خطبُ
عَبد
البَهَاء
في
أوروبّا
وأمريكَا
الطّبعة
الثّانية
شهر النّور
155 بديع
تمّوز
1998م.
من
منشورات دار النّشر البهائيّة في البرازيل
EDITORA
BAHA’I – BRASIL
Rua
Engenheiro Gama Lobo, 267
20.551
خطبُ
عَبد البَهَاء
في
أوروبّا
وَأمريكَا
صفحة
خالية
مقدّمة
النّاشر
صعد حضرة بهاء الله – مؤسّس الدّين البهائيّ – إلى الرّفيق
الأعلى في أواخر أيّار (مايو) سنة 1892، فتولّى تبيين أمره وترويجه من بعده ابنه عبّاس
أفندي الّذي يعرف جيّدًا باسم: "المولى" و"حضرة عبد البهاء".
وفي فاتحة هذا القرن بلغ انتشار الدّين البهائيّ في
الغرب درجة استلزمت سفره إلى أحبّائه الّذين تعهّدهم بعناية فائقة، غير أنّه لم
يستطع أن يغادر شواطئ الأرض المقدّسة إلاّ بعد أن أطاح انقلاب "تركيّا
الفتاة" بالحكومة العثمانيّة سنة 1909، وأطلقت حكومة الانقلاب سراح كافّة
المسجونين السّياسيّين والدّينيّين، وما كاد عبد البهاء يستردّ حرّيّته بعد اعتقال
وسجن وتضييق دام أربعين سنة حتّى نهض في ثقة وعزم وشجاعة ليكرِّس- وهو على أبواب السّبعين
من العمر- ما بقي من قوّته، ليقوم بهذه الأسفار الطّويلة الّتي دامت ما لا يقلّ عن
ثلاثة أعوام.
الرّحلة
الأولى
ففي شهر أيلول (سبتمبر) 1910 أبحر من الأرض المقدّسة
وأقام في بور سعيد ما يقرب من شهر واحد، وركب السّفينة من هناك ليبحر إلى أوروبّا،
إلاَّ أنّ توعّك صحّته اضطرّه إلى تأجيل رحلته فتوقّف بالإسكندريّة نحو عام واحد
حيث أقام مستشفيًا وزار أثناء إقامته تلك: القاهرة، وضاحية الزّيتون.
وفي أغسطس سنة 1911 أبحر من الإسكندريّة
عن طريق مارسيليا إلى مدينة تونون لي بان السّويسريّة، ومكث فيها أيّامًا معدودة
وألقى
هناك خطبته الجامعة الّتي نقلها أحد المراسلين إلى جريدة الأهرام المصريّة.([1])
وفي اليوم الرّابع من شهر أيلول (سبتمبر) 1911 وصل عبد
البهاء مدينة لندن، فمكث فيها شهرًا واحدًا ليغادرها إلى باريس حيث بقي مدّة تسعة
أسابيع غادر بعدها العاصمة الفرنسيّة ليعود إلى مصر في شهر كانون الأوّل (ديسمبر)
من العام نفسه، وقضى فصل الشّتاء في مدينة الإسكندريّة. وهذه هي ما نطلق عليها اسم
"الرّحلة الأولى"، وقد دامت أربعة أشهر أو نحوها.
الرّحلة
الثّانية
بدأ حضرة عبد البهاء رحلته الثّانية إلى الغرب في اليوم
الخامس والعشرين من شهر آذار (مارس) 1912 فقد أبحر إلى نيويورك عن طريق نابولي،
فوصلها بعد 18 يومًا وفي أمريكا قام بجولة واسعة طويلة استغرقت 8 أشهر جاب فيها
الولايات المتّحدة من المحيط إلى المحيط وبعض المدن في كندا ثمّ عاد إلى نيويورك
وغادرها في اليوم الخامس من كانون الأوّل (ديسمبر) إلى ليفربول، ومنها إلى لندن
فزار أكسفورد وأدنبره وبريستول وعاد إلى لندن ومنها سافر إلى باريس في أواخر كانون
الثّاني (يناير) 1913 حيث أمضى فيها إلى أواخر آذار (مارس) ثمّ سافر إلى اشتتغارت
فبودابست وﭬﻴﻴﻨﺎ وفي 13 حزيران أبحر إلى بور سعيد وزار الإسماعيليّة وأبا
قير زيارة قصيرة وأقام في رمل الإسكندريّة مدّة أطول عاد بعدها إلى الأراضي المقدّسة
منهيًا أسفاره التّاريخيّة في 5 كانون الأوّل 1913 قبل إعلان الحرب العالميّة الأولى
بزمن قصير.
***
وتشير هذه الأسفار الطّويلة إلى نقطة بالغة الأهميّة في
تاريخ الدّين البهائيّ، كما أنّها تقف فذّة فريدة لا شبيه لها ولا مثيل في القرن
البهائيّ الأوّل، ذلك لأنّه لا "الباب" المبشّر بهذا الدّين ولا "بهاء
الله" – مؤسّس هذا الدّين– استطاعا أن يتّصلا بالغرب أو بالشّرق اتّصالاً
مباشرًا أو شخصيًّا، فما كاد حضرة الباب يعلن رسالته حتّى اعتقل وسجن ونفي في قلاع
الحدود الإيرانيّة الرّوسيّة التّركيّة ثمّ ما لبث أن شرب كأس الشّهادة رميًا بالرّصاص
في ميدان تبريز العام في صيف 1850.
أمّا حضرة بهاء الله فقد قضى معظم حياته سجينًا منفيًّا
ابتداءً من طهران فبغداد، ثمّ إسطنبول فأدرنة حتّى استقرّ به منفاه في سجن عكّا، وظلّ
سجينًا محرومًا من الحرّيّة إلى آخر نسمة من حياته ثمّ صعد إلى الرّفيق الأعلى
بجوار تلك المدينة في صيف عام 1892 ميلاديّة.
وعلى ذلك فهذه هي المرّة الأولى الّتي استطاعت فيها شخصيّة
رئيسيّة لهذا الدّين وهي مثله الأعلى ومركز عهده وميثاقه ومبيّن كتاباته المقدّسة
أن تتخطّى شواطئ الشّرق وتتمتّع بحرّيّة العمل إلى آخر أيّام حياتها الّتي انتهت
في خريف عام 1921.
وينبغي ألاّ يغيب عن بالنا أنّ حضرة عبد البهاء دخل السّجن
صبيًّا ثمّ غادره شيخًا فلم يجلس إلى معلّم، ولم يتلقَّ العلم في مدرسة، كما أنّه
لم يختلط بالوسط الغربيّ حتّى يعرف عادات أهل الغرب أو لغتهم، ومع ذلك قام ليعلن
من المنبر ومن المنصّة في عواصم أوروبّا المهمّة وفي أمّهات مدن أمريكا الشّماليّة
الحقائق المميزة للدّين البهائيّ، وليوضح الأصول الإلهيّة لأنبياء
الله ورسله جميعًا، ويبيّن الصّلة الّتي تربط رسالاتهم بهذا الدّين، ويشرح عناصر النّظام
الإلهيّ العالميّ، ويعزّز عرض هذه الحقائق الحيويّة الّتي
وصفها بأنّها "روح العصر"
بتحذيراته
وإنذاراته باندلاع نار حرب طاحنة داهمة تلتهم أوروبّا، وينبّه على الانحلال الّذي يدبّ
في القوى السّياسيّة، ويؤكّد تأكيدًا قاطعًا بأنّ "راية اتّحاد الجنس البشريّ
سوف ترتفع ويصبح العالم عالمًا آخر".
وفي أثناء تلك الأسفار أظهر حضرة عبد البهاء من الحيويّة
والإقدام والإخلاص للواجب الّذي فرضه على نفسه ما أثار العجب والإعجاب، فقد قضى
ثلاثة أعوام يصرّح بالحقائق الإلهيّة، غير مهتمّ براحته أو صحّته، باذلاً كلّ ذرّة من قوّته، عاملاً على رعاية المريض
والتّفريج عن البائس والمحروم،
ومواساة المحزون والمهموم، وكان راسخًا لا يقبل المساومة في دفاعه عن العناصر المظلومة
والطّبقات المحرومة، وكان لا يكترث بالهجمات الّتي كان يشنّها عليه أقطاب الأديان
المتعصّبين، وكان عجيبًا في صراحته وهو يبيّن لأتباع موسى عليه السّلام نبوّة
السّيّد المسيح له المجد، ويوضح لأتباع عيسى في كنائسهم أصل الإسلام الإلهيّ وصحّة
نبوّة سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم،
ويقنع الطّبيعييّن
بصدق النّبوّة والرّسالة ولزوم الدّين وضرورته للجنس البشريّ.
لقد قام حضرة عبد البهاء بهذه الأسفار لكي يحقّق ثلاثة أهداف أساسيّة؛
أوّلها: أن يشدّ من عزم أحبّائه ويساعدهم على
إنجاز مشروعاتهم، وثانيها: أن يسهم بنصيبه في شرح حقائق الدّين البهائيّ إلى
الجموع المتعطّشة، وثالثها أن يحذّر قادة العالم المتحضّر من اقتراب اندلاع نيران
الحرب العالميّة الأولى.
وقد حقّقت هذه الأسفار تلك الأهداف تحقيقًا كاملاً، بل إنَّ
نتائجها فاقت كلّ
ما علّق عليها من آمال، فقد وضع
بيده الحجر الأساسيّ لمشرق الأذكار –أي المعبد البهائيّ في شيكاغو، الولايات المتّحدة
الأمريكيّة– وأكّد تأكيدًا خاصًّا على الميثاق الّذي أبرمه حضرة بهاء الله، وذلك
في اجتماع عام عقده أحبّاؤه
في نيويورك في 26
تشرين
الثّاني (نوﭬمبر)
1912، فسميت لذلك ﺑ"مدينة الميثاق"، وأولم وليمة رمزيّة لعدد
كبير من تلاميذه في الهواء الطّلق، وقام بعمل رمزيّ آخر وهو عقد قران اثنين من البهائيّين
أحدهما من البيض، وثانيهما من السّود.
على أنّنا نقلّل من شأن هذه الأسفار إذا نحن تجاوزنا عن
آلاف العظماء من الفلاسفة والعلماء ورجال الدّين والسّياسة والثّقافة والاجتماع
والاقتصاد والصّحافة ممّن التقوا به وفازوا بالاستماع إليه ومناقشته والاستفادة من
علمه ونصائحه. كما أنّنا لا يمكننا أن نغضّ الطّرف عن آلاف اللّفتات الإنسانيّة النّبيلة
الّتي التفت بها إلى البائسين والمحرومين حتّى لقد لقب – بحقّ– ﺑ
"أبي المساكين".
***
يقتصر هذا الكتاب كما هو واضح من عنوانه على زاوية واحدة
من هذه الأسفار والرّحلات المتعدّدة النّواحي، ونقصد بها "حضرة عبد
البهاء" و"الجماهير المستمعة في لهفة وشغف وتقدير". والخطب
المجموعة هنا تشكّل نزرًا يسيرًا من كلّ ما ألقاه في أوروبّا وأمريكا، فهناك خطب
عدّة ألقاها في دور العبادة المختلفة والمعاهد العلميّة والجامعات في المدن الّتي
زارها إبّان رحلته لم تدرج في هذه المجموعة، وهي موجودة في شكل مخطوطات أو في
المجلات البهائيّة وغير البهائيّة الّتي عاصرت أسفاره لأوروبّا وأمريكا.
وبالرّغم من الشّمول الّذي تتّسم به هذه المجموعة، فإنّها
لا تحتوي على كلّ ما تحدّث عنه حضرة عبد البهاء، ولا تتضمّن مثلاً ملاحظاته الدّقيقة
الّتي كان يبديها صباحًا ومساءً وفي كلّ مناسبة، والّتي تشكّل في حدّ ذاتها تراثًا
غنيًّا في أفق المبادئ الدّينيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة، وتتضمّن منهجًا فريدًا
في توجيه البشر نحو كلّ ما هو سامٍ
وكلّ
ما يعود بالخير والإصلاح على الإنسانيّة جمعاء.
وممّا يجدر ذكره هنا أنّ القائمين على ترجمة المجموعة ونشرها
لم يحاولوا تغيير مقوّمات الأسلوب الخطابيّ الّذي ألقيت به حتّى لا تتحوّل الخطب
إلى رسائل أو مقالات أو فصول من كتاب، وكلّ ما ينبغي أن يعلمه القارئ هو أنّ هذه
الخطب ألقيت ارتجالاً وأنّ حضرة عبد البهاء لم يكتبها أو يعدّها قبل إلقائها، فإنّ
أسلوب عبد البهاء كما هو ظاهر من آثاره الّتي دوَّنها بنفسه، أسلوب فريد في نوعه
يتميّز ببساطة وسهولة في اللّفظ، ممّا يجعله "سهلاً وممتنعًا" وكلّ ما
يلاحظه القارئ من تقصير إنّما هو تقصير المترجم أو النّاقل وليس تقصير صاحب الكلمة
الّذي شهدت له ولبلاغته أساطين عصره بأنّه صاحب بيان ساحر ولسان فصيح بليغ.
***
يجمع هذا الكتاب بين دفّتيه الخطب المجموعة في كتابين:
الكتاب الأوّل وهو مجموعة من الخطب الّتي
ألقيت في أوروبّا إبّان الرّحلة الأولى وهو مطبوع في مصر في سنة 1921 أمّا الكتاب الثّاني
فيحتوي على مجموعة من ألواح حضرة عبد البهاء وبعض الخطب الّتي ألقيت خلال الأعوام
الثّلاثة من أسفاره والمطبوعة في طهران سنة 1942.
ويلاحظ القارئ أنّ هذه الخطب قد أعطيت لها
عناوين ليست أصليّة إلاّ أنّ القائمين على نشر الكتاب استخرجوها من فحوى الخطب
فأعطوا كلّ واحدة منها عنوانًا ينمّ عن فحواها كما أورد هؤلاء لفظة "هو الله"
عند بدء كلّ خطبة، أسوة بما كان من عادة حضرة عبد البهاء في بدء كتاباته وألواحه
بكلمة "هو الله"، وبالرّغم من أنّ بعض هذه
الخطب
قد سبقت ترجمته عن الفرنسيّة أو الإنكليزيّة، إلاّ أنّ ما يجده القارئ هنا ليس إلاّ
ترجمة جديدة عن الأصل الّذي ألقيت به وهي الفارسيّة، غير أنّ هناك خطبًا ثلاثًا
منشورة في الصّفحات 56- 72- 74 منقولة عن الإنكليزيّة كما أنّ الخطبتين المنشورتين
في الصّفحة 52 والصفحة 68 قد ألقيتا باللّغة العربيّة.
ولقد أوردنا ترجمة تسعة ألواح ممّا خطّها حضرة عبد البهاء
بيده أو أملاها على كتّابه، ومن ثمّ زيّنها بتوقيعه وذلك من أوّل الكتاب حتّى الصّفحة
52، وإنّنا إذ ننشر هذه المجموعة الفريدة الثّمينة نودّ أن نعبّر عن شكرنا
وامتنانا للمجهود الّذي بُذل في جمع مواد هذا الكتاب وترجمتها وإعدادها للنّشر.
المحفل
الرّوحانيّ المركزي للبهائيّين
في شمال شرق أفريقيا
صفحة خالية
صوت السّلام العامّ
هو الله
إنّ هذا المسجون بعد أن قضى أربعين عامًا في السّجن قام مدّة
ثلاث سنين بعد إطلاقه –أي منذ (1910) إلى نهاية سنة (1913) – بالسّفر والتّجوال في
أوروبّا وفي قارّة أمريكا الواسعة.
ومع ضعفه وعجزه نادى في المحافل العظمى والكنائس الكبرى
وألقى خطبًا مفصَّلة، ونشر كلّ ما جاء في ألواح حضرة بهاء الله وتعاليمه حول مسألة
الحرب والصّلح.
ولقد نشر حضرة بهاء الله قبل ما يقارب الخمسين سنة
تعاليمه، ونادى بنغمة الصّلح العموميّ في جميع ألواحه ورسائله، وأخبر بصريح
العبارة بهذه الوقائع الحاليّة، وبأنّ العالم الإنسانيّ في خطر عظيم وعلى أبواب
حرب عامّة محتومة فالمواد الملتهبة في خزائن أوروبّا الجهنّميّة سوف تنفجّر بشرارة
واحدة، ومنها سيكون انفجار بركان البلقان وتغيير خريطة أوروبّا، ولهذا دعا العالم
الإنسانيّ إلى الصّلح العموميّ.
وكتب إلى الملوك والسّلاطين ألواحًا بيَّن فيها أضرار
الحرب الجسيمة وأوضح فوائد الصّلح العموميّ ومنافعه، وبأنّ الحرب هادمة للبنيان الإنسانيّ،
وأنّ الإنسان بنيان إلهيّ وأنّ الصّلح
حياة مجسّمة والحرب ممات مصوَّر، وأنّ الصّلح
روح إلهيّة وأنّ الحرب نفثات شيطانيّة، وأنّ الصّلح نور الآفاق
وأنّ الحرب ظلمة على الإطلاق، وأنّ
الأنبياء العظام والفلاسفة
القدماء والكتب الإلهيّة كلّها
كانت بشيرة الصّلح والوفاء ونذيرة الحرب والجفاء، وأنّ هذا هو الأساس الإلهيّ
والفيض السّماويّ وأساس الشّرائع الإلهيّة.
وخلاصة
القول إنّني ناديت في جميع المجامع
بأعلى صوتي قائلاً: يا عقلاء العالم، ويا فلاسفة الغرب، ويا علماء الأرض إنّ وراءكم سحابًا مظلمًا يحيط
بالأفق الإنسانيّ ويلحقكم طوفان شديد يعصف بسفن حياة البشر وعن قريب سيحيط بمدن أوروبّا
وديارها سيل شديد فانتبهوا انتبهوا واستيقظوا استيقظوا لنقوم جميعنا بمنتهى الألفة
ونرفع بعون الله وعنايته علم وحدة العالم الإنسانيّ ونروّج الصّلح العمومي حتّى ننجي العالم الإنسانيّ
من هذا الخطر العظيم.
ولقد
قابلت في أمريكا وأوروبّا نفوسًا مقدّسة كانت متعاونة ومتجاوبة معنا في قضيّة الصّلح العموميّ وكانت متّفقة متوافقة اللّحن
في عقيدة وحدة العالم الإنسانيّ إلا أنّها
ويا للأسف كانت قليلة العدد وكان أعاظم الرّجال يظنّون بأنّ تجهيز الجيوش ومضاعفة القوى
الحربيّة سبب لحفظ الصّلح والسّلام
ولقد صرَّحت لهم ببيان صريح أنّ
الأمر ليس كذلك، فهذه الجيوش الجرّارة لا بدّ أن تتقدّم يومًا من الأيّام إلى
الميدان، وهذه المواد الملتهبة لا بدّ
أن تنفجر وأنَّ انفجارها يتوقّف على شرارة واحدة تشعل العالم بغتة ولكنّهم لم يذعنوا لهذا البيان
لعدم اتّساع الأفكار ولعمى الأبصار
إلى أن آلت شرارة البلقان إلى بركان.
وفي
بداية حرب البلقان سألتنا نفوس مهمّة قائلة: "هل حرب البلقان هذه حرب عالميّة؟"
فقلنا في الجواب: إنّها
تنتهي إلى حرب عالميّة.
وخلاصة
القول: إنّ حضرة بهاء الله تفضّل قبل
خمسين سنة وحذّر من هذا الخطر العظيم.
ومع
أنّ أضرار الحروب كانت واضحة لدى
أهل العرفان ولكنّها
الآن اتّضحت لعموم النّاس وعلم أنّ الحروب هي آفة العالم الإنسانيّ
وهادمة للبنيان الإلهيّ وسبب الموت الأبديّ وهادمة للمدن المعمورة، ونار
تحيط بالعالمين، ومصيبة كبرى ولهذا يتعالى الصّراخ إلى الأوج من جميع
الأطراف، وزلزلت الدّنيا من الويل والحنين وانطمرت أقاليم معمورة.
لقد
سالت العيون بالعبرات من ضجيج الأيتام من الأطفال واحترقت القلوب وذابت من صراخ الأيامى
من النّساء البائسات وارتفعت صرخة: واويلاه، وواأسفاه من قلوب الأمّهات، وارتفع إلى الأوج أنين
وتأوّه الآباء الطّاعنين في السّنّ. فعالم الخليقة محروم اليوم
من الرّاحة والأمان وتصل أصوات المدافع والبنادق كأصوات الرّعد وقد حوّلت المواد الملتهبة ساحات
الحرب إلى مقابر للشّبان
اليافعين والوضع أسوأ مما أسرده لكم.
فيا
دول العالم ارحموا العالم الإنسانيّ ويا مِلَلَ العالم توجّهوا بنظرة عطف
على ساحات الحرب، ويا علماء البشر تفقّدوا حال المظلومين، ويا فلاسفة الغرب تعمّقوا في هذه البليّة العظمى، ويا رؤساء العالم
تفكّروا في دفع هذه الآفة الكبرى،
ويا أيّها الجنس البشريّ تدبّر
في منع هذه البربريّة
والافتراس فلقد حان الوقت أن ترفعوا عَلَم الصّلح العموميّ وأن تقاوموا هذا السّيل
العظيم الّذي هو الآفة الكبرى.
ومع
أنّ هذا المسجون كان مدّة أربعين سنة في سجن الاستبداد ولكنّه لم يتأثّر، ولم ينحسر، كما تأثّر في هذه الأيّام، فالرّوح في
احتراق وذوبان، القلب في نهاية الأسف والالتهاب والعين دامعة والقلب محترق فابكوا
ونوحوا وأسرعوا حتّى تلقوا ماء على هذه النّار
الملتهبة لعلّ بهمّتكم تخمد هذه النّار المحرقة
للعالمين.
ويا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا
إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا
خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد، ويا رحمن يا رحيم ارحم أعين الآباء الدّامعة
وقلوبهم المحترقة وسكّن هذا الطّوفان وبدّل هذه الحرب العالميّة إلى صلح وسلام
وإخاء. إنّك أنت المقتدر القدير وإنّك أنت السّميع البصير.
عبد
البهاء عبّاس
هو
الله
يا
أهل العالم،
إذا
سرتم في الأرض ومشيتم في مناكبها وجدتم أنّ كلّ ما هو معمور سببه الألفة والمحبّة،
وأنّ كلّ ما هو مطمور ناتج عن
العداوة والبغضاء. ومع ذلك لم ينتبه الجنس البشريّ إلى ذلك ولم يفق من سبات
الغفلة، وما زال البشر يفكّرون
في الخلاف والنّزاع والجدال وحشد الجيوش لتصول وتجول في ميادين النّزال والقتال.
وإذا
نظرتم إلى الكون والفساد والوجود والعدم وجدتم أنّ كلّ كائن مركّب من أجزاء متنوّعة متعدّدة،
وأنّ وجود الشّيء ناتج عن التّركيب بمعنى أنّ الإيجاد الإلهيّ إذا أحدث
تركيبًا معيّنًا بين العناصر البسيطة تشكّل من هذا التّركيب كائن معيّن. وجميع الموجودات على هذا
المنوال. فإذا حدث في هذا التّركيب خلاف أو تحلّلت أجزاؤه وتفرّقت انعدم هذا
الكائن. ومعنى ذلك أنّ
انعدام الشّيء ناتج عن تحليل عناصره وتفرّقها. وعلى هذا فكلّ تركيب وتآلف يتمّ بين العناصر
هو
سبب الحياة، وكلّ اختلاف وتحلّل وتفرّق يدبّ بينها هو علّة الممات. وبالاختصار إنّ
تجاذب الأشياء وتوافقها سبب لحصول النّتائج المفيدة والثّمار الطّيّبة، وإنّ تنافر
الأشياء واختلافها سبب للاضمحلال والاضطراب.
فمن التّآلف والتّجاذب تتحقّق جميع الكائنات ذات الحياة
مثل النّبات والحيوان والإنسان، ومن التّنافر والخلاف يحصل الانحلال ويدبّ
الاضمحلال. ولهذا فإنّ كلّ ما ينتج عنه الائتلاف والتّجاذب والاتّحاد بين عامّة
البشر هو علّة حياة العالم الإنسانيّ، وكلّ ما ينتج عنه التّنافر والاختلاف والتّباعد
هو علّة ممات النّوع البشريّ.
وكلّما مررتم بإحدى المزارع ولاحظتم الزّرع
والنّبات والورد والرّيحان ينمو منسجمًا متآلفًا كان ذلك دليلاً على أنّ هذه
الحديقة نمت على يد بستانيّ كامل تعهّدها بالتّهذيب والإنبات، أمّا إذا شاهدتم
الحديقة مشعّثة مضطربة بلا ترتيب ولا نظام استنتجتم أنّها حرمت من عناية البستانيّ
الماهر فنمت فيها الأعشاب الضّارّة فأتلفتها.
من ذلك يتّضح أنّ الألفة والالتئام دليل
على تربية المربّي الحقيقيّ، وأنّ الفرقة والتّشتت برهان على الحرمان من التّربية الإلهيّة
والبعد عنها.
ولعلّ معترضًا يقول: إنّ لأمم العالم
وشعوبه وملله آدابًا ورسومًا مختلفة، وأذواقًا متباينة، وطبائع وأخلاقًا متعدّدة،
وإنّ العقول والأفكار والآراء متفاوتة فكيف تتجلّى الوحدة الحقيقيّة ويتمّ الاتّحاد
التّام بين البشر؟ فنقول: إنّ الاختلاف نوعان: أحدهما: الاختلاف المسبّب للانعدام
والهلاك، كالاختلاف بين الشّعوب المتنازعة والملل المتقاتلة تمحو إحداها الأخرى
وتخرّب وطنها وتسلبها الأمن والرّاحة وتعمل فيها القتل وسفك الدّماء. فهذا النّوع
من الاختلاف مذموم. أمّا النّوع
الآخر
من الاختلاف فهو التّنوّع. وهذا هو عين الكمال وموهبة ذي الجلال.
لاحظوا أزهار الحدائق: فمهما اختلف نوعها
وتفاوتت ألوانها وتباينت صورها وتعدّدت أشكالها إنّها لمّا كانت تُسقى من ماء
واحد، وتنمو من هواء واحد، وتترعرع من حرارة وضياء شمس واحدة فإنّ تنوّعها
واختلافها يكون سببًا في ازدياد رونقها وجمالها. وكذلك الحال إذا برز إلى حيّز
الوجود أمر جامع – وهو نفوذ كلمة الله – أصبح اختلاف البشر في الآداب والرّسوم
والعادات والأفكار والآراء والطّبائع سببًا لزينة العالم الإنسانيّ.
أضف إلى هذا أنّ هذا التّنوّع والاختلاف
سبب لظهور الجمال والكمال، مثله في ذلك مثل التّفاوت الفطريّ والتّنوّع الخلقيّ
بين أعضاء الإنسان الواقعة تحت نفوذ الرّوح وسلطانها. فإذا كانت الرّوح مسيطرة على
جميع الأعضاء والأجزاء، وكان حكمها نافذًا في العروق والشّرايين كان اختلاف
الأعضاء وتنوّع الأجزاء مؤيّدا للائتلاف والمحبّة وكانت هذه الكثرة أعظم قوى
للوحدة.
ولو كانت أزهار الحديقة ورياحينها
وبراعمها وأثمارها وأوراقها وأغصانها وأشجارها من نوع واحد ولون واحد وتركيب واحد
وترتيب واحد لما توفر لمثل تلك الحديقة أيّ رونق ولا جمال بأيّ وجه من الوجوه. أمّا
إذا تعدّدت ألوانها واختلفت أوراقها وتباينت أزهارها وتنوّعت أثمارها تسبّب كلّ
لون في زينة سائر الألوان وإبراز جمالها وبرزت الحديقة في غاية الأناقة والرّونق
والحلاوة والجمال. كذلك الحال في تفاوت الأفكار، وتنوّع الآراء والطّبائع والأخلاق
في عالم الإنسان. فإنّها إذا استظلّت بظلّ قوّة واحدة، ونفذت فيها كلمة الوحدانيّة
تجلّت وهي في نهاية العظمة والجمال والعلويّة والكمال.
ولا شيء اليوم يستطيع أن يجمع عقول بني
الإنسان وأفكارهم وقلوبهم وأرواحهم تحت ظلّ شجرة واحدة غير قوّة كلمة الله المحيطة
بحقائق الأشياء. فكلمة الله هي النّافذّة في كلّ الأشياء. وكلمة الله هي المحرّكة
للنّفوس. وكلمة الله هي الضّابطة لروابط عالم الإنسان.
والحمد لله أن قد أشرقت اليوم نورانيّة
كلمة الله على جميع الآفاق، وأن استظلّ بظلّ كلمة الوحدانيّة قبيل من كلّ الفرق والطّوائف
والملل والشّعوب والقبائل والأديان، وهم مجتمعون ومتّحدون ومتّفقون وفي غاية
الائتلاف.
يا أهل العالم،
إنّ طلوع شمس الحقيقة نورانيّة خالصة
للعالم، وظهور للرّحمانيّة في مجمع بني آدم. ولهذه الشّمس نتيجة طيّبة وثمرة مشكورة.
وبها تتوفّر السّنوحات لكلّ فيض. وهذه الشّمس رحمة خالصة وموهبة بحتة. ونورانيّة
العالم وأهله هي الائتلاف والوئام والمحبّة والارتباط والتّراحم والاتّحاد وإزالة التّباعد
وتحقيق الوحدة بين جميع من على الأرض بنهاية الحرّيّة وغاية الشّهامة. وقد تفضّل
الجمال المبارك فقال: "كلّكم أثمار شجرة واحدة وأوراق غضن واحد". فشبّهَ
عالم الوجود بشجرة واحدة، وجميع النّاس بالأوراق والأزهار والأثمار. ولهذا وجب أن
يكون الجميع – من الغصن إلى الورق إلى البراعم إلى الثّمر- في غاية الطّراوة واللّطف.
وحصول هذه الطّراوة وهذا اللّطف منوط بالألفة والارتباط. لهذا يجب أن يحافظ بعضكم
على بعض بغاية القوّة، ويدعو بعضكم لبعض بالحياة الأبديّة.
ومن ثَمَّ وجب على أحبّاء الله أن يكونوا
في عالم الوجود مثالاً لرحمة الرّبّ الودود، وموهبة مليك الغيب والشّهود، وينبغي
لهم أن لا يلتفتوا إلى العصيان ولا الطّغيان، ولا ينظروا إلى الظّلم ولا العدوان،
وأن ينزّهوا
أبصارهم ليروا الجنس البشريّ أوراقًا وبراعم وثمارًا لشجر الوجود، وأن يحصروا
فكرهم دائمًا في تقديم الخير وإبداء المحبّة والرّعاية والمودّة والعون لغيرهم. لا
يرون في أحد عدوًّا، ولا يفترضون في أحد سوءًا بل يعتقدون أنّ جميع من على الأرض
أصدقاء، ويعتبرون الغرباء أحبّاء، ويعدّون المجهولين معروفين. ويجب عليهم ألاّ يقيّدهم
قيد، بل عليهم أن يتخلّصوا من كلّ رباط.
إنّ المقرّب اليوم لدى باب الله ذي
الكبرياء لهو الشّخص الّذي يقدّم للأعداء كأس الوفاء، ويبذل لهم العطاء، ويعين
العاجز المظلوم، ويحوّل الخصم اللّدود إلى وليّ ودود.
تلك هي وصايا جمال المبارك، تلك هي نصائح
الاسم الأعظم!
أيّها الأحبّاء الأعزّاء!
إنّ العالم في حرب وجدال. والنّوع الإنسانيّ
في غاية الخصومة والوبال. أحاطت ظلمة الجفاء، واستترت نورانيّة الوفاء. إذ أنشبت
جميع ملل العالم مخالبها الحادّة في رقاب بعضها البعض، وما زالت تتنازع وتتقاتل،
بحيث تزعزع بنيان البشريّة وتزلزل. فكم من نفوس باتت شريدة بلا مأوى ولا وطن.
وآلاف مؤلّفة من الرّجال يسقطون- كلّ عام- على الغبراء صرعى في ميادين الحرب
والقتال مضرّجين بدمائهم، حتّى لقد طويت خيمة السّعادة والحياة وما زال القادة
يتزعّمون ويقودون ويفتخرون بسفك الدّماء ويتباهون بإثارة الفتن. يقول قائل منهم:
لقد حكّمت السّيف في رقاب هذه الأمة. ويقول ثانٍ: لقد سوّيت بالتّراب هذه المملكة.
ويقول ثالث: لقد اقتطعت تلك الدّولة من أساسها. ذلك مدار فخرهم ومباهاتهم بين
الجنس البشريّ. لقد أصبح الصّدق والصّداقة –في جميع الجهات- مذمومين، وأصبح الأمن
وعبادة الحقّ مقدوحين. وإنّ منادي الصّلح والصّلاح والمحبّة والسّلام
لهو
دين الجمال المبارك الّذي ضرب في قطب الوجود خيمته، ويدعو إلى نفسه الأقوام.
فيا أحبّاء الله! اعرفوا قدر هذا الدّين
المتين، واعملوا في الحياة بموجبه، وأظهروه للخلائق أجمعين. وأنشدوا بألحان
الملكوت، وانشروا تعاليم الرّب الودود ووصاياه، حتّى تصبح الدّنيا غير الدّنيا،
ويستنير العالم الظّلماني، وتسري في جسد الخلق الميت روح حياة جديدة وتلتمس كلّ
نفس لأختها الحياة الأبديّة وتتحوّل إلى نفس رحمانيّة.
إنّ الحياة في هذا العالم الفاني تنتهي في
مدّة قصيرة، وتفنى العزّة والثّروة، وتزول الرّاحة والسّرور التّرابيّان. فنادوا
الخلق إلى الخالق، وادعوا النّاس إلى سلوك الملأ الأعلى. كونوا للأيتام أبًا عطوفًا،
وللمساكين ملجأً وملاذًا، وللفقراء كنز الغنى وللمرضى الدّواء والشّفاء. كونوا
معين كلّ مظلوم، ومجير كلّ محروم. واحصروا فكركم في تقديم الخدمة لكلّ إنسان. ولا
تلقوا بالاً إلى الإعراض ولا الإنكار ولا الاستكبار؛ ولا تأبهوا للظّلم ولا
العدوان. بل على النّقيض! عاملوا النّاس وكونوا عطوفين عطفًا حقيقيًّا لا صوريًّا
ولا ظاهريًّا. ويجب على كلّ فرد من أحبّاء الله أن يحصر فكره في أن يكون رحمة الرّﺤﻤن
وموهبة المنّان، فما اتّصل بأحد إلاّ قدّم له الخير والمنفعة، وكان سببًا لتحسين
الأخلاق وتعديل الأفكار حتّى يشعّ نور الهداية وتحيط بالعالم موهبة الرّحمن.
المحبّة نور يضيء في كلّ منزل، والعداوة ظلمة
تأوي إلى كلّ كهف!
فيا أحبّاء الله ابذلوا الهمّة عسى أن
تزول هذه الظّلمة تمامًا فينكشف السّرّ المستور وتبدو حقائق الأشياء وتتجلّى
للعيان.
جناب البروفسور المحترم الدّكتور فورال المعظّم عليه بهاء
الله الأبهى
هو
الله
أيّها الشّخص المحترم المفتون بالحقيقة.
وصلت رسالتك المؤرّخة في الثّامن والعشرين
من تمّوز 1921 وكانت مضامينها الطّيّبة دليلاً على أنّك ما زلت شابًّا تتحرّى
الحقيقة وأنّ قواك الفكريّة شديدة واكتشافاتك العقليّة ظاهرة. إنّ الرّسالة الّتي
كتبتها للدّكتور فيشر قد انتشرت ويعرف الجميع أنّها كتبت سنة 1910 وفضلاً عن هذه الرّسالة
فقد كتبت رسائل متعدّدة بهذا المضمون قبل الحرب وقد أشير إلى هذه المسائل كذلك في
جريدة جامعة سان فرانسيسكو وتاريخ تلك الجريدة يعرفه الجميع وكذلك الخطابة الّتي
ألقيتها في الجامعة فيها الثّناء على الفلاسفة بعيدي النّظر في منتهى البلاغة وإنّا
لنرسل إليكم نسخة من تلك الجريدة مع هذه الرّسالة.
هذا وإنّ مؤلفاتكم لا شكّ مفيدة لهذا نرجو
إذا ما طبعت أن ترسلوا لنا نسخة من كلّ واحد منها.
إنَّ المقصود بالطّبيعيّين الّذين ذكرت
عقائدهم حول مسألة الألوهيّة هم فئة من الطّبيعيّين ضيّقي النّظر عبدة المحسوسات
المقيّدون بالحواس الخمس والّذين عندهم ميزان الإدراك هو ميزان الحسّ فقد اعتبروا
المحسوس محتومًا وغير المحسوس معدومًا أو مشبوهًا حتّى إنّهم يعتبرون وجود الألوهيّة
أمرًا مشكوكًا فيه بصورة كلّيّة وليس هذا رأي جميع الفلاسفة بصورة عامّة كما ذكرتم
بل المقصود هم قصيرو النّظر من الطّبيعيّين أمّا الفلاسفة الإلهيّون أمثال سقراط
وأفلاطون وأرسطو فإنّهم جديرون بالاحترام ويستحقّون أقصى الثّناء لأنّهم قدّموا
خدمات فائقة إلى العالم الإنسانيّ وكذلك الفلاسفة الطّبيعيّون المعتدلون
الجهابذة
ونحن نعتبر العلم والحكمة أساس ترقّي العالم الإنسانيّ ونثني على الفلاسفة ذوي النّظر
البعيد فأمعنوا النّظر في جريدة سان فرانسيسكو حتّى تتجلّى لكم الحقيقة.
أمّا القوى العقليّة فهي من خصائص الرّوح
كالشّعاع الّذي هو من خصائص الشّمس فأشعّة الشّمس هي في تجدّد مستمرّ ولكنّ نفس الشّمس
باقية دون تغيير لاحظوا أنّ العقل الإنسانيّ في تزايد وتناقص ولربّما يزول العقل
تمامًا ولكنّ الرّوح على حالة واحدة وأنّ ظهور العقل منوط بسلامة الجسم فالجسم السّليم
فيه عقل سليم لكنّ الرّوح غير مشروطة بهذا الشّرط فالعقل يدرك ويتصوّر بقوّة الرّوح
ولكنّ الرّوح قوّة طليقة والعقل يدرك المعقولات بواسطة المحسوسات لكنّ الرّوح لها
انكشافات غير محدودة فالعقل محدود في دائرة والرّوح غير محدودة والعقل له إدراكات
بواسطة قوى الحسّ مثل قوّة البصر وقوّة السّمع وقوّة الذّوق وقوّة الشّم وقوّة اللّمس
لكنّ الرّوح حرّة طليقة كما تلاحظون أنّها تسير في حالتي اليقظة والنّوم ولربّما
حلّت في عالم الرّؤيا مسألة من المسائل الغامضة الّتي كانت عند اليقظة مسألة
مجهولة ويتعطّل العقل عن الإدراك بتعطّل الحواس الخمس والعقل مفقود تمامًا في حالة
الجنين وحالة الطّفولة ولكنّ الرّوح في نهاية القوّة.
وخلاصة القول إنّ هناك أدلّة كثيرة على
بقاء قوّة الرّوح بفقدان العقل. ولكنّ الرّوح لها مراتب ومقامات فهناك روح جماديّة
ومن المسلّم به أنّ الجماد له روح وله حياة ولكنّه في حدود عالم الجماد كما اتّضح
هذا السّرّ المجهول للطّبيعيّين وهو أنّ جميع الكائنات لها حياة كما قال تعالى في
القرآن الكريم "وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ" وكذلك في عالم النّبات
هناك قوّة النّمو وقوّة النّمو هي الرّوح وفي عالم الحيوان هناك قوّة الحسّ ولكن
عالم الإنسان فيه قوّة محيطة وفي جميع هذه المراتب المذكورة ترى العقل مفقودًا لكنّك
ترى ظهور الرّوح
وبروزها
وأنّ قوى الحسّ لا تدرك الرّوح لكنّ القوّة العاقلة تستدلّ على وجودها وكذلك يستدلّ
العقل على وجود حقيقة غير مرئيّة ومحيطة بالكائنات ولها ظهور وبروز في كلّ مرتبة
من المراتب لكنّ حقيقتها فوق إدراك العقول. فرتبة الجماد لا تدرك حقيقة النّبات
والكمال النّباتيّ وكذلك النّبات لا يستطيع إدراك حقيقة الحيوان. والحيوان لا
يستطيع إدراك حقيقة الإنسان الكاشفة الّتي تحيط بسائر الأشياء. والحيوان أسير للطّبيعة
ولا يتجاوز عن قوانين الطّبيعة ونواميسها لكن ثمّة قوّة كاشفة في الإنسان محيطة بالطّبيعة
تحطّم قوانينها. فمثلاً إنّ جميع الجمادات والنّباتات والحيوانات أسيرة للطّبيعة،
وهذه الشّمس على عظمتها أسيرة للطّبيعة إلى درجة لا إرادة لها مطلقًا ولا تستطيع
أن تتجاوز عن قوانين الطّبيعة قيد شعرة. وكذلك سائر الكائنات من الجماد والنّبات
والحيوان لا يستطيع أيّ واحد منها أن يتجاوز عن قوانين الطّبيعة بل إنّها جميعها
أسيرة للطّبيعة ولكنّ الإنسان ولو أنّ جسمه أسير للطّبيعة ولكنّ روحه وعقله طليقان
وحاكمان على الطّبيعة. لاحظوا الإنسان تروه مخلوقًا ترابيًّا متحرّكًا ذا روح لكنّ
روح الإنسان وعقله يكسران قانون الطّبيعة فيصبح طيرًا ويطير في الهواء أو يشقّ
صفحات البحار بكمال السّرعة ويسير في أعماق البحار كالأسماك ويقوم باكتشافات بحرّيّة.
وهذا كسر عظيم لقوانين الطّبيعة. وكذلك القوّة الكهربائيّة فهذه القوّة العاتية
العاصية الّتي تشقّ الجبل شقًّا قد حبسها الإنسان داخل زجاجة وفي هذا خرق لقانون الطّبيعة.
وكذلك أسرار الطّبيعة المكنونة الّتي ينبغي أن تبقى مخفيّة بحكم الطّبيعة قد كشفها
الإنسان وجاء بها من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود. وهذا كذلك خرق لقانون الطّبيعة
وكذلك خواص الأشياء هي من أسرار الطّبيعة الّتي يكشفها الإنسان، وكذلك الحوادث
الماضية الّتي فقدت من عالم الطّبيعة صار يكشفها الإنسان، وكذلك الحوادث المقبلة الّتي
صار
يكشفها
الإنسان عن طريق الاستدلال في حين أنّها لا تزال مفقودة في عالم الطّبيعة، وأنّ
المخابرة والمراسلة تنحصر بالمسافات القريبة وفقًا لقانون الطّبيعة ولكنّ الإنسان
صار بتلك القوّة المعنويّة الكاشفة لحقائق الأشياء يتخابر من الشّرق إلى الغرب
فهذا أيضًا خرق لقانون الطّبيعة، وكذلك الظّلّ شيء زائل وفقًا لقانون الطّبيعة
ولكنّ الإنسان صار يثبت هذا الظّلّ في الزّجاج وهذا خرق لقانون الطّبيعة، فأمعنوا النّظر
تروا أنّ جميع العلوم والفنون والصّناعات والاختراعات والاكتشافات كانت من أسرار الطّبيعة
ويجب أن تبقى مستورة وفقًا لقانون الطّبيعة ولكنّ الإنسان بقوّته الكاشفة يخرق
قانون الطّبيعة ويأتي بهذه الأسرار المكنونة من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود وهذا
خرق لقانون الطّبيعة، وخلاصة القول إنّ تلك القوّة المعنويّة غير المرئيّة في
الإنسان تأخذ السّيف من يد الطّبيعة وتضرب به هامة الطّبيعة، وإنّ سائر الكائنات على
ما هي عليه من العظمة محرومة من هذه الكمالات، وللإنسان قوّة إرادة وشعور ولكنّ الطّبيعة
محرومة من ذلك والطّبيعة مجبرة والإنسان مختار والطّبيعة تجهل الحوادث الماضيّة
ولكنّ الإنسان عليم بها والطّبيعة تجهل الحوادث المستقبلة ولكنّ الإنسان بقوّته
الكاشفة لعالم الطّبيعة يعلم بكلّ شيء. ولو يخطر على بال شخص سؤال بأنّ الإنسان
جزء من عالم الطّبيعة وهو جامع لهذه الكمالات الّتي هي صور لعالم الطّبيعة. إذًا فالطّبيعة
مالكة لهذه الكمالات لا فاقدة لها فنقول له في الجواب: "إنّ الجزء تابع للكلّ
وليس من الممكن أن تكون في الجزء كمالات محروم منها الكلّ والطّبيعة هي عبارة عن
الخواص والرّوابط الضّروريّة المنبعثة من حقائق الأشياء، وهذه الحقائق مهما كانت
في نهاية الاختلاف ولكنّها على غاية الارتباط، وهذه الحقائق المختلفة تلزمها جهة
جامعة لها تربطها جميعها ببعضها فمثلاً أركان الإنسان وأعضاؤه وأجزاؤه وعناصره في
نهاية
الاختلاف،
ولكنّ الجهة الجامعة المعبّر عنها بالرّوح الإنسانيّ تربطها بعضها ببعض جميعًا
ليتمّ التّعاون والتّعاضد بينها بصورة منتظمة وتتمّ جميع الأعضاء تحت قوانين منتظمة
هي سبب بقاء الوجود لكنّ جسم الإنسان لا علم له بهذه الجهة الجامعة أبدًا في حين
أنّه يقوم بإرادتها على إيفاء وظيفته.
أمّا الفلاسفة فهم قسمان، ومنهم سقراط
الحكيم الّذي كان يؤمن بالوحدانيّة الإلهيّة وببقاء الرّوح بعد الموت. ولمّا كانت
عقيدته تخالف آراء العوام ضيّقي النّظر لذا فقد أشربوه السّمّ. وعندما نَظَرَ جميع
الفلاسفة الإلهيّين والعقلاء والعلماء إلى هذه الكائنات الّتي لا نهاية لها لاحظوا
أنّ نهاية هذا الكون الأعظم تنتهي إلى عالم الجماد وتنتهي نهاية عالم الجماد إلى
عالم النّبات وتنتهي نهاية عالم النّبات إلى عالم الحيوان وتنتهي نهاية عالم
الحيوان إلى عالم الإنسان، وأنّ هذا الكون الوسيع الّذي لا نهاية له تنتهي نهايته
إلى الإنسان، وهذا الإنسان بعد أيّام المحن والآلام الّتي تتناهى في النّشأة الإنسانيّة
يتلاشى ويزول دون أثر أو ثمر. وإذا كان الأمر كذلك فإنّ هذا الكون الّذي لا يتناهى
مع جميع كمالاته ينتهي إلى اللّغو والهذيان دون أيّة نتيجة. إذن أيقنوا على أنّ
الأمر ليس كذلك ولن ينتهي هذا المصنع على ما هو عليه من العظمة والشّوكة المحيّرة
للعقول وعلى ما هو عليه من هذه الكمالات إلى الهذيان. ومن المؤكّد أنّ هناك نشاة
أخرى، فكما أنّ عالم النّبات ليس له خبر عن نشاة عالم الإنسان فكذلك نحن لا خبر
لنا عن تلك النّشأة الكبرى بعد النّشأة الإنسانيّة، ولكن عدم الاطّلاع ليس بدليل
على عدم الوجود، وكما أنّ عالم الجماد لا خبر له تمامًا عن عالم الإنسان ويستحيل
عليه إدراكه فإنّ عدم إدراكه ليس بدليل على عدم الوجود. وهناك دلائل قاطعة متعدّدة
على أنّ هذا العالم غير المتناهي لا ينتهي إلى الحياة الإنسانيّة. أمّا حقيقة الألوهيّة
فهي في الواقع حقيقة مجرّدة
تجرّدًا
حقيقيًّا فهذا يعني أنّ إدراكها مستحيل لأنّ كلّ ما يقع تحت التّصوّر إنّما هو
حقيقة محدودة لا حقيقة غير متناهية ومحاط وليس بمحيط ويكون إدراك الإنسان فائقًا
عليه ومحيطًا به. ومن المؤكّد كذلك أنّ التّصوّرات الإنسانيّة حادثة لا قديمة ولها
وجود ذهنيّ لا وجود عينيّ وفضلاً عن هذا فإنّ تفاوت المراتب في حيّز الحدوث مانع
للإدراك إذن فكيف يدرك الحادث الحقيقة القديمة؟ وكما قلنا إنّ تفاوت المراتب في حيّز
الحدوث مانع للإدراك فالجماد والنّبات والحيوان لا خَبَرَ لها عن قوى الإنسان
العقليّة الكاشفة لحقائق الأشياء ولكنّ الإنسان مطّلع على هذه المراتب جميعها فكلّ
مرتبة عالية محيطة بالمرتبة الدّانية وكاشفة لحقيقتها ولكنّ المرتبة الدّانية لا خَبَرَ
لها بالمرتبة العالية ومستحيل عليها الاطّلاع عليها.
لهذا فالإنسان لا يستطيع أن يتصوّر حقيقة
الألوهيّة ولكنّه يعتقد بحقيقة حضرة الألوهيّة عن طريق القواعد العقليّة والنّظريّة
والمنطقيّة والاستنتاجات الفكريّة والاكتشافات الوجدانيّة ويكشف الفيوضات الإلهيّة
ويوقن بأنّ حقيقة الألوهيّة مهما كانت غير مرئيّة ومهما كان وجود الألوهيّة غير
محسوس فإنّ هناك أدلّة قاطعة إلهيّة تحكم بوجود تلك الحقيقة غير المرئيّة. لكن تلك
الحقيقة كما هي، مجهولة النّعت فمثلاً المادّة الأثيريّة موجودة ولكنّ حقيقتها
مجهولة وهي محتومة بآثارها والحرارة والضوء والكهرباء هي تموّجاتها، ومن هذه التّموّجات
يثبت وجود المادّة الأثيريّة. ونحن عندما ننظر إلى الفيوضات الإلهيّة نوقن بوجود
الألوهيّة، فمثلاً نلاحظ أنّ وجود الكائنات عبارة عن تركيب العناصر الفرديّة وأنّ
فناء الكائنات عبارة عن تحليل عناصرها لأنّ التّحليل سبب تفريق العناصر الفرديّة.
إذن فنحن عندما ننظر إلى تركيب العناصر نشاهد أنّ كائنًا من الكائنات جاء للوجود من
كلّ تركيب وأنّ الكائنات غير متناهية وأنّ المعلولات غير متناهية إذن فكيف تصبح العلّة
فانية؟
إنّ التّركيب ينحصر في ثلاثة أقسام لا رابع لها: تركيب
تصادفيّ وتركيب إلزاميّ وتركيب إراديّ. أمّا تركيب عناصر الكائنات فليس تركيبًا
تصادفيًّا لأنّ المعلول لا يأتي للوجود بدون علّة، ثمّ إنّ تركيب عناصر الكائنات
ليس تركيبًا إلزاميًّا لأنّ التّركيب الإلزاميّ هو ذاك التّركيب الّذي ينتج من اللّوازم
الضّروريّة للأجزاء المركّبة واللّزوم الذّاتيّ لأيّ شيء لا ينفكّ عنه النّور الّذي
يظهر الأشياء وكذلك الحرارة الّتي تمدّد العناصر وشعاع الشّمس هما من لوازم الشّمس
الذّاتيّة. وعلى هذه الصّورة يكون تحليل كلّ تركيب مستحيلاً لأنّ اللّزوم الذّاتيّ
لا ينفكّ عن كلّ كائن. والآن بقي النّوع الثّالث من التّركيب وهو التّركيب الإراديّ
وهو أن تكون فيه قوّة غير مرئيّة يسمّونها القدرة القديمة هي السّبب في تركيب هذه
العناصر ويحصل من كلّ تركيب كائن من الكائنات. وأمّا الإرادة والعلم والقدرة والصّفات
القديمة الّتي نعتبرها من كمالات تلك الحقيقة اللاّهوتيّة هي من مقتضيات آثار
وجوده في حيّز الشّهود وليست الكمالات الحقيقيّة للألوهيّة المطلقة الّتي لا يمكن
إدراك كنهها. فمثلاً عندما نلاحظ في الكائنات كمالات غير متناهية وندرك أنّ
الكائنات على شأن كبير من الانتظام والكمال نقول إنّ تلك القدرة القديمة الّتي نسب
إليها وجود هذه الكائنات قوّة ليست جاهلة إذن فهي عالمة وهي لا شكّ غير عاجزة إذن
فهي قديرة وهي لا شكّ غير فقيرة إذن فهي غنيّة وهي لا شكّ غير معدومة إذن فهي
موجودة.
وخلاصة القول إنّ هذه النّعوت الّتي
نحسبها لتلك الحقيقة الكلّيّة هي مجرد سلب النّقائص عنها لا ثبوت للكمالات الّتي يتصوّرها
الإنسان في حيّز إدراكه ولهذا نقول إنّها مجهولة النّعت. والخلاصة أنّ تلك الحقيقة
الكلّيّة مع جميع نعوتها وأوصافها الّتي نحصيها مقدّسة ومنزّهة عن العقول
والإدراكات، ولكنّنا عندما ننظر في هذا الكون غير المتناهي نظرة شاملة دقيقة نلاحظ
أنّ الحركة والمتحرّك
أشياء
مستحيلة بدون المحرّك وأنّ المعلول ممتنع ومحال بدون العلّة وأنّ كلّ كائن من
الكائنات قد يكون تحت تأثير مؤثّرات عديدة متفاعلة بعضها مع بعض دائمًا، وتلك المؤثّرات
حصلت كذلك بتأثير مؤثّرات أخرى فمثلاً النّبات حصل بفيض سحابة الرّبيع وتمّ إنباته
ولكن السّحابة نفسها حصلت من تدابير مؤثّرات أخرى وتلك المؤثّرات كذلك من تأثير مؤثّرات
أخرى فمثلاً النّباتات والحيوانات نشأت ونمت من عنصري النّار والماء اللّذين يسمّيهما
فلاسفة هذه الأيّام باسمي الأوكسيجين والهيدروجين، أي أنّها وجدت من تربية وتأثير
هذين المؤثّرين ونفس هذين العنصرين هما تحت تأثير مؤثّرات أخرى، وكذلك سائر
الكائنات لها هذا التّسلسل من المؤثّرات والمتاثّرات. ومن الثّابت بالبراهين بطلان
التّسلسل إذن فلا بدّ أن تنتهي هذه المؤثّرات والمتاثّرات إلى الحيّ القدير الّذي
هو الغنيّ المطلق والمقدّس عن المؤثّرات. وتلك الحقيقة الكلّيّة غير محسوسة وغير
مرئيّة ويجب أن تكون كذلك لأنّها محيطة لا محاطة. ومثل هذه الأوصاف صفات للمعلول
لا للعلّة وعندما ندقّق النّظر نلاحظ أنّ الإنسان كالميكروب الصّغير الموجود في
الفاكهة، فتلك الفاكهة وجدت من برعم والبرعم نبت من الشّجرة والشّجرة نشأت ونمت من
مادّة سائلة وتلك المادّة السّائلة حصلت من التّراب والماء. ولكن كيف يستطيع هذا
الجرثوم الصّغير أن يدرك حقائق ذلك البستان ويفهم البستانيّ ويدرك حقيقة ذلك البستانيّ
ومن الواضح أنّ هذا مستحيل. ولكنّ ذلك الميكروب لو كان ذكيًّا لفهم أنّ هذا
البستان وهذه الشّجرة وهذا البرعم وهذه الثّمرة لم تحصل بهذا الانتظام والكمال من
نفسها لنفسها. وبمثل هذا يوقن الإنسان العاقل الذّكيّ أنّ هذا الكون الّذي لا
نهاية له لم يحصل بهذه العظمة والانتظام من نفسه لنفسه، وكذلك وجدت القوى غير المرئيّة
في حيّز الإمكان ومنها القوّة الأثيريّة وهي كما مرَّ ذكره غير محسوسة وغير مرئيّة
ولكنّها
ظاهرة
ثابتة من آثارها أي من تموّجات ومن اهتزازات الضّوء والحرارة والكهرباء، وكذلك قوّة
النّمو وقوّة الإحساس وقوّة العقل وقوّة التّفكير وقوّة الحفظ وقوّة التّخيّل وقوّة
الكشف. فهذه القوى المعنويّة كلّها غير مرئيّة وغير محسوسة ولكنّها ظاهرة ثابتة
بآثارها.
وأمّا القوّة غير المحدودة فإنّ نفس
المحدود دليل على وجود غير المحدود لأنّ المحدود ولا شكّ يعرف بغير المحدود، كما
أنّ نفس العجز دليل على وجود القدرة ونفس الجهل دليل على وجود العلم ونفس الفقر
دليل على وجود الغنى فلو لم يكن الغنى لما كان الفقر أيضًا ولو لم يكن العلم لما
كان الجهل ولو لم يكن النّور لما كانت الظّلمة فنفس الظّلمة دليل على النّور لأنّ
الظّلمة هي عدم النّور. أمّا الطّبيعة فهي عبارة عن الخواص والرّوابط الضّروريّة
المنبعثة من حقائق الأشياء وهذه الحقائق غير متناهيّة ومهما كانت في منتهى الاختلاف
في ما بينها لكنّها في غاية الائتلاف وفي أقصى الارتباط من جهة أخرى. وعندما توسّع
نظرتك وتلاحظ ملاحظة دقيقة توقن أنّ كلّ حقيقة هي من اللّوازم الضّروريّة لسائر
الحقائق. إذًا فيستلزم هذا وجود جهة جامعة لارتباط هذه الحقائق المختلفة وائتلافها
حتّى يوفي كلّ جزء من أجزاء الكائنات وظيفته بمنتهى الانتظام. فمثلاً لاحظوا
الإنسان واستدلّوا من الجزء على الكلّ لاحظوا هذه الأعضاء والأجزاء المختلفة في
الهيكل الإنسانيّ تروا ما أعظم ارتباطها وائتلافها بعضها ببعض وكلّ جزء هو من اللّوازم
الضّروريّة لسائر الأجزاء وله وظيفة مستقلّة، ولكنّ الجهة الجامعة وهي العقل
يربطها جميعًا ربطًا بدرجة تفي بوظائفها وفاءً منتظمًا ويحصل التّعاون والتّعاضد والتّفاعل
بينها، وأنّ حركتها جميعًا تحت قوانين هي من اللّوازم الوجوديّة لها. فإذا حصل في
تلك الجهة الجامعة الّتي هي مدبّرة لهذه الأجزاء خلل وفتور فلا شكّ أن تحرم
الأعضاء والأجزاء من إيفاء وظائفها إيفاءً منتظمًا ومع أنّ تلك القوّة
الجامعة
في الهيكل الإنسانيّ غير محسوسة وغير منظورة وحقيقتها مجهولة ولكنّها من حيث
الآثار ظاهرة باهرة بكلّ قوّة. إذن ثبت واتّضح أنّ هذه الكائنات غير المتناهية في
العالم العظيم كلّ واحد منها يتوفّق في أداء وظيفته عندما يكون تحت إدارة حقيقيّة كلّيّة
حتّى ينتظم هذا العالم. وخذ مثلاً التّفاعل والتّعاضد والتّعاون بين الأجزاء المكوّنة
للوجود الإنسانيّ فإنّ هذا شيء مشهود لا يقبل النّكران لكنّ هذا التّفاعل والتّعاضد
والتّعاون غير كافٍ بل يحتاج جهة جامعة تدير هذه الأجزاء وتدبّرها حتّى تقوم هذه
الأجزاء المركّبة بإيفاء وظائفها اللاّزمة بالتّعاون والتّفاعل والتّعاضد إيفاءً
منتظمًا. وأنتم ولله الحمد مطّلعون على أنّ بين جميع الكائنات تفاعلاً وتعاضدًا كلّيًّا
وجزئيًّا ولكنّ التّفاعل بين الكائنات العظيمة واضح وضوح الشّمس ولو أنّ التّفاعل
مجهول بين الكائنات الجزئيّة ولكنّ الجزء قياس للكلّ إذن فجميع هذه التّفاعلات
مرتبطة بقوّة محيطة هي المحور والمركز والمحرّك لهذه التّفاعلات. وكما قلنا إنّ التّعاون
والتّعاضد بين أجزاء الهيكل الإنسانيّ شيء ثابت وإنّ هذه الأعضاء والأجزاء تخدم
جميع الأعضاء والأجزاء الأخرى فمثلاً اليد والقدم والعين والأذن والفكر والتّصوّر
تساعد جميع الأعضاء والأجزاء لكنّ جميع هذه التّفاعلات ترتبط بقوّة واحدة غير مرئيّة
محيطة بها تحصل هذه التّفاعلات بصورة منتظمة وتلك هي القوّة المعنويّة في الإنسان
وهي عبارة عن الرّوح والعقل وهي غير مرئيّة. وكذلك لاحظوا المعامل والمصانع تروا
تفاعل جميع الآلات والأدوات وارتباطها بعضها ببعض ولكنّ جميع هذه الرّوابط والتّفاعلات
مرتبطة بقوّة عموميّة هي المحرّك والمحور والمصدر لهذه التّفاعلات وتلك القوّة هي قوّة
البخار أو مهارة العامل. إذن اتضح وتحقّق أنّ التّفاعل والتّعاضد والارتباط بين
الكائنات هو تحت إدارة وإرادة قويّة محرّكة واحدة هي المصدر والمحرّك والمحور للتّفاعل
بين الكائنات وكذلك
كلّ
تركيب وترتيب لا نراه مرتّبًا ومنظّمًا نسمّيه تركيبًا تصادفيًّا ونسمي كلّ تركيب
وترتيب منظّم ومرتّب وفي منتهى الكمال في الارتباط أي يقع كلّ جزء منه في موقع
ضروريّ لسائر الأشياء نسمّيه تركيبًا تركّب وترتّب بإرادة وبشعور. ولا شكّ أنّ هذه
الكائنات غير متناهية وأنّ تركيب هذه العناصر الفرديّة الّتي انحلّت في صور غير
متناهية صدر عن حقيقة ليست فاقدة الشّعور ولا مسلوبة الإرادة. وهذا شيء ثابت وواضح
لدى العقل وليس هناك مجال للإنكار ولكنّ مقصودنا هو أنّنا أدركنا تلك الحقيقة الكلّيّة
عن طريق الصّفات ولكنّنا لم ندرك الحقيقة ذاتها ولا صفاتها الحقيقيّة ومع هذا نقول
إنّ هذه الكائنات غير متناهية وهي روابط ضروريّة وإنّ هذا التّركيب التّام الكامل
غير صادر عن مصدر فاقد للإرادة والشّعور وإنّ هذا التّركيب غير المتناهي الّذي
انحلّ في صور غير متناهية مبنيّ على حكمة كلّيّة وهذه قضيّة غير قابلة للنّكران اللّهم
إلا أنّ يقوم الإنسان على إنكار المعاني الواضحة الباهرة بالعناد واللّجاج ويكون
مصداق الآية الكريمة "صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يرجعون".
أمّا القول بأنّ القوى العقليّة والرّوح
الإنسانيّ شيء واحد فإنّ القوى العقليّة من خصائص الرّوح مثل قوّة التّخيّل ومثل قوّة
التّفكير ومثل القوّة المدركة فهي من خصائص الحقيقة الإنسانيّة كما أنّ شعاع الشّمس
من خصائص الشّمس والهيكل الإنسانيّ بمثابة مرآة والرّوح بمثابة الشّمس والقوى
العقليّة بمثابة الأشعّة الّتي هي فيض من فيوضات الشّمس ولربما تنقطع الأشعّة عن
المرآة وتنفكّ عنها لكنّ أشعّة الشّمس لا تنفكّ عن الشّمس. وخلاصة القول إنّ
مقصودنا هو أنّ العالم الإنسانيّ بالنّسبة لعالم النّبات كنسبة عالم ما وراء الطّبيعة
إلى عالمنا وفي الحقيقة لا نسبة له بما وراء الطّبيعة ولكنّ حقيقة الإنسان وقوّة
سمعه وبصره بالنّسبة للنّبات هي بمثابة ما وراء الطّبيعة ومن المستحيل
على النّبات
أن يدرك حقيقة الإنسان وماهيّة القوّة العاقلة وكذلك يستحيل على البشر إدراك حقيقة
الألوهيّة وحقيقة نشأة الحياة بعد الموت. لكنّ فيوضات الحقيقة الرّحمانيّة تشمل
جميع الكائنات ويجب على الإنسان أن يفكّر ويتأمّل في الفيوضات الإلهيّة الّتي منها
الرّوح لا في حقيقة الألوهيّة فإنّ هذا منتهى إدراكات العالم الإنسانيّ وكما سبق
أن ذكرنا أنّ هذه الأوصاف والكمالات الّتي نحصيها لحقيقة الألوهيّة إنّما نقتبسها
من وجود الكائنات وشهودها لا أنَّنا أدركنا الحقيقة الإلهيّة. فإذا قلنا إنّ حقيقة
الألوهيّة مدركة ومختارة فليس ذلك يعني أنّنا اكتشفنا إرادة الألوهيّة واختيارها
بل اقتبسنا ذلك من فيوضات الألوهيّة الظّاهرة في حقائق الأشياء. أمّا مسائلنا
الاجتماعيّة أي تعاليم حضرة بهاء الله الّتي انتشرت قبل خمسين سنة فإنّها جامعة
لجميع المبادئ ومن الواضح أنّ نجاح العالم الإنسانيّ وفلاحه مستحيل بدون هذه التّعاليم
كلّ الاستحالة وكلّ فرقة من الفرق في العالم الإنسانيّ ترى نهاية آمالها موجودة في
هذه التّعاليم السّماويّة وهذه التّعاليم بمثابة شجرة تحمل جميع الأثمار بصورة
أكمل وأتمّ، فمثلاً يشاهد الفلاسفة المسائل الاجتماعيّة بصورة أكمل وأتمّ في هذه التّعاليم
السّماويّة وكذلك يشاهدون فيها المسائل الفلسفيّة بصورة أسمى وأشرف وبصورة مطابقة
للحقيقة، وكذلك يشاهد أهل الأديان حقيقة الدّين في هذه التّعاليم السّماويّة
مشاهدة العيان وتثبت لهم بالأدلّة القاطعة والحجج الواضحة أنّها العلاج الحقيقيّ
لعلل وأمراض الهيئة الاجتماعيّة في العالم الإنسانيّ وعند انتشار هذه التّعاليم
العظيمة تنجو الهيئة الاجتماعيّة بأسرها من جميع الأخطار والعلل والأمراض المزمنة.
وكذلك مسألة الاقتصاد البهائيّ فهي منتهى
آمال العمّال ومنتهى مقصود الأحزاب الاقتصاديّة والخلاصة أنّ جميع الأحزاب تنال
نصيبها من تعاليم حضرة بهاء الله وعندما تعلن هذه التّعاليم في الكنائس
والمساجد
وسائر معابد الملل الأخرى حتّى البوذيّين والكونفوشيوسيّين ونوادي الأحزاب
المختلفة حتّى المادّيّين ترى الكلّ يعترفون بأنّ هذه التّعاليم سبب الحياة
الجديدة للعالم الإنسانيّ وهي العلاج الفوريّ لجميع أمراض الهيئة الاجتماعيّة ولا
ينتقدها أيّ إنسان بل بمجرّد الاستماع إليها تطرب النّفوس وتذعن بأهميّة هذه التّعاليم
وتقول: "هذا هو الحقّ وما بعد الحقّ إلاّ الضّلال المبين".
وفي ختام الكلام أكتب إليكم الكلمات التّالية
وهي الحجّة والبرهان القاطع على الجميع فأمعنوا النّظر فيها: إنّ قوّة إرادة كلّ
ملك مستقلّ تنفذ في أيّام حياته وكذلك قوّة إرادة كلّ فيلسوف تؤثّر في أيّام حياته
في نفر قليل من تلامذته أمّا قوّة الرّوح القدس الظّاهرة الباهرة في حقائق
الأنبياء وقوّة إرادة الأنبياء هي على شأن من النّفوذ بحيث تراها نافذة الآف السّنين
في ملّة عظيمة وتراها تؤسّس خلقًا جديدًا وتنقل العالم الإنسانيّ من عالم قديم إلى
عالم آخر جديد فلاحظوا أيّة قوّة هذه القوّة الخارقة للعادة فإنّه برهان وافٍ على
حقيقة الأنبياء وحجّة بالغة على قوّة الوحي وعليكم البهاء الأبهى.
حيفا 21 أيلول 1921
عبد البهاء عبّاس
هولندا جناب السّيّد أ.أ. دان زيدكز عليه التّحيّة والثّناء
هو
الله
أيّها الشّخص المحترم المتحرّي
عن الحقيقة إنّ الرّسالة المؤرّخة بتاريخ الرّابع من نيسان 1921 قد وصلت وتلوتها
بكمال المحبّة.
أمّا وجود الألوهيّة فثابت بالدّلائل العقليّة ولكن حقيقة الألوهيّة
ممتنعة الإدراك لأنّكم حينما
تنظرون بنظر دقيق تجدون أنّ كلّ رتبة دانية لا تدرك الرّتبة العالية فمثلاً عالم
الجماد، الّذي هو في المرتبة الدّانية، يستحيل عليه إدراك عالم النّبات، ومثل هذا
الإدراك ممتنع ومحال لديه وكذا عالم النّبات مهما ارتقى فلن يكون له خبر عن عالم
الحيوان بل إنّ الإدراك له مستحيل عليه لأنّ الرّتبة الحيوانيّة فوق الرّتبة النّباتيّة
وهذا الشّجر لا يستطيع تصوّر السّمع والبصر وإنّ عالم الحيوان مهما ارتقى لن
يستطيع تصوّر حقيقة العقل الكاشف للأشياء والمدرك للحقائق غير المرئيّة لأنّ مرتبة
الإنسان عالية بالنّسبة لمرتبة الحيوان ومع أنّ جميع هذه الكائنات هي في حيّز
الحدوث إلا أنّ التّفاوت في المراتب مانع للإدراك فكلّ مرتبة أدنى من غيرها لا
تستطيع إدراك المرتبة الأعلى منها بل إنّ ذلك مستحيل ولكن كلّ مرتبة أعلى تستطيع
إدراك المرتبة الأدنى مثال ذلك الحيوان فإنّه يدرك مرتبة النّبات والجماد وكذا
الإنسان يدرك مرتبة الحيوان والنّبات والجماد ولكن الجماد مستحيل عليه إدراك عوالم
الإنسان وهذه الحقائق هي في حيّز الحدوث ومع ذلك لا تستطيع أيّة مرتبة أدنى من
غيرها إدراك مرتبة أعلى منها ومن المستحيل ذلك إذًا فكيف يمكن أن تدرك الحقيقة
الحادثة (أي الإنسان) حقيقة الألوهيّة الّتي هي حقيقة قديمة؟ وتفاوت المراتب بين
الإنسان وبين حقيقة الألوهيّة هو مائة ألف مرّة أعظم من التّفاوت بين النّبات
والحيوان وكلّ ما يتصوّره الإنسان هو صورة موهومة توهّمها الإنسان وهي محاطة لا
محيطة أي أنّ الإنسان محيط بتلك الصّور الموهومة في حين أنّ حقيقة الألوهيّة لا
يمكن الإحاطة بها بل إنّها محيطة بجميع الكائنات وإنّ الكائنات محاطة وحقيقة الألوهيّة
الّتي يتصوّرها الإنسان لها وجود ذهني لا وجود حقيقيّ في حين أنّ الإنسان له وجود
ذهني ووجود حقيقيّ في نفس الوقت. إذًا فالإنسان أعظم من تلك الحقيقة الموهومة الّتي
يمكن تصوّرها، وكلّ ما في الأمر هو أنّ الطّير التّرابي يستطيع أن يطير ويقطع
في طيرانه قليلاً من هذا
البعد الّذي لا يتناهى، ولكنّ الوصول إلى أوج الشّمس مستحيل عليه. ولكن يجب إقامة
أدلّة عقليّة أو أدلّة إلهاميّة على وجود الألوهيّة أي على قدر الإدراك الإنسانيّ.
من
الواضح أنّ جميع الكائنات مرتبط بعضها بالبعض الآخر ارتباطًا تامًّا مثل ارتباط
أعضاء الهيكل الإنسانيّ فكما أنّ أعضاء وأجزاء الهيكل الإنسانيّ مرتبط بعضها
بالبعض الآخر فكذلك يكون ارتباط أجزاء هذا الكون اللاّمتناهي ببعضها على هذا النّحو
فمثلاً القدم والرّجل مرتبطتان بالسّمع والبصر ويجب أن ترى العين حتّى تستطيع
القدم أن تخطو خطوة ويجب أن تسمع الأذن حتّى ينظر البصر نظرة دقيقة وكلّ جزء من
الأجزاء الإنسانيّة إذا نقص حصل النّقص والفتور في سائر الأجزاء والدّماغ مرتبط
بالقلب وبالمعدة، والرّئة مرتبطة بجميع الأعضاء. وكذا بقيّة الأعضاء لكلّ منها
وظيفته فالقوّة العاقلة سواء أقلنا إنّها قديمة أو قلنا إنّها حادثة إنّما هي
مديرة ومدبّرة لجميع أعضاء الإنسان ليقوم كلّ عضو بوظيفته بنهاية الانتظام ولكن لو
حدث خلل في تلك القوّة العقليّة فإنّ جميع الأعضاء تتوقّف عن إجراء وظائفها الأصليّة
وتظهر أعراض الخلل في هيكل الإنسان وفي تصرّفات أعضائه ولا تظهر الفائدة المطلوبة.
وكذلك لاحظوا هذا الكون الّذي لا يتناهى فلا بدّ من وجود قوّة كلّيّة
فيه تكون محيطة ومديرة ومدبّرة لجميع أجزاء هذا الكون الّذي لا نهاية له ولو لم
يكن هذا المدير والمدبّر موجودًا لاختلّ عالم الكون ولأصبح كالمجنون وحيث إنّكم
تلاحظون أنّ هذا الكون الّذي لا يتناهى في غاية الانتظام وكلّ جزء من أجزائه يقوم
بوظائفه بكلّ إتقان وليس هناك أيّ خلل فمن الواضح المشهود أنّ هناك قوّة كلّيّة
موجودة هي المدبّرة والمديرة لهذا الكون الّذي لا يتناهى وأنّ كلّ عاقل يدرك هذا ثمّ
إنّ جميع الكائنات ولو أنّها تنمو وتتكامل تدريجيًّا إلاّ أنّها تحت
مؤثّرات خارجيّة، مثال ذلك الشّمس
تهب الحرارة وتسقط مطرًا وتهب نسيمًا منعشًا للأرواح حتّى ينمو الإنسان ويتكامل.
إذًا فقد اتّضح أنّ الهيكل الإنسانيّ هو تحت مؤثّرات خارجيّة ولا ينمو ولا يتكامل
بدونها وتلك المؤثّرات الخارجيّة هي أيضًا تحت مؤثّرات أخرى مثال ذلك نموّ وتكامل
الوجود الإنسانيّ منوط بوجود الماء، والماء منوط بوجود المطر، والمطر منوط بوجود السّحاب،
والسّحاب منوط بوجود الشّمس حتّى يتبخّر البرّ والبحر ويحصل السّحاب من التّبخّر وكلّ
واحد من هذه العوامل مؤثّر ومتاثّر في نفس الوقت إذًا فلا بد وأنها تتنهي إلى وجود
مؤثّر لا يتأثّر بكائن آخر وعنده ينقطع التّسلسل. إلا أنّ حقيقة ذلك الكائن مجهولة
ولكنّ آثاره واضحة مشهودة. وفضلاً عن هذا فإنّ جميع الكائنات محدودة ونفس محدوديّة
هذه الكائنات دليل على حقيقة غير المحدودة لأنّ وجود المحدود يدلّ على وجود غير
المحدود والخلاصة أنّ هناك أدلّة كثيرة من هذا القبيل كلّها تدلّ على أنّ تلك
الحقيقة الكلّيّة لمّا كانت حقيقة قديمة فإنّها منزّهة ومقدّسة عن شؤون الحادثات
وأحوالها لأنّ كلّ حقيقة تتعرّض للحادثات والشّؤون هي ليست قديمة بل حادثة. إذًا
فاعلم أنّ الألوهيّة الّتي تتصوّرها سائر الطّوائف والملل هي ألوهيّة تحت التّصوّر
لا فوقه والحال أنّ حقيقة الألوهيّة فوق التّصوّر. أمّا المظاهر المقدّسة الإلهيّة
فإنّها مظهر تجلّي كمالات تلك الحقيقة المقدّسة وهذا الفيض الأبديّ والتّجلّي اللاّهوتي
هو الحياة الأبديّة للعالم الإنسانيّ فمثلاً شمس الحقيقة هي في أفق عال لا يمكن أن
يصله أيّ شخص وإنّ جميع العقول والأفكار قاصرة وهي مقدّسة ومنزّهة عن إدراكها ولكنّ
المظاهر المقدّسة الإلهيّة هي بمنزلة المرايا الصّافية النّورانيّة الّتي تستفيض
من شمس الحقيقة وتفيض على سائر الخلق والشّمس بكلّ كمالها وجلالها ظاهرة باهرة في
هذه المرآة النّورانيّة فلو قالت الشّمس الموجودة في المرآة إنّي شمس فهي صادقة
ولو قالت إنّني لست الشّمس
فهي صادقة ولو ظهرت الشّمس وبهرت بكلّ
جلالها وجمالها وكمالها في المرآة الصّافية فإنّها لا تتنزل من عالمها الأعلى ومن
سموّ مقامها ولا تحلّ في هذه المرآة بل إنّها لم تزل في علوّ تنزيهها وتقديسها.
وجميع الكائنات الأرضيّة ينبغي أن تستفيض من الشّمس لأنّ وجودها منوط ومشروط
بحوادث الشّمس وبضيائها ولو بقيت محرومة من الشّمس فإنّها تفنى وتزول وهذه هي
المعيّة الإلهيّة المذكورة في الكتب المقدّسة
في أنّ الإنسان يجب أن يكون دائمًا مع الله. إذًا صار معلومًا أنّ ظهور الحقيقة الألوهيّة
يتمّ بالكمالات، والشّمس وكمالاتها مرئيّة في المرايا ووجودها يصرّح عن الفيوضات الإلهيّة.
هذا وأرجو لك عينًا باصرة وأذنًا سامعة وارتفاع الحجب عن عينيك
والرّسم الّذي أردته تجده في طيّ هذه الرّسالة وعليك التّحيّة والثّناء.
مارس 1921
عبد
البهاء عبّاس
اللّوح
المبارك: إلى قراء جريدة واهان – لندن
هو
الله
إنّ هذه الشّمس في فلك الأثير
تشرق على الآفاق وجميع الكائنات الأرضيّة تنمو وترتقي من فيوضاتها ولو لم تكن حرارة
الشّمس وإشراقها لما تكوّنت طبقات الكرة الأرضيّة ولما وجدت المعادن الكريمة ولما
حاز هذا التّراب الأسود على قوّة النّموّ ولما ترعرع النّبات ولما نشأ عالم
الحيوان ونما ولما تحقّق وجود عالم الإنسان على سطح
الغبراء فكلّ هذه المواهب هي
من فيض الشّمس الّتي هي آية من آيات قدرة الله سبحانه وتعالى. وعندما تشرق من نقطة
الاعتدال يصير العالم عالمًا آخر وترتدي الأقاليم حلّة خضراء وتورق جميع الأزهار
وتزدهر وتعطي ثمرًا نضرًا ريّانًا ويسري الدّم في عروق كلّ ذي روح وأعصابه فينال
حياة جديدة ويكتسب قوّة جديدة، وكذلك الأمر في شمس الحقيقة الّتي هي الكوكب اللاّمع
في عالم العقول والأرواح والنّفوس وهي النّيّر الأعظم لعالم الأفكار والقلوب وهي
المربّية للنّوع الإنسانيّ وسبب نموّ وانتعاش الأرواح والعقول والنّفوس وهذا
الكوكب الإلهيّ له كذلك طلوع وغروب ونقطة اعتدال وخطّ استواء وبروج متعدّدة.
ولقد مضى الآن عهد طويل على أفول ذلك النّيّر الأعظم وأظلم عالم
العقول والنّفوس وفقدت قوّة النّموّ والانتعاش فقدانًا كلّيًّا وانتهت الاكتشافات
العقليّة، ولكن لله الحمد تنفّس صبح الحقيقة وسطعت الأنوار من الشّمس وترى أنّ
جميع الكائنات تتحرّك وتبدو في كلّ لحظة حياة جديدة وتبهر في كلّ يوم آثار عجيبة
فيجب أن يستيقظ النّائمون وأن ينتبّه الغافلون، فحان الوقت للعميان أن يروا وللصّمّ
أن يسمعوا وللبكم أن ينطقوا وللأموات أن يبعثوا حتّى تتجلّى للعالم آثار مواهب هذا
القرن العظيم ويحيط سرور اليوم العظيم جميع القلوب وتنير أنوار المحبّة الأفئدة
والأرواح كي تزول ظلمات الأفكار والقلوب زوالاً كلّيًّا وطابت أرواحكم.
عبد
البهاء عبّاس
اللّوح
المبارك: إلى مدير وقراء المجلة الشّرقيّة – لندن
هو
الله
صديقي المحترم،
وصلتني رقيمتكم وأصابني منتهى السّرور من تلك الرّوابط الرّوحانيّة
المنبعثة من ذاتكم وروحكم.
ومع أنّه قد اتّضح لي جليًّا في سفري هذا أنّ عالم الغرب قد
ارتقى في المدنيّة رقيًّا كبيرًا لم يسبق له مثيل إلا أنّ المدنيّة الإلهيّة أوشكت
أن تصبح نسيًا منسيًّا لأنّ جميع الأفكار غرقت في عالم الطّبيعة وكلّ ما في العالم
اليوم هو صورة للطّبيعة وليس له صبغة إلهيّة.
وحيث إنّ النّقائض كثيرة في عالم الطّبيعة ولهذا فقد حجبت أنوار
المدنيّة الإلهيّة وأصبحت الطّبيعة حاكمًا مسيطرًا. وأعظم قوّة في عالم الطّبيعة
هي قوّة التّنازع على البقاء وهذا التّنازع هو مبدأ ومنشأ جميع المشاكل وسبب الحرب
والجدال والعداوة والبغضاء بين جميع البشر لأنّ الظّلم والأنانيّة وحبّ السّيطرة
والاعتداء على حقوق الآخرين الموجودة في عالم الطّبيعة إنّما هي صفات ذميمة ومن
رذائل العالم الحيواني ولهذا فما دامت مقتضيات عالم الطّبيعة هي الحاكمة بين
البشر، فالفلاح والنّجاح محال لأنّ فلاح العالم الإنسانيّ ونجاحه إنّما هما
بالفضائل والخصائل الّتي تزيّن حقيقة الإنسان وهذا أمر مخالف لمقتضيات الطّبيعة.
فالطّبيعة
محبّة للحرب والنّزاع والطّبيعة محبّة للدّماء والطّبيعة ظالمة عاتية والطّبيعة
غافلة عن الله.
وعليه تلاحظون حضراتكم أنّ صفات الافتراس هذه طبيعيّة في
العالم
الحيوانيّ، ولهذا بعث الرّحمن الرّسل بلطفه وعنايته وأنزل الكتب حتّى ينجو العالم
الإنسانيّ عن طريق التّربية الإلهيّة من فساد الطّبيعة وظلمة الجهل ويصل إلى
الكمالات المعنويّة والإحساسات الوجدانيّة والفضائل الرّوحانيّة ويصبح مصدر السّنوحات
الرّحمانيّة وهذه هي المدنيّة الإلهيّة.
والمدنيّة المادّيّة في العالم الإنسانيّ
اليوم مثل زجاجة في منتهى الصّفاء إلا أنّها ويا ألف أسف زجاجة محرومة من السّراج،
والسّراج هو المدنيّة الإلهيّة الّتي تؤسّسها المظاهر الإلهيّة.
وخلاصة القول لمّا كان هذا القرن قرن
الأنوار وقرن ظهور الحقيقة وقرن التّرقّيات فوا ألف أسف على البشريّة الّتي لا
تزال في التّعصّبات الجاهليّة والمنازعات الطّبيعيّة، وفيها الخصومات والعداوات في
منتهى العنف.
وجميع هذه الأضرار ناتج عن زوال المدنيّة الإلهيّة
بالكلّيّة ونسيان تعاليم الأنبياء. فمثلاً ورد في نصّ التّوراة أنّ جميع البشر هم
خلق الرّحمن وفي ظلّ ألطاف الرّبّ العطوف وليسوا من خلق الشّيطان وكذلك نصّ
الأنجيل على أن الشّمس الإلهيّة أشرقت على العاصي والمطيع على السّواء كما وأنّ
القرآن يتفضّل:- "لا ترى في خلق الرّحمن من تفاوت". هذا هو أساس المظاهر
المقدّسة الإلهيّة. إلاّ أنّه ويا ألف أسف قد هدم سوء التّفاهم ما بناه الأنبياء،
والدّين الّذي كان ينبغي أن يكون سبب المحبّة والألفة ومؤسّس وحدة العالم الإنسانيّ،
أصبح سبب البغضاء والعداوة.
ولقد مرّت ستة آلاف سنة استمرّ خلالها بنو
البشر في سفك الدّماء والافتراس وهما من خصائص عالم الحيوان، ولكنّ البشر أطلقوا
على ذلك الاسم التّعصّب الدّينيّ والتّعصّب الجنسيّ والتّعصّب الوطنيّ
ويضربون
بمعاولهم على جذور شجرة العالم الإنسانيّ، فوا ألف أسف لذلك.
والخلاصة فقد تجوّلتُ في جميع ممالك الغرب
وأعلنتُ في جميع المجامع والكنائس العظمى، بموجب تعاليم حضرة بهاء الله، وحدة
العالم الإنسانيّ، وروّجت الصّلح العموميّ، ودعوت بأعلى صوتي الجميع إلى الملكوت
الإلهيّ قائلاً: الحمد لله على ما أشرقت شمس الحقيقة من أفق الشّرق في منتهى اللّمعان
وأشرقت بأنوارها على جميع الآفاق وأنّ أنوارها هي التّعاليم السّماويّة، وهي إعلان
وحدة العالم الإنسانيّ وترويج الصّلح العمومي وتحرّي الحقيقة وتأسيس الألفة والمحبّة
بقوّة الدّين وتطابق العلم والعقل مع الدّين ونبذ التّعصّب الدينيّ والجنسيّ
والوطنيّ والسّياسيّ وتعميم المعارف العامّة وتحكيم المحكمة الدّوليّة الكبرى الّتي
تحلّ معضلات المشاكل المتنوّعة بين الدّول والملل وتربية جميع الإناث كتربية الرّجال
على جميع الفضائل الإنسانيّة وحل المسائل الاقتصاديّة وتأسيس اللّغة العالميّة
وأمثال ذلك، حتّى ينجو العالم الإنسانيّ من ظلمة الضّلالة ويصل إلى مطلع أنوار
الهداية، وينهدم هذا النّزاع والجدال والخصومة والعداوة من بين البشر، ويزول سوء التّفاهم
الموجود بين أهل الأديان، لأنّ أساس الأديان الإلهيّة واحد، وهو وحدة العالم الإنسانيّ.
ولله الحمد وجدنا في أمريكا آذانًا صاغية
وشاهدنا نفوسًا متوافقة متآلفة، ومقاصد تلك النّفوس إيجاد الألفة بين جميع البشر،
وغاية آمالهم رقيّ العالم الإنسانيّ رقيًّا لم يسبق له مثيل.
وكذلك قابلنا في لندن نفوسًا مباركة
يجهدون بقلوبهم وأرواحهم لإلقاء المحبّة والألفة بين البشر.
وأملي أن تنتشر هذه الأفكار العالية يومًا
فيومًا وتتجلّى هذه
المقاصد
الخيريّة حتّى تصبح جميع ملل العالم مظاهر السّنوحات الرّحمانيّة ولا يبقى بين
الأديان والأقوام نزاع وجدال. هذه هي العزّة الأبديّة وهذه هي السّعادة السّرمديّة
وهذه هي جنّة العالم الإنسانيّ.
ع.ع
اللّوح المبارك: إلى أعضاء مجمع الصّلح العموميّ في
هولندا بواسطة سكرتيرة اللّجنة التّنفيذيّة أمة الله الآنسة أ.ج. دايزرنك
هو
الله
أيّها المجمع المحترم في العالم الإنسانيّ،
من أجل نواياكم الخيّرة ومقاصدكم السّامية
يجب على جميع البشر أن يتقدّموا بشكرهم إليكم ويكونوا ممتنّين راضين منكم لأنّكم
قمتم ببذل مثل هذه الهمّة الّتي أصبحت سبب راحة عموم البشر.
إنّ راحة عالم الخليقة ورخاءه يتمّان عن
طريق تحسين الأخلاق العامّة للعالم الإنسانيّ وإنّ أعظم وسيلة لتربية الأخلاق هي
علوّ الهمّة وتوسّع الأفكار ويجب دعوة العالم الإنسانيّ إلى هذه المنقبة العظيمة.
لاحظوا أنّ المبادئ الأصليّة المرعيّة من
قبل كلّ فرد من أفراد البشر هي جلب المنفعة لنفسه ودفع الضّرر عنها فهو يفكّر في
راحته وسروره ويتمنّى الانفراد في معيشته ويبذل الجهد حتّى يتفوّق على جميع
الأفراد الآخرين في الرّاحة والثّروة والعزّة. هذا أمل كلّ فرد من أفراد البشر
وهذا منتهى الدّناءة والبؤس وإسفاف الرّأي.
إنّ الإنسان حينما يرتقي أقلّ رقيّ فكريّ
وتسمو همّته يجب أن يكون في صدد جلب المنفعة لعموم عائلته ودفع الضّرر عنها، لأنّه
يرى في راحة عموم عائلته ورخائها سعادة نفسه وعندما يتّسع فكره أكثر
وتسمو
همّته سموًّا أكثر يفكّر في جلب المنفعة إلى أبناء جنسه ووطنه وفي دفع الضّرر عنهم
ولكنّ هذه الهمّة وهذا الرّأي مهما كانا مفيدين للفرد ولعائلته أو حتّى لعموم
أبناء أمّته ووطنه فإنّهما يؤدّيان إلى الضّرر بسائر الأمم، لأنّ الفرد يسعى بكلّ
جوارحه إلى قصر جميع منافع العالم الإنسانيّ على ملّته وحصر جميع ما على الأرض من
فوائد في عائلته وتخصيص سعادة جميع العالم الإنسانيّ لنفسه، ويعتقد أنّه كلّما تدنّت
سائر الدّول المجاورة ارتقت أمّته ووطنه حتّى يصبح بهذه الطّريقة متفوّقًا على
جميع ما سواه في القوّة والثّروة والاقتدار.
أمّا الإنسان الإلهيّ والشّخص السّماويّ
فهو براء من هذه القيود وإنّ سعة أفكاره وسموّ همّته في منتهى الدّرجات وتتّسع
دائرة أفكاره اتّساعًا بحيث يرى منفعة عموم البشر أساسًا لسعادة كلّ فرد من أفراد
البشر، ويرى ضرر كلّ الملل والدّول عين ضرر دولته وأمّته، بل ضرر عائلته، بل ضرر
نفسه بالذّات، ولهذا فهو يجهد بجسمه وبروحه ليجلب السّعادة والمنفعة لعموم البشر
ويدفع الضّرر عن عموم الملل ويسعى في ترقية عموم البشر ونورانيّتهم وسعادتهم ولا
يفرّق في المعاملة لأنّه يرى العالم الإنسانيّ عائلة واحدة وعموم الملل أفراد تلك
العائلة بل إنّه يرى الهيئة الاجتماعيّة البشريّة كشخص واحد، ويعتبر كلّ ملّة من
الملل عضوًا من أعضاء ذلك الجسم. ينبغي للإنسان أن يبلغ بسموّ همّته إلى درجة يخدم
الأخلاق العامّة، ويكون سبب عزّة العالم الإنسانيّ. في حين أنّ الأمر في هذا اليوم
على العكس من هذا. فجميع ملل العالم تفكّر في ترقية نفسها وانحطاط الآخرين بل إنّها
فوق ذلك تفكّر في جلب النّفع لنفسها والضّرر للآخرين وتحسب هذا تنازعًا على البقاء
وتقول إنّ هذا أساس فطريّ في العالم الإنسانيّ ولكنّ هذا خطأ كبير، بل لا يوجد خطأ
أعظم من هذا.
سبحان الله إنّ التّعاون والتّعاضد لدى
بعض الحيوانات يؤدّي إلى
بقائها.
لاحظوا أنّها تتسابق في موارد الخطر في إبداء المعونة لبعضها. ففي ذات يوم كنت
واقفًا على شاطئ نهر صغير، وكانت أسراب
من الجراد تريد عبوره لتحصل على رزقها ولم تكن لها أجنحة لتطير بها ولهذا هجم ذلك
الجراد عديم الجناح وتسابق فألقى بنفسه في الماء ليشكّل ما يشبه الجسر من هذا
الجانب من النّهر إلى ذلك الجانب، فعبر الجراد الآخر فوقه ووصل من جانب النّهر إلى
الجانب الآخر، ولكنّ ذلك الجراد الّذي شكل جسرًا فوق سطح الماء هلك. لاحظوا هذا هو
التّعاون على البقاء لا التّنازع على البقاء.
وإذا كانت للحيوانات مثل هذه الإحساسات الشّريفة
فكيف يجب أن يكون عليه الإنسان وهو أشرف الكائنات؟ وماذا يليق به أن يعمله ولا
سيّما أنّ التّعاليم الإلهيّة والشّرائع السّماويّة تجبر الإنسان على هذه الفضيلة.
إنّ جميع الامتيازات القوميّة والتّقسيمات
الوطنيّة والانفراديّة العائليّة والقيود الشّخصيّة مذمومة مردودة عند الله، وقد
بُعث جميع أنبياء الله ونزّلت جميع الكتب السّماويّة من أجل هذه المزيّة والفضيلة،
وانحصرت جميع تعاليمهم الإلهيّة في إزالة هذه الأفكار النّفعيّة الانفراديّة،
وتحسين الأخلاق في العالم الإنسانيّ وتأسيس المساواة والمواساة بين عموم البشر حتّى
يفدي كلّ فرد من الأفراد بروحه الآخرين. هذا هو الأساس الإلهيّ وهذه هي الشّريعة السّماويّة.
ولا يمكن تأسيس مثل هذا الأساس المتين إلا
بقوّة كلّيّة قاهرة للإحساسات البشريّة لأنّ كلّ قوّة تعجز دون ذلك إلاّ قوّة الرّوح
القدس، ونفثات الرّوح القدس، فإنّها تغيّر الإنسان تغييرًا إلى درجة تبدّل أخلاقه
فينال الولادة الثّانية ويتعمّد بنار محبّة الله الّتي هي محبّة عموم الخلق ويتعمّد
بماء الحياة الأبديّة وبالرّوح القدس.
إنّ الفلاسفة الأوّلين الّذين بذلوا أقصى الهمّة في
تحسين الأخلاق وجاهدوا بأرواحهم وقلوبهم قد تمكّنوا فقط من تربية أخلاق أنفسهم لا
أخلاق العموم. راجعوا التّاريخ يتّضح لكم ذلك.
أمّا قوّة الرّوح القدس فإنّها تحسّن
الأخلاق العامّة وتنير العالم الإنسانيّ وتمنح السّمو الحقيقيّ وتربّي عموم البشر.
إذ يجب أن يبذل محبّو الخير للعالم جهودهم حتّى يجذبوا تأييدات الرّوح القدس بالقوّة
الجاذبة.
وأملي أن يقتبس ذلك المجمع المحترم الخيريّ
في العالم الإنسانيّ الأنوار من شمس الحقيقة ويصبح سببًا في تربية أخلاق عموم
البشر.
وأملي أن
يقع احترامي لتلك الهيئة العالية القدر موقع القبول.
ع.ع
اللّوح المبارك بافتخار جناب سلام في الصين
هو الله
يا مفتونًا بالحقيقة وظمآنًا إليها، لقد وصلتني
رسالتكم وكانت دليلاً على طلوع صبح منير من أفق وجدانكم، وإنّي لأرجو بعد طلوع الصّبح
أن تشرق الشّمس المنيرة إشراقًا تفيض أشعته على الآفاق.
لا يخفى على حضرتكم أنّ عالم الوجود يحتاج
إلى معلّم ومربّ والمربّون على نوعين: المربّي في عالم الطّبيعة والمربّي في عالم
الحقيقة.
إنّكم لو تركتم الأرض على حالتها الطّبيعيّة
فإنّها تصبح غابة
ومنبتًا
للأشواك، ولكن عندما تدخل يد البستانيّ الرّؤوف ورعايته تصبح الغابة بستانًا
والأرض الشّائكة حديقة ورود. إذن اتّضح أنّ التّربية ضروريّة في عالم الطّبيعة.
وكذلك لاحظ النّوع البشريّ إذا حُرم من التّربية
والتّعليم أصبح جسمًا مسمومًا لأنّ الأقوام المتوحّشة لا تمتاز عن الحيوانات بأيّ
وجه من الوجوه فمثلاً ما هو الفرق بين السّود الأفريقيّين والسّود الأمريكيّين. فأولئك
ينطبق عليهم القول: "خلق الله البقر على صورة البشر" وهؤلاء متمدّنون
أذكياء علماء. حتّى إنّني خلال سفري هذا تحدّثت بصورة مسهبة في واشنطن في مجامع السّود
وكنائسهم ومدارسهم، وشاهدتهم مثل فضلاء أوروبّا يدركون جميع الدّقائق من الأمور.
إذن فما هو الفرق الّذي جعل هذين النّوعين من السّود أحدهما في أسفل دركات الجهل
والآخر في أوج المدنيّة؟
هل الفرق إلاّ بالتّربية؟ ومن المؤكّد أن التّعليم
والتّربية أدّيا إلى عزّة هؤلاء وأنّ عدم التّربية أصبح بذلك سبب ذلّة أولئك.
إذن اتّضح أنّ التّربية ضرورة من ضروريّات
عالم المدنيّة.
إنّ المدنيّة على قسمين: أحدهما المدنيّة
في عالم الطّبيعة والآخر المدنيّة في عالم الحقيقة الّذي يتعلّق بعالم الأخلاق وما
لم تجتمع المدنيّتان في الهيئة الاجتماعيّة فلن يتحقّق فلاحها ونجاحها.
لاحظوا أوروبّا تروا أنّ خيمة المدنيّة الطّبيعيّة
قد ضربت أطنابها في جميع الأرجاء ولكن ما أشد الظّلام في أوروبّا! فإنّ جميع
الأفكار فيها متّجهة نحو التّنازع على البقاء وفي كلّ يوم سلاح جديد وزيادة في
المواد المتفجّرة، فلا استقرار فيها للنّاس والنّاس فيها تحت كابوس الذّلّة والذّهول
لأنّ المدنيّة الأخلاقيّة والرّوحانيّة والانجذاب بنفحات الله مفقودة فيها بصورة تامّة.
وخلاصة القول كما أنّ المربّي والمعلّم
ضروريّان في عالم الطّبيعة فكذلك وجود المربّي ضروريّ ولازم في عالم الحقيقة أي في
عالم الرّوح والوجدان والشّيم والأخلاق والفضائل الّتي لا منتهى لها والكمالات الحقيقيّة
في عالم الإنسان، وسعادة الدّارين.
إنّ مؤسّسي المدنيّة الطّبيعيّة هم فلاسفة
الأرض، أمّا معلّمو المدنيّة الحقيقيّة فهم المظاهر المقدّسة الإلهيّة. لذا لو
حُرم العالم الإنسانيّ من المربّي الطّبيعي ومن المربّي الحقيقيّ فلا شكّ أنه
يتدهور إلى أسفل دركات العالم الحيواني.
إنّ المدنيّة الطّبيعيّة بمثابة الزّجاج،
والمدنيّة الإلهيّة بماثبة السّراج، وإنّ المدنيّة الجسمانيّة بمثابة الجسد، والمدنيّة
الإلهيّة بمثابة الرّوح، وكما يحتاج الزّجاج سراجًا، يحتاج الجسد روحًا.
طالعوا رسالة جالينوس الحكيم المسمّاة
(مائة رسالة) والّتي دارت حول رقيّ مدنيّة العالم الإنسانيّ تجدوا أنّه يقول فيها:
"إنّ العقائد الدّينيّة من أعظم وسائل عالم المدنيّة والإنسانيّة. ففي وقتنا
الحاضر هناك جماعة تسمّى بالمسيحيّين، وبما أنّها ثابتة مستقيمة على عقائدها الدّينيّة
فإنّ عوام هذه الجماعة فلاسفة حقيقيّون لأنّهم يتحلّون بأخلاق وآداب لا يستطيع أن
يتوصّل إليها أعظم فيلسوف إلاّ بعد مشقّة سنين طويلة في الزّهد والرّياضة الأخلاقيّة.
أمّا عوام هذه الجماعة فإنّهم متحلّون بهذه الفضائل بمنتهى درجة الكمال".
إذن اتّضح أنّ العالم الإنسانيّ يحتاج إلى
مربّ حقيقيّ عمومي ليجمع الأحزاب المتفرّقة في ظلّ كلمة واحدة ويسقي الملل المتخاصمة
من عين واحدة وليبدّل العداوة والبغضاء بالمحبّة والولاء، والحرب والجدال بالصّلح
والسّلام، كما ألّف الرّسول عليه الصّلاة والسّلام بين القبائل العربيّة المتحاربة
المتخاصمة المتوحّشة وربطها برابطة الوئام
وجمعها
في ظلّ خيمة الوحدة ولهذا السّبب ارتقت أعراب البادية ورفعت الرّاية في عالم
الكمالات المعنويّة والمادّيّة ونالت العزّة الأبديّة.
وكذلك جمع السّيّد المسيح الملل المتنافرة
المتباغضة المتخاصمة من اليونان والرّومان والسّريان والكلدان والآشوريّين والمصريّين
على معين واحد بعد أن كانت في منتهى البغضاء والعداوة وربطها برباط الوئام المتين.
إذن اتّضح أنّ العالم الإنسانيّ محتاج إلى
مربّين ومعلّمين عموميّين وأولئك هم المظاهر المقدّسة الإلهيّة.
وقد يقول البعض : "إنّنا من الخواص
ولا نحتاج إلى معلّم عموميّ" فمثل هؤلاء كمثل خواص الجيش وقوّاده إذا قالوا:
"إنّنا ماهرون في فنون الحرب ولا نحتاج إلى القائد العام ولا إلى أمير اللّواء".
فمن الواضح أنّ هذا القول لا أساس له فالجميع في الجيش من خواصٍ وعوام محتاجون كلّهم
إلى أمير اللّواء الّذي هو المربّي العموميّ.
وهذا كافٍ وافٍ لمن ألقى السّمع وهو الشّهيد.
وعليك
البهاء الأبهى.
عبد البهاء عبّاس
اللّوح
المبارك بافتخار أمة الله السّيّدة بارسنز
دوبلن: أمة الله السّيّدة بارسنز عليها بهاء الله الأبهى
هو الله
يا ابنة الملكوت إنّني في القطار متوجّه نحو سان فرانسيسكو
وقد تذكّرت خصالك وتذكّرت وجه مستر "جفري" الصّغير فشرعت في الحال
بكتابة هذه الرّسالة إليك.
واعلمي أنّ نهاية سروري هي أن أرى تلك الابنة العزيزة
مفتونة بالجمال الإلهيّ مشهورة بولهها ومنجذبة بنفحات الجنّة الأبهى ومشتعلة بنار محبّة
الله تشتعل كالشّمع وتذوب ولكنّها تمنح الجميع نورًا. وأملي أن تكوني كذلك.
أمّا بخصوص المسألة الاقتصاديّة الواردة
في التّعاليم الجديدة والّتي سبّبت لك مشكلة فكريّة فإنّ بيانها لم يكن كما نقل إليك
بل إنّ ما نقل إليك رواية لا تطابق الواقع، ولهذا فإنّني أبيّن لك أساس المسألة حتّى
يتّضح ويتبرهن لك أن المسألة الاقتصاديّة لا يمكن بل يستحيل حلّها بغير هذه التّعاليم.
وحلّ المسألة الاقتصاديّة يجب أن يبدأ
بالفلاّح ثمّ ينتهي الأمر إلى المِهن الأخرى لأنّ عدد الفلاّحين يزيد أضعافًا على
عدد المشتغلين بالحرف الأخرى، ولهذا ينبغي البدء بقضيّة الفلاّح الّذي هو العامل
الأوّل في الهيئة الاجتماعيّة.
فعلى عقلاء كلّ قرية أن يؤسّسوا جمعيّة
تكون بيدها إدارة تلك القرية وأن يؤسّسوا كذلك مخزنًا عامًّا يعيّنون له كاتبًا
وفي موسم الحصاد يؤخذ قسم معيّن من المحصولات العموميّة ويوضع في المخزن بإشراف
الجمعيّة.
وواردات هذا المخزن سبعة وهي: واردات
العُشر ورسوم على الحيوانات والمال الّذي لا وارث له، واللّقائط الّتي لا يعرف
أصحابها، وثلث الكنوز الّتي يتمّ العثور عليها وثلث المعادن والتّبرعات.
ومصروفاته سبعة أيضًا: أوّلها: المصروفات
المعتدلة العموميّة كمصاريف المخزن وإدارة مراكز الصحّة العامّة، وثانيها: أداء
العشر للحكومة، وثالثها: أداء رسوم الحيوانات للحكومة، ورابعها: إدارة
دور الأيتام، وخامسها: مساعدة العجزة، وسادسها: إدارة التّعليم وسابعها:
إكمال المعيشة الضّروريّة للفقراء.
فأوّلاً واردات العشر وهذه يجب تحصيلها
بالأسلوب التّالي: مثلاً الّذي تبلغ وارداته العموميّة خمسماية دولار ومصروفاته
خمسمائة دولار لا يستحصل منه العشر والّذي مصروفاته خمسمائة دولار ووارداته ألف
دولار يستحصل منه العشر لأنه يملك أكثر من حاجته، فإذا أعطى العشر لا تختلّ معيشته
أبدًا. وإنسان آخر مصروفاته ألف دولار ووارداته خمسة آلاف يستحصل منه العشر ونصف
العشر لأنّه يملك زيادة إضافيّة. وإنسان مصروفاته الضّروريّة ألف دولار ووارداته
عشرة آلاف دولار يستحصل منه عُشران لأنّه يملك زيادة إضافيّة. وغيره مصروفاته الضّروريّة
أربعة آلاف أو خمسة آلاف دولار، أمّا وارداته فمائة ألف دولار، يستحصل منه الرّبع.
ومن ناحية أخرى إذا وجد إنسان حاصلاته مائتا دولار واحتياجاته الضّروريّة الّتي هي
أدنى حدود القوت والطّعام الضّروريّ له تساوي خمسمائة دولار ولم يقصّر في سعيه
وجهده لكن زراعته لم تجد بركة تجب إعانته من المخزن العموميّ كي لا يبقى محتاجًا
بل يعيش مرتاحًا.
وجميع أيتام القرية يجب تأمين ما يحتاجونه
من هذا المخزن كما يجب أن يخصّص قسم في هذا المخزن للمحتاجين الّذين لا يستطيعون
العمل وقسم لإدارة التّعليم وقسم للأمور الصّحّيّة أمّا إذا بقي شيء من المال فيجب
نقله إلى المخزن العموميّ لينفق في المصروفات العموميّة.
وعندما يوضع مثل هذا النّظام يعيش كلّ فرد
من أفراد الهيئة الاجتماعيّة بكمال الرّاحة والسّعادة.
كذلك يجب الإبقاء على الرّتب فلا ينالها
خلل أبدًا لأنّ تفاوت المراتب من مستلزمات الهيئة الاجتماعيّة الضّروريّة فالهيئة
الاجتماعيّة أشبه بفرقة من فرق الجيش ففي فرقة الجيش لا بدّ من وجود القائد الأعلى
ووجود الزّعيم ووجود العقيد ووجود الضّابط ووجود الجندي
ولا
يمكن أن يكون الجميع في رتبة واحدة فالرّتب إذًا ضروريّة ولكن يجب أن يعيش كلّ فرد
من أفراد الجيش في تمام الرّاحة والهناء كذلك يجب أن يكون هناك والٍ وقاضٍ وتاجر
وغنيّ وزراعيّ ومهنيّون ولا شكّ في أنّه يجب المحافظة على هذه المراتب وإبقاؤها
وإلاّ اختلّ النّظام العموميّ.
وأرجو إبلاغ منتهى أشواقي ومحبّتي للمستر بارسنز
الّذي لن أنساه أبدًا وإذا استطعت أن تنشري هذه الرّسالة في إحدى الجرائد فافعلي
لأنّ أشخاصًا آخرين سيعلنون هذا القانون باسمهم.
وبلّغي
تكبيري الأبدع الأبهى إلى قدسيّة وعليك البهاء الأبهى.
ع.ع
الخطبة
المباركة باللّغة العربيّة في تونون – سويسرة
يوم الإثنين 27 آب 1911
هو الله
أيّها الحاضرون إلى متى هذا الهجوع والسّبات،
وإلى متى هذا الرّجوع القهقرى، وإلى متى هذا الجهل والعمى، وإلى متى هذه الغفلة والشّقاء،
وإلى متى هذا الظّلم والاعتساف، وإلى متى هذا البغض والاختلاف، وإلى متى الحميّة
الجاهليّة، وإلى متى التّمسّك بالأوهام الواهية، وإلى متى النّزاع والجدال، وإلى
متى الكفاح والنّزال، وإلى متى التّعصّب الجنسيّ، وإلى متى التّعصّب الوطنيّ، وإلى
متى التّعصّب السّياسيّ، وإلى متى التّعصّب المذهبيّ. "ألم يأن للّذين آمنوا
أن تخشع قلوبهم لذكر الله"، هل ختم الله على القلوب أم غشت الأبصار غشاوة
الاعتساف أولم تنتبه النّفوس إلى أنّ الله قد فاضت فيوضاته على العموم خلق الخلق
بقدرته ورزق الكلّ برحمته وربّى الكلّ بربوبيّته، "لا
ترى
في خلق الرّحمن من تفاوت فأرجع البصر هل ترى من فطور"، فلنتّبع الرّبّ الجليل
في حسن السّياسة وحسن المعاملة والفضل والجود ولنترك الجور والطّغيان ولنلتئم
التئام ذوي القربى بالعدل والإحسان ولنمتزج امتزاج الماء والرّاح ولنتّحد اتّحاد
الأرواح، ولا نكاد نؤسّس سياسة أعظم من سياسة الله ولا نقدر أن نجد شيئًا يوافق
عالم الإنسان أعظم من فيوضات الله ولكم أسوة حسنة في الرّبّ الجليل فلا تبدّلوا
نعمة الله، وهي الألفة التّامّة في هذا السّبيل. عليكم يا عباد الله بترك الاختلاف
وتأسيس الائتلاف والحبّ والإنصاف والعدل وعدم الاعتساف.
أيّها الحاضرون قد مضت القرون الأولى
وطُويَ بساط البغضاء والشّحناء حيث أشرق هذا القرن بأنوار ساطعة وفيوضات لامعة
وآثار ظاهرة وآيات باهرة والأنوار كاشفة للظّلام دافعة للآلام داعية للائتلاف
قامعة للاختلاف، إلاّ أنّ الأبصار قد قرّت وأنّ الآذان قد وعت وأنّ العقول قد
أدركت أنّ الأديان الإلهيّة مبنيّة على الفضائل الإنسانيّة، ومنها الألفة والوداد
بين العموم والوحدة والاتّفاق بين الجمهور. يا قوم ألستم من سلالة واحدة ألستم
أفنانًا وأوراقًا من دوحة واحدة ألستم مشمولين بلحظات أعين الرّحمانيّة مستغرقين
في بحار الرّحمة من الحضرة الوحدانيّة ألستم عبيدًا للعتبة الرّبّانيّة، هل أنتم
في ريب أنّ الأنبياء كلّهم من عند الله وأنّ الشّرائع كلّها قد تحقّقت بكلمة الله،
وما بعثهم الله إلا لتعليم وتربية الإنسان وتثقيف عقول البشر والتّدرّج إلى
المعارج العالية من الفلاح والنّجاح وقد ثبت بالبرهان السّاطع أنّ الأنبياء
اختارهم الله رحمة للعالمين وليسوا نقمة للسّائرين وكلّهم دعوا إلى الهدى وتمسّكوا
بالعروة الوثقى حتّى أنقذوا الأمم السّافلة من حضيض الجهل والعمى إلى أوج الفضل والنّهى،
فمن أمعن النّظر في حقيقة التّاريخ المنبئة الكاشفة لحقائق الأسرار من القرون الأولى
يتحقّق عنده بأنّ موسى عليه السّلام أنقذ بني إسرائيل من الذّلّ والهوان والأسر
والخذلان
وربّاهم بتأييد من شديد القوى حتّى أوصلهم إلى أوج العزّة والعلى، ومهّد لهم السّعادة
الكبرى ومَنَّ الله عليهم بعدما استضعفوا في الأرض وجعلهم أئمّة من ورثة الكتاب
وحملة لفصل الخطاب حتّى كان منهم عظماء الرّجال وأنبياء أسّسوا لهم السّعادة
والإقبال، وهذا برهان ساطع واضح على نبوّته عليه السّلام. وأمّا المسيح الجليل
كلمة الله وروح الله المؤيّد بالإنجيل فقد بعثه الله بين قوم ذلّت رقابهم وخضعت أعناقهم وخشعت أصواتهم لسلطة الرّومان فنفخ فيهم
روح الحياة وأحياهم بعد الممات وجعلهم أئمّة في الأرض خضعت لهم الرّومان وخشعت لهم
اليونان وطبّق الأرض صيتهم إلى هذا الأوان. وأمّا الرّسول الكريم محمّد المصطفى
عليه الصلاة والتّسليم فقد بعثه الله في واد غير ذي زرع لا نبات فيه بين قبائل
متنافرة وشعوب متحاربة وأقوام ساقطة في حضيض الجهل والعمى لا يعلمون من دحاها ولا
يعرفون حرفًا من الكتاب ولا يدركون فصلاً من الخطاب، أقوام متشتّتة في بادية العرب
يعيشون في صحراء من الرّمال بلبن النّياق وقليل من النّخيل والأعناب فما كانت
بعثته عليه السّلام إلاّ كنفخ الرّوح في الأجساد أو كإيقاد سراج منير في حالك من
الظّلام فتنوّرت تلك البادية الشّاسعة القاحلة الخاوية بتلك الأنوار السّاطعة على
الأرجاء فانتهض القوم من رقد الضّلال وتنوّرت أبصارهم بنور الهدى في تلك الأيّام فاتّسعت
عقولهم وانتعشت نفوسهم وانشرحت صدورهم بآيات التّوحيد فرتّلت عليهم بأبدع الألحان،
وبهذا الفيض الجليل قد نجحوا ووصلوا إلى الأوج العظيم حتّى شاعت وذاعت فضائلهم في
الآفاق، فأصبحوا نجومًا ساطعة الإشراق فانظروا إلى الآثار الكاشفة للأسرار حتّى
تنصفوا بأنّ ذلك الرّجل الجليل كان مبدأ الفيض لذلك القوم الضّئيل وسراج الهدى
لقبائل خاضت في ظلام الهوى وأوصلهم إلى أوج العزّة والإقبال ومكّنهم من حياة طيّبة
في الآخرة والأولى، أمّا كانت هذه القوّة الباهرة
الخارقة
للعادة برهانًا كافيًا على تلك النّبوّة السّاطعة؟
لعمر الله إنّ كلّ منصف من البشر يشهد
بملء اليقين أنّ هؤلاء الرّجال كانوا أعلام الهدى بين الورى ورايات الآيات الخافقة
على صروح المجد في كلّ الجهات، وتلك العصبة الجليلة استشرقت فأشرقت واستضاءت
فأضاءت واستفاضت فأفاضت واقتبست الأنوار من حيّز ملكوت الأسرار وسطعت بأنوار الوحي
على عالم الأفكار، ثمّ إنّ هذه النّجوم السّاطعة من أفق الحقيقة ائتلفت واتّحدت
واتّفقت وبشّر كلّ سلف عن كلّ خلف، وصدّق كلّ خلف نبوّة كلّ سلف، فما بالكم أنتم
يا قوم تختلفون وتتجادلون وتتنازعون ولكم أسوة حسنة في هذه المظاهر النّورانيّة
والمطالع الرّحمانيّة ومهابط الوحي العصبة الرّبّانيّة وهل بعد هذا البرهان يجوز
الارتياب والتّمسّك بأوهام أوهن من بيت العنكبوت وما أنزل الله بها من سلطان؟
يا قوم البدار البدار إلى الألفة، عليكم
بترك البغضاء والشّحناء، عليكم بترك الجدال، عليكم بدفع الضّلال، عليكم بكشف الظّلام،
عليكم بتحرّي الحقيقة في ما مضى من الأيّام، فإذا ائتلفتم اغتنمتم وإذا اختلفتم
اعتسفتم عن سبيل الهدى، وغضضتم النّظر عن الحقيقة والنّهى وخضتم في بحور الوهم
والهوى إنّ هذا لضلالة مهلكة للورى، وأمّا إذا اتّحدتم وامتزجتم وائتلفتم فيؤيّدكم
شديد القوى بصلح وصلاح وحبّ وسلام وحياة طيّبة وعزّة أبديّة وسعادة سرمديّة والسّلام
على من اتّبع الهدى.
الحقّ فهمه سهل
في يوم الإثنين الموافق 4 أيلول 1911 وصل حضرة عبد
البهاء إلى لندن وفي مساء ذلك اليوم ألقى في الأحبّاء الّذين حضروا للتّرحيب به
الخطبة التّالية:
لقد بارك الله هذا اليوم. فقد قيل إنّ
لندن ستكون مركزًا لنشر الأمر على نطاق واسع وعندما ركبت في السّفينة كنت أشعر بالتّعب
إلاّ أنّني عندما بلغت لندن ورأيت وجوه الأحبّاء زال عني كلّ عناء وانعشتني محبّتكم
العظيمة. وإنّني لراضٍ عنكم.
لقد أخذ الإحساس الموجود بين الشّرق
والغرب يتغيّر في ضوء تعاليم حضرة بهاء الله. فلقد كان من المعتاد في الشّرق أنّ
الغربي إذا شرب من آنية الشّرقيّ كسرها الشّرقيّ ظنًّا منه أنّها قد تنجّست. وأمّا
الآن فإنّ البهائيّ الغربيّ إذا تناول الغداء عند البهائيّ الشّرقيّ فإنّ هذا يحفظ
الأواني تذكارًا وعلامة للمحبّة والاحترام.
ولقد بلغت درجة تفاني الأحبّاء في الإخلاص
بعضهم لبعض أنّ بعض الجند ذهبوا إلى منزل أحد البهائيّين في طلب أحد ضيوفه لتنفيذ
الأمر بالقتل فيه. فخرج لهم صاحب المنزل وبيّن لهم أنّه هو المطلوب فأخذوه وقتلوه.
وبذلك افتدى ضيفه بنفسه. فهذا هو عنوان المحبّة الخالصة.
إنّ مغناطيس محبّتكم هو الّذي جذبني إلى
هذه البلاد. فأملي أن
يشرق
فيها النّور الإلهيّ، وأن يؤيّدكم الجمال الأبهى حتّى تكونوا سببًا في وحدة الإنسانيّة،
وزوال التّقاليد والبدع والخرافات. وبذلك تتّحد جميع العقائد والملل. فهذا العصر
عصر نورانيّ تفتّحت فيه العيون إلى وحدة الإنسانيّة وإلى المحبّة والإخاء. وسوف
تزول ظلمات الاختلاف والاعتساف وتشرق أنوار الوفاق والاتّحاد. نعم، إنّه لا يمكننا
أن نؤسّس هذه الوحدة ونجلب هذه المحبّة بمجرّد القول. والعلم بها وحده لا يكفي.
ونحن نعلم أنّ الثّروة والعلم والتّربية أمور حسنة، ولكن لا بدّ لنا من أن نعمل
وندرس حتّى تنضج ثمرة العلم.
فالعلم هو الخطوة الأولى، والعزم والتّصميم
هما الخطوة الثّانية، والعمل وإنجازه هما الخطوة الثّالثة. فإذا أردنا إقامة بناء
وجب علينا أوّلاً أن نرسم خطة له، ثمّ أن تكون لدينا القدرة على إقامته، عندئذ
نستطيع أن نباشر البناء. وقد تتأسّس جمعيّة للاتّحاد، وهذا حسن إذا تمّ إلاّ أنّ
الاجتماع والمناقشة لا يكفيان. ومثل هذه الاجتماعات تتمّ في مصر ولكن ليس هناك سوى
الأقوال دون نتائج تعقبها. والاجتماعات الّتي تجري هنا في لندن حسنة؛ والمعرفة والنّوايا
حسنة أيضًا، ولكن كيف يمكن أن تتأتّى النّتائج دون عمل؟ وقوّة الاتّحاد اليوم هي
روح قدس بهاء الله. فهو قد أظهر روح الاتّحاد وهو الّذي يجمع الشّرق والغرب معًا.
عودوا إلى التّاريخ ودقّقوا فيه فلن تجدوا لذلك مثيلاً.
خلق الله العالم عالمًا واحدًا. أمّا الحدود
فمن عمل الإنسان ذلك لأنّ الله لم يقسّم الأرض بل خلق العالم وطنًا واحدًا، ولذلك
قال حضرة بهاء الله: "ليس الفخر لمن يحبّ الوطن بل لمن يحبّ العالم"
فالجميع عائلة واحدة وجنس واحد. والجميع بنو آدم. وتقسيم الأرض لا يستلزم الاختلاف
ولا التّفرقة.
ومن أعظم الاختلافات اختلاف الألوان والتّعصب
لها كما هي الحال في أمريكا. فهناك يبغض بعضهم بعضًا بسبب اللّون. مع أنّ
الحيوانات
لا تتنازع مع بعضها البعض بسبب اللّون. فكيف يتدنّى الإنسان عن درجة الحيوان بهذه
الجهالة، مع أنّ الإنسان أشرف منها خلقًا. فنحن نرى الحيوانات المختلفة الألوان
تعيش مع بعضها البعض متآلفة، ولا تتنازع بسبب اختلاف اللّون. فما بال الرّجل
الأبيض يقاتل الأسود؟ حقًّا إنّ هذا لأسوأ ألوان التّعصّب. ففي التّوراة ورد أنّ الله
خلق آدم على صورته. وفي القرآن الحكيم ورد: "ما ترى في خلق الرّحمن من تفاوت
فأرجع البصر هل ترى من فطور؟" خلق الله الخلق وحفظهم وربّاهم بشديد القوى. فالسّياسة
الإلهيّة أعلى وأجلّ من السّياسة البشريّة، وإنّه لأحكم الحاكمين. ولا نكاد نصل
إلى حكمته البالغة. وأكثر الّذين لم يسمعوا عن هذه التّعاليم يظنّون أنّ الدّين
نظام واجب الاحترام فقط. ومن القسس من يمارس مهنته كسبًا للعيش ولا يعتقد في ما
يعلمه للنّاس. فهل يضحّي أمثال هؤلاء بحياتهم من أجل الدّين؟ سل واحدًا من هذا النّوع
أن ينكر السّيّد المسيح إبقاءً على حياته، فسوف تراه لا يتردّد في ذلك! وسل بهائيًّا
أن ينكر أحدًا من الرّسل العظام، أو أن ينكر دينه أو ينكر موسى أو محمّدًا أو
المسيح فسوف يجيبك: إنّني أفضّل الموت على ذلك. ومن ثمّ كان البهائيّ من أصل
إسلامي، مسيحيًّا أفضل من كثير ممّن يدَّعون أنّهم مسيحيّون.
إنّ البهائيّ لا ينكر أيّ دين. وإنّما هو
يؤمن بالحقيقة الكامنة فيها جميعًا، وهو يضحّي بنفسه من أجل التّمسك بها. وهو يحبّ
النّاس جميعًا كأخوته مهما كانت طبقتهم أو جنسهم أو تبعيّتهم، ومهما كانت عقائدهم
وألوانهم، وسواء كانوا فقراء أم أغنياء، صالحين أم طالحين. وهو لا يغلظ ولا يعنّف،
فإذا ضُرِب لا يضرب. وهو لا يرى شيئًا قبيحًا مقتديًا في ذلك ببهاء الله. ولا يشرب
البهائيّ الخمر ولا المشروبات الرّوحيّة حتّى لا يخرج عن الاعتدال. ولقد قال حضرة بهاء
الله "ليس للعاقل أن يشرب ما يذهب به العقل".
إنّ دين الله في هذا العالم ذو وجهين: الوجه الرّوحانيّ
الحقيقيّ والوجه الصّوريّ الظّاهري. فالوجه الصّوريّ يتغيّر كما يتغيّر الإنسان في
أدوار عمره ويتشكّل بصور مختلفة. ولكنّ الوجه الرّوحانيّ الحقيقيّ لا يقبل التّغيير:
فجميع الأنبياء والرّسل أتوا بتعاليم واحدة. وفي البداية يتعلّق النّاس بالحقيقة، ثمّ
ما يلبث أن يتغيّر شكل الحقيقة، فتضمحلّ بسبب ما يدخل عليها من البدع والقوانين
الوضعيّة فتحتجب بحجب المادّة والأمور الدّنيويّة.
وكما جاء موسى وعيسى برسالتهما للنّاس
كذلك جاء بهاء الله بالرّسالة نفسها. وفي كلّ مرّة نتلقّى فيها رسالة جديدة على يد
رسول عظيم نُعطى حياة جديدة إلاّ أنّ الحقيقة الّتي يأتي بها كلّ رسول واحدة. إذ
إنّ الحقيقة لا تتغيّر قط، ولكنّ أنظار النّاس هي الّتي تتغير. فيظلم نور الحقيقة
وتختلط بما يتسرّب إليها من الأمور الدّنيويّة الوضعيّة.
إنّ فهم الحقّ أمر سهل، ولكنّ الصّور الظّاهريّة
المختلفة الّتي تمتزج بالحقّ هي الّتي يشكل أمرها على العقل. وكلّما ارتقى الإنسان
رأى تفاهة الصّورة الوضعيّة واحتقرها. ومن ثمّ نجد كثيرًا من النّاس يهجرون
الكنيسة لأنّها غالبًا ما تهتمّ بالأمور الصّوريّة الظّاهريّة.
السّرور الأبديّ
في يوم السّبت الموافق 8 أيلول 1911 اجتمع في منزل مسز
بكنام في لندن جمع غفير من النّاس حتّى غصّ المنزل بالحاضرين، فتقدّم بعضهم
بالاعتذار إلى حضرة عبد البهاء أنّ المنزل صغير لا يتّسع لجميع الأحبّاء، فقال:
ليس المنزل ضيقًا، وإنّما ينبغي أن تكون
الصّدور واسعة.
عندما بلغنا عكّا، نزل ثلاثة عشر شخصًا منّا
في غرفة واحدة أوّل الأمر. أسأل الله أن يمنّ على القلوب بالانشراح، وأن يوسّع على
أحبّائه، ولا يمكن أن يتأتّى انشراح القلوب إلا بمحبّة الله. وبالرّغم من أنّ
الانشراح قد يحصل من أمور أخرى إلاّ أنّه انشراح عرضيّ مؤقّت سرعان ما يتبدّل بالضّيق.
وأمّا السّرور والانشراح اللّذان يتأتّيان من محبّة الله فأبديّان. على أنّ لجميع
المسرّات والملذّات الدّنيويّة بريقًا خلاّبًا عن بعد، فإذا اقتربت منها وجدتها
سرابًا خداعًا لا حقيقة فيه.
ولا شكّ أنّكم قرأتم في حكمة سليمان أنّه
قال: عندما كنت طفلاً كنت أظنّ أنّ اللّذّة في الرّكوب والتّرحال. فلما بلغت الشّباب
ورأيت أنّه لا لذّة في النّزهة والرّكوب والتّرحال قلت لنفسي بل اللّذّة في السّلطة
والاقتدار والحكم. فلما بلغت السّلطة وجدتها هي الأخرى لا لذّة فيها. وكذلك كان شأن
كلّ شيء يبدو لنظري برّاقًا. فإذا ما بلغته لا أجد له لذّة. ففهمت أنّ السّرور هو
في محبّة الله.
وإذا كان سرور الإنسان في الصّحّة فإنّ الصّحّة قد تزول
في يوم من الأيّام. فممّا لا شكّ فيه إذن أنّ الصّحّة ليست سببًا للسّرور. وإذا
كان سرور الإنسان كامنًا في الثّروة فإنّ الثّروة قد تزول. وإذا كان سروره في
المنصب فإنّ المنصب قد يضيع من يده. وطالما كان السّبب قابلاً للزّوال كان
المسبِّب كذلك زائلاً. ولكن عندما يكون سبب السّرور هو الفيض الإلهيّ، يكون ذلك السّرور
أبديًّا، ذلك لأنّ
الفيوضات الإلهيّة أبديّة. ولمّا كانت محبّة الله أبديّة، فإنّ الإنسان إذا تعلّق
قلبه بالفيض الإلهيّ استقرّت في قلبه المحبّة الإلهيّة وكان سروره أبديًّا. وما
تعلّق القلب بالأمور الفانية إلاّ ارتدّ يائسًا آخر الأمور، إلاّ محبّة الله ومحبّة
العالم الإنسانيّ.
وإنّكم ينبغي لكم أن تشكروا الله لأنّه
فتح أمام وجوهكم أبواب الملكوت، ولأنّه دعاكم إلى محبّة الله وخدمة العالم الإنسانيّ،
وإنّ لكم أبًا مثل بهاء الله الّذي أحاط فيضه بالعالم. إذًا ينبغي لكم أن تشكروا الله
آناء اللّيل وأطراف النّهار على أنّكم فزتم بهذا الفيض المحيط.
خطبة كنيسة سيتي تمبل
في يوم الأحد الموافق 9 أيلول 1911 دعا الأب المبجّل
ر.ج. كامبل راعي كنيسة سيتي تمبل حضرة عبد البهاء إلى إلقاء خطبة على رعيّة
الكنيسة. وبالرّغم من أنّ أمر الدّعوة لم يعلن إلاّ أنّ الكنيسة لم يكن فيها موضع
لقدم. وقد ألقى حضرته الكلمة التّالية:
أيّها الجمع المحترم وملتمس طريق الله.
الحمد لله، قد أشرق نور الحقيقة، وهبّ
نسيم الرّوض الإلهيّ، وارتفع نداء الملكوت في جميع الأقاليم، ونفخت نفثات الرّوح
القدس في هويّة القلوب، فوهبت لها الحياة الأبديّة. ففي هذا القرن البديع تنوّر الشّرق
وتعطّر الغرب وتعنبرت مشام الرّوحانيّين، وماج بحر وحدة العالم الإنسانيّ، وارتفع
علم الرّوح القدس. وإنّ كلّ إنسان منصف ليشهد بأنّ هذا اليوم لهو يوم بديع، وأنّ
هذا العصر لهو عصر الله العزيز. وعمّا قريب يصبح العالم جنّة عليا.
إنّ هذا اليوم هو يوم وحدة العالم البشريّ
واتّحاد جميع الملل. في الماضي كانت التّعصّبات سببًا للجهالة وأساسًا لتنازع
البشر. ثمّ جاء هذا اليوم الظّافر بعناية الله القادر. وعمّا قريب تتموّج وحدة
العالم الإنسانيّ في قطب الآفاق، وينقطع الجدال ويزول النّزاع، ويتنفّس صبح الصّلح
الأكبر، ويتحوّل العالم إلى عالم جديد، ويصبح جميع البشر إخوانًا، وتصير كافّة
الملل رايات لله الأكبر الجليل.
إنّ النّزاع وسفك الدّماء من خواص عالم الحيوان. أمّا الصّلح
والصّلاح فمن مواهب عالم الإنسان. ولقد قال حضرة بهاء الله: العدل والإنصاف حياة
العالم. فالحمد لله إنّ علم العدل مرتفع في هذه الرّبوع، والمساواة بين البشر
منتشرة، وكذلك الحرّيّة والرّاحة والأمن والسّعادة.
إنّ الله واحد، والجنس البشريّ واحد،
وأساس أديان الله واحد، وحقيقة الرّبوبيّة محبّة.
فيا أيّها الأحبّاء! ابذلوا قصارى الجهد حتّى
يتعانق الشّرق والغرب كما يتعانق العاشقان.
أي ربّ! نوّر هذا الجمع، وأيّد هذه النّفوس،
واجعل الوجوه نورانيّة والطّباع رياضًا رحمانيّة، وأحيي الأرواح بنفثات الرّوح
القدس، وأعزّ النّاس بالهداية الكبرى، وابذل لهم من العطايا السّماويّة والمواهب الرّحمانيّة
ما أنت به جدير، واحفظهم بحفظك، وصنهم بحمايتك ورعايتك، واشملهم بألطافك الّتي لا
تتناهى، وخصّهم بعنايتك الكاملة، إنّك أنت المعطي الوهّاب العليم.
صورة الملأ الأعلى
في يوم الأربعاء الموافق 13 أيلول 1911 اجتمع في منزل
مسز كروبر في لندن جمع كبير من الأحبّاء فألقى فيهم حضرة عبد البهاء الكلمة التّالية:
هو الله
الحمد لله أن ائتلف جمع طيّب نورانيّ، سماويّ، روحانيّ:
تم للفلك الدّوّار من هذا الصّفاء والسّرور والجمال
صورة
في العالم السّفلي تحكي عمّا في العالم العلويّ([2])
ومعنى ذلك أنّ للعالم العلويّ انعكاسًا في
عالم الوجود. فالحمد لله على أنّ مجلسنا هذا صورة الملأ الأعلى، وأنّه كالشّمس نور
وإشراق.
ومن المعروف أنّ العالم الأعلى عالم محبّة،
وأنّ في الملأ الأعلى اتّحادا واتّفاقا، وأنّ المقصد في الملأ الأعلى مقصد رحمانيّ.
فالحمد لله إنّ هذا الأمر متوفّر هنا أيضًا. ولذلك فإنّنا إذ قلنا إنّ هذا مجمع سماويّ
فقد صدقنا لأنّه ليس لكم من هدف سوى مرضاة الله.
إنّ جميع من على الأرض يجرون وراء شهواتهم وأهوائهم.
فمنتهى الأمل لدى فريق، هو الثّروة والمال، وغاية المنى لدى قوم، هي الغلبة على
الأعداء، وقصارى رجاء فريق ثالث، هو إيثار الرّاحة والعافية، ومحطّ أنظار فريق
رابع، هو التّوصل إلى الرّياسة، على حين أنّ غاية الغايات لدى فريق غير هؤلاء وأولئك
هي بلوغ الشّهرة.
ونحمد الله على أنّ مطلبنا نحن هو الرّضى
الإلهيّ والوحدة الرّبانيّة. فليس لنا من مقصد في مجلسنا الّذي جمعنا الآن سوى
ترويج اتّحاد العالم ونشر النّور الإلهيّ، وجذب القلوب الإنسانيّة. ولهذا فنحن
نشكر الله على أنّه وفّقنا إلى خدمة أمره العظيم. وإنّي لأدعو لكم جميعًا، عسى أن
تكونوا جميعًا جنود السّماء، وترفعوا علم الوحدة السّماويّة، وتنيروا الشّرق
والغرب وتملأوا القلوب من محبّة الله. فهذا هو منتهى أملي. وهذا هو ما أرجوه لكم
من الله. ولا شكّ أنّ هذا هو ما ترجونه أنتم أيضًا. إنّني لراضٍ عنكم... ويجب
عليكم أن تحمدوا الله على أنّكم أحرار. فأنتم لا تدرون ما يجري في الشّرق ومقدار
ما يشعر به القادم إلى هنا من رضا.
حفظكم الله وصانكم.
تجديد تعاليم الأنبياء
في
ليلة 14 أيلول 1911 ألقى حضرة عبد البهاء
هذه الكلمة
الموجزة أمام رئيس جمعيّة الثّيوسوفيّين
هو الله
بلّغ تحيّتي واحترامي للجمعيّة الثّيوسوفيّة.
وقل لهم إنّكم في الحقيقة خدمتم وحدة الجنس البشريّ لأنّه ليس لديكم تعصّب الجاهليّة،
ولأنّكم تريدون توحيد البشر. وكلّ من يخدم قضيّة وحدة البشر اليوم مقبول عند الله.
ذلك لأنّ جميع أنبياء الله سعوا في سبيل وحدة الجنس البشريّ وقدّموا خدماتهم
للعالم. ولأنّ أساس التّعاليم الإلهيّة هو وحدة العالم الإنسانيّ.
فسيّدنا موسى سعى من أجل وحدة العالم الإنسانيّ،
والسّيّد المسيح أسّس وحدة العالم الإنسانيّ، وسيّدنا محمّد أعلن الوحدة الإنسانيّة.
فالإنجيل والتّوراة والقرآن كتب إلهيّة وضعت أساس الوحدة الإنسانيّة. وما شريعة الله
إلاّ شريعة واحدة، وما دين الله إلاّ دين واحد، وهو الألفة والمحبّة.
ولقد جدّد حضرة بهاء الله تعاليم
الأنبياء، وأعلن أساس دين الله وألّف بين الأمم المختلفة، وجمع الأديان المتباينة.
ونفَذَت تعاليمه في عروق البشر وأعصابهم نفاذًا أوجد الاتّحاد بين القبائل المختلفة
والشّعوب المتباينة. ولمّا كنتم أنتم عاملين على تحقيق هذا المقصد الجليل فإنّني
أدعو من أجلكم وألتمس لكم التّأييد الإلهيّ.
تجديد النّواميس الإلهيّة
في
يوم الخميس الموافق 14 أيلول 1911 ألقى حضرة
عبد البهاء في
منزل مسز روزنبرج الخطبة التّالية:
هو الله
الحمد لله أن انعقد هذا المجلس في غاية اللّطف
والكمال. وإنّني لآمل أن يتجلّى فيكم مقصد الكتب السّماويّة والرّسل.
إنّ المظاهر الإلهيّة هم أوّل المعلّمين
للحقيقة والمروّجين لها، فكلّما انتشرت الظّلمة في العالم وساد الجهل والغفلة أرسل
الله رجلاً إلهيًّا. فقد جاء موسى حينما كانت مصر مظلمة يحيط بها الجهل وانعدام
المعرفة ويعيش أهلها في منتهى التّوحّش. وكان موسى معلّمًا إلهيًّا فعلّم الآيات الرّبانيّة.
وربّى بني إسرائيل، ونجّاهم من الجهل والمذلّة، وبلغ بهم أقصى غايات العزّة فبرعوا
في العلوم والفنون، وهيّأ لهم مدنيّة تامّة ونشر بينهم خزائن العالم ثمّ محيت
الآثار الإلهيّة رويدًا رويدًا، وغلب على بني إسرائيل الهوى والفكر الشّيطانيّ
وأحاطت بهم الظّلمة. فارتفع صوت الأحديّة مرّة أخرى. وأشرقت شمس الحقيقة، وسرت
نفثات الرّوح القدس، وهطل غمام الرّحمة، وأضاءت العالم أنوار الهداية فلبس الكون
لباسًا جديدًا، وأصبح الخلق خلقًا جديدًا، ونودي بوحدة البشر، وأصبح هذا العالم جنّة
عليا. واتّحدت القبائل
المختلفة
والشّعوب المتنوّعة. وبعد مدّة نسي النّاس هذه النّواميس الإلهيّة، ومحيت هذه النّصائح
الرّبّانيّة من صفحة القلوب. ولم تعد هناك تعاليم حقيقيّة. وأحاطت ظلمة الجهل وعدم
المعرفة.
والآن جاء حضرة بهاء الله وجدّد الأساس
الأصليّ للدّين، وأظهر من جديد تعاليم المسيح الإلهيّة وفضائل العالم الإنسانيّ،
فسقى العطشى وأيقظ الغافلين وجعل المحرومين مخازن الأسرار ونشر وحدة العالم الإنسانيّ
وأعلام المساواة بين البشر.
فعليكم إذن أن تسعوا بقلوبكم وأرواحكم،
وأن تعيشوا بين جميع البشر بالمحبّة، كي يتمّ الاتّحاد الكلّيّ، وتزول التّعصّبات
الغاشمة، ويتّحد الجميع.
هو الله
في
يوم الأحد الموافق 17 أيلول سنة 1911 لبّى حضرة عبد البهاء دعوة
الأرشديكون ولبرفورس راعي كنيسة سان جورج
بوستمنستر. وبعد
أن قدّم الأرشديكون ضيفه العزيز وتحدّث عن سجنه
أربعين عامًا
قام عبد البهاء عن الكرسيّ الّذي وضع خصيصًا له
في
مقابلة
المحراب وألقى الخطبة التّالية:
أيّها المحترمون اعلموا أنّ النّبوّة مرآة تنبئ عن الفيض
الإلهيّ والتّجلّي الرّحمانيّ، وانطبعت فيها أشعّة ساطعة من شمس الحقيقة وارتسمت
فيها الصّور العالية ممثّلة لها تجلّيات أسماء الله الحسنى "ما ينطق عن الهوى
إن هو إلاّ وحيٌ يوحى"، فالأنبياء معادن الرّحمة ومهابط الوحي ومشارق الأنوار
ومصادر الآثار "وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين".
وأمّا الحقيقة الألوهيّة فهي مقدّسة عن
الإدراك ومنزّهة عن أن
تنسج
عناكب الأفكار بلعابها حول حماها فكلّ ما يتصوّره الإنسان من أدقّ المعاني إنّما
هو صور للخيال وأوهام ما أنزل الله بها من سلطان. وتلك المعاني إنّما لها وجود
ذهنيّ وليس لها وجود عينيّ، فما هي إلاّ محاط لا محيط ومحدود ليس ببسيط حقيقيّ والله
بكلّ شيء محيط. والحقيقة الإنسانيّة أعظم من ذلك حيث لها الوجود الذّهنيّ والوجود
العينيّ ومحيطة بتلك التّصوّرات الذّهنيّة، ومدركة لها والإدراك فرع الإحاطة فالألوهيّة
الّتي تحت الإدراكات الإنسانيّة إنّما هي تصوّرات خياليّة وليست بحقيقة الألوهيّة،
لأنّ حقيقة الرّبوبيّة محيطة بكلّ الأشياء لا محاطة بشيء ومقدّسة عن الحدود
والإشارات، بل هي وجود حقيقيّ منزّه عن الوجود الذّهنيّ، ولا تكاد العقول تحيط به حتّى
تسعه الأذهان "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللّطيف الخبير"،
وإذا أمعنّا النّظر بعين الحقيقة نرى أنّ تفاوت المراتب في الوجود مانع عن الإدراك
حيث إنّ كلّ مرتبة دانية لا تكاد أن تدرك ما فوقها مع أنّ كلتيهما في حيّز الإمكان
دون الوجوب فالمرتبة الجماديّة ليس لها خبر عن عالم الحيوان، ولا يكاد النّبات أن يتصوّر
السّمع والبصر والحركة الإراديّة ولو كانت في أعلى درجة من النّبات والحيوان لا
يستطيع تصوّر العقل والنّفس النّاطقة الكاشفة لحقائق الأشياء لأنّه فاقد الوجدان
وأسير المحسوسات وذاهل عن كلّ حقيقة معقولة فكلّ حيوان لا يكاد أن يدرك حركة الأرض
وكرويّتها، ولا تكاد تنكشف له القوّة الجاذبة والمادّة الأثيريّة الغائبة عن
الحواس، وهو حال كونه أسير الأثير ذاهل عنه فاقد الإدراك، فإذا كانت حقيقة الجماد
والنّبات والحيوان والإنسان حال كونها كلّها من حيّز الإمكان ولكن تفاوت المراتب
مانع أن يدرك الجماد كمال النّبات والنّبات قوى الحيوان والحيوان فضائل الإنسان
فهل من الممكن أن يدرك الحادث حقيقة القديم ويعرف الصّنع هوية الصّانع العظيم،
أستغفر الله من ذلك ضعف الطّالب وجلّ المطلوب،
نهاية
إقدام العقول عقال، فما بقي أدنى شبهة أنّ الحدوث عاجز عن إدراك القديم كما قال
عليه السّلام "ما عرفناك حقّ معرفتك" ولكنّ الإمكان من حيث الوجود والشّؤون
يحتاج الفيض من حضرة الوجوب، وعلى ذلك إنّ الغيب المنيع المنقطع الوجدانيّ تجلّى
على حقائق الأشياء من حيث الأسماء والصّفات وما من شيء إلاّ وله نصيب من ذلك الفيض
الإلهيّ والتّجلّي الرّحمانيّ و"إن من شيء إلاّ يسبّح بحمده".
وأمّا الإنسان فهو جامع للكمال الإمكانيّ
وهو الجسم الجماديّ واللّطف النّباتيّ والحسّ الحيوانيّ. وفضلاً عن ذلك فهو حائز
لكمال الفيض الإلهيّ فلا شكّ أنّه أشرف الكائنات، وله قوّة محيطة بحقائق الممكنات،
كاشفة لأسرارها وآخذة بنواصي خواصها والأسرار المكنونة في مكامنها وتخرجها من حيّز
الغيب إلى حيّز الشّهود وتعرّضها للعقول والأفهام، هذا هو سلطان الإنسان وبرهان الشّرف
الأسمى، فكلّ الصّنائع والبدائع والعلوم والفنون كانت يومًا ما في حيّز الغيب السّرّ
المكنون، فهذه القوّة الكاشفة المؤيّد بها الإنسان قد اطّلع بها وأخرجها من حيّز
الغيب إلى حيّز الشّهود وعرضها على البصائر والأبصار، فثبت أنّ الحقيقة الإنسانيّة
ممتازة عن سائر الكائنات، وكاشفة لحقائق الأشياء لا سيّما الفرد الكامل، والفيض الشّامل
والنّور الباهر، كلّ نبي كريم ورسول عظيم فهو عبارة عن مرآة صافية لطيفة منطبعة
فيها الصّور العالية تنبئ عن شمس الحقيقة المتجلّية عليها بالفيض الأبديّ، ولا يرى
فيها إلا الضّياء السّاطع من شمس الحقيقة وتفيض به على سائر الأمم "وإنّك
لتهدي إلى صراط مستقيم".
وإذا قلنا إنّ شمس الحقيقة أشرقت بأنوارها
على المرايا الصّافية فليس مرادنا أنّ شمس الحقيقة المقدّسة عن الإدراك تنزّلت من
علوّ تقديسها وسموّ تنزيهها ودخلت وحلّت في المرايا الصّافية، أستغفر الله من ذلك
وما قدّروا الله حقّ قدره بل نقصد بذلك أنّ شمس الحقيقة إذا
فاضت
أنوارها على المرايا لا يرى فيها إلا ضياؤها، "ما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ
وحي يوحى"، إنّ النّزول والصّعود والدّخول والخروج والحلول من لوازم الأجسام
دون الأرواح فكيف الحقيقة الرّبّانيّة والذّاتيّة الصّمدانيّة إنّها جلّت عن تلك
الأوصاف فلا يكاد أن ينقلب القديم حادثًا ولا الحادث قديمًا فقلب الماهيّة ممتنع
ومحال، هذا هو الحقّ وما بعد الحقّ إلا الضّلال المبين فغاية ما يكون الحادث أن
يستفيض الفيض التّام من حضرة القديم، فلننظر إلى آثار رحمة الله في المظهر الموسويّ،
وإلى الأنوار الّتي سطعت بأشدّ الإشراق من الأفق العيسويّ وإلى السّراج الوهّاج السّاطع
اللاّمع في الزّجاج المحمّديّ عليهم الصّلاة والسّلام وعلى الّذين بهم أشرقت
الأنوار وظهرت الأسرار وشاعت وذاعت الآثار على ممرّ العصور والدّهور.
نور الرّوحانيّة
في
يوم الجمعة الموافق 22 أيلول 1911 نظمت مسز جاك ومسز هريك
للأحبّاء
والأصدقاء اجتماعًا فألقى فيهم حضرة عبد البهاء الخطبة التّالية:
هو الله
إنّ هذا اليوم بارد وكئيب. ولكنّني حضرت لأنّني مشتاق
للقياكم ورؤيتكم. فالتّعب بالنّسبة إلى المحبّ راحة. والمحبّ على استعداد لأن
يسافر إلى أي مكان ليزور أصدقاءه.
الحمد لله. إنّني أجدكم روحانيّين موقنين.
وإنّني أبلغكم الرّسالة الإلهيّة وهي أنّه يجب عليكم أن تتوجّهوا إليه. والحمد لله
إنّكم منه قريبون ولم تمنعكم شؤون الدّنيا عن البحث عن العالم الرّوحانيّ. فإذا
كنتم على وفاق مع ذلك العالم الباقي لم تلهكم شؤون هذا العالم الفاني. إنّكم لترغبون
في ما لا يموت ولا يفنى ومن ثمّ فأبواب الملكوت مفتوحة بين أيديكم. وإنّني لآمل أن
تنتشر التّعاليم الإلهيّة في جميع الأنحاء وتكون سببًا في أن يتّحد جميع أهل
العالم.
في أيّام المسيح تدفّق النّور من الشّرق
إلى الغرب تدفّقًا جعل النّاس ينضوون تحت الرّاية الإلهيّة، فاستضاءت بصائرهم
واستنارت الأقاليم الغربيّة بنور المسيح. وإنّني لأبتهل إلى الله أن يجعل النّور
في هذا القرن المجيد يضيء العالم على نحو يجعل الجميع ينضوون تحت
علم
الوحدة ويفوزون بالتّربية الرّوحانيّة، عندئذٍ تختفي تلك المشكلات الّتي تسبّب
الخلافات بين أمم الأرض، لأنّها في الحقيقة غير موجودة، فأنتم جميعًا أمواج محيط
واحد ومرايا تعكس صورة شيء واحد.
حقًّا إنّنا نرى دول أوروبّا اليوم تعيش
في راحة، لأنّ التّربية والتّعليم انتشرا وعمّا فيها. وإنّ نور الحرّيّة هو نور
الغرب، ونيّة الحكومات في الغرب منعقدة على العمل من أجل الحقّ والعدل. إلاّ أنّ
نور الرّوحانيّة كان دائمًا ينبثق من الشّرق. وفي هذا اليوم أظلم ذلك النّور وأصبح
الدّين مجرد صور وأشكال وطقوس ورسوم، وانعدمت الرّغبة في محبّة الله.
وفي كلّ عصر من عصور الظّلام الشّديد
ينبثق النّور من الشّرق. وهكذا جاءكم نور التّعاليم الإلهيّة مرّة أخرى. وكما
تنتقل التّربية والتّعليم من الغرب إلى الشّرق تنتقل النّار الرّوحانيّة من الشّرق
إلى الغرب.
فأملي هو أن تستضيء أمم الغرب من نور الله،
وأن يأتيهم الملكوت وأن يفوزوا بالحياة الأبديّة، وأن تنتشر بينهم روح الله كانتشار
النّار وأن يتعمّدوا بماء الحياة ويفوزوا بميلاد جديد.
هذه هي رغبتي. وأملي إن شاء الله أن تتلقّوا
النّور الإلهيّ فتسعدوا. وكما توفرت لكم التّربية والتّعليم والرّقيّ المادّيّ آمل
أن يكون النّور الإلهيّ من نصيبكم أيضًا.
نسيان التّعاليم الإلهيّة
قضى
حضرة عبد البهاء نهاية الأسبوع 23-25 سبتمبر 1911
في
بريستول ونزل في دار الضّيافة بكليفتون، وفي المساء عُقد
مجلس استقبال لحضرته ضمّ تسعين شخصًا ممّن جاؤوا
من
أماكن بعيدة لتحيّته
فألقى فيهم الكلمة التّالية:
هو الله
مرحبًا بكم!
لقد جئت من بعيد لأراكم. وإنّني لأحمد الله
على أنّني استطعت من بعد أربعين سنة من الانتظار أن أحضر إليكم آخر الأمر حاملاً
رسالتي. وإنّ هذا حقًا لمجلس مليء بالرّوحانيّة. فالمشتركون فيه قد وجّهوا قلوبهم
إلى الله، وإنّهم ليتلهّفون شوقًا إلى البشارات الإلهيّة.
ولقد اجتمعنا هنا بقوّة الرّوح القدس.
ولذلك امتلأت قلوبنا بالشّكر والامتنان. فأنزل يا إلهي علينا نورك وحقك حتّى
يرشدنا إلى جبلك المقدّس، وتنعشنا ينابيعك الإلهيّة الّتي تجدّد الحياة في العالم.
ولمّا كان يعقب كلّ نهار ليل، وكلّ غروب
فجر لذلك أشرق المسيح من أفق هذا العالم كشمس الحقيقة. وكذلك الحال عندما نسي النّاس
تعاليم المسيح ومثله في محبّة جميع البشر، وتعبوا مرّة أخرى من الشّؤون المادّيّة
أشرق كوكب سماويّ من أفق إيران وتجلّى النّور
من
جديد. والآن ينتشر الضوء العظيم في كلّ البلاد.
كلّما حرص النّاس على متعهم الدّنيويّة،
وكّلما قلّت مشاركتهم لبعضهم البعض في مواهب الله تحوّل الرّبيع إلى شتاء الأثرة
والأنانيّة. ولقد قال المسيح لا بدّ أن تولدوا من جديد كي تتدفّق في أوصالكم روح
حياة إلهيّة. فارحموا كلّ من حولكم واخدموا بعضكم بعضًا وأحبّوا العدل والحقّ والصّدق
في جميع أعمالكم. صلّوا دائمًا وعيشوا بحيث لا يمسّكم الحزن أبدًا. اعتبروا النّاس
من جنسكم ومن العناصر الأخرى كأعضاء في هيكل واحد، وأبناء لأب واحد، وأعلنوا
بسلوككم أنّكم حرب الله حقًا.
عندئذٍ تنتهي الحروب والمنازعات ويرفرف
السّلام العام بجناحيه على الأرض جميعًا.
نداء الملكوت
في
يوم الجمعة الموافق 29 أيلول 1911 دعت مسز كروبر ما يقرب من
أربعمائة وستين شخصيّة من شخصيّات لندن وأحبّائها
لحضور حفل
الوداع
الّذي أقامته لحضرة عبد البهاء في لندن. وبعد عدة خطب ألقاها
أحباؤه تكريمًا
له ألقى حضرته الخطبة التّالية:
هو الله
أيّها الأحبّاء الأعزّاء طالبو ملكوت الله!
منذ ستّين عامًا، حيث اضطرمت نيران الحروب
بين الأمم، وحين كان سفك الدّماء يعتبر شرفًا للعالم الإنسانيّ، وحين لطّخت وجه
البسيطة دماء الآلاف، وحين تيتّم الأطفال وثكل الآباء وامتلأت نفوس الأمّهات
بالحسرات، وحين أحاطت ظلمة التّعصب العنصريّ والعداوة بالبشر وحرمت النّفوس من النّور
الإلهيّ، وحين بدا أن نسائم الرّحمن قد انقطعت – عند ذاك أشرق بهاء الله من أفق
إيران كالنّجم السّاطع حاملاً رسالة السّلام والأخوّة بين البشر.
فقد جاء بهاء الله بنور الهداية إلى
العالم، وأشعل نار المحبّة، وكشف عن حقيقة المحبوب الحقّ، وجاهد كي يحطّم أسس التّعصّبات
الدّينيّة والعنصريّة والمنافسات السّياسيّة وشبّه العالم الإنسانيّ بشجرة، وشبّه
الأمم بأغصانها، وشبّه النّاس بأوراقها وبراعمها وثمارها. وكان هدفه أن يحوّل تعصب
الجاهليّة إلى محبّة شاملة عالية، وأن يضع في نفوس
أتباعه
أساس وحدة الجنس البشريّ، وأن يطبّق المساواة بين الأمم والملل تطبيقًا عمليًّا،
وأعلن أنّ جميع النّاس سواسية أمام رحمة الله وعنايته، وبذلك فتح باب الملكوت على
مصراعيه، وتجلّت أنوار السّماء الجديدة على الأرض لكلّ ذي عينين.
ومع ذلك فقد قضى بهاء الله كلّ حياته
يقاسي من البلايا والمحن والاضطهاد، ففي إيران ألقي في غياهب السّجن وقُيّد بالسّلاسل
والأغلال وعاش وحدّ السّيف المصلت([3])
على عنقه، وأهين وضرب بالسّوط وعندما ناهز الثّلاثين من عمره نفي إلى بغداد،
ومن بغداد إلى الآستانة، ومنها إلى أدرنة، وأخيرًا إلى سجن عكّا.
إلا أنّه نجح –وهو أسير القيد سجين الزّنزانة-
في أن ينشر أمره ويرفع راية وحدة الجنس البشريّ. ونحمد الله الآن على أنّنا نرى
نور المحبّة ساطعًا في الشّرق وفي الغرب، وخيمة الأخوّة قد ضربت بين الشّعوب
والأمم لتأليف القلوب والنّفوس والأرواح.
لقد ارتفع نداء الملكوت وأيقظ ضمائر النّاس
فأدركوا حاجتهم إلى السّلام العام.
وإنّني لآمل أن تجتهد القلوب الطّاهرة المخلصة في إزالة ظلام
البغضاء والاختلاف والشّحناء إزالة كاملة. فإنّ هذا العالم سوف يصبح عالمًا آخر،
ويصبح العالم الأدنى مرآة للعالم الأعلى، وتجتمع قلوب البشر وتتعانق، وتصبح الأرض كلّها
وطنًا واحدًا، والعناصر المختلفة جنسًا واحدًا، وتنتهي المنازعات والخلافات، ويتجلّى
المحبوب الإلهيّ على هذه الأرض. وكما استضاء الشّرق والغرب بنور شمس واحدة كذلك
ستصبح كلّ العناصر والأمم والملل عبيدًا لإله واحد.
إنّ العالم كلّه وطن واحد، وكلّ الأمم
تسبح في بحر رحمانيّة الله الواحد لو كانوا يعلمون. وإنّ الله خلق الكلّ ورزق الكلّ
وربّى الكلّ في كنف عنايته. ويجب علينا أن نقتدي بالرّبّ الجليل ونقضي على كلّ
المنازعات والخلافات.
الحمد لله أن قد تجلّت آثار الأخوّة: والدّليل
على ذلك هو أنّني –أنا القادم من الشّرق- قد قوبلت في لندن هذه بالتّكريم
والاحترام والمحبّة. وإنّني لشاكر لكم ذلك جدًّا وممتنّ وسعيد. ولن أنسى قط الوقت
الجميل الّذي قضيته بينكم.
لقد تحمّلت أربعين عامًا من العذاب في سجن
الأتراك، وفي سنة 1908 حطّمت تركيا الفتاة –"لجنة الاتّحاد والتّرقي"-
أسوار الظّلم والطّغيان وأطلقت سراح المسجونين وأنا معهم، وأسأل الله أن يبارك كلّ
من يعمل من أجل الاتّحاد والتّرقي.
وعمّا قريب ستنشر التّقارير الكاذبة عن بهاء
الله لتعوق انتشار الحقّ، وأنا أقول لكم ذلك كي تنتبهوا وتستعدّوا.
والآن أودّعكم سائلاً الله أن تكون كلّ مواهب
الملكوت من نصيبكم وأنا جدّ آسف لفراقكم.
نبذة عن تعاليم بهاء
الله
في يوم
السّبت الموافق 30 أيلول سنة 1911 دعت رئيسة جمعية
الثّيوسوفيّين حضرة عبد البهاء فألقى حضرته هذه
الخطبة
أمام الجمع
المحتشد الّذي حضر لوداعه([4])
هو الله
أيّها الجمع المحترم،
إنّ النّار لها لزوم ذاتيّ وهو الاحتراق،
وقوّة البرق لها لزوم ذاتيّ وهو الإنارة والإبراق، والشّمس لها لزوم ذاتيّ وهو
الإشراق، والتّربة لها لزوم ذاتيّ وهو الإنبات. ولا يجوز أن ينفكّ الشّيء عن لزومه
الذّاتيّ. ولمّا كان التّغيّر والتّبدّل والتّحوّل والانتقال من حال إلى حال من اللّوازم
الذّاتيّة لعالم الوجود – بمعنى أنّ تتابع فصول الرّبيع والصيف والخريف والشّتاء
وتعاقب اللّيل والنّهار من اللّوازم الذّاتيّة لعالم الأرض- لزم أن يكون بعد كلّ ربيع
خريف وبعد كلّ صيف شتاء وبعد كلّ نهار ليل؛ وبعد كلّ صباح مساء.
وحينما انهدم أساس الأديان الإلهيّة،
وفسدت أخلاق العالم
الإنسانيّ
وانعدم كلّ أثر للنّورانيّة السّماويّة، واختلّت المحبّة بين البشر وسيطرت ظلمة
العناد والجدال والقتال، وطغى برد الجمود والخمود، وأحاطت الظّلمة كلّ الجهات طلع
حضرة بهاء الله من مشرق إيران مثل كوكب الآفاق فسطعت أنوار الهداية الكبرى، وفاضت النّورانيّة
السّماويّة، وأقام التّعاليم البديعة وأسّس فضائل العالم الإنسانيّ، وأظهر
الفيوضات السّماويّة، وجلى القوّة الرّحمانيّة، وروّج في عالم الوجود المبادئ التّالية:
الأساس الأوّل هو تحرّي الحقيقة: فلقد تشبّثت
جميع الأقوام بتقاليد العوام، ولذلك اختلف بعضهم عن بعض اختلافًا شديدًا وما زالوا
في نزاع وجدال. غير أنّ ظهور الحقيقة يكشف هذه الظّلمات ويؤسّس وحدة الاعتقاد. ذلك
لأنّ الحقيقة واحدة لا تقبل التّعدّد.
والأساس الثّاني هو وحدة العالم الإنسانيّ.
فجميع البشر مشمولون بألطاف الرّبّ الجليل الأكبر وهم عباد الله الواحد ويترعرعون
في ظلّ ربوبيّته وهي الّتي شملتهم جميعًا بالرّحمة. وإنّ التّاج الإنسانيّ لزينة
لرأس كلّ عبد من عبيد الله. لهذا يجب أن نرى جميع الطّوائف والملل أنّ بعضها أخوة
لبعض، وأنّهم أغصان وأوراق وبراعم وأثمار لشجرة واحدة. ذلك لأنّ الجميع أبناء لأب
واحد هو آدم، ولآلئ مكنونة في صدف واحد. وكلّ ما في الأمر أنّهم بحاجة إلى التّربية،
بعضهم غافلون جاهلون وهؤلاء تجب هدايتهم، وبعضهم مرضى وينبغي علاجهم، وبعضهم أطفال
وتجب تنشئتهم بين أحضان العطف وأكتاف الحنان حين يبلغوا أشدّهم، ولا بدّ من صقل
قلوبهم حتّى تشرق هذه القلوب وتنير.
والأساس الثّالث هو أنّ الدّين أساس
الألفة والمحبّة وبنيان الارتباط والوحدة، فلو كان الدّين سبب العداوة لما وهب للنّاس
الألفة بل لكان أورثهم العداوة، ولكان عدمه أفضل من وجوده ولرجحت كفّة تركه على التّشبث
به.
والأساس الرّابع هو أن الدّين والعلم توأمان لا انفكاك
لأحدههما عن الآخر، فهما للإنسان بمثابة الجناحين للطّائر يطير بهما، ومن الواضح
أنّ جناحًا واحدًا لا يكفي للطّيران، وكلّ دين يتجرّد من العلم فهو تقليد لا
اعتقاد، ومجاز لا حقيقة، ولذلك كان التّعليم فريضة من فرائض الدّين.
والخامس وهو أنّ التّعصّب الدينيّ والتّعصّب
العنصريّ والتّعصّب الوطنيّ والتّعصّب السّياسيّ هادمة للبنيان الإنسانيّ. وحقيقة
الأديان الإلهيّة واحدة، لأنّ الحقيقة واحدة لا تقبل التّعدّد، وجميع الأنبياء في
غاية الائتلاف والاتّحاد. فحكم النّبوّة كحكم الشّمس، تطلع في كلّ فصل من مطلع.
ولهذا السّبب بشّر كلّ سلف بخلفه وصدّق كلّ خلف سلفه: "لا نفرّق بين أحد من
رسله".
والسّادس هو المساواة والأخوّة التامّة
بين البشر وأنّ العدل ليقتضي أن تُحفظ جميع حقوق النّوع الإنسانيّ وتُصان، وأن
تتعادل الحقوق العامّة. وهذه القاعدة من اللّوازم الذّاتيّة للهيئة الاجتماعيّة.
والسّابع تعديل معيشة الجنس البشريّ حتّى
ينجو الجميع من العوز والحاجة، ويستقرّ حال كلّ فرد بقدر الإمكان وبقدر اقتضاء
رتبته ومكانته. فكما يتدلّل الأمير ويتقلّب في بحبوحة النّعمة كذلك يجب أن يجد
الفقير قوت يومه، ويتحرّر من الذّلّة الكبرى ولا يحرم إثر شدّة الجوع من نعمة
الحياة.
والثّامن هو الصّلح الأكبر فجميع الملل والدّول
يجب أن يجدوا الرّاحة والطّمأنينة في ظلال سرادق الصّلح الأكبر. وهذا يستلزم أن
تقوم جميع الدّول والملل بتأسيس محكمة كبرى عن طريق الانتخاب العام، لتفصل في نزاع
الدّول وخلاف الملل وذلك حتّى لا تنتهي هذه الخلافات بالحروب.
والأساس التّاسع هو أنّ الدّين منفصل عن السّياسة لا صلة
له بها ولا دخل له فيها. بل إنّ الدّين مختص بعالم الأخلاق، وهو أمر روحانيّ
ووجداني متعلق بالقلوب لا الأجسام. ويجب على رجال الدّين أن ينصرفوا إلى تربية النّاس
وتعليمهم وترويج الأخلاق الحميدة، وألاّ يتدخّلوا في الأمور السّياسيّة.
والأساس العاشر هو تربية النّساء وتعليمهنّ
ورفعهنّ ورعاية حرمتهنّ لأنّهنّ شريكات الرّجال وسهيماتهم في الحياة، وهنّ من حيث
الإنسانيّة متساويات معهم.
الأساس الحادي عشر هو الاستفاضة من فيوضات
الرّوح القدس حتّى تتأسّس المدنيّة الرّوحانيّة. لأنّ المدنيّة المادّيّة وحدها لا
تكفي ولا تكفل سعادة الإنسان. وإذا كانت المدنيّة المادّيّة بمثابة الجسم فالمدنيّة
الرّوحانيّة بمثابة الرّوح. والجسم لا يمكن أن يحيا بلا روح.
هذه نبذة عن تعاليم حضرة بهاء الله، وفي
سبيل تأسيسها وترويجها تحمَّل كلّ مشقّة وعناء، فقد كان مسجونًا دائمًا ومعذّبًا
أبدًا، وكان في غاية التّعب والإرهاق. إلاّ أنّه في السّجن رفع قواعد هذا الإيوان الرّفيع.
وفي ظلمات الحبس ألقى على الآفاق بهذا النّور السّاطع البرّاق.
وإنّ أقصى آمال البهائيّين هو تنفيذ هذه التّعاليم
وإجراؤها، وإنّهم ليبذلون جهدهم الأقصى لكي يضحّوا بذواتهم فداء لهذا المقصد حتّى تضيء
الآفاق الإنسانيّة بالأنوار السّماويّة.
هذا وإنّني لمسرور غاية السّرور، لأنّني اتّحدث
إليكم في هذا المحفل المحترم، ولي كبير الأمل في أن تكون إحساساتي الوجدانيّة
مقبولة لديكم وإنّني لأدعو لكم بالتّأييد والتّوفيق إلى أعظم مواهب العالم الإنسانيّ.
عالم
الوجود محتاج إلى الرّوح
وروحه هو الدّين الإلهيّ
في
ليلة الخميس الموافق 5 تشرين الأوّل سنة 1911
ألقى حضرة عبد البهاء هذه الخطابة لدى وروده
باريس
في من اجتمعوا
لحضرته في منزل مس ساندرسن
هو الله
إنّ عالم الوجود كهيكل الإنسان، وإنّ هذه
القوى المادّيّة لهي بمثابة أعضاء ذلك الهيكل وأجزائه. إلاّ أنّ جسد الإنسان لا بدّ
له من روح بها يتحرّك وبها يحيا ويعيش، وبواسطتها تبرز لديه القوّة الباصرة والقوّة
السّامعة والقوّة الحافظة والقوّة المدركة، ويسطع فيه نور العقل الّذي يتمكّن به
من أن يكشف عن حقائق الأشياء ويحقّق التّقدّم والتّرقّي في العالم الإنسانيّ. فإذا
فقد الجسد الرّوح فإنّه لا يمكن أن يصل إلى هذه النّتائج مهما كانت صباحته
وملاحته. إنّه عندئذٍ يكون رسمًا محرومًا من الرّوح والإدراك والعقل والكمال.
وكذلك شأن جسد الوجود، فإنّه مهما بلغ في النّاحية
المادّيّة من الطّراوة واللّطافة إلاّ أنّه لا روح له. وروحه هو الدّين الإلهيّ. فالدّين
الإلهيّ روح عالم الوجود، وبه يصبح الوجود نورانيّا، وتتزيّن الأكوان وتبلغ درجة
الكمال.
ولهذا فكما تتّجه أفكاركم إلى التّرقّيات المادّيّة يجب
أن تتّجه إلى التّرقّيات الرّوحانيّة أيضًا. لا، بل يجب أن تسعوا في سبيل التّرقّيات
الرّوحانيّة سعيًا أبلغ من سعيكم في المدنيّة المادّيّة. وكما تهتمّون بالجسد
ينبغي لكم أن تهتمّوا بالرّوح. فإنّ جسد الإنسان إذا انعدمت منه الرّوح أصبح ميتًا.
ولعمري ما الفائدة الّتي ترجى منه؟ وكذلك الحال في جسد الإمكان: إذا حرم من التّرقّيات
المعنويّة أصبح جسدًا بلا روح.
والإنسان يتّفق مع الحيوان في الصّورة إلاّ
أنّ الفارق بين الإنسان والحيوان هو أنّ للإنسان قوى روحانيّة لا تتوفّر لدى
الحيوان. من ذلك أنّ الإنسان على علم بالله، والحيوان لا علم له به. ومنها أنّ
الإنسان يدرك حقائق الأشياء على حين أنّ الحيوان غافل عنها وجاهل بها. ومنها أنّ
الإنسان يكشف حقائق الموجودات المكنونة بقوّة إرادته على حين أنّ الحيوان عاجز عن
ذلك ولا نصيب له منها. ومنها أنّ الكمالات تظهر من الحقيقة الإنسانيّة ظهور
الأنوار السّاطعة من السّراج. وكما أنّ النّور سبب ظهور كمال السّراج فإنّ الدّين
سبب ظهور كمالات الإنسان. وهذه هي الفضائل الّتي يمتاز بها الإنسان على الحيوان،
وهذه هي نفحات القدس الّتي تهب له الحياة الأبديّة.
وعلى هذا فالعالم الإنسانيّ إذا حُرم من
روح الدّين عاد جسدًا بلا روح، فظلّ محرومًا من نفثات الرّوح القدس، ولا نصيب له
من التّعاليم الإلهيّة. وقد بلغ من صدق حكم الموت على الإنسان المحروم من التّعاليم
الإلهيّة أنّ السّيّد المسيح قال: "دع الموتى يدفنون موتاهم". ذلك لأنّ
المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الرّوح هو روح. والمقصود من الرّوح حقيقة الدّين.
وعلى ذلك أصبح من الواضح أنّه إذا حرمت
نفس من فيوضات
الرّوح
القدس ماتت، ولو توفّرت لها كلّ الكمالات الصّورية وكلّ الصّنائع والعلوم.
لهذا فإنّني أدعو الله وأتضرع إليه أن
يحيا أهل هذا الإقليم من نفثات الرّوح القدس، وأن يتوجّهوا إلى الله، ويصبحوا مركزًا
للسّنوحات الرّحمانيّة وأن يعلموا بالتّعاليم الإلهيّة، حتّى يضيء كلّ فرد كالسّراج
وينير العالم.
الاعتماد على الملكوت السّماويّ
في يوم
السّبت الموافق 14 تشرين الأوّل 1911 ألقى حضرة
عبد البهاء الخطبة التّالية في منزل مسيو دريفوس في
باريس:
هو الله
هذه هي المرّة الثّانية الّتي أحضر فيها
مجمع الأحبّاء في باريس. والحمد لله إنّني أرى وجوهًا منيرة وآذانًا صاغية وقلوبًا
منجذبة بنار محبّة الله. ولهذا فإنّ قلبي مسرور لأنّنا- والحمد لله- قد عقدنا في
هذه المدينة هذا الاجتماع لمحبّة الله. والواقع أنّ مدينة باريس قد بلغت في المدنيّة
نهاية الرّقيّ، وأصابت في جميع الشّؤون المادّيّة النّجاح والفلاح. وبلغت من ذلك
منزلة جعلتها أشبه بالمرآة الّتي تنعكس على صفحتها صور المدنيّة الّتي لا تتناهى،
ولقد كان من المؤسف أن تظلّ هذه المرآة محرومة من نور الشّمس الحقيقيّة، ولكن نحمد
الله إنّ نور شمس الحقيقة انعكس على هذه المرآة فكانت كبلّور في نهاية الصّفاء،
ومع ذلك فإنّه من المؤسف ألاّ يشتعل بداخله سراج المحبّة، وكانت كبستان في غاية
الجمال ولكنّه ظلّ محرومًا من رشحات أمطار العناية. فالحمد لله على أنّ غمام
الملكوت يسقيه اليوم. وآمل أن يصبح في نهاية اللّطف والطّراوة. ولقد أضاء شمع محبّة
الله في هذا البلّور بحيث بلغ الأطراف شعاعه. وعمّا قريب ستلاحظون أنّ الغرب سيصير
شرقًا من أنوار حضرة بهاء الله، وسوف يهطل غمام رحمة الرّحمن وتهتزّ به
جميع
القلوب وتنمو وتزدهر، وسوف تحرّك البشارات الإلهيّة جميع الأفئدة. لقد كانت هذه
الأجسام تلتمس القوّة الرّوحانيّة والحمد لله أن قد أشرقت بارقة الصّبح السّماويّ.
ولقد كانت هذه الأقطار مثل إنسان في نهاية الجمال إلا أنّه دون روح. والحمد لله أن
دبّت فيه الرّوح الأبديّة. سوف يزداد رقيّه يومًا بعد يوم حتّى يأتي يوم يرتفع فيه
نداء يا بهاء الأبهى من جميع هذه الصّحارى والقرى والوديان. أمّا الآن فإنّ ما حدث
لا يتجاوز بارقة صبح جديد قد تنفسّت. على أنّ هذا الصّبح يعقبه طلوع الشّمس، وعند
ذاك تستنير جميع الآفاق.
ولمّا كانت باريس مركزًا عظيمًا فأملي أن
تصبح مركزًا للسّنوحات الرّحمانيّة وتستنير جميع بلاد الفرنجة من نورها.
وكان مقدّرًا منذ بداية العالم أن يسري النّور
الإلهيّ دائمًا من الشّرق إلى الغرب إلاّ أنّه كان في الغرب يسطع سطوعًا شديدًا.
تأمّلوا مثلاً دعوة السّيّد المسيح - روحي فداه- فقد ظهر في الشّرق ولمّا وجه ضوءه
النّورانيّ إلى الغرب انتشر نور الملكوت في الغرب انتشارًا أعظم. وأملي أن تسطع
اليوم أنوار حضرة بهاء الله في الغرب سطوعًا شديدًا، وأن يكون كلّ فرد منكم شمعًا
منيرًا ونجمًا بازغًا، وأن يكون كالشّجرة المثمرة. ذلك أنّ مواهب ملكوت حضرة بهاء
الله عظيمة، وبحر رحمة الرّحمن زاخر موّاج، والألطاف الإلهيّة الّتي لا نهاية لها
أحاطت الشّرق والغرب جميعًا.
فلا تنظروا إلى ضعف استعداداتكم بل
اعتمدوا عى الملكوت الأبهى، فإنّ الملكوت الأبهى يجعل من الذّرّة شمسًا ومن القطرة
محيطًا، ومن الضّعيف قويًّا، ومن الجاهل عالمًا، ومن الأعمى بصيرًا، ومن الأبكم
ناطقًا ومن الأصمّ سميعًا. ذلك هو شأن فيوضات الملكوت الأبهى. لهذا فليكن اعتمادكم
على الملكوت الأبهى ولا تلقوا بالاً للياقتكم الشّخصيّة تأمّلوا في ما حدث من قبل،
فبطرس كان
صيّادًا،
وكذلك كان سائر الحواريّين، كان أحدهم نجّارًا، وكان الآخر صبّاغًا إلا أنّهم
–بفضل الفيض الإلهيّ وعناية السّيّد المسيح- جلسوا على سرير السّلطنة الأبديّة
وفازوا بالحياة الأبديّة، وسطعوا من الملكوت الأبهى، ووجدوا فيوضات لا تتناهى وذلك
لأنّهم لم ينظروا إلى استعداداتهم الخاصّة. وكانت مريم المجدليّة امرأة قرويّة فلمّا
شملتها الألطاف الإلهيّة أصبحت مريم المجدليّة المجيدة فأشرقت من أفق العزّة الأبديّة
إلى أبد الآباد، إنّ فضل الله لواسع، وعناياته لكثيرة، وخزائن قدرته لمليئة. وإنّ الله
الّذي أنعم عليهم هو الّذي ينعم عليكم أيضًا، فلا تنقص خزائنه. لذلك يجب أن تطمئنّوا
جميعًا إلى العنايات الإلهيّة حتّى تصبحوا أنتم أيضًا من الفائزين بها.
اللّهم يا ربي ورجائي ومعيني ومنائي.
أسألك بفضلك الّذي أحاط الموجودات وبرحمتك الّتي سبقت الممكنات أن تُنزل علينا في
هذه اللّيلة النّوراء جزيل مواهبك، واجعلنا يا إلهي مشمولين بلحظات عين رحمانيّتك
ومستغرقين في بحار نور فردانيتك ومبتهلين إلى ملكوت صمدانيّتك ومتضرّعين إلى أفق ألطافك.
ربّي إنّ هؤلاء عباد وإماء قد اجتمعوا في هذا المحفل الرّوحانيّ مبتهلين إلى
ملكوتك، مشتعلين بنار محبّتك، منجذبين بنور معرفتك، ومتموّجين كالبحور بأرياح
موهبتك، متذلّلين إلى ملكوت رحمانيّتك. ربّي أيّدهم بشديد القوى وأنزل عليهم الرّحمة
من السّماء. واجعلهم آيات توحيدك ورايات تقديسك بين الورى وسرجًا لامعة بنور
العرفان ساطعة بأنوار الهدى بين أهل الوفاء. إنك أنت الكريم. إنك أنت الرّحيم إنك
أنت العزيز القديم.
دورة الفصول الرّوحانيّة
في
يوم الأحد الموافق 15 تشرين الأوّل 1911 ألقى حضرة
عبد البهاء
الخطبة التّالية في منزله المبارك في باريس:
هو الله
لو نظرتم بعين البصيرة لرأيتم الرّوحانيّات تطابق
الجسمانيّات. فكما أنكم تلاحظون في عالم الأجسام فصل الرّبيع وموسم الصّيف وأوقات
الخريف وأيّام الشّتاء كذلك تجدون هذه الفصول في عالم الرّوح.
فأيّام موسى كانت مثل الرّبيع، وبيان ذلك
أنّ بني إسرائيل لمّا أسرهم الخريف وأصبحوا في نهاية الذّلّة والهوان، وهاموا في ظلمات
الجهل بعثت فيهم يد موسى البيضاء الإحساسات الرّوحانيّة، وربّاهم بالآداب السّماويّة
وبذل لهم من فيض أمطار الرّبيع. إلاّ أنّ ذلك الرّبيع الرّوحانيّ تغيّر وتبدّل بالشّتاء
فزال رونق الرّبيع وعادوا إلى حالتهم الأولى، وتجمّدوا وأحاطت بهم الظّلمات.
وكان السّيّد المسيح ربيعًا روحانيًّا ضرب
خيمته في الآفاق. وأظهر تلك الإحساسات الرّوحانيّة إظهارًا أعظم من السّابق. وتمتّع
العالم برونق بهيج وانتعش عالم الإنسان وازدهر. إلاّ أنّ موسم الخريف عاد ثانية،
إذ تحالف الأمراء والرّؤساء فتغيّر أساس دين المسيح تغييرًا
كلّيًّا
وأصبح النّاس أسرى للتّقاليد. وهكذا أصبحت أمّة المسيح أسيرة إذ تسلّط الأمراء والرّؤساء
عليها كالكابوس. وضاعت التّعاليم الإلهيّة ضياعًا كلّيًّا وراجت التّقاليد رواجًا
شديدًا، حتّى بات كلّ ذنب يغفر بنفس الرّؤساء الطّاهر، وكلّ ظلم واعتساف يعفى عنه
بمجرّد الإقرار والاعتراف.
وظلّ العالم يتخبّط في هذه الظّلمات،
واستوحش الغرب، وحرم من الرّقي المادّيّ والرّوحانيّ حرمانًا تامًّا حتّى أشرق النّور
المحمّدي بغتة، وأقام أساس العدل الإلهيّ. فأضاءت بادية العرب ورفعت شريعة الله رايتها
في الصحراء، فتربّت الأقوام المتوحّشة، وارتقت شريعة الله.
وبعد مدّة تبدّلت الأمور بحيث لم يعد
لأنوار الدّين المبين أيّ أثر، واستولى الجهل وانعدمت المعرفة. ذلك لأنّ التّغيير
والتّبديل من لوازم الوجود الذّاتيّة، بحيث إنّه من المستحيل ألاّ يظهر التّغيير.
فبعد كلّ عمران لا بدّ من خراب ودمار، وبعد كلّ شمس لا بدّ من ليل بهيم.
فلمّا غمرت الظّلمات كلّ الآفاق وانهدم
أساس الدّين الإلهيّ لم تعد هناك أيّة إحساسات روحانيّة على الإطلاق. بل إنّ
الأديان لم تعد تتجاوز الألفاظ وأصبحت –لسوء استعمالها- سببًا للمتاعب. فبعد أن كانت
سببًا للاتّحاد والاتّفاق أصبحت وسيلة للرّياء والنّفاق، ولهذا تفضّل الله البرّ الرّحيم
بمحض رحمته الكبرى فأخرج من جديد كوكبًا ساطعًا. وهكذا طلع من مشرق إيران صبح
الهداية الكبرى ألاّ وهو حضرة الباب. ثمّ ما لبث نور حضرة بهاء الله أن أضاء،
وراجت تعاليمه معلنة أنّ الدّين الإلهيّ نورانيّة وحسن أخلاق وأنّه روح العالم.
وأساس ذلك الدّين الإلهيّ هو ذلك البيان الّذي ألقيته في لندن فطالعوه كي تعلموا.
إنّ أهل العالم لا يعلمون قط ما هو أساس أمر الله. وهذا
هو الّذي حدا بجمع من أهل المعارف والعلوم إلى أن يتبرّأوا من الدّين. وإنّ حضرة بهاء
الله ليقول: إذا لم يكن الدّين سببًا للاتّحاد فإنّ عدمه أولى من وجوده. ولهذا فإنّ
الدّين يجب أن يكون سببًا للمحبّة. مثله مثل الدّواء. فالدّواء يوصف للشّفاء، فإذا
كان الدّواء سببًا للإصابة بالمرض فإنّ الامتناع عن تناوله أفضل وأولى.
وإنّ الفقرات الإحدى عشرة الّتي ذكرتها في
بياني قبل مغادرتي للندن([5])
هي من بين أسس دين الله، فارجعوا إليها كي تقفوا على أساس أوامر بهاء الله وأحكامه
بيان
معنى الأب في الابن
والابن في الأب
في
ليلة الخميس الموافق 20 تشرين الأوّل ألقيت
هذه الخطبة في منزل مسيو دريفوس في باريس
هو الله
الحمد لله على أنّ هذا المجمع نورانيّ، كم
تتشكّل جمعيّات وتتألّف محافل في باريس، إمّا لنشر المعارف وإمّا للتّباحث في
توسيع التّجارة وإمّا لأجل التّقدّم الصّناعيّ، وإمّا لتبادل الرّأي في شؤون السّياسة.
وجميع هذه المجامع والمحافل مفيدة ومقبولة لأنّها سبب الرّقي المادّيّ في عالم
الوجود. وأمّا مجمعنا هذا فمجمع رحمانيّ غايته التّوجّه إلى الملكوت الرّبّانيّ،
وحصول الإحساسات الرّوحانيّة وترويج وحدة العالم الإنسانيّ، والسّعي لإزالة التّعصّب
من بين الملل والمذاهب، وإحلال المحبّة في جميع القلوب. لهذا نأمل أن يمتاز هذا
المجمع عن سائر المجامع وأن يكون مقبولاً لدى الله.
ورد في التّوراة أنّ الله خلق الإنسان على
صورته ومثاله، وورد في الإنجيل قوله "الأب في الابن والابن في الأب"،
وذكر محمّد رسول الله أنّ الله تعالى قال: "الإنسان سرّي وأنا سرّه"،
وقال حضرة بهاء الله على لسان الله تعالى: "فؤادك منزلي قدّسه لنزولي، وروحك
منظري
طهّرها لظهوري". وهذه الكلمات جميعًا تدلّ على أنّ الإنسان مثال إلهيّ، وصورة
ربّانيّة. إلاّ أنّ حقيقة الألوهيّة بذاتها خارجة عن نطاق إدراك البشر. ذلك لأنّ
الإدراك فرع من فروع الإحاطة. فالإنسان لا يحيط بشيء إلاّ إذا أدركه. ولمّا كان الله
سبحانه وتعالى محيطًا ولا يمكن أن يحاط به لذلك فإنّ إدراك الإنسان له مستحيل
وممتنع ومحال، لأنّ المحيط أعظم من المحاط. وعلى ذلك فإدراكات الإنسان الّتي هي
محاطة بالإنسان والإنسان بها محيط لا يمكن أن تكون هي حقيقة الألوهيّة لأنّ عقل
البشر ليس في طاقته ولا بمقدوره أن يدرك حقيقة الذّات الإلهيّة، ولهذا فكلّ ما
يخطر بتصوّر الإنسان مخلوق مثله وليس خالقًا، بل هو صورة فكريّة من صنع الإنسان.
ولو أنّنا دقّقنا النّظر في الكائنات
لوجدنا أنّ تفاوت مراتبها يحول دون إدراكها بعضها البعض مع أنّ جميعها مخلوقة.
فهذا الجماد مخلوق وهذا النّبات وهذا الحيوان كلاهما من المخلوقات أيضًا. ومع ذلك
فلا يمكن للجماد أن يدرك القوّة النّامية في النّبات. وكذلك الحال في النّبات، فإنّه
مهما ارتقى وتقدّم فإنّه لا يستطيع أن يدرك عالم الحيوان، ولا يمكن للنّبات أن يتصوّر
قوّة السّمع والبصر، وذلك بالرّغم من أنّ الجماد والنّبات كليهما مخلوقان وكذلك
شأن الحيوان فإنّه لا يستطيع أن يتصوّر قوّة الإنسان الفكريّة. وفي الإنسان قوّة
عاقلة. وهذه القوّة العاقلة الكاشفة تكشف عن حقائق الأشياء. وإذا قيل إنّ الحيوان
يدرك المحسوس هو الآخر، لأجبنا أنّه لا يدرك الشّيء غير المحسوس. إذ لا يمكنه أن يتصوّر
مركزيّة الشّمس وحركة الأرض، ولا يستطيع أن يتصوّر الصّور المرئيّة في المرآة، ولا
يستطيع أن يكشف القوّة الكهربائيّة ولا آلة التّصوير أو آلة البرق أو الحاكي أو التّلفون
أو السّينما. فهذه المكتشفات يختصّ بها الإنسان. كلّ ذلك بالرّغم من أنّ الحيوان
والإنسان كليهما مخلوقان حادثان.
ثبت إذن أنّ تفاوت مراتب المخلوقات يحول دون إدراكها
بعضها لبعض بمعنى أنّ الرّتبة الأدنى لا تستطيع أن تدرك الرّتبة الأعلى. فإذا كان
تفاوت المراتب في عالم الخلق يحول دون إدراك بعض الخلق للبعض الآخر فكيف يمكن
للحادث أن يدرك القديم، فمن المؤكّد إذًا أنّه لا يدركه. فإذا كان الأمر كذلك فإنّ
كلّ ما يخطر بتصوّر الإنسان لا يمكن أن يكون هو الله. تعالت حقيقة الألوهيّة عن
ذلك تعاليًا كبيرًا.
ولكن لما كانت جميع الكائنات وجميع
الموجودات محتاجة إلى فيض الوجود كان لا بدّ أن يصدر عن الحضرة الإلهيّة فيض يكون
سببًا لحياة الكائنات. لهذا أشرقت على الكائنات فيوضات أسمائها وصفاتها. وهذا
الفيض الإلهيّ شامل لجميع الكائنات مثله في ذلك مثل شعاع الشّمس الفائض على جميع
الأشياء، إذ تنمو جميع الأشياء بفيض الشّمس وتعيش جميع الكائنات الأرضيّة على
حرارة الشّمس. ولكن سائر الكائنات في الحقيقة هي في منزلة الحجر والمدر لا حياة
فيها والإنسان هو الكائن الّذي له نفس وروح وعقل. ولا ريب في أنّ نصيب الإنسان من
الفيض الإلهيّ أعظم لأنّه ممتاز على جميع الكائنات. فالجماد له وجود جماديّ لأنّه
جسم إلاّ أنّه ليس له كمال النّبات، والنّبات له وجود نباتيّ، ولكن ليست لديه قوّة
الحسّ، بمعنى أنّه لا يبصر ولا يسمع. وللحيوان قوّة الحسّ، ولكن ليست لديه القوّة
العاقلة. أمّا الإنسان فجامع لجميع الكمالات جامع للوجود الجسمانيّ وجامع للقوّة النّباتية
وجامع للقوّة الحيوانيّة وجامع للحواس. وفضلاً عن ذلك فإنّ لديه القوّة العاقلة. ولذلك
فالإنسان ممتاز على جميع الكائنات. ولمّا كان ممتازًا على جميع الكائنات فإنّ
نصيبه من فيض شمس الحقيقة أعظم ولا سيّما نصيب الفرد الكامل في العالم الإنسانيّ.
وهو الفرد الكامل الّذي يعدّ سائر الأفراد بالقياس إليه في أدنى درجات الإدراك.
وهذا الفرد الكامل هو المظهر الإلهيّ. وهو بمنزلة المرآة
الصّافية
الّتي يتلألأ فيها نور الحقيقة أعظم التّلألؤ وأسنى اللّمعان. بل إنّ شمس الحقيقة
لتتجلّى فيها بصورتها ومثالها وحرارتها وضيائها وتمامها وكمالها. حتّى إنّنا
لنشاهد الشّمس في تلك المرآة. ولهذا قال السّيّد المسيح: الأب في الابن. وهو يعني
أنّ الشّمس ظاهرة في هذه المرآة. ولم يكن يعني بهذه العبارة أنّ الشّمس تنزّلت من
علوّ تقديسها ودخلت في المرآة. ذلك لأنّ الدّخول والحلول من خصائص الأجسام وحقيقة
الألوهيّة منزّهة ومقدّسة عن الإدراك. إلاّ أنّ أنوار شمس الحقيقة الّتي تنطلق إلى
مظاهر الظهور تكون في غاية الظّهور والبروز.
هذه هي حقيقة مسألة الألوهيّة، يقبلها كلّ
عقل ويذعن لها كلّ إدراك وإنّ الله البرّ العطوف لم يكلّف عباده بأن يبحثوا في
أمور خارجة عن دائرة العقل وإذا كنّا نحن العباد لا نكلّف نفسًا أمرًا غير معقول
فكيف يكلّفنا الله الرّحمن الرّحيم الاعتقاد بأمور غير معقولة.
وإذا نحن أخذنا هذه المسألة بموجب التّقاليد
المتوارثة بين المسيحيّين وجدنا أنّها غير معقولة. أمّا إذا تحرّينا الحقيقة
وجدناها محقّقة ومعقولة. وإذا أنتم دقّقتم النّظر في ما بيّنته لكم وجدتم المسألة
واضحة مشروعة بحيث لا يمكن أن ينكرها أحد.
إنّني هذه اللّيلة في مجمعكم. وإنّني
لمسرور من ملاقاتكم. إلاّ أنّني أرجو أن يصير كلّ فرد منكم –بإذن اللّه- شمعًا نورانيًّا
ومركزًا للمحبّة الرّحمانيّة وأن تلهم قلوبكم بالإلهامات الإلهيّة، وتكتحل عيونكم
بمشاهدة الآثار.
إنّ مدينة باريس هذه في غاية الجمال. إلاّ
أنّه أتى عليها حين طويل من الدّهر لم تسطع فيه الأنوار الرّوحانيّة. ولهذا تخلّفت
من النّاحية الرّوحيّة. ولا بدّ لها من قوّة عظيمة حتّى تهبّ عليها نسمة من نفثات الرّوح
القدس. إنّ المرض العارض يمكن علاجه بالوسائل
العاديّة.
وأمّا المرض المزمن فلا بدّ له من ترياق فاروق وأدوية قويّة ناجعة. ولنأخذ مثلاً
هذه الفواكه الّتي هي أمامنا الآن، إنّ بعضها ينضج بحرارة قليلة تعادل عشر درجات،
وبعضها الآخر ينضج بعشرين درجة، وغيرها بخمسين. ولكنّ باريس تحتاج إلى ألف درجة من
الحرارة كي تبعث فيها الحركة. ولنأخذ مثلاً آخر الفتيل يشعل بمجرد أن تمسّه النّار،
وأمّا الحطب فلا يشتعل بهذه السّرعة. فباريس بحاجة إلى قوّة روحانيّة عظيمة حتّى
تؤثّر فيها. فلو أنّنا عملنا بموجب التّعاليم الإلهيّة الّتي نزلت على جميع
الأنبياء لأحدث ذلك تأثيرًا شديدًا. وهذه التّعاليم هي أن نتخلّى عن جميع التّعصّبات
المذهبيّة والعنصريّة والوطنيّة والسّياسيّة، ونترك التّقاليد ونظهر المحبّة والمودّة
لجميع البشر وجميع الطّوائف ونخدم وحدة العالم الإنسانيّ، ونعترف بأنّ جميع الخلق
هم عباد الله ومظاهر ألطاف الرّبّ الجليل. وكلّ ما في الأمر أنّ بعضهم بمنزلة
الأطفال الرّضّع فينبغي علينا أن نسعى في سبيل تعليمهم، وبعضهم مريض علينا أن
نداويهم ونعالجهم، وبعضهم عميان وعلينا أن نجعلهم يبصرون ولا ريب أنّ العالم الإنسانيّ
يفوز عندئذٍ بالإشراق والاتّحاد والاتّفاق.
وإنّني لأدعو الله من أجلكم. وقد سررت اللّيلة
غاية السّرور من ملاقاتكم فإنّني أرى أقوامًا مختلفين قد اجتمعوا هنا وهم في منتهى
الألفة والمحبّة. والواقع أنّ مثل هذه المجالس باعث على السّرور، ولا يمكن لإنسان
ألاّ يكون مسرورًا. انظروا كيف اجتمعت الأقوام المختلفة في مكان واحد وبهذه المحبّة
والصّداقة وبهذا الوئام والاتّفاق. إنّ هذا سبب سرور كلّ إنسان إلاّ من فقد
الإنصاف وإنّكم لتلاحظون أنّ الإنسان يسرّ إذا وجد بعض الحيوان قد اجتمع وتآلف.
فما بالكم بمقدار سروره وابتهاجه إذا رأى نفوسًا مختلفة الجنس مختلفة الأوطان
مختلفة العادات قد اجتمعت مع بعضها البعض على الألفة والمحبّة
والوداد.
وإنّني لأتوجه إلى أعتاب الأحديّة بكمال العجز والافتقار ضارعًا أن يأتلف البشر
كألفتكم حتّى يصبح الجنس البشريّ كلّه أسرة واحدة، وأن يجتمع جميع الخلق في محفل
واحد يلهجون –وهم في كمال الألفة وفي كمال الصّفاء وفي كمال الصّدق- بشكر الله الفرد
الأحد ولهذا فإنّني أدعو لكم فأقول:
إلهي إلهي. ترى هؤلاء العباد وهؤلاء
الإماء قد انجذبوا بنفحات القدس في هذا الأوان، ولبّوا لندائك بين الأنام. ربِّ إنّ
هؤلاء عباد أودعت في قلوبهم آية الهدى، وهديتهم إلى ملكوتك الأبهى ونزّلت عليهم من
سحاب رحمتك الفيض الشّامل والغيث الهاطل. ربِّ قد غشت الأبصار حجبات الاعتساف
وغفلوا عن ذكرك يا خفيّ الألطاف. وأمّا هؤلاء قرّت أعينهم بمشاهدة آيات توحيدك
وطابت نفوسهم بالاستفاضة من غمام تقديسك، وصفت ضمائرهم بتجلّيات جمالك، ونوّرت سرائرهم
بظهور ألطافك. ربِّ قدّر لهم كلّ خير في ملكوتك. وصوّرهم بصور الملأ الأعلى بين
الورى، حتّى يكونوا آيات توحيدك الباهرة على الأشياء ورايات تقديسك الخافقة في كلّ
البلاد. ربِّ اجعلهم كلمات كتابك وارزقهم من نعمائك، واسبغ عليهم نعمتك واجعلهم
ينادون بالملكوت في صقع الإمكان وسُرُجًا منيرة في زجاج النّاسوت بنور الإيمان
والإيقان . إنّك أنت المقتدر العزيز الغفور العطوف الرّحمن.
الدّين سبب اتّحاد العالم
في
عصر يوم الإثنين الموافق 23 تشرين الأوّل سنة 1911 ألقى حضرة عبد البهاء
في منزل المسيو
اسكات بحضور مائتين من الأحبّاء وغيرهم الخطبة التّالية:
هو الله
إنّ جميع الكتب الإلهيّة تبشّر جميع الملل بيوم موعود
يجد فيه جميع البشر راحة الأمن والاطمئنان، ويتّحد العالم الإنسانيّ ويتم الاتّفاق
ويزول النّزاع والجدال وتبطل الحرب، وترتبط جميع الملل بعضها ببعض وتتجلّى وحدة
العالم الإنسانيّ.
وإنّنا لنلاحظ الآن أنّ صبح ذلك اليوم قد
أسفر، وانتشرت بوارقه في الآفاق فأحدثت في عالم البشر نشاطًا عظيمًا. وأنّ جميع
ملل العالم لتشهد بأنّه ما لم تتحقّق وحدة العالم الإنسانيّ فلن تتحقّق للبشر راحة
ولا سعادة. فالمحبّة هي سبب حياة العالم، والاتّحاد هو سبب سعادة البشر وحصول الشّيء
مرتبط بعلل وأسباب وما لم تتهيّأ تلك الأسباب لا يتحقّق وجوده. فمثلاً لا بدّ للسّراج
من بلّور وفتيلة وزيت لكي يعطي نورًا فنحن نريد أن تحصل المحبّة ما بين البشر فلا
بدّ للمحبّة من روابط. ولقد كانت هذه الرّوابط روابط العائلة حينًا، وكانت أسباب
المحبّة الرّوابط الوطنيّة حينًا آخر، وتارة كانت أسباب المحبّة هي وحدة اللّغة
وتارة كانت روابط المحبّة هي الوحدة العنصريّة وتارة أخرى
كانت
روابط المحبّة هي وحدة المنافع. وفي أحيان أخرى أسباب المحبّة التّعليم والتّعلم.
وفي وقت آخر كان سبب المحبّة الوحدة السّياسيّة وهذه الأسباب جميعًا أسباب خصوصيّة.
ولا تحصل المحبّة العامّة بهذه الأسباب لأنّها إذا سادت بين أهل الوطن الواحد فإنّ
أهل الأوطان الأخرى يظلّون محرومين منها، ذلك لأنّ الرّوابط العنصريّة سبب للمحبّة
بين أبناء جنس واحد. ولا يمكن أن تكون الرّوابط العنصريّة أو التّجاريّة أو السّياسيّة
أو الوطنيّة أسبابًا للمحبّة العامّة لأنّها روابط جسمانيّة ومادّيّة. والرّوابط
المادّيّة محدودة، ولمّا كانت المادّة محدودة فإنّ روابطها محدودة أيضًا.
يتّضح من ذلك أن أعظم الرّوابط وأكبر
وسائل الاتّحاد بين البشر هي القوّة الرّوحانيّة لأنّها ليست محدودة بأيّة حدود.
والدّين هو سبب اتّحاد العالم، والتّوجه
إلى الله هو سبب اتّحاد العالم، والدّخول في الملكوت هو سبب اتّحاد أهل الأرض.
وإذا تمّ الاتّحاد حصلت المحبّة والألفة. ولكن ليس المقصود من الدّين تلك التّقاليد
الموجودة بين أيدي النّاس، لأنّها سبب العداوة والنّفور، وعلّة الجدال والحرب وسفك
الدّماء. راجعوا التّاريخ وتأمّلوا في وقائعه تروا أنّ التّقاليد الباقية في أيدي
ملل العالم هي سبب القتال والحرب والجدال في العالم.
وإنّما مقصدي من الدّين أنوار شمس
الحقيقة. وأساس الأديان الإلهيّة واحد، فهي حقيقة واحدة وروح واحدة ونور واحد لا تعدّد
له.
ومن أسس الدّين الإلهيّ تحرّي الحقيقة،
ومعنى ذلك أن يقوم جميع البشر بالبحث عن الحقيقة، ولمّا كانت الحقيقة واحدة فإنّ
البحث عنها يوحّد جميع شيع العالم. والحقيقة علم، والعلم أساس الأديان الإلهيّة،
ولذلك فالعلم سبب اتّحاد القلوب، والحقيقة ألفة بين
البشر،
والحقيقة ترك التّعصّب. والحقيقة هي أن تنظروا إلى جميع البشر على أنّهم عبيد الله.
والحقيقة هي أن تعلموا بأنّ جميع ملل العالم عبيد لإله واحد. والحقيقة هي أن تروا
جميع الكائنات الحيّة فائضة من فيض واحد. وكلّ ما في الأمر أنّ الوجود في هذا
العالم ذات مرتبتين: مرتبة النّقص ومرتبة الكمال. ويجب علينا أن نسعى ليل نهار كي
نبدّل النّقص بالكمال، فالأطفال مثلاً –في عالم طفولتهم- لا يدركون ولا يعرفون إلاّ
أنّهم لا يستحقّون الذّمّ بسبب ذلك. وإنّما يجب علينا أن نربّي هؤلاء الأطفال حتّى
يصلوا إلى مرتبة البلوغ. ويجب أن نتعهّد هذا الغرس الجديد بالإنماء والتّنشئة حتّى
يثمر. وهذه الأرض يجب علينا أن نطهّرها حتّى تؤتي بذور البركة أكلها. والمريض يجب
علاجه حتّى يشفى. ولا ينبغي لنا أن نبغض إنسانًا، بل يجب أن نحبّ جميع البشر. فإذا
استحكم هذا الأساس حصلت المحبّة. وكذلك ينبغي علينا أن نناجي الله دائمًا وندعوه حتّى
يوجد المحبّة في القلوب، وأن نتضرّع ونبتهل كي تشرق شمس الحقيقة على الجميع، وكي
يغرق الجميع في بحر رحمة الرّب الرّحمن ينبغي علينا أن نتضرّع ونبتهل إلى الله كي
يكمل كلّ ناقص. وكي يصل جميع الأطفال إلى رتبة البلوغ وتشرق شمس المحبّة على الشّرق
والغرب، وتستضيء جميع القلوب من نور محبّة الله، وتصبح الآذان صاغية وتنجذب القلوب
بنفحات القدس وتستبشر الأرواح ببشارات الله، لهذا فإنّي أدعو قائلاً: إلهي إلهي لك
الحمد بما أشرقت الأنوار من ملكوت الأسرار، واستضاء جميع الأرض بشعاعها، فانتعشت النّفوس
وانشرحت القلوب بسطوعها، لك الشّكر يا إلهي بما هبّت نسائم العناية من مطلع الرّحمة
والجود، وخرّت النّفوس سجودًا للرّبّ المعبود. وانشرحت الصّدور بآيات تقديسك في
كلّ الجهات، ونادت الألسن بملكوتك وظهور آيات بيّنات. ربّنا إنّنا نتضرّع إلى مركز
الجلال ونتذلّل لعزّتك بين الأنام وندعوك بالقلوب
والألسن
والأرواح. ونستفيض من سحاب رحمتك في كلّ الأيّام. ربِّ أجبر هذا الكسر، وأكمل هذا النّقص،
وارحم عبادك، وأيّدهم إلى صراطك. ربِّ قد تشعشع أنوار الهدى بين الورى ولكنّ النّفوس
غفلوا عن ذكرك وابتلوا بالصّمم والعمى. ربِّ أنر أبصارهم بمشاهدة آياتك الكبرى،
وأسمعهم نداءك البديع من ملكوتك الأبهى. إنّك أنت الكريم. إنّك أنت العظيم. إنّك
أنت الرّحمن الرّحيم.
العلم يحطّم أغلال الطّبيعة
في
يوم الأربعاء الموافق 25 تشرين الأوّل 1911 ألقى حضرة
عبد البهاء في
منزله المبارك في باريس الخطبة التّالية:
هو الله
العلم أعظم فضائل العالم الإنسانيّ وهو سبب ظهور الفيض
الإلهيّ. والعلم كاشف الأسرار وهو كالمرآة الّتي ترتسم فيها صور الأشياء. العلم
يعطي كلّ إنسان معلومات عن جميع الأشياء، ويجعل كلّ فرد من البشر كأنّه جميع
البشر. ذلك لأنّ العلم يعلم الإنسان جميع ما اكتشفه البشر أي جميع المعلومات الّتي
يمتلكها البشر. والعلم هو الّذي يمكّن الإنسان من الاطّلاع على جميع وقائع الأزمنة
السّابقة. وهو الّذي يمكّنه من أن يكشف أسرار المستقبل.
وإنّكم لتلاحظون أنّ جميع الكائنات –كبيرة
كانت أم صغيرة- أسيرة للطّبيعة. فالشّمس مثلاً أسيرة للطّبيعة وكذلك جميع السّيّارات
وجميع النّجوم أسيرة للطّبيعة. والعناصر أسيرة للطّبيعة والجماد والنّبات والحيوان
أسرى للطّبيعة ولا يمكنها أن تتجاوز عن مقتضيات الطّبيعة. فالشّمس بكل عظمتها لا
يمكنها أن تتجاوز مدارها ولا إرادة لها فهي أسيرة للطّبيعة. والوحوش والطّيور
أسيرة الطّبيعة. والمحيط بكلّ عظمته أسير للطّبيعة. والكرة الأرضيّة أسيرة الطّبيعة
فلا يمكنها أن تتجاوز قانون الطّبيعة أدنى تجاوز.
أمّا الإنسان فحاكم على الطّبيعة بحيث إنّه
يستطيع أن يحطّم قواعدها
وأحكامها
ويتحكّم فيها. فالإنسان -بمقتضى الطّبيعة- مخلوق ترابيّ مثل سائر الحيوانات،
ومقامه ومقرّه التّراب. وبالرّغم من أنّه ليس بذي روح هوائيّ ولا مائيّ إلاّ أنّه
يتخطّى قانون الطّبيعة فهو يجول على سطح البحر ويقطع المحيط الأكبر. وهو يطير في
الهواء ويسير تحت الماء. وقوّة الكهرباء هذه الّتي تشاهدونها -بالرّغم من أنّه لا قوّة
أشد عصيانًا وتمرّدًا منها بحيث لو أصابت جبلاً لاخترقته حتّى الأساس- إلاّ أنّ
الإنسان يأتي بها ويحبسها، وفي دقيقة يتفاهم بها الشّرق والغرب. والإنسان يستطيع
أن يحبس الصّوت الطّليق في آلة، وأن يثبّت صورة الإنسان رغم أنّها ظلّ زائل. وجميع
هذه الأمور خارقة للطّبيعة. وهذا هو معنى قولنا: إنّ الإنسان حاكم على الطّبيعة.
فمن أين استحصل الإنسان على هذه الفضيلة؟ لقد تأتّت له من العلم.
اتّضح إذن أنّ العلم هو أعظم الفضائل الإنسانيّة.
وأنّ خرق العادات وهتك قوانين الطّبيعة منوط بالعلم. أمّا وقد وهب الله للإنسان
هذه القوّة وهذا الاستعداد اللّذين يخرق بهما قوانين عالم الطّبيعة فإنّه لمن
المؤسف أن يضيّع الإنسان هذه الموهبة في الأمور الضّارّة. من المؤسف أن يجريها في
قنوات البغض والعداوة. من المؤسف أن يسخّرها للظّلم والتّعدّي. إذ يجب على الإنسان
أن يبذل هذه القوّة في سبيل إحياء النّفوس، وأن يسخّرها للخير العام، ويستخدمها في
الصّلح والصّلاح، ويحصرها في تعمير العالم وراحة النّفوس، وترويج الألفة والمحبّة
بين البشر. وهذه هي الموهبة الّتي تتزيّن بها حقيقة الإنسان.
وإنني لآمل أن يوفّق الجميع إلى هذه الموهبة
الكاملة، وأن تحصروا همكم في أن يتلقّى النّاس العلم، وأن يحصّلوا العلوم والفنون.
وتحصيل العلم لا يرتبط بزمان، فهو يبدأ مع بداية الحياة وينتهي بنهايتها. وبواسطة
العلم يصبح المتعلّمون سببًا لمحبّة من على الأرض وعلّة للصّلح الأكبر إلى أن
يتداعى بنيان الحرب بعون الله وعنايته، ويوضع أساس الصّلح والمحبّة وتفوزوا بالنّجاة
في الدّارين.
وإنّني لأدعو الله أن يوفّقكم في هذا السّبيل.
الرّوح القدس سبب المحبّة الجامعة
في
يوم الخميس الموافق 26 تشرين الأوّل سنة 1911
ألقى حضرة عبد البهاء الخطبة التّالية أمام الأحبّاء
الّذين
اجتمعوا في بيته
المبارك في باريس
هو الله
بالرّغم من أنّ المحبّة قائمة في عالم المادّيّات
إلا أنّها فيه محدودة. فوسائط المحبّة وروابطها موجودة في العالم الجسمانيّ، إلا
أنّ الوسائط المادّيّة محدودة في حين أنّ حقيقة المحبّة غير محدودة. فكيف يمكن،
بالوسائل المحدودة، أن تتمّ الحقيقة غير المحدودة؟
ومن بين وسائط المحبّة في العالم المادّيّ
الرّباط العائليّ. ولكن من المعلوم أن هذا الرّباط محدود إذ كثيرًا ما نجد
في العائلة الواحدة نهاية البغض والعداوة. ومن المعلوم أيضًا أنّ المحبّة لا تتمّ
بصورة كاملة بروابط قابلة للانفصال. إذن أصبح واضحًا أنّ الرّباط العائلي ليس كاملاً
ومن جملة الرّوابط أيضًا الرّباط الوطنيّ. فالمحبّة والألفة قد تنشآن بين
بعض النّاس على أساس أنّهم أهل وطن واحد. لكن هذا الرّباط لا
يكفي لأنّه أوّلاً محدود بالوطن، وثانيًا لأنّه قد يحدث بين أهل الوطن الواحد أشدّ
أنواع البغض والعداوة. والرّوابط العنصريّة - من ناحية ثالثة محدودة، إذ من
المحتمل أن تقع العداوة بين أبناء الجنس
الواحد.
ومن الرّوابط الاتّحاد رابعًا وحدة المصالح: وهذه تزول عندما تختلف المصلحة.
والسّبب الخامس للألفة والمحبّة الوحدة السّياسيّة. وقد يأتي وقت تندثر فيه
هذه الوحدة السّياسيّة.
إذن أصبح من المعلوم والمحقّق أن الرّوابط
المادّيّة ليست كافية لإحداث الألفة بين البشر، وأنّ الأمر محتاج إلى قوّة من نوع
آخر تجعل جميع البشر يتآلفون وتورثهم منتهى المحبّة، كما ينبغي أن تكون هذه القوّة
غير محدودة.
ولا شكّ أنّ هذه القوّة هي قوّة الرّوح
القدس. إذ إنّها هي سبب الوحدة الّتي تجمع جميع البشر تحت ظلّ كلمة واحدة، ولا قوّة
غير هذه القوّة الملكوتيّة تستطيع أن تجعل جميع البشر مجتمعًا واحدًا وتقيم روابط
المحبّة على أساس متين.
لهذا ينبغي علينا جميعًا أن نسعى ونجتهد
كي تشعّ النّوراية الإلهيّة بين البشر. فالنّورانيّة السّماويّة تبعث ضوءًا يربط
بين قلوب جميع البشر ربطًا كاملاً قويًّا. وهذا هو أساس المحبّة الحقيقيّة، إذ لا
تحصل المحبّة بلا سبب.
وإنّني أنصحكم وأوصيكم فأنا الآن بينكم أيّامًا
معدودة أترككم بعدها بألاّ تكونوا أسرى المادّيّات. وأن تتحرّروا من القيود المادّيّة.
فالحيوان أسير للمادّة أمّا الإنسان فليس أسير المادّيّات لأنّ الله تعالى حرّره
منها.
وإذا أمعنتم النّظر وجدتم أنّ جميع
الكائنات أسيرة لعالم الطّبيعة فلا يمكنها التّجاوز عنه أبدًا. أمّا الإنسان فطليق
من الأسر، وهو يخرق الطّبيعة. فأنتم تلاحظون مثلاً أنّ الإنسان –بمقتضى الطّبيعة-
مخلوق ترابيّ إلاّ أنّه يطير في الهواء وهذا مخالف للطّبيعة. وهو يجول على سطح
البحر، ويسير تحت الماء وهذا خارق لقانون الطّبيعة العام. وحقائق الأشياء –بمقتضى الطّبيعة-
سرّ مكنون ورمز مصون، إلاّ أنّ الإنسان يدركها بقوّته الكاشفة، وبهذه القوّة
يبرزها من حيّز
الغيب
إلى حيّز الوجود. وكل هذه أدلّة على أنّ الإنسان ليس أسيرًا للطّبيعة بل هو خارق
لها.
لهذا ينبغي لكم أن تتوسّلوا القوّة الإلهيّة
كي تبرزوا وحدة العالم الإنسانيّ إلى حيّز الوجود. ولا تلقوا المحبّة في قلوب النّاس
بالقوى المادّيّة ولكن بالوسائط والرّوابط المعنويّة. ولا تجعلوا سبب محبّتكم
لإنسان ما وحدة العائلة أو وحدة الوطن أو وحدة الجنس. بل يجب أن تحبّوا النّاس لوجه
الله. أحبّوا كلّ إنسان كامل ولو لم يكن من أبناء وطنكم أو من أفراد عائلتكم،
وبهذه الوسيلة تستطيعون أن تخدموا العالم الإنسانيّ وتجعلوه نورانيًّا، وأن تهدموا
بنيان ظلمات العداوة والبغضاء، فيجتمع جميع البشر تحت ظلّ علم الوحدة الإنسانيّة
وتصل إليكم التّأييدات السّماويّة، وتفيض عليكم الفيوضات الرّبّانيّة إلى أن تصبحوا
ملكوتيّين رحمانيّين. فابذلوا جهودكم من أجل أن يتحقّق هذا الأمر.
لا تقولوا قط هذا إنجليزيّ وذاك ألمانيّ
وذاك فرنسيّ أو إيطاليّ لا تجروا هذا القول على ألسّنتكم قط. بل أنتم جميعًا عبيد الله
وإماء الرّحمن هذا هو ميزان الكلّ. وفي محفل الألفة لا يعرف الفرنسيّ من التّركيّ
ولا الألمانيّ من الإنجليزيّ أو الإيرانيّ أبدًا.
فإذا ركّزتم فكركم في هذا فلا شكّ أنّ الله
يرضى عنكم وتصل إليكم التّأييدات السّماويّة، لا تنظروا إلى استعداداتكم فإنّ تأييدات
الله ستصل إليكم. وأنا نفسي كنت رجلاً ضعيفًا مسجونًا إلاّ أنّ التّأييد الإلهيّ
وصل إليّ بحيث الآن أعاشركم بالرّوح والرّيحان في باريس آملاً نشر نفحات الله.
فلنتوجّه إلى الله، وإن نظرنا لأنفسنا
نخجل لأنّنا لا نملك الاستعداد واللّياقة. وأمّا إذا نظرنا إلى قوّة الملكوت جاءنا
الأمل والرّجاء، ولم ترهقنا أية مشقّة مهما عظمت والسّلام.
مجيء المسيح على متن السّحاب
في
يوم الخميس الموافق 26 تشرين الأوّل سنة 1911
ألقى
حضرة عبد البهاء هذه الخطبة على الأحبّاء الّذين
اجتمعوا في
البيت المبارك في باريس
هو الله
ورد في الإنجيل أنّ المسيح يأتي راكبًا على السّحاب، ويتفضّل
الجمال المبارك في تفسير هذه الآية بقوله إنّ السّيّد المسيح جاء في المرّة الأولى
ممتطيًا السّحاب أيضًا. ذلك لأنّه تفضّل بقوله: أنا جئت من السّماء مع أنّه ظاهريًّا
ولد من رحم السّيّدة مريم. كما ورد في الإنجيل أنّ الّذي أتى من السّماء يصعد إلى السّماء
وأنّ الّذي لم يأتِ من السّماء لا يصعد إلى السّماء، وأنا أتيت من السّماء، مع أنّ
المسيح ولد من رحم مريم.
يتّضح إذن أنّ المقصود بالسّماء ليس ذلك
الفضاء اللاّنهائيّ بل السّماء هي الملكوت والمسيح جاء من هناك وكان حين جاء ممتطيًا
السّحاب. والسّحاب يعني الجسم البشريّ. فكما أنّ السّحاب يحول دون مشاهدة الشّمس
كذلك حالت طبيعة السّيّد المسيح البشريّة دون مشاهدته كشمس الحقيقة.
وقد ورد في الإنجيل قولهم إنّ هذا الشّخص
ناصريّ وهو يزعم أنّه أتى من السّماء ونحن نعرفه ونعرف جميع ذوي قرباه ونعرف موطنه
فأيّ معنى لقوله إنّه أتى من السّماء.
فالمقصود إذن أنّه بالرّغم من أن جسد السّيّد المسيح من النّاصرة
إلاّ أنّ روحه لاهوتيّة. وبالرّغم من أنّ قواه الجسمانيّة كانت محدودة إلاّ أنّ
قواه الرّوحانيّة كانت غير محدودة. غير أنّ الخلق نظروا إلى الجانب البشريّ في السّيّد
المسيح وقالوا إنّ هذا الشّخص من النّاصرة، وإنّه جاء من رحم مريم وليس من السّماء.
ذلك لأنّ نظرهم كان متعلّقًا ببشريّة السّيّد المسيح. في حين أنّهم لو اطّلعوا على
حقيقة المسيح لعرفوا أنّه جاء من السّماء حقًّا.
ويقول حضرة بهاء الله، وهكذا منعتهم بشريّة
السّيّد المسيح من أن يدركوا حقيقته.
وإنّنا لنأمل ألاّ تنظروا إلى البشريّة بل
إلى الحقيقة، وألاّ تحتجبوا بالمادّيّات كي تفوزوا بنصيب من الرّوحانيّات. لا
تكونوا أرضيّين بل سماويّين، لا تكونوا جسمانيّين بل روحانيّين. لا تكونوا ظلمانيّين
بل كونوا نورانيّين. ولتتعلّق أبصاركم بشمس الحقيقة الّتي سطعت أنوارها من جميع
الآفاق. فلا يكون السّحاب حجابًا ولا تكون هذه التّقاليد مانعة إيّانا من مشاهدة
الحقيقة، أبصروا الشّمس ولا تبصروا السّحاب انظروا السّماء في غاية الصّفاء،
وشاهدوا شمس الحقيقة الّتي تجلّت الآن بلا سحاب يحجبها وفي منتهى القوّة، كي
تستضيئوا جميعًا وتفوزوا بالحياة الأبديّة، وتصبحوا مظاهر الفيض السّرمديّ.
انتقلوا من عالم المادّيّات إلى عالم المعنويّات.
ذلك لأنّ المادّيّات محدودة والمعنويّات غير محدودة. فلا يكون المحدود مانعًا لنا
من بلوغ غير المحدود ولا يحرمنا عالم النّاسوت من بلوغ عالم اللاّهوت. ولا يدفع
بنا الجسد إلى اليأس من الرّوح. هذا هو رجاؤنا. وهذا هو أملنا. وأسأل الله أن
تفوزوا جميعًا بذلك.
الخلاف
الدينيّ وإثبات نبوّة
سيّدنا محمّد عليه الصلاة والسّلام
في
يوم الجمعة الموافق 27 تشرين الأوّل 1911
ألقى
حضرة عبد البهاء هذه الخطبة أمام الّذين معه
في منزل مسيو
دريفوس في باريس
هو الله
لمّا كانت تعاليم حضرة بهاء الله تدعو إلى
توحيد جميع البشر وإيجاد منتهى الألفة والاتّحاد في ما بينهم لذلك يجب أن نبذل كلّ
ما في وسعنا كي يزول سوء التّفاهم القائم بين الملل. كما يجب أن نبحث قليلاً في
سوء التّفاهم الواقع بين الأديان حتّى إذا زال سوء التّفاهم هذا تمّ الاتّحاد الكلّيّ
وحصل منتهى الألفة بين جميع الملل.
إنّ السّبب الأصلي لهذا الاختلاف والجدال
هو علماء الملل. ذلك لأنّ كلّ فريق من هؤلاء قد أفهم رعيّته أنّ الله غضب على سائر
الملل فحرمها من رحمة الرّحمن.
لقد اتفق لي وأنا بطبريّة أن كنت أسكن
بجوار معبد لليهود إذ كان المنزل الّذي أنزل فيه مشرفًا عليه. ورأيت حاخام اليهود
يعظ ويقول: يا أمّة اليهود! أنتم شعب الله وبقية الأمم شعب غيره. خلقكم الله من
سلالة إبراهيم ووهب لكم الفيض والبركة، وفضّلكم على سائر
العالمين.
اختار منكم إسحاق وبعث يعقوب واصطفى يوسف وأرسل موسى وهارون وسليمان وداود وإشعيا
وإيليا. وجميع هؤلاء الأنبياء من شعبكم. ومن أجلكم أغرق آل فرعون وشقّ البحر وأنزل
لكم مائدة من السّماء، وأجرى لكم من الصّخر ماء. فأنتم عند الله مقرّبون. إنّكم
أبناء إسرائيل أي أبناء الله الممتازون على جميع الملل وسوف يأتي المسيح الموعود
وعندئذٍ تعتزّون وتحكمون جميع ملل العالم. وأمّا سائر الملل فيرتدّون مخذولين
مرذولين، وقد فرح اليهود من قوله هذا وسرّوا سرورًا لا يمكن وصفه.
وكذلك الحال بالنّسبة لجميع الملل. فسبب
اختلافهم ونزاعهم وجدالهم هو علماؤهم. ولكن لو تحرّى هؤلاء عن الحقيقة لحدث الاتّفاق
والاتّحاد بلا شكّ. ذلك لأنّ الحقيقة واحدة ولا تقبل التّعدّد.
فيا طالبي الحقيقة
إنّ كلّ ما سمعتوه حتّى الآن من الرّوايات
في حقّ سيّد الكائنات سيّدنا محمّد عليه السّلام كان منبعثًا عن الغرض والتّعصب
الجاهل. ولم يكن مطابقًا للحقيقة قط. وها أنا اليوم أبيّن لكم الحقيقة الواقعة.
ولن نروي لكم الرّوايات ولكنّنا سنتحدّث بميزان العقل. ذلك لأنّ وقائع الأزمنة السّابقة
لا بدّ من وزنها بميزان العقل. فإن طابقته قُبلت وإلاّ كانت غير أهل لأن تُعتمد.
أوّلاً إنّ ما تقرأونه من طعن بسيّدنا الرّسول
عليه السّلام في كتب الكهنة يشبه الكلام الّذي يقال في السّيّد المسيح في كتب
اليهود. لاحظوا ماذا قيل في السّيّد المسيح وهو برغم ما هو عليه من العظمة والجلال
وفي الوقت الّذي بعث فيه بوجه صبيح ونطق فصيح.
يلاحظ اليوم أنّ نصف أهل العالم من عبدة
الأصنام والنّصف الآخر قسمان: القسم الأعظم من المسيحيّين والقسم الثّاني من
المسلمين
أمّا بقية الملل الأخرى فقليلة. ولذلك فهذان القسمان هما المهمّان. ولقد استمر النّزاع
والجدال ألفًا وثلاثمائة سنة بين المسلمين والمسيحيّين في حين أنّ سوء التّفاهم
هذا يمكن أن يزول بأمر يسير وتحلّ محلّه الألفة فلا يبقى جدال ولا نزاع ولا قتال.
وهذا ما نريد أن نبيّنه.
عندما بعث سيّدنا محمّد عليه السّلام
اعترض أوّل ما اعترض على عشيرته الأقربون إذ لم يؤمنوا بالتّوراة والإنجيل. وهذا
منصوص في القرآن وليس من الرّوايات التّاريخيّة. قال لِمَ لَمْ تؤمنوا بجميع النّبيّين
ولماذا لم تؤمنوا بالنّبيّين الثّمانية والعشرين الّذين ورد ذكرهم في القرآن.
والقرآن ينصّ على أنّ التّوراة والإنجيل من كتب الله، وأنّ سيّدنا موسى كان نبيًّا
عظيمًا، وأنّ السّيّد المسيح ولد من الرّوح القدس، وأنّه كلمة الله، وأنّ السّيّدة
مريم مقدّسة. لا بل إنّ القرآن ينصّ على أن السّيّدة مريم لم تكن مخطوبة لأحد، وأنّها
كانت معتكفة منزوية في قدس الأقداس بأورشليم، وأنّها كانت منقطعة للعبادة ليل
نهار، وأنّ مائدة من السّماء كانت تأتي إليها. وكان كلّما دخل عليها زكريا أبو
يحيى المحراب ووجد عندها رزقًا فيسألها من أين لك هذا يا مريم فتجيب مريم هو من
عند الله من السّماء. ونصّ القرآن أيضًا على أن السّيّد المسيح تكلّم في المهد وأنّ
الله اصطفى مريم وفضّلها على نساء العالمين.
هذه هي نصوص القرآن حول السّيّد المسيح.
وقد لام سيّدنا محمّد عليه السّلام قومه
ووبّخهم إذ لم يؤمنوا بالمسيح وموسى. فقالوا إذا آمنا بالمسيح وموسى والتّوراة
والإنجيل فماذا نفعل بآبائنا وأجدادنا الّذين نفتخر بهم؟ فقال سيّدنا محمّد من لم
يؤمن بالمسيح وموسى فهو من أهل النّار. هذا نصّ القرآن وليس من روايات التّاريخ. بل
إنّه قال لا تستغفروا لآبائكم ودعوا أمرهم لله فإنّهم لم يؤمنوا بالسّيّد المسيح
ولا بالإنجيل، هكذا لام محمّد قومه.
وقد بُعث سيّدنا محمّد في وقت لم يكن فيه
لدى هذه الأقوام مدنيّة ولا تربية ولا إنسانيّة وبلغ توحّشهم درجة أنّهم كانوا
يدفنون بناتهم أحياء، وكانت النّساء لديهم أحطّ من الحيوان وكانوا يتعطّرون ببول
الأبل ويشربونه. بين هؤلاء النّاس بعث سيّدنا محمّد. فربّى هذه الأقوام الجاهلة
بحيث تفوّقوا على سائر الطّوائف في زمن قصير. فأصبحوا علماء من أهل المعرفة والدّراية
والصّناعة. ونصّ القرآن يقول بأنّ النّصارى أودّاؤكم، ولكن عليكم أن تمنعوا بشدة
عبدة الأصنام من العرب عن عبادة الأصنام والهمجيّة. هذه هي حقيقة الإسلام. فلا
تنظروا إلى أفعال بعض أمراء الإسلام. ذلك لأنّ أعمالهم لا صلة لها بسيّدنا محمّد.
اقرأوا التّوراة لتجدوا كيف كانت الأحكام. ثمّ انظروا ماذا فعل ملوك اليهود.
واقرأوا الإنجيل تروا أنّه رحمة بحتة. فقد منع السّيّد المسيح النّاس جميعًا من
الحرب والقتال. وحين سلّ بطرس سيفه أمره السّيّد المسيح بأن يعيد السّيف إلى غمده.
أمّا الأمراء المسيحيّون كم سفكوا من الدّماء وكم ظلموا النّاس كذلك حكم الكثير من
القساوسة بما يخالف تعاليم السّيّد المسيح.
مقصدي من هذا هو أن المسلمين يعترفون بأنّ
السّيّد المسيح هو روح الله وكلمة الله وأنّه مقدّس واجب التّعظيم، وأنّ موسى كان
نبيًّا عظيم الشّأن وصاحب آيات باهرات، وأنّ التّوراة كتاب الله.
وخلاصة القول إنّ المسلمين يكنّون للمسيح
ولموسى أقصى التّمجيد والتّقديس. فلو قابل المسيحيّون نبيّ الإسلام بالمثل فقدّسوه
ومجّدوه إذن لزال هذا النّزاع. فهل ينتكس إيمان المسلمين؟ أستغفر الله ماذا لحق
بالمسلمين من أذى أو ضرر لتمجيدهم السّيّد المسيح؟ وأيّ ذنب اقترفوا؟ إنّهم على
العكس أصبحوا مقرّبين إلى الله لأنّهم إذ أنصفوا وقالوا إنّ السّيّد المسيح روح الله
وكلمة الله. ثمّ أليست نبوّة محمّد ثابتة بالدّلائل الباهرة؟
من بين البراهين على نبوّة سيّدنا محمّد القرآن الّذي
أوحى الله به إلى شخص أمّيّ وإحدى معجزات القرآن أنّه حكمة بالغة، وأنّه يقيم
شريعة في غاية الإتقان كانت بمثابة روح لذلك العصر. وفضلاً عن ذلك فقد بيَّن من
المسائل التّاريخيّة والمسائل الرّياضيّة ما خالف القواعد الفلكيّة الّتي سادت في
ذلك الزمان. ثمّ ثبت أنّ منطوقه كان حقًّا.
في زمان محمّد كانت قواعد بطليموس الفلكيّة
مسلّمًا بها في الآفاق وكان كتاب المجسطي هو أساس القواعد الرّياضيّة عند جميع
الفلاسفة إلا أنّ منطوقات القرآن جاءت مخالفة لتلك القواعد الرّياضيّة المسلّم بها.
ولهذا عمَّ الاعتراض بأنّ آيات القرآن هذه دليل على عدم الاطّلاع. إلا أنّه بعد
مرور ألف سنة اتّضح من تحقيق الرّياضيّين وتدقيقهم أنّ كلام القرآن مطابق للواقع،
وأنّ قواعد بطليموس الّتي كانت أساسًا لأفكار آلاف الرّياضيّين والفلاسفة في
اليونان والرّومان وإيران باطلة.
فمثلاً من بين مسائل القرآن الرّياضيّة
تصريحه بحركة الأرض وقد كانت قواعد بطليموس تقرّر أنّ الأرض ساكنة. وكان الرّياضيّون
القدامى يقولون بأنّ الشّمس تتحرّك حركة فلكيّة. فجاء القرآن وبيّن أن حركة الشّمس
محوريّة، وقال بأنّ جميع الأجسام الفلكيّة والأرضيّة متحرّكة. ولهذا فإنّه حين قام
الرّياضيّون المحدثون بالتّحقيق والتّدقيق في المسائل الفلكيّة واخترعوا الآلات
والأدوات لهذه الغاية، وكشفوا الأسرار ثبت وتحقّق أنّ منطوق القرآن الصّريح صحيح،
وأنّ جميع الفلاسفة والرّياضيّين القدامى كانوا على خطأ.
والآن لا بدّ من الإنصاف، ماذا يعني أن
يخطئ آلاف الحكماء والفلاسفة والرّياضيّين من الأمم المتمدّنة رغم الدّرس والتّحصيل
في المسائل الفلكيّة، وأن يتوصّل شخص أمّيّ من قبائل بادية العرب
الجاهليّة
-لم يسمع باسم الرّياضيّات- إلى حقيقة المسائل الفلكيّة الغامضة ويحلّ مثل هذه
المشكلات الرّياضيّة رغم أنّه نشأ وترعرع في الصّحراء بواد غير ذي زرع! لا شكّ أنّ
هذه القضيّة خارقة للعادة. وأنّها حصلت بقوّة الوحي.
ولا يمكن الإتيان ببرهان أشفى من هذا ولا
أكفى. وهذا غير قابل للإنكار.
الاتّحاد
مقصد عظيم
دونه مشكلات جمّة
في
يوم السّبت الموافق 28 تشرين الأوّل 1911 ألقى حضرة عبد البهاء
هذه الخطبة أمام
الأحبّاء الّذين اجتمعوا في منزله المبارك في باريس
هو الله
اليوم قرأت عن حوادث إيطاليا وتركيّا.
ولقد قامت حرب جديدة يراق فيها دم النّاس البائسين من أجل أتفه الأسباب. فمن أجل
هذه الأرض السّوداء يقتل النّاس بعضهم بعضًا مع أنّها ليست ملكًا لأحد منهم. ما
أكثر الأمم والدّول الّتي كسبت الأرض ثمّ ضاعت هذه الأرض من أيديهم بعد زمن قصير.
ما أكثر الممالك الّتي فتحت في زمان شارلمان وأيّام نابليون الأوّل. ولكن ماذا
كانت النّتيجة آخر الأمر؟ لقد ضاعت هذه الممالك في زمن قصير.
إنّ الأرض ملك لله. وجميع الملل والدّول
بمثابة مستأجري هذه الأرض وستفلت من يد الجميع. "ولله ميراث السّموات
والأرض" أمن أجل هذه المدّة القصيرة الّتي تشبه الاستئجار يتنازعون ويتجادلون
ويسفك بعضهم دماء بعض كالسّباع الضّارية ويفتك بعضهم ببعض كالذّئاب الكاسرة؟
والمعلوم أنّ الله خلق الإنسان مظهرًا لفضائل العالم الإنسانيّ وكي يكون سببًا
لراحة العالم وطمأنينته، ويكون سببًا للمحبّة
والألفة،
ويكون نورانيًّا عادلاً منصفًا، فلا يعتدي على غيره بل يعاونه حتّى تسود الرّأفة
بين البشر. هذا ما يريده الله. وهذا هو سبب سعادة العالم الإنسانيّ وعزّة البشر.
ولكنّ البشر – واأسفاه! – يقومون بما يخالف رضا الله، ويسعون في أمور تسبّب ذلّة
العالم الإنسانيّ وفضيحته.
إنّكم اليوم –بالنّسبة إلى سائر الطّوائف الموجودة هنا- جمع قليل عقدتم نيّتكم على الخير،
وتوجّهتم إلى الله، تبتغون خير العالم الإنسانيّ، وتلتمسون الصّلح والصّلاح،
وتنزعون إلى المحبّة والألفة، وغاية مسعاكم هو أن يتّحد البشر ويتّفقوا وقصارى
أملنا هو أن يزول القتال والجدال، وأن يحلّ الصّلح مكان الحرب والمحبّة محلّ
البغضاء ويسود الاتّحاد بدل الاختلاف.
وهذا الهدف هدف عظيم حقًا.
ولكنّه ليس سهلاً ولا يسيرًا. إذ دونه مشكلات جمّة. إلاّ أنّكم يجب أن تستسيغوا
كلّ مشقّة وكل عناء في سبيله. ومعنى ذلك أنّه يجب عليكم أن تقفوا في وجه جميع
البشر. لأنّ جميع الملل ركّزت فكرها في الحرب، وعقدت عزمها على أن يغيّر بعضها على
بعض ليفتحوا الممالك.
فلا شكّ أنّ عملكم هذا عسير
جدًّا. ولكن إذا بذلتم أقصى الجهد بلا كلل ولا ملل تبلغون النّتائج المفيدة.
إذن تضرّعوا دائمًا وابتهلوا أبدًا إلى الله واطلبوا
إليه أن يخلق أسباب الألفة، وأن يمدّكم بمدد من عنده وتأييد من لدنه حتّى تستطيعوا
إنجاز هذه المهمّة، وحتّى يمكّنكم من حمل هذا العبء الثّقيل، وتحمّل كلّ مشقّة
وتعب وعناء في هذا السّبيل. وربّما بلغ بكم الأمر إلى الحدّ الّذي يتوجّب معه
عليكم أن تضحّوا بأنفسكم. وكلّ إنسان جليل الهدف يستعذب مشقّة تواجهه في سبيل
تحقيق هدفه وخاصّة إذا
كان الهدف عظيمًا كالّذي أمامكم، فهذا الهدف هو علّة حياة العالم ونورانيّة
عالم البشر وراحة واطمئنان الخلق جميعًا وظهور موهبة العالم الإنسانيّ وتجلّي
تأييدات الملكوت الإلهيّ.
وآمل ألا تثبط عزمكم أيّة مشقّة
ولا أيّ تعب وأن تزداد همّتكم سموًّا يومًا بعد يوم، ويتضاعف سعيكم واجتهادكم حتّى
تشتهروا بين البشر بنورانيّة محبّة الله.
الرّوح القدس واسطة الفيض
في يوم الأحد الموافق 29 تشرين الأوّل سنة 1911 ألقى حضرة عبد البهاء
هذه
الخطبة بمنزل شقيقة مسيو دريفوس في باريس
هو الله
إنّ حقيقة الذّات الإلهيّة
في نهاية التّنزيه والتّقديس. وليس لها نزول ولا صعود وتنزّل الحقّ إلى عالم الخلق
مستحيل، ذلك لأّنه لا صلة قطّ بين الغنى المطلق والفقر المحض. وحقيقة الألوهيّة
غنى محض وقديمة، وأمّا الإنسان فحادث وفقر صرف. وحقيقة الألوهيّة قدرة محضة
والإنسان عجز صرف. لهذا فإنّه لا صلة بين الغنى المطلق والفقر البحت، وبين القديم
والحادث، وبين القدرة الخالصة والعجز الصّرف.
ومن ثمّ كان لا بدّ من واسطة
فيض بين حقيقة الألوهيّة وعالم الخلق، تكون بمنزلة الشّعاع السّاطع من الشّمس.
وبعبارة أخرى إنّ الحقيقة مثل الشّمس وعالم الخلق مثل الأرض وبين الشّمس والأرض لا
بدّ من واسطة للفيض. والشّمس لا تتنزّل كما أنّ الأرض لا تصعد إلى السّماء. إذن
فما هي الواسطة؟ نور الشّمس وحرارة الشّمس هما الواسطة بين الأرض والشّمس.
والرّوح القدس هو بمنزلة
شعاع الشّمس وتجلّي الشّمس وحرارة
الشّمس وكمالات الشّمس. وبواسطة الرّوح القدس تفوز حقيقة الإنسان بفيض من
حقيقة الألوهيّة، ولا يمكن أن يتسنّى ذلك بلا واسطة. وجميع الفيوضات الّتي تصل من
عالم الحقّ إلى عالم الخلق تتمّ بواسطة الرّوح القدس. فالرّوح القدس سبب حياة
الإنسان الأبديّة وعلّة قوّته الكاشفة ونفوذه الرّوحانيّ وحكمته البالغة وحركته العلويّة.
كلّ هذه من فيوضات الرّوح القدس الّذي هو واسطة الفيض بين الحقّ والخلق.
تأمّلوا كيف أنّ البرهان
واضح. إلاّ أنّ بعض الأمم لم تدرك الحقيقة فتصوّرت أنّ شمس الحقيقة نزلت وحلّت.
وهذا مستحيل وغير ممكن. فالرّوح القدس هو الواسطة وهو بمنزلة شعاع الشّمس حرارتها
وبهما تتربّى الكائنات. فشعاع الشّمس سبب حياة الجماد والنّبات والإنسان. وشعاع الشّمس
هو سبب حياة الأرض. وشعاع الشّمس هو سبب الحركة والحياة. وهذا هو الرّوح القدس فهو
بمنزلة الرّوح.
تأمّلوا أمر حواريّي السّيّد
المسيح. فقد كانوا في بادئ الأمر رجالاً عاديّين، كان أحدهم صيّاد سمك، وكان الثّاني
نجّارًا، والثّالث صبّاغًا. إلا أنّ تأييدات الرّوح القدس جعلت بطرس بطرس الأكبر ويوحنّا
يوحنّا الإنجيليّ. وكلّ من اقتبس منهم من نور الرّوح القدس استنار وأصبح سببًا
لهداية جمع غفير من النّاس. وفي هذا المقام يتّضح التّأييد وتتجلّى القوّة الّتي
هي فيض من الرّوح القدس.
المدنيّة الرّوحانيّة
في يوم الثّلاثاء الموافق 31 تشرين الأوّل 1911
ألقيت هذه الخطبة في المنزل المبارك في
باريس
هو الله
في الجوّ الجميل ينتعش جسم
الإنسان، وتتجدّد حياته، ويسرّ قلبه وتزداد إحساساته البدنيّة، فيشفى إن كان مريضًا،
وينشط وينشرح إذا كان عليلاً. فإذا كان خامدًا اهتزّ وبدت عليه علائم السّرور.
وهذه سعادة الإنسان الجسمانيّة الّتي تنمو من لطف الهواء وعذوبة الماء وحلاوة
الغذاء. وكذلك إذا توفرت للإنسان ثروة أو عزّة أو تجارة أو كسب أو صنعة تمّت
سعادته الجسمانيّة واكتملت.
وإنّكم لتلاحظون أنّ الحياة الطّيبة
ووسائل السّعادة الجسمانيّة وأسبابها متوفّرة على أحسن الوجوه للأمم المادّيّة.
فالأطعمة اللّذيذة متوفّرة لها، والمنازل منسّقة والتّجارة متّسعة، والصّنائع في
نهاية الإتقان، والأصول السّياسيّة في غاية الاعتدال فيها. وهذه الأمور جميعها
كفيلة بتوفير السّعادة الجسمانيّة لعالم الإنسان. إلاّ أنّه لا صلة لها بالرّوح.
ومن الممكن أن يكون الإنسان –من حيث الجسمانيّات- في نهاية الرّقيّ، وأن تكون جميع
النّعم البدنيّة مهيّأة له بحيث تتمّ له سعادة المعيشة النّاسوتية وأن يكون مع ذلك
محرومًا تمامًا من الحياة
الرّوحانيّة، ولا نصيب له من المدنيّة السّماويّة، ولا من الفضائل، فيبقى
بعيدًا كلّ البعد عن نورانيّة الملكوت.
ولذلك فكما نسعى ونجتهد
لتحقيق المدنيّة الجسمانيّة ونجاهد في سبيل تحصيل الفوائد المادّيّة، وتوفير أسباب
الرّاحة والاطمئنان النّاسوتيّ كذلك يجب علينا أن نولي الحياة الرّوحانيّة أهميّة
أعظم، ونلتمس السّعادة الأبديّة بهمّة أكبر، ونطلب النّورانيّة السّماويّة والسّنوحات
الرّحمانيّة بجدّ أكثر، ويزداد إقبالنا على ترقيّات العالم الإلهيّ حتّى تكمل
حياتنا الرّوحانيّة كما كملت حياتنا الجسمانيّة وتتمّ لنا السّعادة الملكوتيّة.
إنّ السّعادة الّتي أرادها السّيّد
المسيح لأهل العالم هي النّورانيّة الّتي أعطاها للحواريّين وتمّت لهم منها التّرقّيات
الحقيقيّة. لهذا أسّس حضرة بهاء الله في هذا العالم الفاني ملكوتًا وأضاء شمعًا سماويًّا
وفتح أبواب الملكوت فسطعت شمس الحقيقة كي تتأسّس المدنيّة الرّوحانيّة، وتشرق النّورانيّة
السّماويّة، وتتمّ الحياة الأبديّة وتهبّ نفثات الرّوح القدس في القلوب. فيصبح
الإنسان عظيمًا من النّاحيتين المادّيّة والرّوحية ويحقّق الحضارتين المادّيّة والرّوحية
معًا. ذلك أنّه عندما تترقّى روح الإنسان وجسمه معًا تتوفّر السّعادة للعالم الإنسانيّ،
ولا يتحقّق هذا الهدف بالمدنيّة المادّيّة وحدها.
ولذلك تلاحظون أنّه بالرّغم
من أنّ عالم المدنيّة المادّيّة بلغ كمال الرّقيّ في هذا العصر إلاّ أنّه يشهد
الكثير من القتال والجدال والحرب والنّزاع وسفك الدّماء وهدم البنيان الإنسانيّ.
وفي الأزمنة السّابقة الّتي نطلق عليها اسم عصور
التّوحش كانت الحرب تقع ولكنّها كانت لا تكاد تقضي على حياة ألف شخص في خلال سنة
كاملة. أمّا اليوم فإنّ حرب الرّوس واليابان قضت على حياة
خمسمائة ألف شخص في غضون ستّة أشهر. فقد اخترعت آلات فتّاكة لم تكن موجودة من
قبل، فمدافع كروب مثلاً لم تكن موجودة من قبل، وكذلك الدّيناميت والغوّاصات وهذه
جميعًا من نتائج المدنيّة الحاليّة.
ثبت إذن أنّ ازدهار المدنيّة
المادّيّة لا يجلب إلى العالم السّعادة الصّحيحة فإذا ما تحقّقت المدنيّة الرّوحانيّة
بجانب المدنيّة الجسمانيّة تمّ الوصول إلى السّعادة الحقيقيّة. فكما أنّ أسباب الرّقيّ
المادّيّ توفّر راحة الأجسام كذلك يتحقّق رقيّ عالم الأخلاق بالنّورانيّة السّماويّة،
وتتحقّق فضائل العالم الإنسانيّ بفيض نفثات الرّوح القدس.
إنّ الشّفاء الأبديّ لعالم
الوجود هو الوحي السّماويّ. والرّقيّ الحقيقيّ منوط بالفيض الإلهيّ. ولذلك فإنّني
أريد لكم أن تهبط عليكم تلك الفيوضات، وألتمس لكم نفثات الرّوح القدس، وأطلب لكم السّعادة
الّتي طلبها السّيّد المسيح للحواريّين، كي تبلغوا درجة الكمال في جميع المراتب المادّيّة
والرّوحانيّة، وكي يتحقّق لكم التّرقّي في هاتين النّاحيتين فيصبح ظاهركم وباطنكم
معمورين وتستظلّ أرواحكم وأجسامكم جميعًا بظلّ رحمة الرّحمن وتنجذب قلوبكم وتستبشر
أرواحكم، وتفوزوا باللّسان النّاطق والعين المبصرة والأذن السّامعة، وتظفروا بالقوّة
المعنويّة وبالتّأييد الملكوتيّ. هذه نصيحتي إليكم –فمرحبًا بكم.
معنى التّنزيه والتّقديس
في يوم الأربعاء الموافق أوّل تشرين الثّاني
1911 ألقى حضرة عبد البهاء الخطبة التّالية:
هو الله
سمعت أنّ اليوم عيد في
باريس، وأنّ العيد هو عيد جميع القدّيسين فلماذ سمّيتم هؤلاء بالقدّيسين؟ ومامعنى
المقدّس؟ معناه المنزّه الطّاهر، ومعناه المترفّع عن أوساخ عالم البشريّة، ذلك أنّ
للإنسان مقامين: أحدهما مقام الإنسانيّة الّذي له اتّصال بالعالم العلويّ وبفيض الرّبوبيّة.
وثانيهما مقام الحيوانيّة الّذي له اتّصال بعالم النّاسوت، وأعني بها الجانب
الحيوانيّ، كالغضب والشّهوة والبخل والظّلم والجفاء فكلّ هذه من الخصائص الحيوانيّة،
كما أنّ العلم والحلم والوفاء والجود والسّخاء والعدل من فضائل العالم الإنسانيّ.
فإذا تغلّب الجانب الإنسانيّ
وقهر الأخلاق الحيوانيّة كان ذلك سببًا لرفعة الفطرة الإنسانيّة. فهذه النّفوس المقدّسة
تبرّأت من العالم الحيوانيّ واتّصفت بالخلق الرّحمانيّ، فأصبح أصحابها مظهر العدل
ومظهر الحبّ ومظهر الإنصاف ومظهر الألطاف، وأصبحوا نورانيّين وسماويّين وروحانيّين.
ولهذا تقدّسوا.
والحواريّون الّذين آمنوا بالسّيّد
المسيح كانوا في بادئ الأمر
متّصفين بصفات سائر البشر متمسّكين بالأمور الدّنيويّة، يلتمسون منافعهم الشخصيّة
ويرغبون في الاستمتاع بجميع ملذّات العالم. ولم تكن لديهم فكرة عن التّنزيه والتّقديس،
ولم يكن لهم نصيب من فضائل العالم الإنسانيّ. ولكن حين آمنوا بالسّيّد المسيح تبدّل
جهلهم بالعلم وظلمهم بالعدل وغضبهم بالرّحمة، وظلمتهم بالنّور. كانوا ناسوتيّين
فأصبحوا لاهوتيّين وكانوا شيطانيّين فأصبحوا رحمانيّين ولهذا سمّوا بالمقدّسين.
ينبغي لكم إذن أن تقتدوا بهم
كي تتخلّصوا من أوساخ العالم البشريّ وأدرانه وتصبحوا لاهوتيّين من بعد أن كنتم
ناسوتيّين، وسماويّين من بعد أن كنتم أرضيّين، واسألوا الله أن تظهر فيكم فضائل
العالم الإنسانيّ لتصبحوا ملائكة الله ومصادر الأنوار وكاشفي الأسرار ومدركي حقائق
الأشياء.
وكما تقدّمتم في عالم المادّيّات
وبلغتم هذه الدّرجة العالية من الرّقيّ تقدّموا أيضًا في العالم الرّوحانيّ. لقد
جاء الأنبياء العظام لتربية البشر وتعليمهم وليجعلوهم مظاهر الأنوار ويطلعوهم على
حقائق الأسرار ويجعلوهم سبب الرّقي المادّيّ والرّقي المعنويّ للعالم الإنسانيّ،
ومن أجل هذا الأمر نزلت الكتب الإلهيّة، فالتّوراة والإنجيل والقرآن والألواح
المباركة تدلّ على الفضائل الإنسانيّة وتهدي إلى المحبّة والألفة والوحدة والصّلح
والصّلاح، وترشد إلى العدل والإنصاف.
فينبغي لكم أن تّتبعوا ما
جاء في الكتب الإلهيّة، وتعملوا بموجبها ومقتضاها.
وإنّني اليوم أشكو من انحراف
صحتي. ولذلك أكتفي بهذا القدر، ومرحبًا بكم.
بحث في الرّوح
في يوم الخميس الموافق 2 تشرين الثّاني
1911 ألقى حضرة عبد البهاء الخطبة التّالية:
هو الله
لقد جئت إلى أوروبّا وباريس، فلاحظت أنّ أوروبّا
بلغت في الأمور المادّيّة نهاية الرّقيّ. إلاّ أنّني لم أجد تأثير الأمور الرّوحانيّة
ونفوذها متوفّرًا كما يليق وينبغي. لهذا وجدت من الضّروريّ أن نبحث اللّيلة في شأن
الرّوح.
الرّوح فيض إلهيّ أشرق على
جميع الكائنات. فللكائنات جميعًا منها فيض ونصيب. مثلها مثل الشّمس الّتي تشرق على
جميع الكائنات الأرضيّة. ذلك لأنّ جميع الأشياء الموجودة على كرة الأرض تنمو وتتربّى
بفيض الشّمس، وتتلقّى النّور والضّياء منها. إلاّ أنّ هذا الفيض يظهر في كلّ رتبة
على مقتضاها، فلشعاع الشّمس تأثير في الأجسام الصّخريّة إلاّ أنّ له في الأجسام الشّفافة
ظهورًا وتجلّيًا آخر. وعلى الرّغم من أنّ الشّمس واحدة إلاّ أنّ ظهورها في الأجسام
متنوّع.
كذلك شأن الرّوح ، فظهورها
في مراتب الوجود يتحقّق بمقتضى هذه المراتب. فهي في عالم الجماد قوّة جاذبة تحدث
اجتماع الأجزاء الفرديّة. وهذه الحال هي حياة الجماد ذلك لأنّ الجماد في مرتبته حيّ
أيضًا وليس ميتًا، وهي في عالم النّبات قوّة نامية وهي الرّوح النّباتية.
وأمّا القوّة الحسّاسة في عالم
الحيوان فهي الرّوح الحيوانيّة، وهذه القوّة الحسّاسة تتأتّى من تركيب العناصر
وامتزاجها، وهي من مقتضيات الامتزاج والتّركيب.
وأمّا في عالم الإنسان فالرّوح
كيفية تنبعث أيضًا من تركيب العناصر إلاّ أنّه تنضمّ إليها النّفس النّاطقة والقوّة
العاقلة. وهذه الرّوح الإنسانيّة أي النّفس النّاطقة محيطة بالأشياء ومدركة وكاشفة
لها، فهي تنقل أسرار الكائنات من حير الغيب إلى حيّز الشّهود. وهذه هي القوّة الّتي
تأتي بجميع الصّنائع والعلوم والفنون المادّيّة من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود،
وبالرّغم من أن هذه القوّة غير محسوسة لا ترى بالحواس الظّاهرة إلاّ أنّها تدرك
بالحواس الباطنة.
غير أنّ هذه الرّوح ليست هي
المقصودة بالرّوح في عرف الرّوحانيّين وإنّما المقصود هو الرّوح الأبديّة أي
الحياة الإيمانيّة، تلك هي الرّوح الّتي يشير إليها السّيّد المسيح قائلاً يجب أن
يتعمّد بها الإنسان، وما لم يتعمّد بها فلن يدخل في الملكوت الإلهيّ، كذلك يتفضّل
في الإنجيل بقوله: "إنّ المولود من الجسد هو جسد والمولود من الرّوح هو الرّوح"،
وكذلك يتفضّل بقوله: "دع الموتى يدفنون موتاهم" ذلك لأنّ الّذين لا
يؤمنون بالله محرومون من الرّوح الإيمانيّة الحقيقة وإن توفّرت لهم الرّوح الإنسانيّة،
ولهذا فهم في حكم الأموات، إذ على الرّغم من أنّهم يحيون حياتهم النّاسوتية إلاّ
أنّهم محرومون من الحياة الملكوتيّة.
وقد بُعث الأنبياء كي يحيوا الرّوح
الإنسانيّة بالرّوح الملكوتيّة فهذه الرّوح هي سبب سعادة العالم الإنسانيّ وهذه الرّوح
هي سبب الحياة الأبديّة. وهذه الرّوح هي سبب السّعادة السّرمديّة، وهذه الرّوح
هي سبب الدّخول إلى ملكوت الله. وهذه الرّوح هي الّتي تجعل الإنسان النّاسوتي
لاهوتيًّا. وهذه الرّوح هي الّتي تحوّل الظّلمانيّ إلى النّورانيّ. فإذا تأيّدت
هذه الرّوح بنفثات الرّوح القدس صار لها نفوذ وأحيت العالم، وحوّلت العالم الإنسانيّ
إلى عالم سماويّ، وجعلت الجاهل عالمًا، وبدّلت الظّلمات نورًا، وعمّمت التّعاليم الإلهيّة
ونشرت شريعة الله، وروّجت أوامر أورشليم الإلهيّة النّازلة من السّماء. وهذه الرّوح
هي الّتي تجعل الإنسان الأرضيّ إنسانًا سماويًّا.
ولمّا كانت جميع المظاهر الإلهيّة
مؤيّدة بهذه الرّوح فهي إذًا واحدة وحقيقة تعاليمها واحدة بفضل هذه الرّوح. ذلك
لأنّ الرّوح القدس واحدة. فالإنسان مهما ارتقى في الأمور المادّيّة وظلّ محرومًا
من الفيض الأبديّ أي من الرّوح الإيمانيّة فإنّه لا يعدو أن يكون قد ارتقى في الرّتبة
الحيوانيّة، ولا يمكن أن يسمّى إنسانًا. ذلك لأنّ الإنسان مثال إلهيّ، كما ورد في التّوراة
قوله نخلق إنسانًا على صورتنا ومثالنا.
ثبت إذن وتحقّق أنّ الإنسان
الحقيقيّ صورة ومثال إلهيّ، بمعنى أنّه يستفيض من جميع الكمالات الإلهيّة. وهذا
الإنسان مثله مثل المرآة، والفيوضات الإلهيّة مثلها مثل أشعّة الشّمس، فالكمالات الإلهيّة
أي جميع الأسماء والصّفات الكماليّة تتجلّى في هذه المرآة. وهذا الإنسان هو مركز الرّوحانيّة
كما أنّ الشّمس مركز نور العالم المادّيّ وهذه النّفس المباركة تنفخ الحياة في
القلوب أيضًا أي أنّها تجعل النّاس روحانيّين فتتجلّى فيوضات الرّوح في القلوب.
وهذه النّفس المباركة هي المعلّم الأوّل للعالم الإنسانيّ، والمتجلّي الأوّل على
الممكنات.
وأنتم تلاحظون أنّ هذه النّفس
المباركة ظهرت منذ ألفي سنة وما زالت آثارها ظاهرة إلى اليوم وموجودة، وظهرت منذ
ثلاثة آلاف سنة وما زالت آثارها باهرة. وبالرّغم من أنّ هذ الآثار لا تشاهد في
عالم
الأجسام إلا أنّها موجودة في حيّز الملكوت. ولهذا فآثارها باهرة وأنوارها
ساطعة. والشّيء المنعدم لا أثر له. ومن المحقّق أنّ هذه الآثار الباهرة المأثورة
هي من نتائج الوجود. إذ لا تأثير للشّيء المعدوم. إنّ هذه الآثار الباهرة الّتي
بقيت بفضل هذه النّفوس الكاملة دليل على وجود تلك النّفوس، وعلى أنّ لها حياة ملكوتيّة
وكمالات إلهيّة.
فيجب علينا إذن أن نصبح جميعًا
روحانيّين، سماويّين، ربّانيّين. إذ مهما ارتقينا في عالم الطّبيعة والمادّيّات
إلاّ أنّنا ما نزال ناقصين حتّى ينضمّ هذا الرّقيّ إلى التّرقّيات الرّوحانيّة.
والجسد مهما بلغ من الجمال غاية فإنّه لا يزال بلا ثمر إذا حرم من الرّوح.
والإنسان مهما توفر له من الرّقي المادّيّ فإنّه يظلّ بلا نتيجة إذا حرم من الرّوح
الملكوتيّة. وكما أنّ البلّور مهما بلغ من اللّطف والشّفافية فإنّه يبقى عديم
الفائدة إذا فقد النّور والشّجرة إن توفّرت لها الطّراوة والخضرة وعدمت الثّمر لم
تصلح إلاّ للنّار. والآدميّ إن توفّرت له صورة الإنسان وحرم من نفس الرّحمن لا يعدّ
إنسانًا وغاية أمره أنه بلغ مرتبة الحيوان الكامل، وانطبق عليه ما قاله داروين
الفيلسوف الإنجليزي من أنّ الإنسان من سلالة القرود.
إنّني مسرور بكم. ذلك لأنّني
أرى فيكم إحساسات، فأنتم أحياء متحرّكون ولستم خاملين، وأنتم متوجّهون إلى الله ولستم
قانطين من رحمته ومنتظرون للفيوضات الإلهيّة. وآمل أن يكون كلّ فرد منكم مستنيرًا
بالنّور الملكوتيّ حتّى تنيروا الآفاق جميعًا كهذا المصباح بإذن الله.
دين الله هو الأعمال
في مساء الجمعة الموافق 3 تشرين الثّاني 1911 ألقى
حضرة عبد البهاء في منزل مسيو دريفوس هذه الخطبة
هو الله
إنّ دين الله –في الحقيقة-
هو الأعمال، وليس الألفاظ. ذلك لأنّ دين الله هو العلاج. فمعرفة الدّواء وحدها ولا
تُغْنِي بل إنّ الّذي يجدي هو استعمال الدّواء. فإذا عرف أحد الأطبّاء جميع
الأدوية ولم يستعملها فما الفائدة من معرفته لها؟
إنّ التّعاليم الإلهيّة
كخريطة البناء وهندسته. فإذا رسمت الخريطة وتمّت الهندسة ولكنّها لم تنفّذ فما
فائدتها؟ فلا بدّ إذن من إجراء التّعاليم الإلهيّة ووضعها موضع التّنفيذ. وإلاّ
فقراءتها والوقوف عليها لا جدوى منه.
ففي تعاليم السّيّد المسيح
مثلاً: من ضربك على خدّك الأيمن أدر له الأيسر. وصلّوا للاعنيكم، والتمسوا الخير
لأعدائكم. هذه هي تعاليم السّيّد المسيح الّتي كانت سبب النّورانيّة وعلّة حياة
العالم وأساس الصّلح والصّلاح. ولكن ما الفائدة؟ إنّك لا تتمالك نفسك عن التّأسّف
والتّحسّر وأنت ترى سفك الدّماء، وآلاف النّفوس الّتي قتلت –طوال هذه المدّة- من
أمّة المسيح. ويحدّثنا التّاريخ أنّه في النّزاع بين
البروتستانت والكاثوليك قتل تسعمائة ألف شخص. فأيّ صلة لهذا النّزاع
بتعاليم المسيح الّذي أتى بتعاليم تناقض هذا التّصرّف مناقضة تامّة؟ يقرأ المسيحيّون
جميعًا هذا البيان للسّيّد المسيح في الإنجيل ولا يعملون به. فماذا استفادوا من
هذه القراءة؟ غير أنّهم لوعملوا بموجب ما قرأوا لظهرت عندئذٍ نتيجة. ففي الإنجيل يتفضّل
بقوله: من ثمارهم تعرفونهم. أي من الثّمر يفهم إذا كانت هذه الشّجرة شجرة مباركة
أم شجرة خبيثة.
يتّضح إذن أنَّ الدّين ليس
هو القول بل العمل. وفي القرآن يقول الله سبحانه وتعالى: "والكاظمين الغيظ
والعافين عن النّاس والله يحبّ المحسنين". ومعنى ذلك أنّ نفسًا إذا تعدّت على
غيرها وجب على المعتدى عليها أن تحلم وأن تعفو وتحسن وتصفح. فانظروا اليوم كم
تخالف الأعمال الأقوال، وكم جاروا وظلموا حتّى أراقوا دم سيّد الشّهداء.
ويتفضّل الجمال المبارك
بقوله: لو لم يكن ذلك مخالفًا لشريعة الله لقبّلت يد قاتلي وورّثته من مالي. ولكن
كيف السّبيل وحكم الكتاب المحكم لم يجز ذلك، ولم يكن لهذا العبد من حطام الدّنيا
شيء.
والمقصود هو أنَّه يجب العمل
بموجب التّعاليم الإلهيّة. ولقد بدأت جميع الأديان الإلهيّة بالعمل لا القول. ففي أيّام
السّيّد المسيح مثلاً عمل الحواريّون بموجب التّعاليم الإلهيّة. وكان هذا هو السّبب
في رقيّهم فارتفعوا من حضيض الذّلّة إلى أوج العزّة، واهتدوا من ظلمات الأوهام
بنور الهداية. وكان الأمر كذلك دائمًا. ولكن بمرور الأيّام يتغيّر الأمر تدريجيًّا
ويقلّ العمل شيئًا فشيئًا ويزيد القول يومًا فيومًا حتّى لو لم يعد أحد يعمل شيئًا،
ويصبح كلّ شيء محض أقوال دون عمل. وهذا هو السّبب الّذي من أجله لم يعد لتعليم
المسيح من أثر في القرون
الوسطى. وتقاتل الأمراء والملوك المسيحيّون بعضهم مع البعض واستعرت نار
الحرب الدّائمة.
وإنّكم لتلاحظون المجلس الّذي
انعقد في لاهاي من أجل الصّلح العام، وكم دارت فيه من مناقشات حول الصّلح، وكم قيل
من الأقوال المقبولة. وأرسلت جميع الدّول ممثليها. ودارت مناقشاتهم جميعًا حول
تعايش الدّول والملل في صلح وأمان، كي تزول الحرب والخلافات وينزع السّلاح.