منتخبات
من كتاب
بهاءالله
والعصر
الجديد
مُقدّمة
لدِرَاسَةِ
الدِّين البهائيّ
تَأليف
الدُّكتُور
جُون
أسلُمنُت
¶
منتخبات
من كتاب بهاءالله
والعصر
الجديد
(مقدّمة
لدراسة
الدّين البهائيّ)،
الطّبعة
الأولى،
مترجمة عن
الطّبعة
الإنجليزيّة
الثّالثة
المنقّحة
الصّادرة عن مؤسّسة
النّشر البهائيّة
في ويلمت، إلينوي
سنة 1970.
¶
طبعت
هذه التّرجمة
بمعرفة
المحفل الرّوحانيّ
المركزيّ للبهائيّين
في شمالي شرقي
أفريقيا آديس
أبابا الحبشة.
المحتوى
|
|
الصّفحة |
|
من
مقدّمة
المؤّلف |
5 |
|
الباب
الأوّل –
البشارات |
7 |
|
الباب
الثّاني –
الباب
المبشّر |
20 |
|
الباب
الثّالث – بهاءالله |
36 |
|
الباب
الرّابع – عبدالبهاء |
72 |
|
الباب
الخامس – ما هو
البهائيّ |
97 |
|
الباب
السّادس –
الصّلوة
والمناجاة |
119 |
|
الباب
السّابع –
الشّفاء
والعلاج |
136 |
|
الباب
الثّامن –
الوحدة
الدّينيّة |
154 |
|
الباب
التّاسع –
المدنيّة
الحقيقيّة |
176 |
|
الباب
العاشر –
السّبيل إلى
السّلام |
211 |
|
الباب
الحادي عشر –
بعض الأحكام
والتّعاليم |
233 |
|
الباب
الثّاني عشر –
الدّين
والعلم |
263 |
|
الباب
الثّالث عشر –
نفوذ كلمة بهاءالله |
284 |
|
الباب
الرّابع عشر –
ماضي وحاضر
ومستقبل
الأمر البهائيّ |
301 |
|
من
ملحق الكتاب |
339 |
صفحة
خالية
من
مقدّمة
المؤلّف
كان أوّل
علمي
بالتّعاليم
البهائيّة في
ديسمبر (كانون
الأوّل) سنة 1914، من
محادثة مع بعض
الأخوة الذّين
قابلوا عبدالبهاء
ومن بعض النّبذ
البهائيّة
التّي
استعرتها. وكانت
دهشتي عظيمةً من
قوّتها
وجمالها وسعة
شمولها،
واعتقدت بأنّها
تقدّم للعالم الحديث
من
الاحتياجات
العظمى أكثر
ممّا تقدّمه
أيّة هيئة
دينيّة أخرى صادفتها
في حياتي،
وازداد هذا الاعتقاد
ثبوتًا ورسوخًا
كلّما تعمّقت
في البحث
والاستقصاء
فيما بعد.
وأثناء
بحثي وطلبي
لزيادة العلم
بالحركة، شاهدت
صعوبة الحصول
على الكتب
التّي أحتاج
إليها، وسرعان
ما تبادر إلى
ذهني أن أضع
خلاصةً لكلّ
ما وصلت إليه
يدي وما عرفته
منها في هيئة
كتاب، ليكون
في متناول
الجميع. فلمّا
أعيدت
المواصلات مع
فلسطين بعد
الحرب، كتبت لعبدالبهاء،
وأرسلت له
نسخةً
مخطوطةً من
الأبواب
التّسعة
الأولى من
الكتاب الذّي
كان قد قرب من
الانتهاء. فأرسل
لي ردًّا
مشجّعًا كريمًا،
ودعوةً ودّيّةً
لزيارته في
حيفا، ومعي
المخطوطة
كلّها، فقبلت
هذه الدّعوة
بكلّ سرور.
وكان
لي الشّرف
العظيم في صرف
شهرين ونصف في
ضيافة عبدالبهاء
في شتاء 1919 – 1920. وفي
أثناء إقامتي
راجعته في
كثير من
المواضيع
وأشار فيها
بآراء قيّمة
لتنقيحها،
واقترح أن
تترجم مخطوطة
الكتاب إلى
اللّغة
الفارسيّة بعد
انتهائي من
تنقيحها،
حتّى يقرأها
ويصلّح فيها
ما يراه، وقد
تمّت
المراجعة
والتّرجمة
كما طلب. وقد لقي عبدالبهاء
بعض الوقت من
بين أعماله
اليوميّة
العديدة
ليصلح ثلاثة
أبواب ونصف
(وهي الباب
الأوّل
والثّاني
والخامس وجزء
من الثّالث)
قبل صعوده.
ومن
دواعي أسفي
العظيم أنّ عبدالبهاء
لم يتمكّن من
تصحيح بقيّة
الكتاب، حيث
كانت قيمته
تزداد بذلك
زيادةً
عظيمةً. وقد
قامت لجنة من
المحفل المركزيّ
للبهائيّين
في انكلترا
بمراجعة
الكتاب كلّه
ووافقت على
طبعه...([1])
كتبه جون
أسلمنت
في فيرفورد
– كالتس
في ضواحي
أبردين –
اسكتلنده.
الباب
الأوّل
البشارات
"قد
ظهر موعود
جميع الأمم،
وكانت جميع
الأمم والمذاهب
تنتظر ظهور
الموعود،
وحضرة بهاءالله
أعظم
المعلّمين
والمربّين
الذّين ظهروا
في العالم الإنسانيّ"
(عبدالبهاء
– مترجمًا)
أعظم
حدثٍ في التّاريخ
لو رجعنا
إلى ما هو
مدوّن في
صفحات
التّواريخ بخصوص
مسألة كيفيّة
"تقدّم الإنسان"
لوجدنا أنّ
العامل المهم
في الرّقي
البشريّ هو
ظهور رجال من
وقتٍ لآخر
يتخطّون
الآراء
والأفكار
المسلّم بها
في عصرهم،
ويكتشفون
الحقائق التّي
لم تكن
معلومةً
للبشر قبل
ظهورهم، ثمّ
يعلنونها. فالمخترع
والرّائد
والنّابغة
والرّسول هم الذّين
يتوقّف عليهم
مبدئيًّا
تطوير العالم.
وكما
يقول كارلايل:
"إنّ
الحقيقة
الواضحة بل
الواضحة جدًّا...
أنّ رجلاً
واحدًا يمتلك
حكمةً أسمى
وحقيقةً
روحانيّةً
كانت مجهولة
قبل مجيئه،
إنّما يمتلك
قوّةً لا تزيد
على قوّة عشرة
من أبناء جنسه
فحسب أو
عشرة
آلاف منهم
ممّن لم تكن
عندهم تلك
الحكمة، بل
تزيد قوّته
على قوّة جميع
الذّين لم
يمتلكوها،
وتراه يقف
فيهم بقوّة
ملائكيّة
علويّة، كمن
يكون مقلّدًا
بسلاح من أسلحة
السّماء، لا تقاومهم
أيّة دروع أو
أيّة أبراج من
النّحاس."([2])
ففي
تواريخ
العلوم
والآداب
والموسيقى،
نرى أمثلةً
كثيرةً لهذه
الحقيقة،
إلاّ أنّه ليس
هناك في أيّ
أفق شيء أوضح
من أهميّة
الرّجل
العظيم، ولا
أبين من
رسالته، في
أفق الدّين. ففي
جميع العصور،
كلّما انحطّت
حياة البشر الرّوحانيّة،
وفسدت
أخلاقهم،
يظهر رسولاً
هو أعجب
الرّجال
وأعمقهم، فيقوم
وحده أمام
جميع العالم،
كرجل بصير بين
رجالٍ عميّ،
ليعلن بشارة
الحقّ والصّدق،
بينما لا يوجد
معه من يشاركه
في إنجاز
مسؤولياته،
أو من يفهمه،
أو من يعلّم
النّاس
ويهديهم.
ومن
الرّسل من
كانت له مهمّة
سامية خاصّة. وكلّما
انقضت بضعة
قرون، ظهر
رسول إلهيّ في
الشّرق،
أمثال كريشنا
وزردشت وموسى
وعيسى ومحمّد،
ليضيء عقول
البشر
المظلمة،
ويوقظ أرواحهم
الرّاقدة،
كالشّمس الرّوحانيّة.
ومهما
تكن آراؤنا
حول العظمة
النسبيّة
لهؤلاء
الرّسل
المؤسّسين
للأديان،
فإنّنا يجب أن
نعترف بأنّهم
كانوا أقوى
العوامل في
تعليم بني
البشر. وقد
اتّفقوا جميعًا
في تصريحهم،
بأنّ الكلمات
التّي
يتكلّمون بها
ليست من
أنفسهم، بل من
إلهام إلهيّ يلهمون
به، وأنّها
رسالة إلهيّة
هم حملتها. وقد
امتلأت
أقوالهم المدوّنة
بإشارات
ووعود تبشّر
بظهور
معلّم
عظيم للعالم،
يظهر في "وقت
المنتهى"،
ليتمّم عملهم
حتّى يؤتي
ثمرته، وهو
يؤسّس حكم
السّلام والعدل
على الأرض،
ويجمع في أسرة
واحدة كلّ الأجناس
والأديان والأمم
والقبائل،
ليكون هناك
"قطيع واحد
وراع واحد"
وليعرفوا
الله ويحبّوه
"من أصغرهم
إلى أكبرهم".
حقًا إنّ
مجيء هذا
"المربّي للإنسانيّة"
في آخر
الأيّام هو
أعظم حدثٍ في
التّاريخ البشريّ.
ولقد
أعلنت
الدّيانة البهائيّة
للعالم بشارة
ظهور هذا
"المربّي"
ظهورًا فعليًا،
وأنّ أمره قد
تمّ وتدوّن،
وأنّه يمكن
لكلّ باحث
غيّور أن
يدرسه، وأنّ
فجر "يوم
الرّب" قد
تنفّس، وأنّ
"شمس
الحقيقة" قد
أشرقت. نعم، لم
يشاهد أحد
للآن تلك
الشّمس
البهيّة سوى
القليلون
ممّن هم على
قلل الجبال،
ولكنّ
أشعّتها قد
أضاءت الأرض
والسّماء،
وعن قريب سوف
ترتفع فوق رؤوس
الجبال،
وتشرق بأشدِّ
إشراق على
الأودية
والبطاح،
وتهب الحياة
والهدى لكافّة
النّاس.
عالم
يتبدّل
قد
أصبح معلومًا
لدى العموم،
اختراق
العالم في
القرن التّاسع
عشر وابتداء
القرن
العشرين
سكرات موت
العصر القديم
وطلقات ولادة
العصر
الجديد، وقد
أخذت أصول
المادّيّة
القديمة
والمصلحة
الفرديّة والتّعصّبات
والعداوات
الوطنيّة
والمذهبيّة
بالاضمحلال،
وصارت أمورًا
مفضوحةً يجب
نبذها، بسبب
التّدميرات
التّي نشأت
عنها، وفي كلّ
جهة من جهات
العالم نرى
علامات روح
إيمان جديد
وأخوّة
دوليّة تكسر
القيود
القديمة
وتتجاوز الحدود
العتيقة.
وتجري
الآن في جميع
شؤون الحياة
الإنسانيّة
تحوّلات
ثوريّة ذات
شأن عظيم لم
يسبق لها
مثيل، وترى
العصر القديم
في صراع دائم
مع العصر
الجديد، وفي
تقلّب بين الحياة
والموت، ولم
يتم للآن إحتضاره.
وهناك
شرور عديدة لا
تزال قويّةً
هائلةً،
ولكنّها قد
انكشف سترها،
وأخذ العالم
في محاربتها
والهجوم
عليها بقوّة
جديدة وبأمل
وطيد. نعم إنّ
السّحب قد
تكاثفت، وامتدّت،
وهدّدت،
ولكنّ النّور
آخذ في
تبديدها
وتقويضها،
وهو ينير طريق
التقدّم،
ويكشف
العقبات
والمهاوي
التّي تعترض
الطّريق
المستقيم.
أمّا في
القرن
الثّامن عشر،
فقد كان الأمر
على خلاف ذلك،
فإنّ الظّلمة الرّوحانيّة
والأخلاقيّة
التّي استولت
على العالم
فيه لم يكد
يخترقها أيّ
شعاع من النّور،
بل كانت
كالظّلمة
الحالكة
التّي تتقدّم ظهور
الفجر، ولم
تستطع
المصابيح
والشّموع القليلة
التّي كانت
حينذاك
موجودة، أن
تبيّن شيئًا
من الظلام
إلاّ قليلاً. وممّا
كتبه كارلايل
عن القرن
الثّامن عشر
في كتابه (فردريك
العظيم) ما
يأتي: "إنّه
قرنٌ ليس له
تاريخٌ مهم،
بل تاريخه نزر
قليل يكاد
يكون معدومًا،
وهو قرن مشحون
بالأباطيل
المتراكمة...
ممّا لا يوجد
له شبيه في
القرون
الأولى! ولم يكن
عند أهله شعور
بما كان قرنهم
عليه من الضّلال
الذّي نما
فيه، بل انغمس
فيه واختلط به
لحمًا ودمًا،
وطفح به الكيل
إلى أن انتهى
بالثّورة
الفرنسيّة...
وهي
خاتمة لائقة
جدًا بمثل هذا
القرن، كما
أشعر بسرور
لذلك... لأنّ
بني البشر
الذّين
استولى عليهم
الطّيش والبلادة
كانوا في
حاجةٍ إلى "دين
إلهيّ جديد"،
لئلا يسقطوا
في هاوية
التّوحش
والتّقليد"([3]).
والوقت
الحاضر،
بالنّسبة إلى
القرن الثّامن
عشر، بمثابة
الفجر بعد
الظّلام،
وكظهور الرّبيع
بعد الشتاء،
فترى العالم
يموج بحياة جديدة،
ويصدع بأفكار
سامية جديدة،
وآمال جديدة،
وأنّ الأمور
التّي كانت
منذ سنين قليلة
تعدّ حلمًا
مستحيلاً، قد
أصبحت الآن من
الحقائق
الثّابتة،
وكذلك الكثير
من الأمور
التّي كانت
تُعتبر
بعيدةً وغير
محتملة
الوقوع إلاّ
بعد مرور
أجيال عديدة،
أصبحت "مناهج
عمليّة"،
وشاهدنا
عجائب عديدةً
لا تحصى، فقد
طرنا في
الهواء وغصنا
في أعماق البحار،
وأصبحنا نرسل
الرّسائل حول
الأرض بسرعة
البرق، وخلال
عقود
السّنوات
الأخيرة
رأينا عجائب
لا تحصى.
شمس
الحقيقة
فما هو
السّبب يا ترى
في هذه اليقظة
الفجائيّة في
العالم؟
يعتقد
البهائيّون
أنّها ترجع
إلى نفثات
الرّوح القدس
الفائضة من
الرّسول بهاءالله
الذّي ولد في
إيران سنة 1817
وصعد في الأرض
المقدسّة سنة
1892.
ولقد علم
بهاءالله أنّ
الرّسول أو "المظهر الإلهيّ"
هو الذّي يجلب
النّور من
العالم الرّوحانيّ
كما تجلب
الشّمس
النّور إلى
عالم
الطّبيعة. فكما
تشرق الشّمس
الماديّة فوق
الأرض، وتسبب
نموّ
الأجسام
الماديّة
وتطوّرها،
فكذلك شمس
الحقيقة تضيء من
خلال المظهر الإلهيّ
على عالم
القلوب
والأرواح،
وتربّي
العقول
والآداب
والأخلاق
البشريّة. وكما
أنّ أشعّة
الشّمس
الماديّة لها القدرة
على اختراق
أظلم نواحي
العالم لتهب
الحياة والحرارة
حتّى
للمخلوقات
التّي لم تر
في حياتها الشّمس،
فكذلك نفثات
الرّوح القدس
الفائضة من
المظهر الإلهيّ
تؤثّر على
حياة الجميع
وتلهم العقول
المستعدّة،
حتّى بين
الذّين لم
يسمعوا باسم
الرّسول أبدًا.
فمجيء
المظهر هو
كمجيء
الرّبيع، وهو
يوم القيامة
الذّي يقوم
فيه أموات
الرّوح إلى
حياة جديدة،
وتتجدّد فيه،
بل وتتأسّس من
جديد حقائق
الأديان الإلهيّة،
وفيه تظهر "سماء
جديدة وأرض
جديدة".
ولكنّ
مجيء الرّبيع
في عالم
الطّبيعة لا
يقتصر على
إنماء الحياة
الجديدة
وبعثها فقط،
بل يتسبّب عنه
زوال كلّ قديم
وعتيق وفناؤه،
لأنّ الشّمس
التّي تنمّي
الأزهار
وتربّي الأشجار
تسبّب بذاتها
اضمحلال
وانحلال كلّ
ما هو هزيل
وبالٍ قديم. فهي
تذيب ثلوج
الشّتاء،
وترسل
الفيضان
والأعاصير
التّي تنظّف
الأرض
وتطهرّها. وعلى
هذا المنوال
يكون العالم الرّوحانيّ،
فيسبّب إشراق
الشّمس الرّوحانيّة
تغييرًا
وحركةً
مشابهةً،
وكذلك يكون
يوم القيامة
يومًا
للجزاء،
فتزول فيه
وتنبذ كلّ
أشكال الفساد
الأفكار
والعادات
العتيقة وكلّ
الخرافات
والتّقاليد،
وتذوب ثلوج
الأوهام والتّعصّبات
التّي تراكمت
في أزمنة
الشّتاء،
وتنطلق القوى
التّي تجمّدت
طويلاً،
لتغمر العالم
وتجدّده.
رسالة بهاءالله
صرّح بهاءالله
مرارًا،
وبكلّ وضوح،
أنّه هو
المرّبي
والمعلّم المنتظر،
وأنّه معلّم جميع
الأمم، وأنّه
ينبوع
الرّحمة
الواسعة
العجيبة
التّي تفوق
كلّ فيض سابق،
والذّي فيه
تندمج جميع
الأديان
السّابقة كما
تنصبّ
الأنهار في
المحيط. وقد
أسّس أساسًا
يكون قاعدةً
متينةً
لاتحاد جميع
العالم ولافتتاح
ذلك العصر
المجيد، عصر
السّلام على
الأرض
والتآخي بين الأنام،
كما أخبر به
الرّسل
وتغنّى به
الشّعراء.
وقد نزلت
من قلم بهاءالله
قبل مئة عام
تعاليمه في
كتب متعدّدة
وألواح كان
الكثير منها
موجّهًا إلى
الملوك
وحكّام
العالم. وهذه
التعاليم هي:
تحرّي
الحقيقة، ووحدة
الجنس
البشريّ،
واتحاد
الأديان
والأجناس
والأمم في الشّرق
والغرب،
واتّفاق
العلم
والدّين، ومحو
التّعصّبات
والخرافات
والأوهام،
ومساواة
المرأة والرّجل،
وتأسيس العدل
والحق،
وإنشاء محكمة
دوليّة عليا،
والاتفاق على
لسان واحد من
بين اللّغات،
والتّعليم
الإجباريّ
وغيرها.
وأمّا
رسالته
الفريدة في
شمولها
ومداها، فإنّها
مطابقةً
لحاجات هذا
العصر
وعلاماته
تطابقًا عجيبًا.
ولم
تَكُن
المشاكل
المستجدّة
التّي تجابه
البشر قد بلغت
في أيّ عصر من
الضّخامة
والتّعقيد ما
بلغته الآن،
ولم تكن
حلولها
المقترحة قد
بلغت كذلك ما
بلغته من الكثرة
والتّضارب،
ولم يكن
الاحتياج إلى
معلّم للعالم في
أي
عصر
أشدّ إلحاحًا
منه في هذا
العصر، ولا
الشّعور
بالحاجة إليه بأوسع،
ولم يكن
انتظار ظهور
مثل هذا
المعلّم بأمكن
ولا أثبت منه
ولا أعمّ.
انطباق
النّبوّات
كتب عبدالبهاء
خصيصًا لهذا
الباب ما تلي
ترجمته:
"عندما ظهر
السّيد
المسيح منذ
عشرين قرنًا،
كان اليهود
منتظرين
مجيئه بشوق،
وفي كلّ يوم
يتضرّعون
قائلين
"اللّهم عجّل
ظهور
المسيح"، ومع
ذلك، حينما
أشرقت شمس
الحقّ،
أنكروه وقاموا
ضدّه بأعظم
العداء،
وأخيرًا
علّقوه على
الصّليب، مع
أنّه كان
الرّوح القدس
وكلمة الله،
وسمّوه بـ
(بعلزبول) أي
الشّيطان،
كما هو مذكور
في الإنجيل. والسّبب
في كلّ ذلك،
كما قالوا، هو
أنّ ظهور
المسيح، حسب نصوص
التّوراة
الواضحة له
علامات خاصّة،
وما دامت هذه
العلامات لم
تظهر، فإنّ كلّ
من يدّعي أنّه
المسيح كاذب. وهذه
العلامات هي:
أنّ المسيح
يجب أن يأتي
من مكان
مجهول، في حين
أنّنا نعرف
بيت هذا
الرّجل في
النّاصرة،
وهل يمكن أن
يظهر من
النّاصرة
شخصٌ صالح؟
والعلامة
الثّانية: أنّ
عصاه يجب أن
تكون من حديد،
أي أنّه يرعى
الأغنام
بالسّيف،
ولكن هذا
المسيح لم تكن
عنده حتّى عصا
من الخشب. ومن
العلامات
والشّروط:
أنّه يجلس على
كرسيّ داود
ويؤسّس سلطنة
داود، ففضلاً
عن عدم
تتويجه،
فإنّه لا يملك
الآن حصيرًا
يجلس عليها. ومن بين
الشّروط: أنّه
يروّج شريعة
التّوراة،
ولكنّ هذا
الرّجل نسخ
شريعة التّوراة
نسخًا كليًا،
وكسر يوم
السّبت مع
وجود
نص
قاطع في
التّوراة
يقضي بأنّ كلّ
من يدّعي
النّبوّة ثم
يكسر يوم
السّبت يجب
قتله، ولو
أظهر العجائب
والمعجزات. ومن
العلامات
أنّه في مدّة
حكمه يسود العدل
والحقّ
والصّلاح،
حتّى يتجاوز من
الإنسان إلى
الحيوان،
فيعيش
الثعبان
والفأر في حفرة
واحدة،
والصّقر
والحجل في وكر
واحد، والأسد
والغزال في
مرعى واحد،
والذّئب والحمل
يشربان من مَعين
واحد ولكنّ
الظّلم
والعدوان قد
اشتدّا الآن إلى
درجة أنّهم
صلبوه! ومن
الشّروط
الأخرى: أنّ
اليهود في
زمان المسيح
يسودون
وينتصرون على جميع
أمم الأرض،
ولكنّهم الآن
مقيمون على العبوديّة
والهوان في
إمبراطوريّة
الرّومان،
فكيف إذن يكون
هذا هو المسيح
الموعود في
التّوراة؟
"وبهذه
الكيفيّة
اعترضوا على
شمس الحقيقة،
مع أنّ روح
اللّه ذاك كان
هو الموعود في
التّوراة،
ولكنّهم لمّا
لم يفهموا
معنى
هذه
العلامات،
صلبوا (كلمة
الله).
"ويقول البهائيّون
اليوم أنّ
العلامات
المدوّنة
كلّها ظهرت في
مجيء السّيد
المسيح، غير
أنّ ظهورها لم
يكن بالمعنى
الذّي فهمه
اليهود، وأنّ
الوصف
الموجود في
التّوراة وصف
مرموز.
"فمثلاً من
ضمن العلامات
علامة
السّلطنة: فالبهائيّون
يقولون أنّ
سلطنة السّيد
المسيح كانت
سلطنة إلهيّة
سماويّة
أبديّة،
وليست مثل
سلطنة
نابليون التّي
زالت في وقتٍ
قصير، فقد
توطّدت سلطنة
السّيد
المسيح حوالي
ألفيّ
سنة، وهي للآن
باقية،
وسيبقى هذا
الوجود المقدّس
معتليًا عرشه
السّرمدي إلى
الأبد، وهكذا
بقيّة العلامات
التّي ظهرت
ولم يدركها
اليهود، وهم
للآن ينتظرون
مجيء
المسيح،
مع أنّه قد
مرّ الآن
عشرون قرنًا على
ظهوره بظهور إلهيّ
ساطع ويعتقدون
أنّهم على
الحقّ وأنّ السيّد
المسيح كان
باطلاً معاذ
الله. "
لو طلب
اليهود من
السّيد
المسيح تفسير
معاني النّبوات
الخاصّة به،
لأخبرهم بها. فلنعتبر
بهذا المثال،
وقبل أن نحكم
إذا كانت
النّبوات
الخاصّة
بظهور المعلّم
الأعظم في
اليوم الأخير
قد تمّت أم
لا، فلنرجع
إلى ما كتبه بهاءالله
نفسه خصيصًا
حول تفسيرها،
لأنّ كثيرًا
من النّبوات
ولا شك
"مختوم"،
وأنّ المرّبي
الحقيقي هو
الشّخص
الوحيد الذّي
يمكنه أن يفضّ
ختمها، ويكشف
معانيها
المكنونة في
أصداف
عباراتها.
وقد كتب بهاءالله
الكثير حول
تفسير النّبوّات
القديمة،
ولكنّه لا
يجعل البرهان
على أحقيّة
رسالته متوقفًا
على هذه
النّبوات. فجميع
العقلاء
يعلمون أنّ
الشّمس هي حجّة
بذاتها، وفي
وقت شروقها لا
نحتاج إلى نبوّات
سابقة
تطمئننا عن
شروقها،
وهكذا الأمر مع
المظهر الإلهيّ
حين ظهوره،
فإنّه يكون
بنفسه حجّة
كافية لكل من
له إحساس
روحانيّ،
حتّى ولو نسيت
جميع نبوّات الرّسل
السّابقين.
براهين
الرسّالة
إنّ بهاءالله
لم يطلب من
أيّ شخص أن
يقبل أقواله
ودلائله قبولاً
أعمى بدون
تحقيق، بل
بالعكس من
ذلك، وضع في مقدّمة
تعاليمه
إنذارات
شديدة لكلّ من
يقبل أيّة
سلطة قبولاً
أعمى، وحثّ الجميع
على أن يفتحوا
أعينهم
وآذانهم،
ويحكموا
بأنفسهم بدون
خوفٍ،
وبتمام
الحريّة
والاستقلال،
حتّى يعرفوا
الحقيقة. وهو
يدعو إلى
التّحري
التّام، ولم
يخفِ نفسه
مطلقًا، بل
جعل البرهان
الأعلى على
رسالته نفس
كلماته
وأعماله
وأثارها في
تغيير أخلاق
النّاس وحياتهم.
وإنّ
الأدلّة
التّي ذكرها
هي التّي
وضعها سلفه العظماء
من الرّسل،
فقال موسى في
التوراة:
"وإن قلت في
قلبك كيف نعرف
الكلام الذّي
لم يتكلّم به
الرّب؟ فما تكلّم
به النّبي
باسم الرّب
ولم يحدث ولم
يصر فهو
الكلام الذّي
لم يتكلّم به
الرّب، بل
بطغيان تكلّم
به النّبي فلا
تخف منه."([4])
وبمثل ذلك
قرّر المسيح
دليله بوضوح
وبيّن البرهان
على دعوته
بقوله:
"احترزوا
من الأنبياء
الكذبة
يأتونكم بثياب
الحملان ولكنّهم
من داخل ذئاب
خاطفة. من
ثمارهم
تعرفونهم. هل
يجنون من
الشّوك عنبًا،
أو من الحسك
تينًا؟ هكذا
كلّ شجرة
جيّدة تصنع
أثمارًا
جيّدة، وأمّا
الشّجرة
الرّديئة
فتصنع أثمارًا
رديئة. لا تقدر
شجرة جيّدة أن
تصنع ثمارًا
رديئة، ولا
شجرة رديئة أن
تصنع أثمارًا
جيّدة، كلّ
شجرة لا تصنع
ثمرًا جيّدًا
تقطع وتلقى في
النّار، فإذن
من ثمارهم
تعرفونهم."([5])
وسنجتهد
فيما يأتي من
الأبواب أن
نُبيّن إذا
كانت دعوة بهاءالله
للرّسالة
ثابتة بمقتضى
هذه الأصول،
وهل الأمور
التّي نطق بها
تحقّقت أم لا،
وهل كانت ثماره
طيّبة أم
رديئة،
وبعبارة
أخرى،
هل
نبوّاته
تحقّقت،
وأحكامه قد
نفذت، وهل عمله
في الحياة قد
ساعد على
تهذيب الإنسانيّة
ورفعتها وعلى
تحسين الأخلاق
أو بالعكس من
ذلك.
صعوبة
التّحريّ
قد تعرض
بالطّبع
صعوبات
كثيرةً في
سبيل الطّالب
الذّي يرغب في
تحرّي الحقيقة
بخصوص هذا
الأمر. فالدّين
البهائيّ مثل
جميع
الدّعوات
الأخلاقيّة والرّوحانيّة
العظمى، قد
أسيء عرضه
وتمثيله
وأخطئ فهمه. نعم، قد
اتفقت روايات
الأحباء
والأعداء
اتفاقًا تامًا
بخصوص
الاضطهادات
الفظيعة
والآلام
التّي حصلت لبهاءالله
وأتباعه،
أمّا بخصوص
أهميّة
الدّعوة
وصفات مؤسّسيها،
فقد اختلفت
أقوال
المنكرين عن
أقوال
المؤمنين
اختلافاً
كليًّا كما
اختلف مؤرخو
المسيحيين
واليهود في
زمان السيد
المسيح...
وبينما يقول
المؤمنون أنّ
عيسى قد أتمّ
وأكمل شريعة
موسى
والأنبياء، يصرّح
المنكرون
أنّه كسر
قوانينها،
ونسخ قواعدها،
وأنّه كان
مستحقًا
للموت.
وفي
الدّين كما في
العلم، تكشف
الحقيقة أسرارها
للطّالب
المجدّ
الوقور
المتواضع
الذّي يستعد لأن
يطرح جانبًا
كلّ تعصب ووهم
ويبيع ما عنده
ليشتري
"الجوهرة الفريدة
ذات الثّمن
العظيم". ولأجل
فهم الدّين البهائيّ
بكامل معناه،
يجب أن نقوم
بدراسته بروح الإخلاص
وعدم
الأنانيّة في
البحث عن
الحق،
مثابرين في
طريق
التّحرّي،
ومتّكلين على
الهداية الرّبانية.
وسنجد
في الآثار
الكتابيّة
لمؤسّسيها
المفتاح
الأعظم
لأسرار هذه
اليقظة الرّوحانيّة
والمعيار
الأتم
لأهميّتها
وقيمتها.
هدف
هذا الكتاب
والغاية
التّي
نتوخاها في ما
يأتي من
الأبواب، هي أن
نبسط على قدر
الإمكان،
باعتدال
وبدون تعصّب وإجحاف،
معالم تاريخ
الأمر البهائيّ،
وبالأخص
تعاليمه،
حتّى يتمكّن
القرّاء بذلك
من إصدار حكم
صحيح حول
أهميّتها،
وربمّا يؤول
بهم البحث إلى
زيادة
التعمّق في
الموضوع
بأنفسهم
لأنفسهم.
وتحرّي
الحقيقة، مع
أنّه أمر مهم،
إلاّ أنّه ليس
الغاية
الوحيدة
والغرض
النّهائي من
الحياة،
فالحقّ ليس
أمرًا مواتًا
يبحث عنه، وعند
العثور عليه
يوضع في متحف
الآثار،
فتوضع له
بطاقة،
ويصنّف بين
الآثار،
ويرصد في
قائمة، ثمّ
يعرض في
المتحف،
ليبقى هناك
متروكًا جافًا
قاسيًا عقيمًا،
بل هو أمر حي
يجب أن تتأصّل
جذوره في قلوب
النّاس،
ويكون له ثمر
في حياتهم من
قبل أن يجنوا
مكافأة بحثهم.
فالغرض
الحقيقي إذن
من نشر معرفة
الظّهور الإلهيّ
هو أنّ يشرع
الذّين
يقتنعون
بصحّته في
تطبيق أوامره
ومبادئه
"والسيّر في
الحياة"
بمقتضاه،
ونشر بشارته،
فيعجّلون
بذلك تحقّق
ذلك اليوم
المبارك
الذّي فيه تظهر
مشيئة الله
على الأرض كما
هي في السّماء.
الباب
الثّاني
الباب
المبشّر
"قل
إنّ الظّالم
قتل محبوب
العالم،
ليطفئ بذلك
نور اللّه بين
ما سواه ويمنع
النّاس عن سلسبيل
الحيوان، في
أيّام ربّه
العزيز
الكريم"
(بهاءالله
– لوح الرئيس)
مهد
الظّهور
الجديد
إنّ
لإيران،
التّي هي موطن
الظّهور البهائيّ،
تاريخًا مجيدًا
فريدًا في العالم.
ففي
أيّام عظمتها
الأولى، كانت
بين الأمم
أشبه بملكة
مبجّلة، لا
تضارعها أيّة
أمّة في
مدنيّتها
وقوتّها
وعظمتها، وقد
أبرزت للعالم
ملوكًا
وساسةً عظامًا
ورسلاً
وشعراء
وفلاسفة
وفنّانين،
فزردشت،
وكورش، ودارا،
وحافظ،
والفردوسي،
وسعدي، وعمر
الخيّام، هم
بعض أبنائها
المشهورين،
وكان صنّاعها
لا يدانيهم
أحد في
مهارتهم،
وكان سجّادها
لا يضارعه سجّاد
في العالم،
وأسلحتها
الفولاذيّة
لا يدانيها
غيرها، وحازت
أوانيها
الفخّاريّة
شهرةً
عالميّة، ولا
تزال آثار
عظمتها
الأولى
موجودةً في
جميع أطراف
الشّرقين
الأوسط
والأدنى.
إلاّ أنّها
سقطت في القرنين
الثّامن عشر
والتّاسع عشر
إلى وهدةٍ
مزرية
يرثى لها،
وكأنّما ضاع
مجدها القديم
إلى الأبد،
فأصبحت
حكومتها
فاسدة،
وأحوالها
الماليّة في
حال يأس وضيق،
وكان بعض
ملوكها ضعيفًا،
والبعض الآخر
مستبّدًا
طاغيًا
كالوحوش،
وأصبح
علماؤها
متعصّبين غير
متسامحين...
وكان عامّة
أهلها يتّبع
مذهب الشّيعة
ومنهم جمّ
غفير من
الزردشتيين
واليهود
والمسيحيين
والمذاهب
الأخرى
المتباغضة. وكلهّم
يدّعون أنّهم
يتّبعون
معلّمين
رفيعين
يأمرونهم
بعبادة إله
واحد، وبأن
يعيش بعضهم مع
البعض الآخر
بالمحبّة
والاتحاد،
إلاّ أنّهم
كانوا في
الحقيقة يبغض
بعضهم بعضًا
ويحتقره ولا
يعاشره. وكان كلّ
مذهب يعتبر
المذاهب
الأخرى نجسةً
كأنّها
الكلاب أو
كأنّها
الكفّار
الوثنيين،
فيتبادلون
اللّعن
والطّعن
بينهم بدرجة
مخيفة، حتّى
أصبح من الخطر
على اليهودي
أو الزّردشتي أن
يسير في
الشّارع في
يوم مطير،
لأنّه لو فرض
ومسّ رداء
الزردشتي
المبلّل
بالمطر مسلمًا
فإنّه ينجّس
المسلم ولا
يقدر
الزردشتي أن
يكفّر عن
جريمته إلاّ
بضياع حياته،
وإذا أخذ المسلم
نقودًا من
يهودي أو
زردشتي أو
مسيحي، فإنّه
لا محالة يغسلها
قبل أن يضعها في
جيبه. وكذلك
لو شاهد
اليهودي إبنهُ
يعطي قدحًا من
الماء إلى
سائل مسلم،
فإنّه لا بدّ
وأن يكسر
القدح من يد
الطّفل، اعتقادا
منه بأنّ
الكفّار لا
يستحقون
الرّأفة بل
اللّعنة! هذا
وقد انقسم
المسلمون
منهم إلى جملة
فرق، اشتدّت
بينها
العداوة، ولم
يشتبك الزّردشتيون
كثيرًا في هذه
المشاحنات
المتبادلة، بل
عاشوا وحدهم
منعزلين في
جماعات
منفصلة،
وامتنعوا عن
معاشرة
مواطنيهم من
أصحاب
الأديان
الأخرى.
وتدهورت
الشّؤون الاجتماعيّة
والأمور
الدّينيّة
تدهورًا لا
أمل في علاجه،
فأهمل أمر
التّعليم،
وأصبحت
العلوم
والفنون
الغربيّة في
نظهرهم رجسًا
ومخالفة
للدّين،
ومسخت العدالة،
وصارت
اللّصوصيّة
والنّهب
والسّلب من
الأمور
المعتادة،
وأصبحت
الطّرق رديئةً
غير مأمونة
للأسفار،
وأضحت الشؤون
الطّبيّة
ناقصةً نقصًا
معيبًا.
وبالرّغم
من ذلك، لم
تكن أنوار
الحياة الرّوحيّة
قد انطفأت في
إيران، لأنّه
في وسط تلك الحالة
المادّية
السّائدة
والخرافات
المنتشرة،
كانت تظهر هنا
وهناك بعض
النّفوس
المقدّسة،
كما حدث قبيل
ظهور السّيد
المسيح حينما
بُعث في قلوب
الكثيرين شوق
وحنين لمظهر
الله، كالشّوق
الذّي غمر
قلبي "حنّة"
و"سمعان". وهكذا
كان الكثيرون
قبيل ظهور
الباب ينتظرون
ظهور الرّسول الإلهيّ
الموعود،
موقنين بأنّ
وقت مجيئه قد
حان.
وهذه خلاصة
ما كانت عليه
إيران عندما
ظهر السّيد
الباب بشير
العصر
الجديد،
فحرّك جميع إيران
من أعماقها
برسالته
الفريدة.
نشأته
ولد سيّد
"علي محمد"،
الذّي اتّخذ
فيما بعد لقب
"الباب"، في
مدينة شيراز
من جنوب
إيران، في اليوم
العشرين من
أكتوبر (تشرين
الأوّل) سنة 1819
ميلاديّة
الموافق ليوم
أوّل محرّم
سنة 1235 هجريّة،
وكان سيّدًا
أي من سلالة
الرسول محمد
(ص)، وبعد قليل من
ميلاده توفي
والده الذّي
كان تاجرًا
معروفًا
فكفله خاله
أحد
التجّار
في شيراز، وفي
أثناء طفولته
تعلّم القراءة
وحصل على
التّعليم
الأوليّ
العادي للأطفال)[6](.
ولمّا بلغ
سنّ الخامسة
عشرة، اشتغل
بالتّجارة
أوّلاً مع وليّ
أمره، ثمّ بعد
ذلك مع خالٍ
آخر له في
"بوشهر" على شاطئ
الخليج
جنوبيّ إيران.
واشتهر
في صباه بحسن
الخلق
والخُلق والورع
والنّبل
الفريد، ولم
يكن يتوانى عن
الصّلوة
والصّيام
وغيرهما من
الأوامر
الإسلاميّة سالكًا
على مقتضى روح
الشّريعة فضلاً
عن اتّباع
النّصوص،
وتزّوج في
السّن الثّانية
والعشرين
وولد له ولد
توفي وهو طفل
قبل سنة من
إعلان دعوته)[7](.
إعلان
الدّعوة
وعندما بلغ
الباب السّن
الخامسة
والعشرين، أجاب
الأمر الإلهيّ،
وأعلن "أنّ
الله سبحانه
وتعالى قد
اختاره لمقام
البابيّة". وفي
كتاب "مقالة
سائح" نقرأ ما
يأتي مترجمًا:
"وكان
مقصوده من
كلمة "الباب":
أنّه واسطة
فيوضات من شخص
عظيم، و يزال
خلف حجاب
العزّة، حائز
لكمالات لا عداد
لها ولا
إحصاء، وأنّه
متحّرك بإرادته
ومشيئته،
ومعتصم بحبل
ولائه
ومحبّته"([8]).
وكان الاعتقاد
بقرب ظهور
الموعود الإلهيّ
سائدًا في تلك
الأيّام،
خصوصًا فيما
بين الطّائفة
التّي تُدعَى بالشّيخيّة.
وقد
أعلن الباب
بعثته أوّلاً
لعالم جليل من
تلك الطائفة
يدعى "الملاّ
حسين بشروئي"
وتاريخ هذا
الإعلان
مذكور
بالضّبط في
"كتاب
البيان"،
الذّي هو أحد
كتب الباب،
وهو في ساعتين
وإحدى عشر
دقيقة بعد
الغروب، ليلة
الخامس من شهر
جُمادى
الأولى سنة 1260
هجريّة،
الموافق ليوم
23 مايو (أياّر)
سنة 1844
ميلاديّة. وحيث
أنّ اليوم البهائيّ
يبدأ بعد
الغروب، لا
بعد منتصف اللّيل
كما في بلاد
الغرب، لذا
يحتفل بعيد
بعثة حضرة
الأعلى([9])
في الخامس من
جمادى الأولى
المطابق
لليوم الثاّلث
والعشرين من
شهر مايو
(أيّار).
وقد
ولد عبدالبهاء
في تلك
اللّيلة
نفسها، لكن
ساعة ميلاده
لم تُعيَّن([10]).
وبعد بحث
شديد وتحر
مستفيض،
اقتنع
"الملاّ حسين
بشروئي"
اقتناعًا
يقينيًّا،
بظهور
الموعود
المنتظر عند
الشّيعة. ولم يمض
الكثير من
الزّمن حتّى
شاركه في هذا
الحماس كثير
من الأصحاب. وبعد
قليل آمن
بالباب أغلب
الشّيخيّة،
وتسمّوا
بالبابييّن،
وابتدأت شهرة
السّيد الباب الشّاب
تنتشر
كالنّار في
طول البلاد
وعرضها.
انتشار
دعوة الباب
إنّ تلاميذ
الباب
الثّمانية
عشر الأولين
عُرفوا بـ
"حروف الحيّ"([11])
وهؤلاء هم
الذّين
أرسلهم الباب
إلى جهاتٍ مختلفة
من إيران
وتركستان
لنشر خبر
ظهوره، وسافر
بنفسه في نفس
الوقت للحج
إلى مكّة،
فوصلها في
ديسمبر (كانون
الأول) سنة 1844،
وفيها أعلن
بعثته جهارًا.
وعند عودته
إلى "بوشهر"
وقع إضراب
عظيم بسبب إعلانه
دعوة
البابيّة. فمن جهة
حرّك قوّة
الحماس في
أتباعه بحرارة
نار تبيانه
وعجيب سرعة
جريان
كتاباته وعظيم
علمه ووفور حكمته
وشجاعته وإقدامه
واشتعاله
وحماسه في
الإصلاح، ومن
جهة أخرى أثار
في المتعصّبين
من المسلمين
العداء
والذّعر،
وقام علماء
الشّيعة
بكلّ
شدّة على
تكذيبه
ومقاومته،
وأقنعوا حاكم
فارس المدعوّ
"حسين خان"
الذّي كان
حاكمًا
متعصّبًا
مستبدًّا بأن
يقمع هذه
البدعة
الجديدة. ومن ثمّ
ابتدأت للباب
سلسلة حوادث
عديدة من
الحبس
والنّفي
والمحاكمات
أمام المجالس
والجلد
والإهانة
انتهت بشهادته
سنة 1850
ميلاديّة.
دعوة
الباب
إنّ العداء
الذّي أثير
بسبب دعوة
البابيّة، قد
تضاعف عندما
أعلن الشّاب
المصلح
العظيم أنّه
هو المهدي
الذّي تنبّأ
بمجيئه محمّد
(ص)، فقد قالت
الشّيعة أنّ
ظهور المهدي
هو بالذّات ظهور
الإمام
الثّاني عشر،
الذّي قالوا
أنّه اختفى عن
الأنظار منذ
ألف سنة، وهم
يعتقدون أنّه
حيّ، وأنّه
سيظهر بجسده
الأوّل،
وفسّروا النّبوّات
الخاصّة
بسلطنته
ومجده
وفتوحاته و"علامات"
ظهوره تفسيرًا
ماديّا محسوسًا،
كما فسّر
اليهود في
زمان ظهور
المسيح النّبوّات
الخاصّة
بمجيئه، فتوقّعوا
مجيئه بسلطنة
دنيويّة،
وبجيش جرّار،
ليعلن دعوته،
ويقيم
الأموات،
ويعيد لهم
الحياة وغير ذلك،
فلمّا لم تظهر
لهم بحسب
الظّاهر هذه
العلامات،
رفضت الشّيعة
قبول دعوة
الباب، وواجهته
بنفس الغلظة
والقسوة
التّي واجه
اليهود بها
السيّد
المسيح. أمّا
البابيّون
فكانوا من جهة
أخرى يفسّرون
كثيرًا من
النّبوّات
تفسيرًا
مجازيًا،
واعتبروا
سلطنة
الموعود
سلطنة غيبيّة
مثل سلطنة
السّيد
المسيح
الجليليّ
"رجل الأوجاع"
فإنّ سلطنته
كانت سلطنة
روحانيّة لا
سلطنة
أرضيّة،
وكانت
فتوحاته هي
فتحه مدائن
قلوب
البشر. وقد وجدوا
البراهين
العديدة على
صحّة دعوة
الباب في
حياته
المدهشة
التّي عاشها،
وفي تعاليمه العظيمة،
وفي إيمانه
الذّي لا
يتزعزع،
وثباته الذّي
لا يضارع،
وقدرته في نفخ
روح الحياة الرّوحيّة
وتجديدها
فيمن كانوا في
قبور الخطأ
والجهل
راقدين.
ولكنّ
الباب لم يكتف
بدعوة المهدويّة،
بل تلّقب بلقب
"النّقطة
الأولى"...
حتّى أنّ
الأئمّة
أنفسهم كانوا
يعدّون مقام "النّقطة"
التّي كانوا
يستمدّون
منها إلهامهم
وحجّتهم. فابتّخاذ
الباب هذا
اللّقب كانت
دعواه أنّه في
عداد كبار
مؤسسي الأديان...
ولهذا
السّبب كانت
الشّيعة
تعدّه باطلاً
كما اعتبر
النّاس قبلهم
موسى وعيسى
ومحمّد عليهم
السّلام من
المفترين،
وزاد على ذلك
فوضع تقويمًا
جديدًا افتتح
به العصر
الجديد
ابتداءً من
سنة إعلانه
دعوته.
ازدياد
الاضطهاد
كانت نتيجة
إعلان الباب
للدّعوة، وما
تبعها من
إجابة النّاس
لها إجابةً سريعةً
مذهلةً من
جميع
الطّبقات
سواء الغنيّ
منهم والفقير
والعالم
والجاهل، أن
قام علماء
إيران
وحكاّمها على
إطفاء الدّعوة
بعزم مقرون
بطيش، فنهبت
المنازل وهدّمت،
وأخذت
النّساء،
وقتل الجمّ
الغفير من المؤمنين
في طهران
ومازندران
وجهات أخرى،
وقطّعت رؤوس
الكثيرين
وشنق
الآخرون، أو
قذفوا من أمام
فوّهات
المدافع، أو
أحرقوا، أو
قطّعوا إربًا
إربًا، وكانت
الدّعوة
تسير
قدمًا وتتسّع
بالرّغم من
كلّ الجهود
التّي بذلت لقمعها،
بل أنّ نفس
الاضطهاد كان
سببًا في
ازدياد إيقان
المؤمنين، إذ
تحقّقت بذلك
النبوّات
الخاصّة
بمجيء المهدي
تحقّقًا حرفيًّا،
ففي الحديث
الذّي رواه
جابر والذّي
تعتقده الشّيعة
حديثًا صحيحًا
جاء ما ينطبق
على هذه
الاضطهادات:-
"عليه كمال
موسى، وبهاء
عيسى، وصبر
أيوب، فيذلّ
أولياؤه في
زمانه،
وتتهادى رؤوسهم
كما تتهادى
رؤوس التّرك
والدّيلم،
فيقتلون،
ويحرّقون،
ويكونون
خائفين
مرعوبين وجلين،
تصبغ الأرض
بدمائهم، ويفشو
الويل
والرّنة في
نسائهم،
أولئك
أوليائي حقًا،
بهم أدفع كل
فتنة حندس،
وبهم أكشف
الزّلازل،
وأرفع
الأوصاد
والأغلال".
استشهاد
الباب
وفي يوليو
(تمّوز) سنة 1850
وقع الباب
نفسه ضحيّة لثائرة
تعصّب مضّطهديه،
وكان يبلغ إذ
ذاك من العمر 31
سنة، وقد أخذ
إلى مكان
الاستشهاد في
ثكنة عسكريّة
قديمة في
تبريز، مع شاب
مؤمن به يُدعَى
"محمّد علي"،
كان قد التمس
بتوسل السّماح
له بأن يشارك
سيّده في
شهادته. وقبل
الظّهر
بساعتين
تقريبًا علّق
الإثنان، بأن
أوثقا بحبال
من تحت
آباطهما
بطريقة وضع
فيها رأس
"محمّد علي"
على صدر سيّده
المحبوب،
واستدعي فوج
من العسكر
الأرمن،
وأصدرت له الأوامر
بإطلاق
الرّصاص، وفي
الحال دوّت
المقذوفات،
إلاّ أنّه
لمّا انقشع
الدّخان، وجد
أنّ الباب
ورفيقه
أحياء، ولم
تعمل فيهما
المقذوفات
شيئًا، سوى
أنّها قطعت
الحبال
التّي
كانا معلّقين
بها، وبذلك
وقعا على
الأرض، دون أن
يصيبهما ضرر،
وذهبا توًا
إلى غرفة
مجاورة حيث
وجدا
يتحدّثان إلى
أحد المؤمنين.
وقبيل
الظّهر علّقا
مرة أخرى،
ولكنّ الأرمن
الذّين رأوا
عدم إصابة
مقذوفاتهم معجزةً
من المعجزات،
امتنعوا عن
إعادة إطلاق
الرّصاص،
ولذلك
استبدلوا بفرقة
أخرى من
العسكر
الذّين
حضروا،
أطلقوا الرّصاص
حينما أمروا،
وفي هذه المرّة
أصابت
المقذوفات
المرمى
فتمزّق جسدا
الضحيّتين
وتفتّت
أعضاؤهما،
عدا الوجه،
فإنّه لم يكد
يصب بشيء
تقريبًا.
بهذه
الفعلة
الشّنعاء
أصبح ميدان
ثكنة تبريز
محل قطع
الرّؤوس
و"الجلجلة"
الثّانية. وابتهج
أعداء الباب
بنشوة هذا
الظّفر
الإجرامي،
ظانّين أنّ
شجرة دين الباب
التّي
يبغضونها قد
قطّعت من
جذورها، وأنّه
قد أصبح من
السّهل
استئصالها،
ولكنّ انتصارهم
كان ذا أمد
قصير، لأنّهم
لم يفهموا أنّ
شجرة الحقّ لا
يمكن قطعها
بأيّة فأس
ماديّة، و يا
ليتهم عرفوا
أنّ هذه
الجريمة
التّي
أجرموها كانت
وسيلةً
لتقوية هذا
الأمر وتثبيت
دعائمه، فشهادة
الباب قد
حقّقت أمنيةً
كان يتمنّاها،
كما ألهمت
المؤمنين به
حماسًا لا
حدود له،
فاشتعل
حماسهم الرّوحانيّ
إلى درجة زادت
رياح
الاضطهاد
الهوجاء
لهيبه ضرامًا،
فضلاً عن
فشلها في
إخماده،
وكلّما
تعاظمت جهود
الأعداء في الإطفاء،
زاد لهيبه علوًا
واشتعالاً.
ضريحه
على جبل
الكرمل
وبعد شهادة
الباب، نقلوا
رفاته ورفات
رفيقه المخلص
إلى حافّة
الخندق خارج
المدينة، وفي اللّيلة
التّالية
خلّص بعض
البابيّين
جسديهما
في منتصف
اللّيل. وبعد إخفائهما
سنوات عديدة
في أماكن
سريّة في
إيران، جيء
بهما بصعوبة
وتحت الخطر
إلى الأرض
المقدّسة،
ودفنا في مقام
جميل في موقعه
في سفح جبل
الكرمل على
مقربة من كهف
إيليّا
النّبي وعلى بضعة
أميال فقط من
المكان الذّي
قضى فيه بهاءالله
سنواته
الأخيرة
والذّي دفن
فيه.
وليس هناك
من بين آلاف
الزّائرين
الذّين يأتون من
جميع بقاع
الأرض لزيارة
مقام بهاءالله
المقدّس من
تفوته زيارة
مقام مبشّرهِ
الفريد
المخلص المحبّ
البار، إجلالاً
ووفاءً.
آثار
الباب
الكتابيّة
ملأت آثار
الباب
المجلّدات
الضّخمة،
وكانت سرعة
كتابتِه
وتفاسيره المسهبة
وبياناته
العميقة
ومناجاته
البليغة التّي
كان يمليها
على البديهة،
تعتبر من البراهين
على إلهامه
السّماوي،
وتتلخّص فحوى
آثاره
الكتابيّة
المتنوعة
فيما ننقله من
كتاب مقالة
سائح:
"لقد بقي في
أيدي النّاس
من آثار الباب
الكتابيّة ما
بعضه في موضوع
تفسير وتأويل
الآيات
القرآنيّة
والآخر في
المناجاة،
والخطب،
والإشارات. وكان
البعض في
المواعظ
والنّصائح،
وبيان مراتب
التّوحيد،
وإثبات
النّبوة
الخاصّة
لسيّد
الكائنات
محمّد (ص)
والمفهوم من
مضامينها
التّرغيب في
تهذيب
الأخلاق والانقطاع
عن شؤون
الدّنيا
والتّمسّك
بنفحات الله. لكن
فحوى كلماته،
ومقصود
مصنّفاته، إنّما
كان يدور حول
نعت الحقيقة
الشّاخصة التّي
مقصوده
ومحبوبه
ومطلوبه. وقد
اعتبر ظهوره
في مقام
التّبشير به،
كما اعتبر
حقيقة
ذاته واسطة
لظهور
الكمالات
العظيمة من
تلك الحقيقة
الشّاخصة. وفي
الحقيقة، ظلّ
ليلهُ ونهاره
متبتّلاً له
في ذكره، بحيث
لم يغفل عنه
لحظة واحدة. وكان
يدلّ جميع
أتباعه إلى
ترصّد شروقه،
بحيث أوضح في
تآليفه:
"إنّي حرف
من ذلك الكتاب
الأعظم،
ورذاذ من ذلك
البحر الذّي
لا ساحل له. وعند
ظهوره،
تتجلّى
حقيقتي
وأسراري ورموزي
وإشاراتي،
ويعرّج جنين
هذا الأمر في
مراتب الوجود
ويفوز بمقام
"أحسن
تقويم"، ويلبس
خلعة "فتبارك
الله أحسن
الخالقين"...
وكان مشتعلاً
بناره، بحيث
صار ذكره له
في ليالي سجنه
الدّاجية في
قلعة "ماه كو"
سراجه
المنير،
وتذكاره له
وهو في ضيق
سجن "جهريق"
نعم الأنيس
الرفيق،
فابتهج بالانشراح
الرّوحانيّ
قلبه، وثمل من
رحيق كأسه،
وامتلأ جذلاً
بذكره"([12]).
من
يظهره الله
قارن البعض
الباب بيوحنا
المعمدان، في
حين أنّ مقام
الباب ليس
مجرّد كونه
مبشّرًا
بظهور بهاءالله،
بل إنّ الباب
في ذاته كان
مظهرًا من
المظاهر الإلهيّة،
ومؤسّسًا
لدين مستقل،
ولو أنّه كان دينًا
محدودًا في
مدّته،
ومقتصرًا على
فترة قصيرة من
السنوات. ويعتقد
البهائيّون
أنّ الباب وبهاءالله
كانا المؤسّسين
اللّذين
اشتركا في
تأسيس دينهم،
وتشهد كلمات بهاءالله
التّالية على
صدق هذه
الحقيقة
حين يقول ما
ترجمته:
"أمّا وقد
اقتضى أن تفصل
هذا الظهور
الأعظم البديع
عن ظهوري
السّابق
فترةً قصيرةً
جدًا كهذه،
فإن ذلك سرّ
لا يستطيع أحد
كشفه وغيب لا
يستطيع عقل أن
يسبر غوره،
وقد سبقت
التّقديرات الإلهيّة
فعيّنت مدّة
امتداد تلك
الفترة، ولن
يستطيع أحد
أبدًا أن
يكتشف سببها،
إلاّ بعد أن
يطلع على ما
في كتابي
المكنون".
ومع وجود
هذا، فإنّ
الباب حينما
أشار إلى بهاءالله،
أظهر أقصى
درجات إنكار
الذّات وأعلن:
"إنّ الذّي
يسمع في يوم
ظهور "من
يظهره الله"
آيةً واحدةً
من آياته
ويتلوها خير
له من أن يتلو
كتاب البيان
ألف مرّة"([13]).
وقد عدّ
الباب نفسه
سعيدًا في
تحمّل كلّ ألم
في سبيل تهيئة
الطّريق،
وصرّح أنّه
حين يتحمّل
ذلك، إنّما
يفعل القليل
ممّا يجب عليه
عمله في سبيل "من
يظهره الله"،
الذّي هو مصدر
إلهامه
الوحيد، ومقصود
محبّته
الفريد.
القيامة
والجنّة
والنّار
إنّ جزءًا
مهمًّا من
تعاليم الباب
خاص بتفسير
عبارات
القيامة ويوم
الجزاء والجنّة
والنّار، فقد
قال أنّ معنى
القيامة هو
ظهور مظهر
جديد لشمس
الحقيقة،
وأنّ معنى قيام
الأموات هو
اليقظة الرّوحانيّة
لمن هم نيام
في قبور
الجهالة
والغفلة
والشّهوات،
وأنّ
يوم
الجزاء يعني
يوم الظّهور
الجديد الذّي
فيه يحصل
الفصل بين
أغنام الله
الذّين
يقبلون ظهوره
وبين الذّين
لا يقبلونه،
لأنّ الأغنام
تعرف صوت
الرّاعي
الصّالح
فتتبعه، وأنّ
الجنّة هي
السّرور
بمعرفة الله،
كما أنزل ذلك
مظهره، وبه
يصل المرء إلى
أسمى الكمال
الذّي يستطيع
الوصول إليه،
وبه يدخل بعد
الموت إلى ملكوت
الله والحياة
الأبديّة،
وأمّا النّار فهي
الحرمان من
عرفان الله،
وينتج عنها
عدم الوصول
إلى الكمال الإلهيّ
وضياع
السّعادة
الأبديّة. وقد
صرّح تصريحًا
أكيدًا أنّ
عبارات
القيامة لم
يكن لها معنى
بغير هذا،
وأنّ الأفكار
السّائدة بين
الأمم
الخاصّة بقيام
أجساد الموتى
وبالجنّة
والنّار الماديّة
وأمثالها إنّما
هي من اختراع
الخيال. وقد
بيّن أيضًا بأنّ
للإنسان حياة
أخرى بعد
الموت، وبأنّ
التّقدم نحو
الكمال في
الحياة
الأخرى ليست
له حدود.
تعاليمه
الأخلاقيّة والاجتماعيّة
يخبر الباب
أتباعه في
آثاره
الكتابيّة
بأنّهم يجب
عليهم أن
يمتازوا
بالمحبّة
الأخويّة وبالأدب،
وأن ينشروا
بينهم الفنون
والصّنائع
النّافعة، وأن
يكون
التّعليم
الابتدائي
عامًا، وأن
يكون للنّساء
في هذا الدّور
الإلهيّ العظيم
الذّي افتتحه
بذاته قسطًا
أكبر من
الحريّة، وأن
يصرف على
الفقراء من
الخزانة
العامّة، وقد
منع التّسوّل
منعًا باتًا
وكذلك
استعمال
الخمور
والمسكرات،
وأمر أن يكون
الدّافع
الذّي يهدي
الفرد
البابيّ هو المحبّة
الخالصة لله
بدون رجاء
للثّواب أو خوف
من العقاب،
ولذلك يقول في
كتاب البيان:
"فاعبد
الله، بحيث لو
كان الجزاء
على عبادتك النّار،
لا تفتر عن
عبادتك له. فإنّك
لو عبدت الله
خوفًا، فلن تليق
لعتبة قدسه الإلهيّة،
وكذلك لو نظرت
إلى الجنّة،
وعبدت الله
رجاءً لها،
فقد جعلت خلق
الله شريكًا
له"([14]).
العذاب
والانتصار
تدلّ هذه
الفقرة
الأخيرة
التّي
اقتبسناها على
الرّوح التّي
أنعشت حياة
الباب كلّها،
حيث كان مرماه
الوحيد
والغرض
الفريد من
وجوده هو
عرفان الله
ومحبّته،
وإظهار صفاته
من مرآته،
وتهيئة
الطّريق
للمظهر الآتي
بعده. ولم تكن
للحياة عنده
أيّة مخاوف
ولا للموت أيّ
اضطراب، لأنّ
الحبّ طرد عنه
الخوف، ولم
يكن
الاستشهاد
ذاته لديه سوى
ابتهاجه في إلقاء
كلّ ما لديه
تحت أقدام
محبوبه.
عجبًا لمثل
هذه النّفس
الطّاهرة
البديعة
ولمثل هذا
المعلّم للحقيقة
الإلهيّة
ولمثل هذا
العاشق الإلهيّ،
ولمثل رفاقه،
كيف قوبلوا
بالعداوة الشّديدة،
وحكم عليهم
بالموت على يد
فقهاء العصر!
حقًا لا
يعمي النّاس
عن معرفة
الرّسول الإلهيّ
سوى التعصّب
الأعمى
والجهل، فالرّسول
الإلهيّ لا
يملك من زخارف
الدّنيا
وعظمتها شيئًا،
ولكن كيف يمكن
إثبات القوّة
والسّلطنة الرّوحانيّة
إلاّ
باستغناء
المظهر الإلهيّ
عن كلّ معونة
دنيويّة
وبانتصاره
وفوزه على كلّ
مقاومة
أرضيّة مهما
كان عُنفُها
وشدّتها؟ بل
كيف يمكن
إظهار
المحبّة الإلهيّة
أمام أعين
العالم الكافر
بها إلاّ
بقدرة تلك
المحبّة على
تحمّلها أقصى
ضربات
البلايا
وسهام
الرزايا وضغائن
الأعداء وخيانة
الأودّاء،
وسموّها فوق
هذا كلّه بكلّ
هدوء وقرار
وبدون أدنى وجل
أو حقد سابغةً
عفوها
وبركتها؟
نعم قد
تحمّل الباب،
وانتصر،
وشهدت الألوف
على إخلاصها
في حبّها له بفدائها
أرواحها وكلّ
ما ملكت في
خدمته، ويحقّ
للملوك أن
يغبطوا
سلطانه على
قلوب النّاس
وقدرته على تطوير
حياتهم.
وفضلاً عن
ذلك كلّه فإنّ
"من يظهره
الله" قد ظهر
وأيّد دعوة
مبشّرهِ
الفريد،
وأعلن قبوله
ورضاه عن إخلاصه
وجعله شريكًا
له في مجده وبهائه.
الباب
الثالث
بهاءالله
"أيّها
المنتظرون لا
تنتظروا،
فإنّه قد أتى،
فانظروا إلى
سرادقه الذّي
استقرّ فيه
بهاؤه، إنّه
لهو البهاء
القديم في
ظهور جديد"
(بهاءالله
- مترجمًا)
مولده
ونشأته
إنّ
الميرزا حسين
علي، الذّي
اتّخذ فيما
بعد لقب بهاءالله،
كان أكبر
أولاد الميرزا
عبّاس
النّوري وزير
الدّولة. وكانت
عائلته غنيّة
ومرموقة،
وكثير من
أعضاءها
شغلوا مناصب
مهمّةً في
الوظائف المدنيّة
والعسكريّة
في الحكومة،
وكان مولده في
طهران عاصمة
إيران بين
الفجر
والشّروق يوم
12 نوفمبر
(تشرين
الثّاني) سنة 1817
الموافق 2 محرّم
سنة 1233 هجرية. ولم
يذهب إلى
مدرسة أو
كليّة ما، بل
تلقّى تعليمه
البسيط في
المنزل، مع
ذلك حينما كان
طفلاً ظهرت
منه حكمةً
فائقةً
ومعرفةً
مدهشةً. ومات
والده وهو شاب
فتركه مسؤولاً
عن إخوته
وأخواته
الصّغار، وعن
إدارة أملاك الأسرة
الواسعة.
وقد حكى عبدالبهاء
أكبر أولاد بهاءالله
لمؤلّف هذا
الكتاب في
إحدى
المناسبات
التّفاصيل
الآتية عن
أوائل أيّام
حياة والده
فقال ما
ترجمته:
"كان منذ
طفولته شفوقًا
سخيًّا
للغاية، وكان
محبًّا
للعيشة في الأرياف،
فكان يقضي
أغلب أوقاته
في البساتين
أو الحقول،
وكانت له قوّة
جاذبيّة خارقة
يشعر بها
الجميع، فكان
النّاس
يلتفون حوله
كما كان
الوزراء
ورجال البلاط
يحبّون
مجالسته، وكذلك
كان يحبّه
الأطفال. ولما
بلغ السّن
الثّالثة
عشرة أو الرّابعة
عشرة اشتهر
بدرايته
الواسعة
وعلمه الغزير،
فكان يتكلّم
في أيّ موضوع
ويحلّ أيّة معضلة
تعرض عليه،
ويتباحث في المجامع
مع العلماء،
ويفسّر
المسائل
الدينيّة
المعضلة،
وكان الكلّ
ينصتون إليه
بكل ارتياح.
ولمّا بلغ
سنّ الثّانية
والعشرين،
توفي والده، وأرادت
الحكومة أن
تسند إليه
منصب والده في
الوزارة، كما
هي الحال في
إيران، ولكنّ بهاءالله
لم يقبل ذلك
المنصب،
وعندئذ قال رئيس
الوزراء:
"إتركوه
لنفسه فإنّ
هذا المنصب لا
يليق به، فإنّ
له غرضًا أسمى
تحت نظرِه،
ولا أقدر أن
أفهمه،
ولكنّني
مقتنع بأنّ
مهمّة سامية
قد قدّرت له،
فإنّ أفكاره
ليست كأفكارنا،
فاتركوه
لنفسه".
حبس
بهاءالله
بسبب
البابيّة
لمّا أعلن
الباب بعثته
سنة 1844، اعتنق بهاءالله
أمر الدّين
الجديد
بشجاعته،
وكان إذ ذاك
في السّابعة
والعشرين من
العمر، وصار
معروفًا
بكونه أحد
مروّجي
البابيّة
الشّجعان،
حبس مرّتين
لأجل هذا
الأمر. وتحمّل
ذات مرّة عذاب
الجلد على
الأقدام.
وفي أغسطس
(آب) سنة 1852 حصلت
حادثة مريعة
للبابيين،
فإنّ
أحد أتباع
الباب، وهو
شاب يدعى صادق
التّبريزي،
كان قد تأثّر
من استشهاد
سيّده
المحبوب
حينما شاهد ذلك
عيانًا،
فاختلّ عقله،
ومن باب الانتقام
كمن للشّاه
وأطلق عليه
بندقيّة صيد
كان قد حشاها
رشًّا([15])
بدلاً من
الرّصاص، فلم
يصب الشّاه
بأذىً بليغ،
ولو أنّه أصيب
من الرّش. وكان
الشّاب قد سحب
الشّاه من فوق
جواده، إلاّ
أنّ مرافقي
صاحب الجلالة
قبضوا عليه،
وأعدموه في
الحال في
المكان ذاته،
ثمّ اعتبر
البابيّون
جميعًا
مسؤولين عن
هذا الحادث
ظلمًا،
وابتدأت فيهم
المذابح
الفظيعة
نتيجة ذلك الحادث
وأعدم منهم
ثمانون في
طهران بأشّد
أنواع
العذاب، وقبض
على الكثيرين
وزجّوا في
السّجون،
ومنهم بهاءالله،
وقد كتب بهاءالله
عن ذلك فيما
بعد في "لوح
ابن الذّئب"
ما ترجمته([16]):-
"لعمر الله
لم يكن لنا
دخل في هذا
الأمر المنكر
أبدًا. وقد
ثبتت براءتنا
أيضًا في
مجالس
التّحقيق،
ومع ذلك
أخذونا وسيّرونا
مترجّلين
عاري الرّأس
والأقدام
مقيّدين
بالسّلاسل من
"نياوران"
التّي كانت في
تلك الأيّام
مقرّ
السّلطنة إلى أن
أوصلونا إلى
سجن طهران،
وقد أخذ أحد
الخيّالة
الظّالمين
القلنسوة من
رأسي، وألجأنا
المأمورون
والجلاّدون
على السّير
بسرعة عظيمة،
ووضعونا مدّة
أربع أشهر في
مكان لم تر
العيون له مثيلاً.
أمّا
السّجن الذّي
كان محل ورود
المظلوم
والمظلومين،
فكانت في
الحقيقة أفضل
منه حجرة
مظلمة ضيّقة،
وعند ورودنا
فيه أدخلونا
ممرًا مظلمًا،
ومنه
نزلنا ثلاث
درجات عميقة،
حتّى وصلنا إلى
المقرّ
المعيّن لنا. أمّا
ذلك المقرّ،
فكان مظلمًا
ظلامًا حالكًا،
وكان يرافقنا
فيه ما يقارب
المائة
والخمسين
مسجونًا من
السّارقين
وقطّاع
الطّرق
والقاتلين. ومع
وجود هذا
الازدحام، لم
تكن له نافذةً
سوى الطّريق
الذّي دخلنا
منه، وتعجز
الأقلام عن
وصفه، وتقصر
العبارة عن
بيان رّوائحه
المنتنة،
وكان ذلك الجمع
أكثرهم من غير
لباس وفراش
[الله يعلم ما
ورد علينا في
ذلك المقام
الأنتن
الأظلم]، وكنّا
نفكّر في ذلك
السّجن في
اللّيالي
والأيّام في
أحوال
البابييّن
وأعمالهم
وحركاتهم، ومع
علوّ وسموّ
إدراك هذا
الحزب، نعجب
كيف ظهر منهم
مثل هذا العمل
يعني تلك
الجسارة
والتهجّم
الحاصل على
ذات الشّاه. وبعد
ذلك عزم هذا
المظلوم بعد
خروجه من
السّجن، أن
يقوم بتمام
الهمّة على
تهذيب هؤلاء
النّفوس. وفي
ليلة من
اللّيالي، في
عالم الرّؤيا،
سُمِعَت هذه
الكلمة
العليا من
جميع الجهات:
[إنّا ننصرك
بك وبقلمك، لا
تحزن عمّا ورد
عليك ولا تخف
إنّك من
الآمنين. سوف
يبعث الله
كنوز الأرض
وهم رجال ينصرونك
بك وباسمك
الذّي به
أحيَى الله
أفئدة العارفين]".
النّفي
إلى بغداد
وامتّد هذا
السّجن
الرّهيب مدّة
أربعة أشهر،
ولكنّ بهاءالله
وأصحابه
كانوا في حماس
وسرور عظيم. وكان
الجلاّدون
يقتلون في كلّ
يوم تقريبًا
واحدًا أو
أكثر أو
يعذّبونهم،
ويذكّرون
الباقين بأنّ
دورهم سيأتي،
وكلّما أتى
الجلاّدون
ليأخذوا أحد
الأصحاب، كان
الذّي
ينادون اسمه
يرقص طربًا،
يقبّل أيدي بهاءالله،
ويعانق
الباقين من
زملائه
المؤمنين،
ثمّ يسرع بشوق
عظيم إلى مكان
الاستشهاد.
وأخيرًا،
تحقّق أنّ بهاءالله
لم يشترك في
جريمة
الاعتداء على
الشّاه، وشهد
سفير الرّوس
بطهارة
أخلاقه([17])،
وفضلاً عن
ذلك، فقد
اشتدّ مرضه
لدرجة أنّهم
كانوا يظنّون
أنّه سيقضي
نحبه، ولذلك
أمر الشّاه
بنفيه إلى
العراق، بدلاً
من الحكم عليه
بالإعدام،
فتوجّه بهاءالله
بعد أسبوعين إلى
تلك البلاد،
ورافقته
أسرته وعدد من
المؤمنين،
وفي سفرهم
الطّويل في
فصل الشّتاء،
عانوا قسوة
البرد،
وغيرها من
المصاعب، إلى أن
وصلوا بغداد،
في حال من
الفاقة يرثى
لها.
وبمجرّد
عودة الصّحة لبهاءالله
ابتدأ يعلّم
الطّالبين،
ويشجّع
المؤمنين، وينصحهم،
فاستقامت أحوال
البابييّن،
وشملتهم
السّعادة
والرّاحة
بوقتٍ قصير([18]).
إلاّ
أنّ هذه
الفترة لم يطل
أمدها، لأنّ
أخ بهاءالله
لأبيه،
المسمّى
بالميرزا
يحيى
والمعروف بـ (صبح
أزل) وصل إلى
بغداد، ولم
يمض زمن كبير،
حتّى ظهرت
الاختلافات
العدائيّة،
الّتي كان هذا
الأخ يثيرها
سرًّا، وأخذت
تتفاقم. وقد سبق
حصول مثل هذه
الإنشقاقات
بين تلامذة
السّيد
المسيح. وهذه
الاختلافات
التّي ازدادت
فيما بعد في
أدرنة وضوحًا
وعنفًا، كانت
شديدة الألم لبهاءالله،
الذّي كان
غرضه في حياته
كلّها ترويج
الإتّحاد بين
أهل العالم.
هجرته
مدّة سنتين في
الفيافي
وبعد مرور
سنة على وروده
بغداد، غاب
وحيدًا في
فيافي
السليمانيّة،
ولم يأخذ معه
سوى بدلة
واحدة من
الملابس. وقد كتب
عن هذه الفترة
في كتاب
الإيقان:-
"إنّ هذا
العبد في
أوائل أيّام
وروده، في هذه
الأرض
(بغداد)، لمّا
رأى علائم
الحوادث
المقبلة،
اختار
المهاجرة قبل
وقوعها، وهام
في فيافي
الفراق. وقضيت
سنتين، وحيدًا،
في براري
الهجر، فجَرَت
العبرات من
عيوني
كالعيون،
وسال بحور
الدم من قلبي. فكم من
ليال لم أجد
قوتًا، وكم من
أياّم لم أجد
للجسد راحةً. ومع كلّ
هذه البلايا
النّازلة،
والرّزايا
المتواترة،
فو الذّي نفسي
بيده، كان
كمال السّرور
موجودًا
ونهاية الفرح
مشهودًا، حيث
لم يكن عندي
خبر من ضرّ
أحد أو نفعه
وصحتّه أو
سقمه. كنت
مشغولاً
بنفسي، نابذًا
ورائي العالم
وما فيه، وما
كنت أدري أنّ
شرك قضاء الله
أوسع من ميدان
الخيّال،
وسهم تقديره
مقدّس عن
التّدبير. فلا
نجاة لأحد من
شرك قضاءه،
ولا مفرّ له
إلاّ
بالرّضاء في
إرادته. قسمًا
بالله، لم يكن
عندي نيّة
الرّجوع من
هذه المهاجرة،
ولا أمل في
العودة من هذا
السّفر.
وكان
مقصودي من ذلك
– أن لا أكون
علّة اختلاف
الأحباب([19])،
ولا مصدر
انقلاب
الأصحاب، وأن
لا أكون سببًا
في ضرّ أحد، ولا
علّةً لحزن
قلب. فلم يكن
في فكري قصد
آخر غير ما
ذكرت، ولا
أمام نظريّ
أمر سواه، ولو
أنّ كلّ إنسان
قد حمله على
غير محمله،
وفسّره على
حسب أهوائه
وميوله. وأخيرًا
صبرنا، إلى أن
صدر حكم
الرّجوع من
مصدر الأمر،
ولا بدّ من التّسليم
له، فرجعنا
ولاحظنا بعد
الرّجوع ما
يعجز القلم عن
ذكره. وها قد
مضت الآن
سنتان
والأعداء
قائمون
بنهاية الجدّ
والاهتمام
على إهلاك هذا
العبد
الفاني، كما
هو معلوم عند
الجميع"([20]).
مقاومة
العلماء
وبعد رجوع بهاءالله
من هذه
العزلة،
اشتهر صيته
أكثر من قبل،
وهرع النّاس
إلى بغداد، من
القريب والبعيد،
ليروه
ويسمعوا
تعاليمه،
واهتم اليهود
والنّصارى
والزّردشتيون
اهتمام
المسلمين
بالرّسالة
الجديدة.
ولكنّ
فقهاء
المسلمين
قاموا على
المقاومة، وتآمروا
على القضاء
عليه، وفي ذات
يوم أرسلوا
واحدًا منهم
لمقابلته
وسؤاله بعض
الأسئلة فوجد
الرّسول أنّ
أجوبة بهاءالله
مقنعة، وأنّ
حكمته مدهشة،
لدرجة أنّه
اضطّر للاعتراف
بأنّ بهاءالله
لا يضارعه أحد
في العرفان
والإدراك. ولأجل أن
يقتنع
العلماء
الذّين
أرسلوه
بحقيّة
رسالة بهاءالله،
سأل هذا
الرّسول من أن
يظهر له
معجزةً لتكون
حجةً، فأظهر بهاءالله
استعداده
لقبول
اقتراحه بشروط
معيّنة،
وصرّح له بأنّ
العلماء، لو
كانوا
يتّفقون على
طلب معجزة
معيّنة،
ويكتبون طلبهم
ويختمونه،
ويصرّحون فيه
أنّهم يؤمنون
بصحّة
رسالته،
ويكفّون عن
مقاومته،
فإنّه يظهر
لهم المطلوب،
وإن لم يظهره
فإنّه لا يكون
على الحقّ. نعم، لو
كان غرض
العلماء
الوصول إلى الحقّ
لكانت الفرصة
سانحةً لهم إذ
ذاك، ولكنّ
أغراضهم كانت
بعيدة عن ذلك،
ومتّجهةً إلى
إصدار حكمهم
في صالحهم،
سواء أكان
حقًا أم باطلاً،
لأنّهم خافوا
من الحقّ،
وهربوا من هذا
التحدّي
الجريء.
وقد دفعهم
فشلهم هذا،
إلى نصب مكائد
جديدةً لإبادة
هذه الطّائفة
المظلومة،
وساعدهم في
ذلك القنصل
الإيراني
العام في
بغداد، فأرسل
جملة رسائل
متتابعة إلى
الشّاه،
مضمونها أنّ بهاءالله
يضرّ بالدّين
الإسلامي
أكثر من قبل،
وأنّ له تأثيرًا
سيّئًا في
إيران، ولذلك
يجب نفيه إلى
مكان أبعد.
وكان من
حكمة بهاءالله،
في هذه الأزمة
الحاصلة من
اتفاق
الحكومة
التركيّة مع
الحكومة الإيرانيّة
وبذلهما
جهدًا
مشتركًا لاستئصال
أمر الله
بتحريض من
الفقهاء،
أنّه بقي
هادئًا
ساكنًا،
يشجّع أتباعه
ويرشدهم، ويكتب
من كلمات
التّسلية
والهداية ما
لا يبيد ولا
يفنى على ممَر
الدّهور.
وقد قصّ عبدالبهاء
كيف كتب بهاءالله
"الكلمات
المكنونة" في
ذلك الوقت،
فقال بأنّ بهاءالله
كان يذهب
للنزهة على
شاطئ
دجلة،
ثمّ يعود وهو
فرحان جذل،
فيكتب هذه اللئالئ
الوجدانيّة،
وفيها
النصّائح
الحكيمة التّي
كانت عونًا
وشفاءً لألوف
القلوب
الجريحة
المتألّمة. ولم يكن
يوجد من "
الكلمات
المكنونة"
سوى بضع نسخ
لمّدة سنوات
عديدة، وكان
من الضّروري
سترها بكلّ
احتراس، لئلا
تقع في أيدي الأعداء
الذّين كثروا
هناك، ولكن
هذا المجلّد
الصّغير أصبح
الآن يتلى في
كلّ جهة من
جهات
المعمورة.
أمّا "كتاب
الإيقان" فهو
كذلك من الكتب
الشّهيرة
التّي كتبها بهاءالله
في نفس الوقت،
قبيل انتهاء
إقامته في
بغداد بين سنتي
1862 و1863.
إعلان
الدّعوة في
الرّضوان في
ضواحي بغداد
صدر أمر
الحكومة
التركيّة باستدعاء
بهاءالله إلى
الآستانة([21])
بناءً على طلب
الحكومة
الإيرانيّة،
بعد مفاوضات
كثيرة معها،
ولمّا وصلت
هذه الأخبار،
وقع أحبّاؤه
في اضطّراب،
وحاصرت
الدّولة منزل
مولاهم المحبوب،
لدرجة أنّ
أسرته اتخذت
حديقة نجيب باشا
خارج المدينة
مقرًّا لها
مدّة اثني عشر
يومًا، ريثما
تتجهز
القافلة
للسّفر
الطويل.
وفي اليوم
الأوّل من هذه
الإثني عشر
يومًا (من 22
إبريل (نيسان)
على 3 مايو
(أيّار) سنة 1863)
أي في السّنة
التّاسعة
عشرة بعد
إعلان بعثة الباب،
أعلن بهاءالله
للعديد من
أتباعه
البشارة
بأنّه هو
الموعود الذّي
أخبر بظهوره
الباب، وأنّه
هو المختار الذّي
اختاره
الله
والموعود
الذّي أخبرت
بمجيئه جميع
رسل الله. وقد
عرفت تلك
الحديقة
التّي أعلنت
فيها هذه
الدّعوة
الشّهيرة
بحديقة
الرّضوان،
وخلّدت ذكرى
الأيّام
التّي صرفها بهاءالله
فيها بـ (عيد
الرّضوان)
الذّي يحتفل
به البهائيّون
سنويًا مدّة
اثني عشر يومًا.
وفي أثناء
تلك الأيّام،
أظهر بهاءالله
أعظم الفرح
والرّفعة
والقوّة بدلاً
من الحزن
والغم،
وازداد
أتباعه حماسًا
وسرورًا،
وجاءت الجموع
الكثيرة
لتقدّم له
احترامها وإجلالها،
وحضرت جميع
شخصيّات
بغداد، حتّى الوالي
نفسه، لتكريم
ذلكم السّجين
قبيل رحيله.
اسطنبول
وأدرنة
دام السّفر
إلى اسطنبول
بين ثلاثة
أشهر وأربعة
أشهر. ولمّا
وصلت الجماعة
المؤلّفة من بهاءالله
وعدد من أفراد
عائلته وستّ
وعشرين من
أصحابه إلى
اسطنبول،
وجدوا انفسهم
مسجونين في
منزل صغير
ازدحم بهم. وأخيرًا
نقلوا إلى
مكان أوسع قليلاً،
ولكنّهم بعد
أربعة أشهر
رحِّلوا إلى
أدرنة، وهذا
السّفر إلى
أدرنة، ولو
أنّه دام بضعة
أيّام، لكنّه
كان أفظع سفر
قاسوه حتّى ذلك
الوقت، فقد
سقط الثّلج
عليهم بشدّة
طيلة تلك
الأيّام، ولم
يكن لديهم
طعام ولا
ألبسة كافية،
فتضاعفت
آلامهم لذلك. وفي
مدّة الشّتاء
الأوّل، أسكن بهاءالله
وأسرته
البالغين
اثني عشر نفرًا
في منزل صغير
مكوّن من ثلاث
غرف، ليست
فيها أسباب
الرّاحة،
ومليئة
بالحشرات
وغيرها ولماّ
جاء الرّبيع،
نقلوهم إلى
مكان أوسع. ومكثوا
في أدرنة ما
يزيد على أربع
سنوات ونصف.
وهنا
استأنف بهاءالله
تعليمه، وجمع
حوله
العديدين،
وأعلن دعوته جهارًا،
فتحمّس لها
معظم
البابيّين،
وعرفوا منذ ذلك
الحين باسم "
البهائيّين". ولم
تتخلّف إلاّ
أقليّة، اتّبعت
الميرزا يحيى
(صبح أزل)،
الأخ غير
الشّقيق لبهاءالله،
وناصبتهُ
العداء
الشّديد،
وانضمّت على
الأعداء
السّابقين من
الشّيعة
وتآمرت على
القضاء عليه. وأعقب
ذلك جملة
صعوبات،
وأخيرًا قامت
الحكومة
التركية بنفي
البهائيّين
والبابيّين
من أدرنة،
فنفت بهاءالله
وأتباعه إلى
عكّا في
فلسطين حيث
وصلوها، حسب تاريخ
النبيل([22])
في 31 أغسطس (آب)
سنة 1868، بينما
نفت الميرزا
يحيى وجماعته إلى
قبرص.
رسائله
للملوك
في ذلك
الوقت كتب بهاءالله
سلسلة رسائله
الشّهيرة،
إلى سلطان
تركيا، وإلى
العديد من
ملوك الأرض
المتوّجين،
وإلى "البابا"
وإلى شاه
إيران. وخاطب
في الكتاب
الأقدس فيما
بعد ملوكًا
آخرين، كما
خاطب حكّام
أمريكا
ورؤساءها، ورجال
الدّين
عامّةً،
بالإضافة إلى
عموم بني الإنسان
معلنًا وداعيًا
إياهم إلى أن
يوجّهوا
جهودهم نحو
تأسيس الدّين
الحقيقي والحكم
العادل
والسّلام العالميّ.
وفي
رسالته إلى
الشّاه، دافع
بقوّة عن أمر
البابيين
المظلومين،
وطلب منه أن
يجمعه مع
العلماء
الذّين
حرّضوه على
اضطهاده وجهًا
لوجه. ولا
حاجة إلى
القول بأنّ
هذا الطّلب لم
ينل
الاستجابة،
كما أنّ
"بديع" ذلك
الشّاب البهائيّ
المخلص الذّي
سلّم بيده
الشّاه رسالة بهاءالله
قد أُلقي
القبض عليه،
وعذّب تعذيبًا
بالكيّ،
وبالآجر([23])
المشوي على
لحمه، وهكذا
تجرّع كأس
الشّهادة!
وفي هذه
الرّسالة
ذاتها يقصّ بهاءالله،
بعبارة
مؤثّرة،
آلامه
وآماله،
فيقول بالنص:
"يا مَلِك!
قد رأيت في
سبيل الله ما
لا رأت عين ولا
سمعت أذن. قد
أنكرني المعارف،
وضاق عليَّ
المخارف. قد نضب
ضحضاح
السّلامة،
واصفرّ ضحضاح
الرّاحة. كم من
البلايا
نزلت، وكم
منها سوف تنزل،
امشي مقبلاً
إلى العزيز
الوهّاب، وعن
ورائي تنساب
الحباب. قد
استهّل مدمعي
إلى أن بلَّ
مضجعي، وليس
حزني لنفسي – تالله
رأسي يشتاق
الرّماح في حبّ
مولاه، وما
مررت على شجر،
إلاّ وقد
خاطبه فؤادي:
(يا ليت قطّعت
لاسمي وصلب
عليك جسدي في
سبيل ربّي) – بل
بما أرى
النّاس في
سكرتهم
يعمهون ولا
يعرفون. رفعوا
أهوائهم،
ووضعوا إلۤههم،
كأنّهم
اتخذوا
أمر الله هزوًا
ولهوا ولعبًا،
ويحسبون
أنّهم
محسنون، وفي
حصن الأمان هم
محصّنون، ليس
الأمر كما
يظنّون، غدًا
يرون ما
ينكرون. فسوف
يخرجنا أولو
الحكم والغنى
من هذه الأرض
التّي سميّت
بأدرنة إلى
مدينة عكّا. وممّا
يحكون، أنها
أخرب مدن
الدّنيا،
وأقبحها
صورةً
وأردأها
هواءً وأنتنها
ماءً، كأنّها
دار حكومة الصّدى،
لا يسمع من أرجائها
إلا صوت
ترجيعه. وأرادوا
أن يحبسوا
الغلام فيها،
ويسدّوا على
وجوهنا أبواب
الرّخاء
ويصدّوا عنّا
عرض الحيوة
الدّنيا فيما
غبر من أيّامنا.
تالله
لو ينهكني
اللّغب،
ويهلكني السّغب،
ويجعل فراشي
من الصّخرة
الصّماء
ومؤانسي وحوش
العراء، لا
أجزع، وأصبر،
كما صبر أولو
الحزم،
وأصحاب
العزم، بحول
الله مالك القدم
وخالق الأمم. وأشكر
الله على كلّ
الأحوال،
ونرجو من كرمه
تعالى بهذا
الحبس يعتق
الرّقاب من
السّلاسل
والأغلال،
ويجعل الوجوه
خالصةً لوجهه
العزيز
الوهّاب،
إنّه مجيب لمن
دعاه، وقريب
لمن ناجاه. ونسأله أن
يجعل هذا البلاء
الأدهم درعًا
لهيكل أمره،
وبه يحفظه من
سيوف شاحذة،
وقضب نافذة. لم يزل
بالبلاء علا
أمره، وسنا
ذكره، هذا من
سنّته قد خلت
في القرون
الخالية
والأعصار
الماضية".
سجن
عكّا
كانت عكّا
في ذلك الوقت
مدينة
السّجون،
وكان يسجن
فيها كبار
المجرمين
الذّين
يرسلون إليها
من جميع أنحاء
الإمبراطوريّة
العثمانيّة. وقد حبس بهاءالله
وأتباعه عند
وصولهم إليها
في القلعة
العسكريّة،
بعد سفرتهم
البحريّة
المزرية،
وكانوا حوالي
ثمانين إلى
أربع وثمانين
من الرّجال والنّساء
والأطفال،
وكان المكان
قذرًا موحشًا
للغاية، ولم
يكن عندهم
فراش، ولا
أسباب
للرّاحة من
أيّ نوع كانت،
وكان الطّعام
الذّي يقدّم
لهم رديئًا
وغير كاف، إلى
درجة التمس
المحبوسون
بعد مدّة
قليلة
السّماح لهم
بشراء
الطّعام
لأنفسهم،
وكان الأطفال
يبكون على
الدوام في الأيّام
الأولى، وكاد
النّوم يكون
مستحيلاً. ولم
يلبثوا أن
تفشّت بينهم
الملاريا
والزّحار
وغيرها من
الأمراض،
حتّى وقعوا
جميعًا
فريسةً للمرض
عدا شخصين،
وقد توفي منهم
ثلاثة من
المرضى، أمّا
آلام الذّين
بقوا أحياء
فقد كانت
خارجةً عن
الوصف([24]).
واستمرّ
هذا الحبس
الشّديد مدّة
سنتين، وفي أثنائه
لم يسمح لأحد
من البهائيّين
بالخروج خارج
باب السّجن،
سوى لأربعة
أنفار كانوا
يخرجون يوميًا
لشراء
الطّعام تحت
الحراسة
المشدّدة.
وفي أثناء
الحبس في
القلعة، كان
الزّائرون ممنوعين
منعًا باتًا
من الزّيارة،
ولم يؤذن
للعديد من البهائيّين
الذّين حضروا
من إيران مشيًا
على الأقدام
من أجل لقاء
مولاهم
المحبوب أن
يدخلوا جدران
مدينة
السّجن،
فكانوا
يذهبون إلى
مكان فوق
السّهل خارج
الخندق
الثّالث، ومنه
كانوا يتمكّنون
من رؤية نوافذ
مسكن بهاءالله
في القلعة،
وكان بهاءالله
يظهر لهم من
إحدى
النّوافذ،
فكانوا بعد
النّظر إليه
يبكون، ثمّ
يعودون إلى
بلادهم، وهم في
حماس واشتعال
جديد من أجل
الخدمة
والفداء.
تخفيف
القيود
وأخيرًا
تخفّف السّجن.
فقد
جرى تجنيد
جيوش تركيّة
واحتاجت الحكومة
إلى القلعة
العسكريّة
للجنود، وبناءً
على ذلك نقلوا
بهاءالله
وأسرته إلى
منزل منفرد
لهم، وأسكنوا
باقي الجماعة
في خان في
المدينة، وفي
هذا المنزل،
حبس بهاءالله
سبع سنوات
أخرى في غرفة
صغيرة، وسكن
في الغرفة
المجاورة
أفراد أسرته،
وكان عددهم
ثلاثة عشر شخصًا
رجالاً
ونساءً وأطفالاً،
وكان عليهم أن
يرتّبوا
أنفسهم فيها
على قدر استطاعتهم!
وفي أوائل
أيّام
سكناهم،
كانوا يقاسون
ضيق المسكن،
وفقدان وسائل
الرّاحة،
وقلّة
الطّعام،
وعدم وجود
أسباب العيش
الاعتياديّة،
إلاّ أنّهم
بعد قليل،
تمكّنوا من
العيش براحة
نسبيًّا،
عندما أضيفت
إلى منزلهم
غرف أخرى. ومنذ
ترك بهاءالله
وأصحابه
القلعة سمح
للزّائرين
بمقابلتهم، وابتدأت
القيود
والموانع
التّي أوجبت
الفرامين
العمل بها
تزول تدريجيًّا،
ولو أنّها
كانت في بعض
الأحيان تعود
إلى شدّتها
الأولى.
فتح
أبواب السّجن
كان ثبات
البهائبّبن
وقت اشتداد
السّجن لا يتزعزع،
ولم يضطربوا
مطلقًا. وحينما
كانوا
مسجونين في
القلعة العسكريّة
في عكّا، كتب بهاءالله
إلى بعض
أحبائه ما
ترجمته:-
"لا
تضطربوا،
فإنّ الأبواب
ستفتح،
ويرتفع خبائي
فوق جبل
الكرمل،
ويتحقّق
الفرح
الأعظم".
فكان
هذا التّصريح
مصدر سلوى
عظيمة
لأتباعه. وبالفعل
لم يمض إلاّ
القليل، حتّى
تحقق هذا
الوعد. وقد حكى عبدالبهاء
قصّة فتح
أبواب السّجن
بأبدع عبارات
ترجمها حفيده
الأكبر شوقي أفندي([25])
للإنكليزيّة
وفيما يلي
تعريبها:-
"كان بهاءالله
يحبّ جمال
الأرياف
وخضرتها. وفي ذات
يوم لمّح إليّ
متفضلاً:
"إنّني لم
أنظر خضرةً
منذ تسع
سنوات،
فالأرياف من
عالم الرّوح
والمدينة من
عالم الأجساد".
فلمّا
سمعت ذلك منه
علمت من لحن
القول أنّه
يشتاق إلى
التّوجه
للريف وكنت
متأكّدًا من
أنّ كلّ ما
أعمله تنفيذًا
لرغبته يكون
ناجحًا.
"وكان هناك
في عكّا في
ذلك الوقت رجل
معاد لنا يدعى
محمّد صفوت
باشا، وكان له
قصر يسمّى
(المزرعة) على
بعد أربعة
أميال شمالي
المدينة، وهو
محل جميل
تحفّه
الحدائق وبه
نهر ماء جار. فذهبت
لزيارة هذا
الباشا في
منزله، وقلت
له: "يا باشا
إنّك تركت
القصر، وسكنت
في عكّا. "
فقال: "إنّني
عليل، ولا
أقدر على ترك
المدينة،
وإذا ذهبت
هناك استوحشت
للإخوان". فقلت له:
"ما دمت لا
تسكن هناك،
وما دام المكان
خاليًا،
فأجّره لنا". فلمّا
سمع ذلك
الاقتراح،
استغرب،
ولكنّه سرعان
ما وافق. فاستأجرت
المنزل منه
بإيجار بسيط
جدًا، أي بخمسِ
جنيهات سنويًا،
ودفعت له
إيجار خمس
سنوات مقدّمًا،
وتعاقدت معه
بعقد، وأرسلت
عمّالاً
لترميم
المنزل
وإصلاح
الحديقة
وبناء حمّام،
ثمّ أعددت
عربة لنقل
الجمال
المبارك([26]).
"وفي ذات يوم،
ذهبت لرؤية
المحل بنفسي. ورغمًا
عمّا ورد في
الفرامين
المتعدّدة من
الأوامر المتكرّرة
بأنّنا لا
يمكننا أن
نتعدّى حدود
أسوار
المدينة بأيّ
حال من الأحوال،
فإنّي تمّشيت
خارج باب
المدينة،
وكان الحرّاس
من الجنود على
الباب،
ولكنّهم لم
يعارضوني في
شيء. فذهبت
توًا إلى
القصر. وفي
اليوم
الثّاني ذهبت
مرّة أخرى مع بعض
الأحبّاء
والموظّفين
دون أن
يعارضنا أحد
أو يعترض
سبيلنا معترض
مع أنّ الحرّاس
والخفراء
كانوا واقفين
على جانبي أبواب
المدينة. وفي يوم
آخر أولمت
وليمةً
وأعددت مائدةً
تحت أشجار
الصّنوبر في
البهجة([27]).
وجمعت
حولها موّظفي
البلدة
وأعيانها،
ثمّ رجعنا إلى
البلدة جميعًا
في المساء.
"وفي ذات
يوم، ذهبت إلى
حضور الجمال
المبارك وقلت:
"إنّ قصر
المزرعة قد أعدّ
لأجلكم، وأعدّت
عربةً
لانتقالكم
إليه" (ولم تكن
في عكّا وحيفا
حينذاك عربات)
فرفض الذّهاب
متفضلاً:
"إنّني سجين". وبعد
مدّة عرضت
عليه ذلك
ثانيةً إلاّ أنني
سمعت نفس
الجواب، ثمّ
ذهبت إلى أبعد
من ذلك فسألته
للمرّة
الثّالثة
ولكنّه عاد
فتفضّل: "لا"
فلم أتجاسر
بعدها على
الإلحاح أبعد
من ذلك.
"وكان هناك
قي عكّا شيخ
مسلم مرموق
الجانب كان
يحبّ بهاءالله
كما كان بهاءالله
يحبّه،
فاستدعيت هذا
الشّيخ،
وشرحت
له
الموقف، وقلت
له: "إنّك
جسورٌ فاذهب
الليلة إلى
محضره
الأقدس،
واركع أمامه،
وخذ بيده المباركة،
ولا تتركها،
حتّى يعدك أن
يترك
المدينة". وكان
هذا الشّيخ
عربيًّا. فذهب توًا
إلى بهاءالله
وركع أمامه،
وأخذ بيد
الجمال
المبارك وقبّلها
وقال: "لماذا
لا تترك
المدينة؟"
فأجابه: "إنّني
سجين". فقال
الشّيخ: "لا
سمح الله! ومن
ذا الذّي
يستطيع أن
يسجنك؟ أنت
الذّي أبقيت
نفسك في
السّجن، وتلك
كانت إرادتك
أن تكون سجينًا،
والآن أرجوك أن
تخرج وتذهب
إلى القصر،
فإنّه جميل في
خضرته، وفيه
الأشجار البديعة،
وكأنّ
البرتقال فيه
كراتٌ من
النّار". وكلّما
تفضّل الجمال
المبارك: "إنّ
هذا غير ممكن،
لأنّي سجين"،
كان الشّيخ
يأخذ بيده
ويقبّلها،
واستمّر
يتضرع ساعةً
كاملةً، وأخيرًا
تفضّل بهاءالله:
"حسن جدًا"،
وبهذه
الإجابة كوفئ
الشّيخ لصبره
وثباته. وجاءني
بفرحٍ عظيم،
ليبشّرني
بقبول حضرته. ورغمًا
عن وجود فرمان
السّلطان عبد
العزيز الذّي
منع لقائي
بالجمال
المبارك أو
الاتّصال به،
فإنّي أخذت
العربة في
اليوم
التّالي،
وذهبنا إلى
قصر المزرعة. ولم
يعترض علينا
أيّ إنسان،
وتركت حضرته
هناك، ورجعت
وحدي إلى
المدينة.
"ومكث
حضرته في ذلك
المكان
السّاحر
البديع مدّة
سنتين. ثمّ
عزمنا على
الانتقال إلى
مكان آخر في
"البهجة"،
وكان قد حدث
وباء في
"البهجة"
فهرب صاحب
القصر وجميع
أفراد أسرته
مذعورين،
ووافق على إعطاء
القصر مجانًا
إلى أيّ طالب،
فأخذنا القصر
بإيجار زهيد
جدًا. وهناك
فتحت أبواب
العظمة
والسّلطنة
الحقيقيّة
على مصاريعها.
"وكان بهاءالله سجينًا اسميًّا (لأنّ فرامين السّلطان عبد العزيز لم تلغ مطلقًا)، إلاّ أنّه كان في الواقع ذا حشمةٍ ووقار ظاهرين في هيأته وفي حياته وأحواله، وكان محترمًا من الجميع، حتّى أنّ حكّام فلسطين، كانوا يغبطونه على نفوذه وهيبته. وكان الحكّام، والمحافظون، وقادة الجيش، والموظّفون المحليّون يلتمسون التّشرّف بلقائه، لكنّه كان لا يأذن إلا قليلاً، وذات مرةٍ، تضرّع حاكم المدينة للتّشرّف، مدّعيًا أنّه أمر من السّلطات العالية بزيارة الجمال المبارك مع أحد قادة الجيش، فأجيب طلبه، وكان القائد، وهو أوروبيّ سمين، قد تأثّر جدًا من عظمة محضر بهاءالله، حتّى أنّه استمرّ راكعًا على الأرض بالقرب من الباب. وكان تهيّب الزائرين شديدًا لدرجة أنّهما لم يشربا الأركيلة التّي قدّمت لهما، إلاّ بعد تكرار الطّلب من بهاءالله. وعندئذٍ وضعاها على شفاه