ أنّهم متّكئون على رفرف المعاني.  وحيثما يمشون بين العباد فإنّهم يكونون طائرين في هواء القرب.  يمشون على


أرض الرّوح  بغير حركة الرّجل، ويطيرون إلى معارج الأحديّة بغير جناح.  وفي كلّ نَفَس يطوون عالم الإبداع من مشرقه إلى مغربه، وفي كلّ آن يمرّون على ملكوت الغيب والشّهادة، مستقرّون على عرش لا يشغله شأن عن شأن.  وجالسون على كرسي: كلّ يوم هو في شأن.  مبعوثون من علوّ قدرة سلطان القدم، وسموّ مشيئة المليك الأعظم.  وهذا معنى قوله إنّهم ينزلون من السّماء«

 

واعلم أنّه يطلق لفظ السّماء في بيانات شموس المعاني على مراتب كثيرة: فمثلاً منها سماء الأمر، وسماء المشيئة، وسماء الإرادة، وسماء العرفان، وسماء الإيقان، وسماء التّبيان، وسماء الظّهور، وسماء البطون، وأمثالها.  ففي كلّ مقام أراد من لفظ السّماء معنى مخصوصًا لا يدركه أحد غير الواقفين على أسرار الأحديّة، والشّاربين من كؤوس الأزليّة.  فمثلاً يقول﴿وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ([36]) والحال أنّ الرّزق ينبت من الأرض. وكذلك قوله: "الأسماء تنزل من السّماء" مع أنّها تظهر من لسان العباد.


فإن أنت نظّفت ولو قليلاً مرآة قلبك وطهَّرتها من غبار الغرض، فإنّك تدرك جميع التّلميحات في كلمات الكلمة الجامعة الإلهيّة، وتقف على أسرار العلم في كلّ ظهور.  وما لم تحرق الحجبات العلميّة المصطلح عليها بين العباد بنار الانقطاع،  فإنّك لا تفوز بصبح العلم الحقيقيّ النورانيّ«

 

والعلم علمان: علم إلهيّ، وعلم شيطانيّ، أوّلهما يظهر من إلهامات السّلطان الحقيقيّ، وثانيهما يبدو من تخيّلات الأنفس الظّلمانيّة.  فمعلّم ذاك حضرة الباري، ومعلّم هذا الوساوس النّفسانيّة.  بيان الأوّل: اتّقوا الله ويعلّمكم الله.  وبيان الثاني: العلم هو الحجاب الأكبر.  أثمار ذاك الشّجرِ الصَّبرُ والشّوق والعرفان والمحبّة، وأثمار هذا الشّجر الكبرُ والغرور والنّخوة.  ومن بيانات أصحاب البيان الّتي ذكروها في معنى العلم، أنّه لا يستشمّ منه أيّة رائحة من روائح هذه العلوم الظّلمانيّة الّتي أحاطت ظلمتُها كلّ البلاد.  لا يثمر هذا الشّجر إلا البغي والفحشاء، ولا يأتي إلاّ بالغلّ والبغضاء، ثمره سمّ قاتل، وظلّه نار مهلكة، فنعم ما قال:

تمسّك بأذيال الهوى فأخلع الحيا         وخلِّ سبيل النّاسكين وإن جلّوا


فيجب إذًا أن تُنزِّه الصّدر عن كلّ ما سمعته، وتقدّس القلب عن جميع التّعلّقات كي تكون محلّ إدراك الإلهامات الغيبيَّة، ومستودع أسرار العلوم الربّانّيّة.  ولهذا يقول "السّالك في النّهج البيضاء والرّكن الحمراء لن يصل إلى مقام وطنه إلا بالكفِّ الصِّفر عمّا في أيدي الناس" هذا شرط السّالك.  فكِّر فيه مليًّا وتعقّله، حتّى تقف على مقصود الكتاب من غير ستر ولا حجاب«

 

وبالاختصار قد بعدنا عن المقصد، ولو أنّ كلّ ما ذكر هو في المطلب، قسمًا بالله كلّما أردت الاختصار والاكتفاء بالأقلّ من القليل، أرى زمام القلم يفلت من اليد، ومع ذلك فكم من لآلئ عصماء لا عداد لها، لم تزل مودعة في صدف القلب، وكم من حوريّات المعاني لم تزل مستورةً في غرفات الحكمة، لم يمسسهنّ أحد، كما قال تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾([37]) ومع كلّ هذه البيانات، كأنّي لم أذكر حرفًا عن المقصود، ولم آت برمز عن المطلوب.  فمتى يوجد محرم أمين للسّرّ مستعدّ للإحرام في حرم


المحبوب، والوصول إلى كعبة المقصود، كي يرى ويسمع أسرار البيان من دون سمع ولا لسان.  إذًا أصبح المقصود من السّماء في الآية المنزلة معلومًا ومفهومًا من هذه البيانات المحكمة الواضحة اللاّئحة«

 

أمّا قوله: إنّه يأتي على السّحاب والغمامِ، فالمراد من الغمام هنا - هو تلك الأمور المخالفة لأهواء النّاس وميولهم، كما ورد في الآية﴿أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾([38]) وذلك من قبيل تغيير الأحكام وتبديل الشّرائع وارتفاع القواعد والرّسوم العاديّة وتقدُّم المؤمنين من العوام على المعرضين من العلماء.  وكذلك يقصد به ظهور ذلك الجمال الأزليّ خاضعًا للحدودات البشريّة، مثل الأكل والشرب، والفقر والغنى، والعزَّة والذّلّة، والنّوم واليقظة، وأمثال ذلك، ممّا يثير الشّبهة عند النّاس ويحجبهم.  فكلّ هذه الحجبات قد عبّر عنها بالغمام«

 

وهذا هو الغمام الّذي به تتشقّق سماوات العلم


والعرفان لكلّ من على الأرض.  كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ([39]) وكما أنّ الغمام يمنع أبصار النّاس عن مشاهدة الشّمس الظّاهرة، كذلك هذه الشّؤونات المذكورة تمنع العباد عن إدراك شمس الحقيقة.  يشهد بذلك ما جاء في الكتاب عن لسان الكفّار. ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾([40]) حيث قد لوحظ على الأنبياء فقر وابتلاء ظاهريّ،  كما لوحظ أيضًا فيهم مستلزمات الجسد العنصريّة من قبيل الجوع والأمراض والحوادث الإمكانيّة.  ولمّا كانت تظهر هذه الشّؤون من تلك الهياكل القدسيّة كان النّاس يتيهون في فيافي الشّكّ والرّيب، ويهيمون في بوادي الوهم والحيرة مستغربين: كيف أنّ نفسًا تأتي من جانب الله وتدّعي إظهار الغلبة على كلّ من على الأرض، وتنسب إلى نفسها أنّها علَّة خلق الموجودات كما قال (لَوْلاكَ لَمَا خَلَقْتُ الأَفْلاكَ)، ومع ذلك تكون مبتلية بهذه الأمور الجزئيّة بتلك الكيفيّة، كما قد سمعت من قبيل ابتلاء كلّ نبيّ وأصحابه


بالفقر والأمراض والذّلَّة، حيث كانوا يرسلون رؤوس أصحابهم إلى المدائن كهدايا.  ويمنعونهم عن إظهار ما أُمروا به.  وكلّ واحد منهم كان مبتلي تحت أيدي أعداء الدّين، بدرجة أنّهم صنعوا بهم كلّ ما أرادوا أن يصنعوه«

 

ومن المعلوم أنّ التّغييرات والتّبديلات الّتي تقع في كلّ ظهور هي عبارة عن ذاك الغمام المظلم الّذي يحول بين بصر عرفان العباد ومعرفتهم تلك الشّمس الإلهيّة الّتي أشرقت من مشرق الهويّة، وذلك لأنّ العباد باقون على تقليد آبائهم وأجدادهم هذه السّنين الطّويلة، ومتربّون على الآداب والطّرائق الّتي كانت مقرَّرة في الشّريعة القديمة.  ثمَّ دفعة واحدة يسمعون أو يرون شخصًا مماثلاً لهم في جميع الحدودات البشريّة، يقوم من بينهم وينسخ تلك الحدودات الشّرعيّة الّتي تربوا عليها قرونًا متواترة، وكانوا يعدّون المخالف والمنكر لها، كافرًا وفاسقًا وفاجرًا.  فلا بدَّ أنّ هذه الأمور تكون حجابًا وغمامًا للّذين لم تذق قلوبهم سلسبيل الانقطاع، ولم تشرب من كوثر المعرفة.  ويحتجبون عن عرفان تلك الشّمس بمجرّد استماعهم لهذه الأمور.  وبدون سؤال ولا جواب يحكمون بكفره، ويفتون بقتله.  كما قد عرفت


وسمعت ممّا وقع في القرون الأولى، وممّا هو واقع في هذا الزّمان أيضا ً ممّا شاهدته، إذًا ينبغي لنا أن نبذل الجهد حتّى أنّنا بفضل التأييدات الغيبيَّة لا نُحرَم بهذه الحجبات الظّلمانيّة، وغمام الامتحانات الربّانيّة، عن مشاهدة ذاك الجمال النّورانيّ، ونعرفه هو بنفسه لا بشيء آخر.  وإذا ما أردنا حجّة، فنكتفي بحجّة واحدة وبرهان واحد حتّى نفوز بمنبع الفيض اللاّمتناهي، الّذي في ساحته تنعدم جميع الفيوضات الأخرى. لا أنّنا في كلّ يوم نعترض باعتراض من خيالنا، أو نتمسّك برأي على حسب أهواء أنفسنا«

 

سبحان الله، رغمًا من كلّ هذه الإنذارات الّتي أخبروا عنها من قبلُ، بتلويحات عجيبة، وإشارات غريبة، كي يطَّلع عليها كلّ الناس، ولا يحرمون أنفسهم في هذا اليوم عن بحر بحور الفيوضات، مع ذلك فقد وقع في الأمر ما وقع ممَّا هو مشهور، ونزلت بمضامينه الآيات الفرقانيّة كما قال تعالى :﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾([41]).  وبعض علماء أهل الظاهر جعلوا هذه الآية من


علامة القيامة الموهومة الّتي يتصورونها.  والحال إنّ مضمونها موجود في أكثر الكتب السّماويّة، ومذكور في كلّ الأماكن الّتي فيها ذِكر علامات الظّهور الّذي يأتي بعده كما ذكرنا من قبل«

 

وكذلك قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ([42]) يريد بها أنّ ربَّ العزَّة قد جعل الأمورات المضادّة للأنفس الخبيثة، والمخالفة لأهواء النّاس محكًّا وميزانًا لامتحان عباده، وتمييزًا للسّعيد من الشّقي، والمعرض من المقبل، كما قد ذُكر.  وقد عبّر بالدُّخان في هذه الآية المذكورة عن الاختلافات في الرّسوم العاديّة، وعن نسخها وهدمها وانعدام أعلامها المحدودة.  فأيّ دخان أعظم من هذا الدّخان الّذي غشى كلّ النّاس، وأصبح عذابًا لهم، لا يستطيعون منه خلاصًا مهما حاولوا بل إنّهم في كلّ حين يعذّبون بعذاب جديد من نار أنفسهم.إذ أنّهم كلّما يسمعون بأنّ هذا الأمر البديع الإلهيّ، والحكم المنيع الصّمدانيّ قد أصبح ظاهرًا في أطراف الأرض.  وهو


كلّ يوم في علوٍّ وازدياد تشتعل في قلوبهم نار جديدة، وكلّما يلاحظون من قدرة أصحابه وانقطاعهم وثبوتهم الّذي يزداد كلّ يوم بفضل العناية الإلهيّة استحكامًا ورسوخًا يظهر على نفوس المعرضين اضطراب جديد. والحمد لله، قد بلغت السّطوة الإلهيّة في هذه الأيام شأنًا لا يجرؤون معه على الكلام.  وإذا ما لقوا أحدًا من أصحاب الحقّ من الّذين لو كان لهم مائة ألف روح لأنفقوها في سبيل المحبوب بكلّ روح وريحان، يظهرون أمامه الإيمان من الخوف.  وإذا ما خلوا لأنفسهم يشتغلون بالسَّبِّ واللّعن كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾([43]) وعمّا قليل سوف ترى أعلام القدرة الإلهيّة مرتفعة في كلّ البلاد، وتشاهد آثار غلبته وسلطنته ظاهرة في جميع الدّيار«

 

وخلاصة الكلام أنّه لمّا لم يدرك أكثر العلماء هذه الآيات ولم يقفوا على المقصود من القيامة فسّروها بقيامة موهومة من حيث لا يشعرون.  والله الأحد شهيد بأنّه لو كان


لديهم شيء من البصيرة، لأدركوا من تلويح هاتين الآيتين جميع المطالب الّتي هي عين المقصود.  ولوصلوا بعناية الرّحمن إلى صبح الإيقان المنير، كذلك تغنّ عليك حمامة البقاء على أفنان سدرة البهاء لعلَّ تكوننَّ في مناهج العلم والحكمة بإذن الله سالكًا«

 

وقوله يرسل ملائكته إلى آخر القول، فالمقصود بهؤلاء الملائكة هم أولئك النّفوس الّذين هم بقوّة روحانيّة حرقوا الصّفات البشريّة بنار محبّة الله، واتّصفوا بصفات أهل العليّين والكروبيّين كما يقول حضرة الصادق([44]) في وصف الكروبيّين "إنّهم قوم من شيعتنا خلف العرش" ولو أنّ ذكر عبارة خلف العرش يقصد بها معان شتَّى، حسب الظّاهر وحسب الباطن أيضا،ً إلاّ أنّها في إحدى المقامات في المرتبة الأولى تدل على عدم وجود الشّيعة كما يقول في مقام آخر (المؤمن كالكبريت الأحمر) وبعدها يخاطب المستمع قائلاً له (هل رأيت الكبريت الأحمر) فالتفت إلى هذا التّلويح الّذي هو أبلغ من التّصريح وأدلّ على عدم وجود المؤمن،


هذا قول حضرته، والآن أنظر كم من هؤلاء الخلق المجرّدين عن الإنصاف، والّذين لم يستنشقوا رائحة الإيمان كيف أنّهم ينسبون الكفر للّذين بقولهم يتحقّق الإيمان«

 

وبالاختصار لمّا أن صارت هذه الوجودات القدسيّة منزّهة ومقدّسة عن العوارض البشريَّة، ومتخلِّقة بأخلاق الرّوحانيّين، ومتَّصفة بأوصاف المقدَّسين، لهذا أطلق اسم الملائكة على هذه النّفوس المقدَّسة.  هذا هو معنى تلك الكلمات الّتي قد اتَّضحت كلّ فقرة منها بالآيات الواضحة والدّلائل المتقنة، والبراهين اللاّئحة.

 

        ولمَّا لم تصل أمم عيسى إلى هذه المعاني، ولم تظهر هذه العلامات بحسب الظّاهر كما أدركوها هم وعلمائهم، لهذا لم يُقبلوا إلى المظاهر القدسيّة من ذلك اليوم إلى الآن، وصاروا محرومين من جميع الفيوضات القدسيَّة، ومحجوبين عن بدائع الكلمات الصّمدانيّة.  هذا شأن هؤلاء العباد في يوم الميعاد حيث عجزوا عن أن يدركوا بأنّه لو كانت أشراط الظّهور في أيّ عصر تظهر في عالم الظّاهر مطابقة لما ورد في الأخبار، فمن الّذي كان يستطيع الإنكار


والإعراض، وكيف كان يفصل بين السّعيد والشّقيّ، والمجرم والتّقيّ، احكم بالإنصاف.  مثلا ً لو تظهر بحسب الظّاهر هذه العبارات المسطورة في الإنجيل، وتنزل الملائكة مع عيسى ابن مريم من السّماء الظّاهرة على السّحاب، فمن ذا الّذي يقدر على التّكذيب أو يستطيع الإنكار ويستكبر عن الإيمان؟ بل إنّ الاضطراب يأخذ أهل الأرض قاطبة على الفور بدرجة لا يقدرون على التّكلّم والتّفوُّه بحرف واحد، فكيف يصل الحال إلى الرّدِّ أو القبول؟ ونظرا ً لعدم إدراكهم هذه المعاني فقد عارض جمع من علماء النّصارى محمّدا ً قائلين له إذا كنت أنت النّبيّ الموعود، فلماذا ليس معك هؤلاء الملائكة المذكورون في كتبنا والّذين يجب أن يأتوا مع جمال الموعود ويكونوا عونًا له في أمره ونذيرًا للعباد؟ كما أخبر ربِّ العزّة عن لسانهم بقوله: ﴿لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾([45]) إنّ أمثال هذه الاعتراضات كانت موجودة بين النّاس في كلّ الأزمان والأعصار.  وكانوا في كلّ الأيّام مشتغلين بزخارف القول، بحجّة أنّ العلامة الفلانيّة لم تظهر، والبرهان الفلاني لم


يتحقّق وما انتابتهم هذه الأمراض إلاّ من تمسُّكهم بعلماء عصرهم في تصديق وتكذيب هذه الجواهر المجرَّدة، والهياكل الإلهيّة.  ونظرًا لاستغراقهم في الشّؤونات النّفسيّة، واشتغالهم بالأمورات الدّنيّة الفانية، لهذا كانوا يرون في هذه الشّموس الباقية، أنّها مخالفة لعلمهم وإدراكهم، ومعارضة لجهدهم واجتهادهم.  وكانوا يفسّرون معاني الكلمات الإلهيّة، ويبيِّنون أحاديث الحروفات الأحديّة وأخبارها، تفسيرًا لفظيًّا بحسب مداركهم القاصرة.  لهذا حَرَموا أنفسهم وجميع النّاس من أمطار ربيع الفضل، وابتعدوا عن رحمة حضرة الأحديّة، مع أنّهم مقرّون ومذعنون بالحديث المشهور القائل (حديثُنا صعبٌ مستصعبٌ).  وبالحديث الّذي يقول في موضع آخر (إنّ أمرَنا صعبٌ مستصعبٌ لا يحتمله إلاّ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أو نبيٌّ مُرسَلٌ أو عبدٌ امتحنَ اللهُ قلبَهُ للإيمانِ).  ومن المسلَّم لديهم أنّه لم يصدق في حقِّهم أحد هذه الأحوال الثّلاثة.  فالحالان الأوّلان أمرهما واضح، وأمّا في الحالة الثّالثة فإنّهم لم يسْلَموا أبدًا من الامتحانات الإلهيّة وعند ظهور المحكِّ الإلهيّ لم يظهر منهم شيء إلاّ الغشّ«

 

سبحان الله مع إقرارهم بهذا الحديث فإنّ العلماء الّذين


لا يزالون إلى الآن في ظنّ وشكّ في المسائل الشّرعيّة كيف يدّعون العلم في غوامض مسائل الأصـول الإلهيّة، وجواهر أسرار الكلمات القدسيّة، ويقولون بأنّ الحديث الفلاني الّذي هو من علائم ظهور القائم (المهدي) لم يظهر إلى الآن مع أنّهم لم يدركوا أبدًا رائحة معاني الأحاديث وغفلوا عن أنّ جميع العلامات قد ظهرت وصراط الأمر قد امتدّ، والمؤمنون كالبرق عليه يمرّون.  وهم لظهور العلامة ينتظرون« قل يا ملأ الجهّال فانتظروا كما كان الّذين من قبلكم لمن المنتظرين«

 

وإذا ما سئلوا عن شرائط ظهور الأنبياء الّذين يأتون من بعد حسب ما هو المسطور في الكتب من قبل والّتي من جملتها علامات ظهور الشّمس المحمّديّة وإشراقها كما قد أشرنا إليه من قبل والّتي بحسب الظّاهر لم تظهر منها علامة واحدة.  فمع هذا إذا سئلوا بأيّ دليل وبرهان تردّون النّصارى وأمثالهم وتحكمون عليهم بالكفر، فحين عجزهم عن الجواب يتمسّكون بقولهم إنّ هذه الكتب قد حرّفت وإنّها ليست من عند الله، وإنّها لم تكن من عنده أبدًا.  والحال أنّ نفس عبارات الآية تشهد بأنّها من عند الله.  ومضمون


نفس هذه الآية أيضًا موجود في القرآن لو أنتم تعرفون: الحقّ أقول لكم أنّهم لم يدركوا في تلك المدّة ما هو المقصود من التّحريف«

 

أجل قد ورد في الآيات المنزلة، وكلمات المرايا الأحمديّة ذكر تحريف العالين وتبديل المستكبرين ولكنّ ذلك في مواضع مخصوصة: ومن جملتها حكاية ابن صوريّا حينما سأل أهل خيبر من نقطة الفرقان محمّد عليه السلام عن حكم قصاص زنا المحصن والمحصنة فأجابهم حضرته "بأنّ حكم الله هو الرجم" وهم أنكروا قائلين بأنّ مثل هذا الحكم غير موجود في التّوراة فسألهم حضرته "أيّ عالم من علمائكم تسلِّمون به وتصدقون كلامه؟" فاختاروا ابن صوريّا فأحضره رسول الله t وقال له "أقسمك بالله  الّذي فلَق لكم البَحْرَ، وأَنْزَلَ عليكم المَنَّ، وظلَّلَ لكم الغمامَ، ونجَّاكم من فرعون وملئه، وفضَّلَكم على النّاس بأن تذكر لنا ما حكم به موسى في قصاص الزّاني المُحْصَن والزّانية المُحْصَنَة) أي أنّ حضرته استحلف ابن صوريّا بهذه الإيمان المؤكّدة عمّا نُزِّل في التّوراة من حكم قصاص الزّاني المحصن فأجاب: أن يا محمّد إنّه الرّجم، فقال حضرته


لماذا نسخ هذا الحكم من بين اليهود وتعطَّل حكمه. فأجاب بأنّه "لمّا حَرَقَ بختنصّر بيت المقدس وأعمل القتل في جميع اليهود لم يبقَ أحدٌ منهم في الأرض إلاّ عدد يسير.  فعلماء ذاك العصر بالنظر لقلَّة اليهود وكثرة العمالقة اجتمعوا وتشاوروا فيما بينهم بأنّهم لو عملوا وفق حكم التّوراة لقُتِل الّذين نجوا من يد بختنصّر بحكم التّوراة، ولهذه المصلحة رفعوا حكم القتل من بينهم بالمرة" وفي هذه الأثناء نزل جبريل على قلبه المنير وعرض عليه هذه الآية ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾([46]) هذا موضع من المواضع الّتي أشير إليها، وفي هذا المقام ليس المقصود من التّحريف ما فهمه هؤلاء الهمج الرّعاع كما يقول بعضهم إنّ علماء اليهود والنّصارى محوا من الكتاب الآيات الّتي كانت في وصف الطّلعة المحمّديّة، وأثبتوا فيه ما يخالفها، وهذا القول لا أصل له ولا معنى أبدًا: فهل يمكن أنَّ أحدًا يكون معتقدًا بكتاب ويعتبره بأنّه من عند الله ثمَّ يمحوه؟ وفضلاً عن ذلك فإنّ التّوراة كانت موجودة في كلّ البلاد ولم تكن محصورة بمكّة والمدينة حتّى يستطيعوا أنّ يغيّروا أو يبدّلوا فيها.  بل


إنّ المقصود من التّحريف هو ما يشتغل به اليوم جميع علماء الفرقان ألا وهو تفسير الكتاب وتأويله بحسب ميولهم وأهوائهم: ولمّا كان اليهود في عصر حضرة الرّسول يفسِّرون آيات التّوراة الدّالة على ظهور حضرته بحسب أهوائهم وما كانوا يرضون ببيان محمّد عليه السّلام لذا صدر في حقِّهم حكم التّحريف.  كما هو مشهود اليوم عن أمَّة الفرقان كيف أنّها حرَّفت آيات الكتاب الدَّالة على علامات الظّهور، ويفسِّرونها بحسب ميولهم وأهوائهم كما هو معروف«

 

وفي موضع آخر يقول: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾([47]) وهذه الآية دالّة أيضًا على تحريف معاني الكلام الإلهيّ لا على محو الكلمات الظّاهريّة كما هو مستفاد من الآية، وتدركه أيضًا العقول المستقيمة«

 

وفي موضع آخر يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ


بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾([48]) إلى آخر الآية.  وهذه الآية قد نزلت في شأن علماء اليهود وأكابرهم حيث كانوا يكتبون ألواحًا عديدة في ردِّ حضرة الرّسول لأجل استرضاء خاطر الأغنياء، واستجلاب زخارف الدّنيا، وإظهار الغلّ والكفر.  وكانوا يستدلُّون على ذلك بدلائل عديدة لا يجوز ذكرها، وينسبون إلى أدلَّتهم هذه أنّها مستفادة من أسفار التوراة كما يشاهد اليوم مثل ذلك: فكم من الرّدود على هذا الأمر البديع كتبها علماء العصر الجاهلون، وزعموا بأنّ مفترياتهم هذه مطابقةٌ لآيات الكتاب، وموافقة لكلمات أولي الألباب«

 

وقصارى القول إنّ المقصود من هذه الأذكار هو أنّه إذا كانوا يقولون بأنّ هذه العلائم المذكورة المشار إليها في الإنجيل قد حرِّفت، ويردّونها ويتمسّكون بآيات وأخبار، فاعرف بأنّه كذب محض، وافتراء صرف: نعم إنّ ذكر التّحريف بهذا المعنى الّذي أشير إليه موجود في مواضع معيّنة.  ولقد ذكرنا بعضًا منها حتّى يكون معلومًا ومثبوتًا


لكلّ ذي بصر بأنّ الإحاطة بالعلوم الظّاهرة أيضًا موجودة لدى بعض من الأمّيّين الإلهيّين كيلا يقع المعارضون في هذا الوهم ويتشبّثون بالمعارضة مدَّعين بأنّ الآية الفلانيّة دليل على التّحريف.  وإنّ هؤلاء الأصحاب قد ذكروا هذه المراتب والمطالب فقط بسبب عدم اطّلاعهم: وعلاوة على ما ذكر فإنّ أكثر الآيات المشعرة بالتّحريف قد نزِّلت في حقّ اليهود "لو أنتم في جزائر علم الفرقان تحبرون".

 

ولو أنّه قد سمع من بعض حمقى أهل الأرض أنّهم يقولون بأنّ الإنجيل السّماوي ليس في يد النّصارى بل قد رفع إلى السّماء غافلين عن أنّهم بهذا القول يثبتون نسبة الظّلم والاعتساف بأكمله لحضرة الباري جلَّ وعلا.  لأنّه إذا كان بعد غياب شمس جمال عيسى عن وسط القوم وارتقائها إلى الفلك الرّابع ورفع كتاب الله جلَّ ذكره أيضًا من بين خلقه الّذي هو أعظم حجّة بينهم فبأيّ شيء يتمسّك به أولئك العباد من زمن عيسى إلى زمن إشراق الشّمس المحمّديّة؟ وبأيّ أمر كانوا به مأمورين؟ وكيف يصيرون مورد انتقام المنتقم الحقيقيّ، ومحلَّ نزول عذاب وسياط السّلطان المعنويّ: وبصرف النّظر عمّا ذكر يترتَّب على ذلك انقطاع


فيض الفيَّاض وانسداد باب رحمة سلطان الإيجاد "فَنَعُوذُ بِاللّهِ عَمّا يَظُنُّ العبادُ فی حَقِّه، فَتَعالی عَمّا هُم يَعرفُونَ".

 

فيا عزيزي إنّه في هذا الصبح الأزلي الّذي فيه أحاط العالم أنوار﴿اللهُ نُورُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ﴾([49]) وارتفع سرادق العصمة والحفظ بقوله: ﴿وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾([50]) وفيه انبسطت وقامت يد القدرة بقوله: ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾([51]) ينبغي لنا أن نشدَّ أزر الهمَّة لعلَّ نصلُ بعناية من الله وكرم منه إلى المدينة القدسيّة ﴿إِنَّا للهِ﴾ ونستقرّ في مواقع عزّ ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ويجب عليك إن شاء الله أن تنزِّه عيني فؤادك عن الشّؤون الدّنيويّة حتّى تدرك ما لا نهاية له من مراتب العرفان، وترى الحقّ أظهر من أن يحتاج في إثبات وجوده إلى دليل أو يتطلّب التّمسُّك بحجّة في معرفته«

 

أيّها السّائل المحبّ، لو أنّك تكون طائرًا في هواء الرّوح  الرّوحانيّ لترى الحقّ ظاهرًا فوق كلّ شيء بدرجة لا ترى في


الوجود شيئًا غيره "كان اللهُ ولم يكن معه مِن شيء" وهذا المقام مقدَّس عن أن يستدلّ عليه بدليل أو يحتاج إلى برهان.  ولو تكون سائرًا في فضاء قدس الحقيقة لتجد كلّ الأشياء معروفة بعرفانه وهو ما زال ولا يزال معروفًا بنفسه.  ولو تكون ساكنًا في أرض الدّليل فاكف نفسك بما قاله بنفسه ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾([52]) هذه هي الحجّة الّتي قرّرها بنفسه ولم يكن أعظم منها حجّة ولن يكون "دليله آياته ووجوده إثباته".

 

إنّني في هذا الوقت أُذَكِّر أهل البيان وأطلب من عرفائهم وحكمائهم وعلمائهم وشهدائهم بأن لا ينسوا الوصايا الإلهيّة الّتي أنزلها في الكتاب ويكون دائمًا ناظرين إلى أصل الأمر كيلا يتمسّكوا ببعض عبارات الكتاب حين ظهور ذلك الجوهر الّذي هو جوهر الجواهر وحقيقة الحقائق ونور الأنوار.  وأن لا يرد عليه منهم ما ورد في كور الفرقان لأنّ ذاك السّلطان -سلطان الهويّة- قادر على أن يقبض الرّوح  من كلّ البيان، وخلقه بحرف واحد من بدائع كلماته.  أو


يهب عليهم الحياة البديعة القدميَّة بحرف واحد منه ويحشرهم ويبعثهم من قبور النّفس والهوى: وأنت فالتفت وارتقب وأيقن في ذاتك بأنَّ الكلَّ سوف ينتهي أمرهم إلى الإيمان به وإدراك أيَّامه ولقائه ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ([53]) "اسمعوا يا أهل البيان ما وصَّيناكم بالحقّ لعلَّ تسكننَّ في ظلِّ كان في أيام الله ممدودًا"«

 

"الباب المذكور في بيان أنَّ شمس الحقيقة ومظهر نفس الله ليكوننَّ سلطانًا على من في السّموات والأرض وإن لن يطيعه أحد من أهل الأرض، وغنيًّا عن كلِّ من في الملك وإن لم يكن عنده دينار – كذلك نظهر لك من أسرار الأمر، ونلقي عليك من جواهر الحكمة لتطيرنّ بجناحيّ الانقطاع في الهواء الّذي كان عن الأبصار مستورًا"«

 

إنّ لطائف هذا الباب وجواهره توضِّح وتثبت لدى أصحاب النّفوس الزّكيّة والمرايا القدسيّة، أنَّ شموس الحقيقة


ومرايا الأحديَّة الّتي تظهر في كلِّ عصرٍ وزمان من خيام غيب الهويّة إلى عالم الشّهادة لتربية الممكنات، وإبلاغ الفيض إلى كلّ الموجودات – هذه الشّموس تظهر بسلطنة قاهرة، وسطوة غالبة، لأنّ هذه الجواهر المخزونة والكنوز الغيبيّة المكنونة هم محل ظهور "يفعلُ اللهُ ما يشاءُ ويحكمُ ما يريدُ"«

 

ومن الواضح لدى أولي العلم والأفئدة المنيرة، أنَّ غيب الهويَّة وذات الأحديَّة كان مقدَّسًا عن البروز والظّهور، والصّعود والنّزول والدّخول والخروج، ومتعاليًا عن وصف كلّ واصف وإدراك كلِّ مدرك، لم يزل كان غنيًّا في ذاته، ولا يزال يكون مستورًا عن الأبصار والأنظار بكينونته ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ([54]) لأنَّه لا يمكن أن يكون بينه وبين الممكنات بأيِّ وجه من الوجوه نسبة وربط وفصل ووصل أو قرب وبعد وجهة وإشارة.  لأنَّ جميع من في السّموات والأرض قد وُجِدوا بكلمة أمره، وبُعِثوا من العدم البحت والفناء الصّرف إلى عرصة الشّهود والحياة بإرادته الّتي هي نفس المشيئة«


سبحان الله! إنَّه ما كان ولن يكون بين الممكنات وبين كلمته أيضًا نسبة ولا ربط: والبرهان الواضح على هذا المطلب قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ([55]) والدّليل اللاّئح عليه "كان الله ولم يكن معه من شيء".  إذ أنَّ جميع الأنبياء والأوصياء والعلماء والعرفاء والحكماء قد أقرّوا بعدم بلوغ معرفة ذلك الجوهر الّذي هو جوهر الجواهر.  وأذعنوا بالعجز عن العرفان والوصول إلى تلك الحقيقة الّتي هي حقيقة الحقائق«

 

ولما أن كانت أبواب عرفان ذات الأزل مسدودةً على وجه الممكنات لهذا باقتضاء رحمته الواسعة في قوله "سبقتْ رحْمَتُه كلَّ شيءٍ ووسعَتْ رحمتي كلَّ شيءٍ" قد أظهر بين الخلق جواهر قدس نورانيّة، من عوالم الرّوح  الرّوحانيّ على هياكل العزِّ الإنسانيّ، كي تحكي عن ذات الأزليَّة وساذج القدميّة – وهذه المرايا القدسيّة ومطالع الهويّة تحكي بتمامها عن شمس الوجود وجوهر المقصود.  فمثلاً علمهم من علمه، وقدرتهم من قدرته، وسلطنتهم من


سلطنته، وجمالهم من جماله، وظهورهم من ظهوره، وهم مخازن العلوم الربّانيّة، ومواقع الحكمة الصّمدانيّة، ومظاهر الفيض اللاّمتناهي، ومطالع الشّمس السّرمديّة كما قال "لا فرق بينك وبينهم إلاّ بأنّهم عبادك وخلقك" وهذا مقام "أنا هو وهو أنا" حسب المذكور في الحديث.  والأحاديث والأخبار الدّالة على هذا المطلب عديدة لم يتعرَّض هذا العبد إلى ذكرها حبًّا للاختصار.  بل إنّ كلَّ ما في السّموات والأرض مواقع لبروز الصِّفات والأسماء الإلهيّة، كما هو ظاهر في كلِّ ذرَّة آثار تجلِّي تلك الشّمس الحقيقيّة، بل إنَّه من غير ظهور هذا التّجلِّي في عالم الملك لا يكون لأيّ شيء شرف الفخر بخلعة الحياة أو شرف الوجود.  فكم في الذّرة مستور من شموس المعارف، وكم في القطرة مخزون من بحور الحكمة، ولا سيّما الإنسان الّذي اختصّ من بين الموجودات بهذه الخلع، وامتاز بهذا الشرف.  لأنَّ جميع الأسماء والصِّفات الإلهيّة تظهر من المظاهر الإنسانيّة بنحوٍ أكمل وأشرف.  وكلّ هذه الأسماء والصِّفات راجعة إليه حيث قال: "الإنسان سرّي وأنا سرّه" والآيات المتواترة المشعرة والدّالة على هذا المطلب الرّقيق اللّطيف مسطورة في جميع الكتب السماويّة، ومذكورة في


الصّحف الإلهيّة، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِم﴾([56]) وفي مقام آخر ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ(2) وفي مقام آخر يقول أيضًا: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالّذينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ(3) وكما يقول سلطان البقاء روح من في سرادق العماء فداه "مَنْ عرفَ نَفسَهُ فقد عَرفَ ربَّه" قسمًا بالله يا حبيبي الجليل لو تفكّر قليلاً في هذه العبارات لتجدن أبواب الحكمة الإلهيّة ومصاريع العلم غير المتناهي مفتوحة أمام وجهك«

 

والخلاصة أنَّه صار معلومًا من هذه البيانات أنَّ جميع الأشياء حاكية عن الأسماء والصّفات الإلهيّة، وعلى كلّ قدر استعداده مدلّ ومشعر بالمعرفة الإلهيّة على شأن أحاطت ظهوراته الصّفاتيّة والأسمائيّة كلّ الغيب والشّهود – ولهذا يقول: "أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك عميت عين لا تراك" وكما يقول أيضًا سلطان البقاء: "ما رأيت شيئًا إلا وقد رأيت الله فيه أو قبله أو بعده".  وفي رواية


كميل "نور أشرق من صبح الأزل فيلوح على هياكل التوحيد آثاره" والإنسان الّذي هو أشرف المخلوقات وأكملها لأشدّ دلالة وأعظم حكاية من سائر المعلومات، وأكمل إنسان وأفضله وألطفه هم مظاهر شمس الحقيقة.  بل إنَّ ما سواهم موجودون بإرادتهم ومتحرّكون بإفاضتهم.  لولاك لما خلقتُ الأفلاك.  بل الكلّ في ساحة قدسهم عدمٌ صرف وفناءٌ بحت.  بل إنَّ ذكرهم منزّه عن ذكر غيرهم، ووصفهم مقدّس عن وصف ما سواهم.  وهؤلاء الهياكل القدسيّة هم المرايا الأوّليّة الأزليّة الّتي تحكي عن غيب الغيوب وعن كلّ أسمائه وصفاته من علم وقدرة وسلطنة وعظمة ورحمة وحكمة وعزّة وجود وكرم.  فكلّ تلك الصّفات ظاهرة ساطعة من ظهور هذه الجواهر الأحديّة.  إنَّ هذه الصّفات ليست مختصّة ببعض دون بعض ولم تكن كذلك فيما مضى بل إنَّ جميع الأنبياء المقرّبين والأصفياء المقدّسين موصوفون بهذه الصّفات وموسومون بتلك الأسماء.  نهاية الأمر أنَّ بعضهم يظهر في بعض المراتب أشدّ ظهورًا، وأعظم نورًا كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ([57]).  إذًا صار من المعلوم والمحقّق أنَّ


محلّ ظهور جميع هذه الصّفات العالية وبروز الأسماء غير المتناهية هم أنبياء الله وأولياؤه.  سواء أتظهر بحسب الظّاهر بعض هذه الصّفات في تلك الهياكل النّورانيّة أو لا تظهر: وليس معنى ذلك أنَّه إذا لم تظهر من تلك الأرواح المجرّدة صفة بحسب الظّاهر يكون نصيبها نفي تلك الصّفة عن أولئك المظاهر للصّفات الإلهيّة ومعادن أسماء الرّبوبيّة.  لهذا يجري على كلّ هؤلاء الوجودات المنيرة والطّلعات البديعة حكم جميع صفات الله من السّلطنة والعظمة وأمثالها حتّى وإن لم يظهروا بحسب الظّاهر بسلطنة ظاهرة أو غيرها.  وهذه الفقرة ثابتة ومحقّقة لكلّ ذي بصر فلا تحتاج إلى دليل آخر«

 

أجل إنَّ هؤلاء العباد لمّا لم يأخذوا تفاسير الكلمات القدسيّة من العيون الصّافية المنيرة عيون العلوم الإلهيّة، فهم لهذا سائرون في وادي الظّنون والغفلة، وقد أنهكهم الظّمأ، وأدركهم الإعياء معرضون عن البحر العذب الفرات، وطائفون حول الملح الأجاج كما قال ورقاء الهويّة في وصفهم، ﴿وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا


وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ([58]) أي أنَّه إنَّ يروا سبيل الصّلاح والفلاح لا يتّخذوه سبيلاً ولا يقبلوا عليه.  وأمّا إن يروا طريق الباطل والطّغيان والضّلالة فهذا يعدّونه بزعمهم طريق الوصول إلى الحقّ.  ولم يظهر منهم هذا الإقبال إلى الباطل والإعراض عن الحقّ يعني أنّهم لم يبتلوا بالضّلالة والغيّ إلاّ جزاءً بما كانوا يكذّبون بآياتنا، وكانوا عن نزولها وظهورها غافلين.  كما شوهد في هذا الظّهور البديع المنيع من مئات الآلاف من الآيات الإلهيّة الّتي نزّلت من سماء القدرة والرّحمة – ومع ذلك قد أعرض عنها كلّ الخلق وتمسّكوا بأقوال العباد الّذين ما أدركوا حرفًا منها – فلهذا السّبب اشتبهوا في أمثال هذه المسائل الواضحة وحرموا أنفسهم عن رضوان علم الأحديّة ورياض الحكمة الصّمديّة«

 

ولنرجع أخيرًا إلى المبحث الخاصّ بالسّؤال عن سلطنة القائم من حيث كونها قد وردت في الأحاديث المأثورة عن الأنجم المضيئة.  ومع ذلك لم يظهر أثر من تلك السّلطنة بل قد تحقّق خلافه.  إذ أنَّ أصحابه وأولياءه كانوا ولا زالوا


محصورين ومبتلين تحت أيدي النّاس، وظاهرين في عالم الملك بمنتهى الذّلّ والعجز.  نعم إنَّ السّلطنة المذكورة في الكتب في حقّ القائم لهي حقّ ولا ريب فيها، ولكنّها ليست بتلك السّلطنة والحكومة الّتي تدركها كلّ نفس، فضلاً عن أنّ جميع الأنبياء السّابقين الّذين بشّروا النّاس بالظّهور الّذي يأتي بعدهم، قد ذكر كلّ أولئك المظاهر السّابقين سلطنة الظّهور التّالي كما هو مسطور في كتب القبل، وإنّها لم تتخصّص بالقائم وحده بل إنّ حكم السّلطنة وجميع الصّفات والأسماء متحقّق وثابت في حقّ كلّ أولئك المظاهر من السّابقين واللاّحقين، لأنّهم مظاهر الصّفات الغيبيّة، ومطالع الأسرار الإلهيّة كما سبقت الإشارة إليه«

 

وفضلاً عن ذلك فإنّ المقصود من السّلطنة هو إحاطة حضرته وقدرته على كلّ الممكنات – سواء أيظهر في عالم الظّاهر بالاستيلاء الظّاهريّ أو لا يظهر به – وهذا أمر منوط بإرادة حضرته ومشيئته، وليكن في علم جنابك أنَّ المقصود من السّلطنة والغنى، والحياة والموت، والحشر والنّشر، المذكور في الصّحف الأولى ليس هو ما يدركه الآن هؤلاء القوم ويفهمونه.  بل إنَّ المراد من السّلطنة هي الس