القرنُ البديع

God Passes By


طبعة جديدة منقّحة

نوروز 159 بديع

آذار 2002م

 

من منشورات دار النّشر البهائيّة في البرازيل

 

EDITORA BAHA’I – BRASIL

Rua Engenheiro Gama Lobo, 267 Vila Isabel

20.551 Rio de Janeiro/ RJ, Brazil


القرنُ البديع

God Passes By

 

من آثار قلم

حضرة وليّ أمر الله

شوقي أفندي ربَّاني

 

ترجمة

الدّكتور السَّيِّد محمَّد العزَّاوي


صفحة خالية


تعريف

 

          إنّ هذا الكتاب الّذي ينشر الآن مترجمًا إلى اللّغة العربيّة كتبه حضرة شوقي أفندي ربّاني وليّ أمر الله باللّغة الإنجليزيّة، وذلك في مناسبة مرور قرن واحد على ظهور الأمر البهائيّ.  وفيه سرد بقلمه المبارك أهمّ الوقائع والأحداث التّاريخيّة للظّهور، وسجّل مدارج تطوّره منذ بزوغ فجره في 23 أيّار 1844م حتّى عام 1944م.  ويضمّ الكتاب بين دفّتيه ما يُغني ذهن القارئ الّذي يودّ أن يلمّ بكيفيّة نشوء الأمر البهائيّ وحقيقة تاريخه الحافل بالمآسي والاضطهادات من جهة، وسريان تعاليمه في فترة قرن واحد من جهة أخرى.

 

          أمضى حضرة وليّ أمر الله مدّة عام واحد يجمع فيه المواد اللاّزمة، المخطوطة منها والمطبوعة، لتدوين هذا السّفر الجليل، وراجع أكثر من مائتي كتاب ورسالة باحثًا ومحقّقًا لجمع المعلومات الّتي أوردها في أثره هذا، واختار ما رآه من الأحداث الّتي تواتر نقلها تاريخيًّا وذلك في بحر عام واحد آخر.  وبينما كان منهمكًا في تدوين هذا الكتاب طيلة هذين العامين، كان مشغولاً في الوقت نفسه ببناء ضريح لحضرة الباب على سفح جبل الكرمل، ويعدّ العدّة أيضًا لإقامة احتفالات لائقة في مناسبة نهاية القرن الأوّل وبداية القرن الثّاني للأمر المبارك في مجتمعات العالم البهائيّ بأسره.  وكذلك كان محاطًا بالرّسائل المنهمرة عليه من كلّ حدب وصوب في أنحاء هذا العالم استهداءً واسترشادًا حول مختلف المسائل الرّوحانيّة والاجتماعيّة والإداريّة المتعلّقة بالبهائيّين أفرادًا أو مجتمعات، وبخاصّة تلك الرّسائل الّتي ترد إليه بغزارة في شأن كيفيّة إحياء الاحتفالات المذكورة.  هذا بينما كانت الحرب العالميّة الثّانية مستعرة آنذاك، والأماكن المقدّسة البهائيّة في المركز العالمي مهدّدة بأخطار تلك الحرب الدّاهمة.  في هذه الظّروف تمّ صدور هذا الكتاب


النّفيس عن قلم شخص وصفه حضرة عبد البهاء في كتاب وصاياه بأنّه "أبدع جوهرة فريدة عصماء".  والحقّ إنّ ما كتبه حضرة وليّ أمر الله نفسه تمهيدًا للكتاب في الصّفحات القادمة، قبل البدء بفصوله، ليكفي كي يبيّن الهدف الّذي من أجله بادر إلى إتحاف الجامعة البهائيّة العالميّة بهذا الأثر الثّمين الّذي يعتبر من أهمّ آثاره الكتابيّة لمدّة 36 سنة (1921-1957م) الّتي قضاها وليًّا للأمر البهائيّ ومبيّنًا لنصوصه المقدّسة المنزلة من قلم كلّ من حضرة الباب وحضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء، وخلّد بذلك مجلّدات ضخمة في حقل ترجمة تلك الآثار المقدّسة إلى الإنجليزيّة، وخطّ قلمه المبارك رسائل كثيرة حول تعاليم الأمر البهائيّ والنّظم البديع، وردّ على ألوف مؤلّفة من رسائل أفراد البهائيّين والمحافل الرّوحانيّة المركزيّة والمحلّيّة المنتشرة في ربوع الكرة الأرضيّة، إجابة عن أسئلتها حول ما أُشكل فهمه من النّصوص المقدّسة الإلهيّة الّتي تركها مؤسّسو هذا الأمر الكريم.

 

* * *

 

        قام بتعريب هذا الكتاب القيّم المتصاعد إلى الله الدّكتور محمّد العزّاوي (1920-1976م) خرّيج جامعة القاهرة بُعيد نشره في عام 1945م وانكبّ على إكمال عمله الشّاقّ التّاريخيّ العظيم هذا سنوات عدّة، بذل فيها جهدًا جبّارًا لنقله إلى العربيّة وللحصول على أصول كثيرة من النّصوص المنقولة في ثنايا الكتاب لكلّ مناسبة، تلك النّصوص الّتي نزّلت في الأصل بالعربيّة أو الفارسيّة، فثبّت النّصوص العربيّة الأصليّة الّتي عثر عليها كما هي، ونقل النّصوص الفارسيّة منها إلى العربيّة إذ كان المغفور له ضليعًا أيضًا في اللّغة الفارسيّة، وبذلك استطاع أن يهدي المكتبة البهائيّة العربيّة هذا الكتاب الفريد الّذي طالما انتظر البهائيّون نشره بلهفة واشتياق.

 

* * *

 

        تمّت مقارنة الكتاب المترجم بالنّص الإنجليزيّ بواسطة لجنة بدقّة وإمعان.  ولمّا لم يستطع المترجم العثور على أصول كافّة النّصوص المنقولة،


سعت اللّجنة سعيًا حثيثًا إلى تحقيق هذا الغرض وحصلت على كثير منها، فثبّتت الأصل العربيّ منها كما هي ونقلت ما كانت أصلاً باللّغة الفارسيّة إلى العربيّة، ومع ذلك بقي قسم من النّصوص المنقولة دون العثور على أصولها فعرّبت عن النّصّ الإنجليزيّ.  بناءً على ذلك، وتمييزًا بين ما هو المعرّب وما هو الأصل، ينبغي التّنبيه إلى أنّ كلّ نصّ ورد بين قوسين دون أيّة علامة هو النّصّ العربيّ الأصليّ، أمّا ما ورد بإزائه نجمة واحدة بجانب قوسيه فهو معرّب عن اللغة الفارسيّة، وأمّا ما وضع بجانب قوسيه نجمتان فهو معرّب عن النّصّ الإنجليزيّ.  كما يجب التّوضيح أنّ ما نقل بخطّ عريض طيّ نص معرّب فهو عربيّ في الأصل.

 

        هذا، وبالرّغم من الدّقّة المتناهية الّتي بذلت في سبيل مراجعة هذه التّرجمة وتنقيحها من قبل المترجم أو بواسطة لجنة المراجعة، فإنّ المجال لا يزال مفتوحًا لمراجعة هذه التّرجمة مستقبلاً.

 

النّاشر


صفحة خالية


تمهيد

 

          في الثّالث والعشرين من شهر أيّار من هذه السّنة المباركة (1944م) يحتفل العالم البهائيّ بالعيد المئوي لتأسيس دين حضرة بهاء الله.  وهذا العيد يخلّد الذّكرى المئويّة لكلّ من الدّورة وافتتاح الدّور البهائيّ وبداية كوره ومولد حضرة عبد البهاء في وقت واحد.  والواقع أن التّأمّل في ضخامة الطّاقات الكامنة في هذا الدّين الفريد في تاريخ العالم الرّوحيّ، والّذي يشير إلى ختام دورة الأنبياء الكلّيّة، ليصيب الرّؤوس بالدّوار.  وإنّ تدقيق النّظر في سناء المجد الألفيّ الّذي سوف يسطع في تمام الوقت ليغشى العيون ويبهر الأنظار.  أمّا عظمة الظّلّ الّذي سوف يستمرّ مؤسّسه يلقيه في جلال على مظاهر أمر الله المتعاقبين الّذين يُبعثون من بعد، فأمر يفوق كلّ حساب وتقدير.

 

          ففي فترة لا تزيد على قرن واحد من الزّمان أخذت العمليّات الغيبيّة الّتي ولّدها روح الدّين الخلاّق تثير في المجتمع البشريّ هيجانًا لا يمكن لعقل أن يسبر غوره.  وبالرّغم من أنّه مرّ بفترة الحضانة في مرحلته البدائيّة إلاّ أنّه أهاج بفضل بروز نظامه المتبلور ببطء في حياة الإنسانيّة العامّة تخمّرًا يهدف إلى تقويض أسس المجتمع المضطرب وتنقية دمائه وإعادة توجيهه وبناء مؤسّساته وتشكيل مسيره من جديد. 

 

          وإلاّ فإلى أيّ شيء آخر يمكن للعين المدرّبة والعقل المنصف الواقف على العلامات والإشارات المبشّرة بميلاد دين حضرة بهاء الله والمسايرة لنهضته أن يرجعا هذا الانقلاب العالميّ العنيف بكلّ ما يصاحبه من خراب وشقاء وفزع، إن لم يكن إلى بروز نظامه العالميّ الجنين الّذي قال بشأنه حضرة بهاء الله "قد اضطرب النّظم من هذا النّظم" وإلى أيّ عامل آخر يمكن


للإنسان أن يردّ أصول هذه الأزمة الهائلة الّتي لم يسبق لها مثيل ولا نظير في تواريخ الجنس البشريّ جميعًا، إن لم يكن إلى التّدفّق القاهر الغلاّب لفيوضات ذلك الرّوح الّذي يزعزع العالم ويقويّه ويفتديه في وقت واحد، وهو الرّوح الّذي أكّد حضرة الباب أنّه "قد تلجلج في حقيقة الكائنات"؟  ولسنا بحاجة إلى بذل جهد كبير لكي ندرك بسهولة أنّ هذه الفترة الّتي تلقّت صدمة ظهوره ووقع إلهامهِ وتجاهلت دعوته ورسالته تعاني آلام المخاض، وأنّها تجاهد الآن لكي تضع حملها كنتيجة مباشرة للدّافع الّذي تلقّته من تأثير روح المظهر الإلهيّ المحيي المطهّر المحوّل.  فذلك يتجلّى بوضوح في الظّواهر الّتي ما زالت تزداد بروزًا وخطورة منذ نشبت الحرب العالميّة الأولى الّتي سبقت عصر التّكوين لدين حضرة بهاء الله مباشرة؛ من مثل تشنّج المجتمع المعاصر، وغليان أفكار النّاس في جميع أرجاء العالم بصورة محمومة جامحة والأحقاد الضّارية الّتي تشتعل نيرانها بين الأجناس والعقائد والطبقات، وتهشّم سفينة الأمم، وسقوط الملكيّات وتمزّق أوصال الإمبراطوريّات، وانقراض الأسر المالكة، وتداعي المؤسّسات الدّينيّة، واضمحلال النّظم العريقة، وتلك الرّوابط الدّينيّة والدّنيويّة الّتي طالما ربطت بين أفراد الجنس البشريّ.

 

        إنّ غايتي في عيد مئويّ له كلّ هذا المغزى العميق هي أن أحاول - في الصّفحات التّالية- إلقاء نظرة شاملة على الأحداث البارزة في هذا القرن الّذي شهد هذا الرّوح يفيض على العالم، كما شهد المراحل الأولى لتجسّده في خطّة تتطوّر إلى نظام يراد له أن يحتضن الجنس البشريّ جميعًا، ويحقّق المصير السّامي الّذي ينتظر الإنسان على هذا الكوكب.  وسوف أبذل جهدي لكي أستعرض الوقائع الّتي تبسطها أمام أبصارنا حقبة مائة عام فريدة في المجد والاضطراب، وأضعها في ملابساتها الصّحيحة رغم أنّ الفاصلة الّتي تفصل بيننا وبينها قصيرة نسبيًّا.  وسوف أجتهد في أن أقدّم وأربط - ولو بسرعة - تلك الحوادث الخطيرة الّتي عملت باستمرار ودأب وسكون على مرأى ومسمع من الأجيال المتعاقبة الضّالّة وغير المكترثة أو المعادية على أن


تحوّل فرعًا مختلف العقيدة هيّن الأمر في الظّاهر من فروع فرقة الشّيخيّة من طائفة الشّيعة الإثنيّ عشريّة الإسلاميّة إلى دين عالمي يتّحد أتباعه الّذين يفوقون الحدّ والحصر اتّحادًا عضويًّا متينًا، ويعمّ نوره الأرض من إيسلندا شمالاً حتّى مضيق ماجلاّن جنوبًا، وتنتشر فروعه في ما لا يقلّ عن ستّين دولة من دول العالم، وتترجم كتبه وتنشر في ما لا يقلّ عن أربعين لغة، وتقدّر قيمة أوقافه المحليّة والمركزيّة والعالميّة في قارّات العالم الخمس بملايين الدّولارات، وتحظى هيئاته المنتخبة المسجّلة بالاعتراف الرّسميّ من جانب العديد من الحكومات في الشّرق والغرب، وينضمّ إليه الأتباع من الأجناس والجنسيّات المتباينة وأمّهات ديانات البشر؛ ويوجد ممثّلوه في المئات من مدن إيران والولايات المتّحدة، وتشهد بصحّة حقائقه إحدى الملكات في شهادات علنيّة متكرّرة، ويعلن استقلاله أعداؤه من صفوف دينه الوالد (الإسلام) في قلب العالم العربيّ والإسلاميّ (مصر) ويدلّلون عليه، ويتمّ الاعتراف به بصورة تخوّله أن يحتلّ مقام الدّين الرّابع في الأرض الّتي تأسّس فيها مركزه الرّوحيّ العالميّ (فلسطين) وهي قلب العالم المسيحيّ وقدس أقداس اليهود، وأقدس بقعة عند المسلمين بعد مكّة المكّرمة في آن واحد.

 

        وليس من غايتي ولا ممّا يتطلّبه المقام أن أكتب تاريخًا مفصّلاً لهذه السّنوات المائة الماضية من حياة الدّين البهائيّ، كما أنّني لا أنوي أن أتقصّى أصول هذه الحركة الضّخمة، ولا أن أصوّر الظّروف الّتي ولدت فيها أو أفحص طبيعة الدّين الّذي نبتت منه، أو أتوصّل إلى تقدير الآثار الّتي أحدثها وقعها على مصائر الجنس البشريّ.  ولكنّني سوف أقنع باستعراض الملامح البارزة لميلاد هذه الحركة ونهضتها والمراحل الأولى لإقامة مؤسّساتها الإداريّة الّتي تعتبر نواة وبشيرًا لذلك "النّظام العالمي" الّذي لا بدّ وأن يجسّد روح دين الله، ويجري شرائعه وينفّذ أحكامه ويحقّق هدفه في يومنا هذا.

 

        على أنّني عند استعراضي للمنظر العام الّذي تبسطه أمام أبصارنا دورة المائة عام لا أنوي أن أتجاهل النّسيج السّريع الّذي تمّ بين النّكسات الظّاهرة


والانتصارات الباهرة وهو النّسيج الّذي اختارت يد العناية الإلهيّة الغيبيّة أن تصنع منه قماش هذا الدّين منذ أيّامه الأولى، ولا أن أهوّن من شأن الكوارث الّتي كثيرًا ما أثبتت أنّها مقدّمات لانتصارات جديدة تساعده بدورها على النّموّ وتثبيت دعائم إنجازاته السّابقة.  والواقع أنّ تاريخ السّنوات المائة الأولى يتحلّل إلى سلسلة من الأزمات الدّاخليّة والخارجيّة الّتي تختلف في شدّتها ومدّتها وتتّفق في آثارها المدمّرة المباشرة، إلاّ أنّ كلّ أزمة منها كانت تطلق بصورة غيبيّة مقدارًا ملائمًا من القوّة الإلهيّة الّتي تدفعه من جديد إلى التّقدم والتّفتّح.  وكان هذا التّفتّح الجديد يولّد بدوره كارثة أعظم يتلوها انطلاق مقدار أكبر من العناية الإلهيّة تمكّن أتباعه من أن يتقدّموا إلى شوط أبعد ويحقّقوا له انتصارات أشدّ وقعًا وإلزامًا.

 

        ويمكن أن يقال إنّ القرن الأوّل من الدّور البهائيّ ينسحب في أعرض معالمه على العصر البدائي البطوليّ الرّسوليّ لدين حضرة بهاء الله، وعلى المراحل الأولى من عصر التّكوين الانتقالي الحديديّ الّذي يشهد تبلور وتشكّل القوى الخلاّقة الّتي أطلقها ظهوره.  ولو جاز القول يمكن أن يقال إنّ السّنوات الثّمانين الأولى من هذا القرن قد انسحبت على العصر الأوّل بأكمله على حين شهدت سنواته العشرون الأخيرة بداية العصر الثّاني.  ذلك لأنّ العصر الأوّل يبدأ بإعلان حضرة الباب دعوته، ويشمل عهد حضرة بهاء الله كلّه، وينتهي بصعود حضرة عبد البهاء.  أمّا العصر الثّاني فيبدأ بألواح الوصايا الّتي تحدّد طبيعته وتضع أساسه.

 

        من ثمّ فالقرن الّذي نستعرضه يمكن أن يعتبر منقسمًا إلى أربع فترات مميّزة ومختلفة المُدد، لكلّ واحدة منها مضمونها الخاصّ ومغزاها الضّخم لا بل مغزاها الّذي لا يمكن لعقل أن يصل إلى تقديره.  وهذه الفترات الأربع شديدة التّرابط، وتؤلّف فصولاً متلاحقة لمرسحيّة واحدة محبوكة الأطراف فائقة سامية لا يمكن لفكر أن يسبر غور عقدتها، ولا لعين أن تلمح قمّتها ولو في غموض، ولا لعقل أن يتكهّن خاتمتها بصورة كافية.  وكلّ فصل من هذه


الفصول يدور حول موضوعه ويفتخر بأبطاله ويسجّل مآسيه ويرصد انتصاراته، ويسهم بنصيبه في تحقيق الغاية الواحدة المشتركة الثّابتة.  وهذا معناه أنّ عزل أي فصل منها عن الفصول الأخرى، أو استبعاد الفيوضات المتأخّرة للإلهام العالميّ الشّامل الواحد عن الغرض الأوّل الّذي حرّكه في أيّامه الأولى يعادل هدمًا للأساس الّذي يقوم عليه الدّين وقلبًا لحقيقته وتاريخه قلبًا يدعو إلى الأسف الشّديد.

 

        أمّا الفترة الأولى (من سنة 1844 إلى 1853م) فتتركّز حول شخص حضرة الباب الشّاب اللّطيف الّذي لا يُقاوم، فريدًا في وداعته، راسخًا في رزانته، جذّابًا في حديثه ومنطقه، فذًّا فيما امتلأ به عهده القصير الحزين من المآسي الفاجعة.  وهي تبدأ بإعلانه دعوته وتبلغ قمّتها باستشهاده، ثمّ تنتهي بمجازر ومذابح دينيّة تثير بشاعتها الاشمئزاز والتّقزّز إلى أبعد الحدود.  فترة قوامها تسع سنوات قصار مُلئت صراعًا وحشيًّا لا هوادة فيه ولا رحمة؛ صراعًا اتّخذ من إيران كلّها مرسحًا له، وجاد فيه أكثر من عشرة آلاف بطل بأرواحهم، واشترك فيه ملكان من آل قاجار ووزراؤهما الأشرار، وناصرته طائفة الشّيعة بأسرها وموارد الدّولة العسكريّة برمّتها، وعدوان الجماهير بجمعهم.  وأمّا الفترة الثّانية (1853-1892م) فتستمدّ إلهامًا من شخص حضرة بهاء الله الشّامخ فائقًا في قداسته، مذهلاً في جلاله وقوّته وقدرته، متفرّدًا في إشراق مجده الفائق.  وهي تبدأ بالمكاشفات الأولى الّتي اختلجت في نفسه إذ هو في سياه چال بطهران، وهي مكاشفات الظّهور الّذي بشّر به حضرة الباب، وتبلغ قمّتها بإعلان ذلك الظّهور للملوك ورجال الدّين، ثمّ تُختتم بصعوده قرب مدينة السّجن عكّاء.  فترة قوامها تسع وثلاثون سنة طوال من وحي فيّاض فريد منهمر غزير لا مثيل له ولا نظير، وهي تتّسم بانتشار الدّين في البلاد المجاورة:  تركيّا وروسيا والعراق وسوريّا ومصر والهند، وتمتاز بما يتجاوب مع نشاطها من عداء يتمثّل في الهجمات الّتي شنّها شاه إيران وسلطان تركيّا وكانا أقوى سلطانين في الشّرق دون منازع، كما تتمثّل في مقاومة رجال الدّين للطّائفتين الإسلاميّتين التّوأمين: السّنّة والشّيعة.  وأمّا


الفترة الثّالثة (1892-1921م) فتدور حول شخصيّة حضرة عبد البهاء السّامية النّابضة بالحياة، غامضًا في جوهره، نسيج وحده في مقامه، معجزًا في سحر خلقه وسلطانه.  وهي تبدأ بإعلان عهد حضرة بهاء الله وميثاقه، تلك الوثيقة الفريدة في تاريخ الدّورات الدّينية السّالفة، وتبلغ قمّتها بتأكيد مركز العهد والميثاق في مدينة الميثاق لمواد تلك الوثيقة الفذّة في طبيعتها البعيدة في مداها تأكيدًا شديدًا.  ثمّ هي تختتم بصعوده ومواراة جثمانه الأطهر التّراب على جبل الكرمل.  وسوف يسجّلها التّاريخ فترة قوامها ثلاثون عامًا تقريبًا جُدلت فيها المآسي والانتصارات جدلاً، تكسف كوكب الميثاق تارة ويسكب ضوءه على أوروبّا ويمتدّ به إلى أستراليشيا والشّرق الأقصى وأمريكا الشّماليّة تارة أخرى.  وأمّا الفترة الرّابعة (1921-1944م) فتحرّكها القوى المنطلقة من وصيّة حضرة عبد البهاء؛ دستور نظام حضرة بهاء الله العالمي البديع، ووليدة الاقتران المعنوي بين ينبوع الشّريعه الإلهيّة وبين عقل من هو حامل لهذه الشّريعه الإلهيّة ومبيّنها.  وتوافق بداية هذه الفترة الرّابعة والأخيرة من فترات القرن البهائيّ الأوّل ميلاد عصر التّكوين من الدّور البهائيّ وتأسيس النّظام الإداريّ لدين حضرة بهاء الله، وهو النّظام الّذي يقوم - في آن واحد- مقام البشير والنّواة والقالب لنظمه البديع، وتتميّز هذه الفترة الّتي تنسحب على الأعوام الثّلاثة والعشرين الأولى من عصر التّكوين بنشوب عداوات أخرى ذات طابع مختلف تسرع بإفاضة نور الدّين على مناطق أوسع في قارّات العالم الخمس من ناحية وتؤدّي إلى تحرير كثير من المجتمعات الدّاخلة في حظيرته والاعتراف باستقلالها من ناحية أخرى.

 

        هذه العهود الأربعة يجب أن تعتبر عناصر متلاحمة لشيء واحد سام، ليس هذا فحسب بل ويجب أن تعتبر مراحل متوالية في عمليّة تطوّرية واحدة شاملة ثابتة قاهرة.  ذلك لأنّنا إذ نستعرض كلّ هذا المنظر الشّاسع الّذي يبسطه أمام أبصارنا نشاط دين لم يسلخ من عمره إلاّ قرن واحد، لا نجد مفرًّا من القول بأنّ أحداث هذه العهود الأربعة تقدّم لنا - من أيّ زاوية نظرنا- الشّواهد الواضحة اللاّئحة على وجود عمليّة بطيئة النّضج والاكتمال وحدوث تقدّم


مطّرد منظّم، وتماسك داخليّ وتوسّع خارجيّ وتحرّر تدريجيّ من قيود تقاليد الدّيانات الأخرى، وما ينسجم مع كلّ ذلك من تذليل للصّعوبات وإزاحة للعقبات وتحطيم للقيود المدنيّة.

 

        إنّنا إذا نظرنا إلى هذه العهود الأربعة من التّاريخ البهائيّ على أنّها مقوِّمات لكلِّ واحدٍ استطعنا أن نرى بوضوح سلسلة الأحداث الّتي أعلنت بنجاح بعثة مبشّر وظهور موعود وعد بظهوره ذلك المبشّر، وإبرام الميثاق الّذي نبع عن سلطان ذلك الموعود نفسه، ثمّ ميلاد النّظام العالميّ الّذي نسل عن صاحب الميثاق ومركز الميثاق المختار، ونلاحظ كيف أنّ حضرة الباب المبشّر أعلن اقتراب قيام النّظام الإلهيّ التّقدير، وكيف أنّ حضرة بهاء الله الموعود صاغ أحكامه، وكيف أنّ حضرة عبد البهاء - مركز الميثاق المختار- بيَّنه ورسم معالمه، وكيف أنّ الجيل الحاضر من أتباعهم بدأوا يشيّدون هيكل مؤسّساته، ونلمح نور الدّين الجديد كيف فاض في غضون هذه العهود الأربعة من مهده إلى الهند والشّرق الأقصى شرقًا وإلى الأقطار المجاورة غربًا كالعراق وتركيّا وروسيا ومصر، وكيف مضى بعيدًا إلى أمريكا الشّماليّة، ثمّ أضاء بعد ذلك أمّهات بلدان أوروبّا، وغلّف بسناه القارّة الأستراليّة في فترة لاحقة، وانسكب على حواشي القطب الشّماليّ، ثمّ سطع أخيرًا على آفاق أمريكا الوسطى والجنوبيّة.  ونشاهد ما ساير ذلك من ازدياد تباين الملل والنّحل والعناصر والأجناس الدّاخلة في حظيرته وهي الّتي كانت في فواتح التّاريخ لا تضمّ سوى فئة مغمورة من الأتباع الّذين انضمّوا إليه من عامّة أهل إيران الشّيعيّة، فإذا بها تتحوّل إلى رابطة إخاء تمثّل طوائف من أمّهات الأديان العالميّة وتضمّ معظم الطّبقات والأجناس والألوان، وتحتضن العامل المتواضع والشّخصيّة الملكيّة الرّفيعة على السّواء، ونلمح تقدّمًا مماثلاً في مدى انتشار كتبه، وهي الكتب الّتي كانت أوّل أمرها محصورة في نطاق ضيّق من المخطوطات الّتي كانت تستنسخ على عجل مشحونة بالأخطاء في الغالب ليتداولها قارئوها في الخفاء ويطالعوها خلسة وعلى وجل.  وكانت تمحى في أغلب الأحيان بل ويلتهمها أحيانًا الخائفون الهلعون من أفراد


الطّائفة المظلومة المقهورة.  فإذا بها تصدر خلال قرن واحد من الزّمان طبعات منها لا حصر لها ولا عدّ، تتألّف من عشرات الألوف من المجلّدات، وتطبع بشتّى أنواع الطّباعة، في ما لا يقلّ عن أربعين لغة طبعات أنيقة بل وفاخرة في بعض الأحيان، وتوزّع في جميع أنحاء العالم بقوّة وانتظام بفضل اللّجان والمحافل العالميّة الّتي أحكم تنظيمها وتشكيلها.  وندرك تطوّرًا لا يقلّ وضوحًا في نطاق تعاليمه؛ فقد كانت في أوّل الأمر جامدة معقّدة قاسية عن عمد، ثمّ أعيد صبّها في قالب آخر وتوسّعت وتحرّرت في ظلّ الدّورة التّالية، ثمّ وضّحها وفسّرها المبيِّن المختار وأكّدها من جديد ووسّعها، وأخيرًا رتّبت وبوّبت وطبّقت على الأفراد والهيئات على المستوى العالميّ.  ونستطيع كذلك أن نستكشف تدرّجًا لا يقلّ بروزًا في طبيعة المقاومة الّتي كان على هذا الدّين أن يواجهها، فقد كانت في بدايتها قاصرة على طائفة الشّيعة وحدها، وازدادت قوّتها في مرحلة متأخّرة بإخراج حضرة بهاء الله من دياره إلى أراضي سلطان تركيّا، ومن ثمّ انتقلت إلى أهل السّنة الأقوى وخليفتهم الّذي كان رأس الأغلبيّة السّاحقة من المسلمين.  وازدادت عنفًا حتّى بات من المحتمل أن تضمّ إليها الحكومات القائمة في العالم المسيحيّ، والهيئات الدّينيّة العتيقة والرّاسخة الجذور بعد أن شاهدت نهضة النّظام الإلهيّ المختار وأحسّت بداية وقعه على المؤسّسات الدّينيّة والمدنيّة في الغرب.  وفي الوقت نفسه نستطيع أن نستبين - خلال لهيب تلك العداوة الّتي ما زال مداها يتّسع أكثر فأكثر- تقدّم بعض المجتمعات الدّاخلة في حظيرته تقدّمًا دائبًا، وإن كان بطيئًا مؤلمًا، ينتقل بها من مراحل الغموض والانغمار، فالقهر والحرمان من الحقوق إلى مرحلة الانفصال عن الأديان الأخرى، فالاستقلال والتّحرير والمساواة في الاعتراف الرّسمي، وهي مراحل تبلغ ذروتها خلال القرون القادمة بفضل إقامة الدّين وتأسيس "الجامعة البهائيّة العالميّة" في تمام قوّتها وسلطانها.  ويمكننا أن نستبين كذلك تقدّمًا لا يقلّ شأنًا في نهضة مؤسّساته، سواء منها المراكز الإداريّة أو دور العبادة، وهي المؤسّسات الّتي كانت في أوائل التّاريخ سرّيّة وخفيّة، ثمّ أخذت تبرز بصورة غير ملحوظة إلى العلانية


في وضح النّهار، والاعتراف الرّسمي وحماية القانون،كما أخذت تعزّزها الهبات والأوقاف.  وقد خلع عليها النّبل في بداية الأمر تشييد مشرق الأذكار في عشق آباد (مدينة العشق)، وهو أوّل المعابد البهائيّة، ثمّ خلّده بعد ذلك مؤخرًا قيام "أم معابد الغرب" في قلب أمريكا الشّماليّة، بشيرًا ساعيًا بين يديّ المدنيّة الإلهيّة البطيئة النّضج والاكتمال.  بل يمكننا أخيرًا أن نشهد التّحسّن الملحوظ في الظّروف المحيطة بحجّ أتباع الدّين المخلصين للمقامات المقدّسة في مركزه العالميّ، وهي الزّيارات الّتي كانت في أوّل أمرها طويلة مرهقة محفوفة بالمخاوف والمخاطر تتمّ سيرًا على الأقدام في الأغلب الأعمّ وكانت تنتهي بالفشل في بعض الأحيان، وكانت قاصرة على حفنة من المؤمنين الشّرقيّين المنهوكين، فإذا بها تتدرّج، تحت ظلال متزايدة من الأمن والرّاحة، لتجتذب أعدادًا مطّردة من المؤمنين الجدد الّذين يأتون من كلّ فجّ عميق.  ولقد بلغ هذا الأمر قمّته بتلك الزّيارة الّتي شاع أمرها وذاع والّتي للأسف لم يُقدّر لها أن تتمّ ونعني بها زيارة تلك الملكة النّبيلة (المرحومة ملكة رومانيا) الّتي ذكرت في تقريرها الخطّيّ أنّها اضطرّت إلى أن تعدّل مسيرها، وهي عند أعتاب المدينة الّتي تضمّ رغيبة قلبها ومنية فؤادها، وأن تغضّ الطّرف عن هذا الامتياز الفائق الّذي لا يقدّر بثمن.


صفحة خالية


الفترة الأولى

ولاية حضرة الباب

1844 – 1853م


صفحة خالية


الفصل الأوّل

 

ميلاد الظّهور البابيّ

 

        يحدّد اليوم الثّالث والعشرون من شهر أيّار 1844م بداية أشدّ الفترات اضطرابًا في العصر البطوليّ من الدّورة البهائيّة، وهو العصر الّذي يشير إلى افتتاح أمجد عهد في أعظم كور شهده التّاريخ الرّوحيّ للجنس البشريّ على الإطلاق.  هذه الفترة الّتي تعدّ أروع فترة وأفجع فترة وأحفل فترة بالأحداث لا تزيد مدّتها على تسع سنوات من القرن البهائيّ الأوّل، وبدأت بميلاد ظهور سوف تمجّد الأجيال القادمة صاحبه بأنّه "النّقطة الّتي تدور حولها أرواح النّبيّين والمرسلين"، وانتهت بأولى مكاشفات ظهور أقوى وأحفل بالإمكانيّات، ظهور "بشّر كلّ نبيّ به" كما يؤكّد حضرة بهاء الله، و"ناح كلّ رسول حبًّا" له، وفيها "امتحن الله كلّ النّبيّين والمرسلين" بفضله.  فلا عجب أن خصّص المؤرّخ([1]) الخالد لمقدّمات الظّهور البهائيّ ونشأته ما لا يقلّ عن نصف تاريخه المثير لوصف تلك الأحداث الّتي استطاعت في مثل هذا الزّمن القصير أن تخصب تاريخ البشر الدّينيّ أيّما إخصاب بفضل مآسيها وبطولاتها.  هذه السّنوات التّسع خليقة بأن تتبوّأ مقامًا فذًّا في تجربة البشر الرّوحيّة كلّها بفضل ما تميّزت به من القوّة المؤثّرة الأصيلة والسّرعة الخاطفة الّتي توالت عليها أحداثها الجليلة الخطرة، والمذبحة الّتي عمّدت مولدها، والظّروف المعجزة الّتي لابست استشهاد صاحبها، وبفضل ما تميّزت به أيضًا من الطّاقات الكامنة الّتي شحنت بها منذ البداية شحنًا، وتلك القوى الخلاّقة الّتي ولّدتها آخر الأمر.  وإنّنا إذ نستعرض مشاهد هذا الفصل الأوّل من فصول الأحداث السّامية، لنشاهد هيكل بطل أبطالها – وهو حضرة الباب – يلمع في


أفق شيراز كالشّهاب ليعبر سماء إيران المعتمة مارقًا من الجنوب إلى الشّمال، ثمّ يهوي بسرعة محزنة ويفنى في سناء المجد.  ونرى هالته، نجومًا كثيرة من الأبطال النّشاوى بخمر الله، يشرقون في الأفق نفسه، ويسطعون بالنّور المتوهّج ذاته، ويحترقون بتلك السّرعة عينها.  فيضيفون بدورهم قوّة جديدة إلى تلك القوّة المتزايدة الّتي يستجمعها بثبات دين الله الجديد.

 

        ولم يكن ذلك الّذي وهب الدّفعة الأصليّة لهذه الحركة الفائقة سوى القائم الموعود، صاحب الزّمان الّذي انفرد وحده بحقّ إنهاء دورة القرآن بكلّ ما فيها، والّذي وصف نفسه بقوله: "أنا النّقطة الّتي ذوّت بها من ذوّت...  وإنّني أنا وجه الله الّذي لا يموت ونوره الّذي لا يفوت".  أمّا الأمّة الّتي ظهر فيها فكانت أحطّ أمم العالم المتحضّر، فاضحة في جهلها ضارية في قسوتها مغرقة في تعصّبها، ذليلة في خضوعها لرجال الدّين الّذين كادت الأمّة تؤلّههم.  في خسّتها تذكّرنا ببني إسرائيل في مصر على أيّام موسى، وفي تعصّبها تذكّرنا باليهود على أيّام عيسى، وفي ضلالها تذكّرنا بعبدة الأصنام في جزيرة العرب على أيّام محمّد.  أمّا الأعداء الألدّاء الّذين أنكروا دعواه وجحدوا سلطانه وحاربوا أمره وكادوا ينجحون في إطفاء نوره، ثمّ تهالكوا آخر الأمر وتفكّكوا تحت وقع ظهوره، فلم يكونوا غير علماء الشّيعة.  وبالرّغم من أنّ أعضاء هذه الطّبقة كانوا متوحّشين في تعصّبهم، مغرقين في فسادهم إلى درجة تفوق الوصف، متمتّعين بسيادة لا حدّ لها على العامّة، وبالرّغم من أنّ التّحاسد على المناصب كان ينخر في صدورهم، وأنّهم كانوا يقاومون كلّ جديد متحرّر بلا هوادة ولا رحمة، إلاّ أنّ ألسنتهم كلّت ألف سنة من الدّعوة باسم الإمام الغائب، واحترقت قلوبهم شوقًا لمخرجه، واهتزّت أعواد منابرهم بتمجيد ملكه الّذي سوف يعمّ العالم، وخدلت شفاههم من التّمتمة بإخلاص ودون انقطاع استعجالاً لفرجه.  أمّا الآلات المتطوّعة الّتي استغلّت مناصبها لتنفيذ خطط العدوّ فلم تكن سوى ملوك آل قاجار، ولا أقلّ، محمّد شاه المتعصّب العليل المتذبذب الّذي ألغى زيارة حضرة الباب الوشيكة للعاصمة في آخر لحظة، ثمّ ناصر الدّين شاه الشّاب


الطّائش الّذي صدّق بسهولة على إعدام أسيره.  وأمّا الوغدان الكبيران اللّذان تعاونا مع المحرّضين على هذه المؤامرة الدّنيئة فكانا الصّدرين الأعظمين الحاج ميرزا آقاسي –المعلّم المعبود لمحمّد شاه – وهو رجل فظّ منافق متآمر متقلّب الأطوار، ثمّ ميرزا تقي خان "أمير النّظام" السّفاح المستبدّ المتهوّر.  نفى أوّلهما حضرة الباب إلى قلاع آذربيجان، وأمر ثانيهما بقتله في تبريز.  وشاركهما في كلّ هذا –وفي الجرائم الفظيعة الأخرى– حكومة يساندها قطيع من الأمراء الخاملين الطّفيليّين الصّغار والحكّام الفاسدين العاجزين المتشبّثين بامتيازاتهم المغتصبة والخاضعين خضوعًا تامًّا لنظام مذهبيّ منحطّ انحطاطًا فاضحًا.  وأمّا الأبطال الّذين تشرق أعمالهم في سجلّ هذا الصّراع الرّوحيّ العنيف الّذي شمل الأمّة ورجال الدّين والحكومة والملك جميعًا فكانوا أتباع حضرة الباب المختارين –حروف الحيّ– وصحابتهم فالقي إصباح اليوم الجديد الّذين قاوموا كلّ هذا التّآمر والجهل والفساد والطّغيان والشّعوذة والجبن بروح مجيد قاهر مذهل، وعلم مدهش في عمقه، وفصاحة جارفة في قوّتها وتقوى فريدة في إخلاصها، وشجاعة نادرة في مثالها، وتفانٍ قدسيّ في طهارته، وعزم كالجلمود في صلابته، وإلهام رائع في مداه، وإجلال لرسول الله وأئمّته مبلبل لخواطر خصومهم وقدرة على الإقناع مخيفة لأعدائهم ومستوى من الإيمان ودستور للسّلوك تحدّى حياة مواطنيهم ودفعها إلى التّطوّر.

 

        حدث المشهد الأوّل من الفصل الافتتاحيّ من هذا الحدث العظيم في غرفة علويّة من بيت متوسّط الحال يسكنه ابن تاجر أقمشة من شيراز، ويقع في حيّ متواضع من أحياء المدينة.  وكان الوقت قبيل غروب شمس اليوم الثّاني والعشرين من شهر أيّار 1844م بساعة.  أمّا المشتركان فيه فكانا حضرة الباب، وهو سيّد في الخامسة والعشرين لا تشوب انتسابه إلى العترة الطّاهرة شائبة، والمُلاّ حسين الشّاب، أوّل من يؤمن به.  والظّاهر أنّ لقاءهما قبل ذلك بقليل كان وليد الصّدفة المحضة.  أمّا اللّقاء نفسه فقد طال حتّى مطلع الفجر، حيث بات صاحب البيت منفردًا بضيفه في الغرفة العلويّة.  ولم تكن المدينة النّائمة على علم قليل أو كثير بمضمون ما دار بينهما من حديث.  ولم


ينتقل للأجيال القادمة أيّ تسجيل لتلك اللّيلة الفريدة، اللّهم إلاّ تلك الرّواية الّتي صدرت عن شفتيّ المُلاّ حسين جزئيّة مهلهلة وإن كانت على قسط كبير من التّنوير.

 

        وبعد وصف لطبيعة الأسئلة الّتي وجّهها إلى مضيفه، وللإجابات الشّافية الّتي تلقّاها عنه فلم تدع لديه أيّ مجال للشّكّ أو الرّيب في صحّة دعواه أنّه هو القائم الموعود قال:  "جلست مسحورًا بحديثه، غافلاً عن مضيّ الوقت وعن أولئك الّذين كانوا بانتظاري وفجأة أيقظني المؤذّن من النّشوة الّتي غرقت فيها، وكان يؤذّن لصلاة الفجر!  في تلك اللّيلة يبدو أنّني فزت بكلّ النّعم والألطاف الّتي ذكرها العليّ القدير في كتابه (القرآن الكريم)، وأعدّها لأهل الجنّة.  حتّى لقد ظننت أنّني كنت في بقعة يقال فيها بحقّ "لا يمسّنا فيها نصب ولا يمسّنا فيها لغوب"([2])، "لا يسمعون فيها لغوًا، ولا تأثيمًا إلاّ قيلاً سلامًا سلامًا"([3])، "دعواهم فيها سبحانك اللّهم وتحيّتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله ربّ العالمين"([4]).  ولقد جفاني النّوم في تلك اللّيلة، وغمرتني موسيقى ذلك الصّوت الّذي كان يعلو ويهبط وهو يرتّل، يعلو حين ينزّل آيات "قيّوم الأسماء" ويهبط بنغمة حلوة أثيريّة إذ يتلو المناجاة الّتي ينزّلها.  وعقب كلّ مناجاة كان يكرّر هذه الآية: "سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون، وسلامٌ على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين"([5]).

 

        ويمضي المُلاّ حسين في روايته فيقول:  "نزل عليّ هذا الظّهور فجأة نزول الصّاعقة الّتي خيّل إليّ أنّها عطّلت حواسي وعقلي بعض الوقت.  لقد أعماني بهاؤه وفتنتني عن نفسي قوّته السّاحقة.  وتحرّكت في أعماق روحي مشاعر كثيرة مختلطة من الهيجان والسّرور والذّهول والعَجَب.  وساد كلّ هذه


المشاعر شعور غامر بالسّعادة والقوّة خيّل إليّ أنّه حوّلني تحويلاً.  فلكم كنت أشعر بالعجز والخور والجبن والذّلّة من قبل بحيث لم أكن أستطيع أن أكتب أو أمشي لارتجاف يديّ وقدميّ!  أمّا الآن –وقد سُحق كياني كلّه بمعرفة ظهوره– فلقد شعرت بقوّة وشجاعة خيّل إليّ معهما أنّني أستطيع أن أقف وحيدًا لا أتزعزع في وجه العالم كلّه بكلّ شعوبه وحكّامه.  وبدا لي أنّ الكون لا يزيد على حفنة من التّراب في يدي.  وحسِبْت أنّني صوت جبريل المتجسّد يهيب بالنّاس جميعًا أن "أفيقوا فإنّ نور الصّبح قد لاح.  انهضوا فإنّ أمره قد ظهر.  وفتح باب عنايته وفضله فادخلوا يا أهل الأرض لأنّ موعودكم قد جاء".

 

        على أنّ ضوءًا أكبر دلالة يفيض على هذه القصّة الخاصّة بإعلان رسالة حضرة الباب إذا نحن تصفّحنا "أوّل وأعظم وأكبر" كتب الدّورة البابيّة، وهو "تفسير سورة يوسف" الشّهير الّذي نزّل فصله الأوّل كلّه على وجه التّحقيق من قلم مُنزله الأعلى في تلك الّليلة –ليلة اللّيالي– ذلك أن وصف المُلاّ حسين لهذه القصة مع الصّحائف الأولى من ذلك الكتاب يشهدان بعظمة هذا الإعلان الجسيم وقوّته.  فمن المعالم البارزة لذلك الفيض الأوّل الّذي أشار إلى افتتاح أعظم عصر في حياة البشر الرّوحيّة وحدّد تاريخه، ادّعاء حضرة الباب أنّه هو النّاطق بلسان الله الّذي وعد به الأنبياء السّابقون ولا أقلّ، وتأكيده أنّه في الوقت نفسه مبشّر بمن يفوقه عظمة وجلالاً، ونداؤه لملوك الأرض وأمرائها، وإنذاراته الشّديدة إلى رئيس الدّولة الأعلى –محمّد شاه– ونصيحته للحاج ميرزا آقاسي بأن يتّقي الله، وأمره الحازم له بأن يتنازل عن منصب الصّدر الأعظم للشّاه ويخضع "لوارث الأرض ومن عليها"، وتحدّيه لحكّام الأرض بأن بيّن لهم كفاية أمره، وكشف لهم عن سلطنتهم الزّائلة، ثمّ دعوته إيّاهم إلى أن "انصرفوا عن ملك الله جميعكم"، وأن يبلّغوا رسالته إلى "ما وراء أرضها من مشرق الأرض ومغربها".

 

        بهذا الإعلان التّاريخيّ انبلج فجر عصر يشير إلى ختام كلّ العصور. 


واتّصلت أوّل نفحة من ذلك الإلهام الجبّار بالّذي "لولاه ما استوى الله على عرش رحمانيّته، وما استقرّ على كرسيّ صمدانيّته" حسبما شهد كتاب الإيقان.  على أنّ انضمام حروف الحيّ السّبعة عشر الباقين لم يبدأ إلاّ بعد أربعين يومًا.  ذلك لأنّهم اهتدوا إلى هدف بحثهم تدريجًا ومن تلقاء أنفسهم وبطرق شتّى: منهم من اهتدى إليه في نومه وآخر في اليقظة، ومنهم من استعان بالصّلاة والصّوم ومنهم من رآه في الرّؤى والأحلام.  ومن ثَمَّ انضووا تحت راية الدّين الجديد.  وكان آخر من رُقم اسمه في اللّوح المحفوظ من هؤلاء الحروف -وإن كان أوّلهم مقامًا- القدّوس الشّاب المثقّف الّذي لم يتجاوز الثّانية والعشرين من عمره، والّذي ينتهي نسبه إلى الإمام الحسن، والّذي كان أعظم تلاميذ السّيّد كاظم الرّشتي.  وقبله مباشرة شُرّفت إحدى النّساء بمقام الحواريّين في الدّورة الجديدة.  وكانت الوحيدة من بين بنات جنسها كما كانت الوحيدة الّتي لم تفز بمحضر حضرة الباب من بين زملائها.  كانت شاعرة دون الثّلاثين، كريمة المحتد ساحرة الفتنة، آسرة البلاغة، قاهرة الرّوح، متحرّرة الفكر، جريئة التّصرّف.  خلّدها لسان العظمة "بالطّاهرة"، ولقّبها أستاذها السّيّد كاظم "قرّة العين".  رأت حضرة الباب في نومها فتلقّت بذلك أولى بشارات الدّين الّذي قدّر له أن يمجّدها ويرفعها إلى أوج الشّهرة، كما قدّر لها أن تسكب عليه سناء لا يفنى ببطولتها النّادرة.

 

        استدعى حضرة الباب هذه([6]) "**الحروف الأولى الّتي فاضت عن النّقطة الأولى"، "**ذلك القبيل من الملائكة المقرّبين الّذين وقفوا بين يديّ الرّحمن يوم مجيئه صفًّا"، "**مخازن أسراره" و"**الينابيع الّتي انبثقت من مصدر وحيه وإلهامه" هؤلاء الأصحاب السّابقين الّذين كانوا على حدّ تعبير البيان الفارسيّ "أقرب المقرّبين إلى الله"، تلك "الكواكب الّتي سجدت بين يديّ العرش السّماويّ منذ الأزل وتظلّ تسجد إلى الأبد"، هؤلاء "الشّيوخ"


المذكورين سفر الرّؤيا "الجالسين أمام الله على عروشهم متسربلين بثياب بيض وعلى رؤوسهم أكاليل من ذهب"([7]) استدعاهم إلى محضره -قبل أن يتفرّقوا- وألقى عليهم كلمة الوداع، وعهد إلى كلّ واحد منهم بمهمّته الخاصّة، ودعا بعضهم إلى أن يبذلوا نشاطهم في أقاليمهم المحلّيّة، وطلب إليهم أن يتوخّوا أقصى ما يمكنهم من الحكمة والاعتدال في مسلكهم، وكشف لهم عن سموّ مركزهم، وأكّد لهم ضخامة مسؤوليّاتهم.  وأعاد على مسامعهم تلك الكلمات الّتي خاطب بها السّيّد المسيح حواريّيه، ونبّههم إلى عظمة اليوم الجديد الفائقة، وحذّرهم من أن يخسروا ملكوت الله إن هم انقلبوا على أعقابهم وأكّد لهم أنّهم إن فعلوا ما أمرهم الله به جعلهم الله ورثته وأئمّته بين النّاس، وأشار لهم من طرف خفيّ إلى سرّ يوم أعظم من يومه يوشك أن يجيء، وأمرهم بأن يستعدّوا للقائه.  وذكّرهم بانتصار إبراهيم على نمرود، وموسى على فرعون، وعيسى على اليهود، ومحمّد على قبائل العرب، وطمأنهم إلى ارتفاع أمره في النّهاية ارتفاعًا لا مفرّ منه.  وإلى المُلاّ حسين عهد بمهمّة أكثر خصوصيّة وأعظم مضمونًا، وأكّد أنّ ميثاقه معه قد أبرم، وأوصاه بأن يكون ليّن الجانب مع من يلقاهم من رجال الدّين، وأرشده إلى أن يتوجّه إلى طهران، وبأشدّ العبارات إشراقًا لوّح بذلك السّرّ المحجوب المودع في تلك المدينة، مؤكّدًا أنّه سرّ يفوق في بهائه النّور الّذي أشرق من أفق الحجاز وشيراز معًا.

 

        انطلقت هذه النّيّرات الّتي تؤلّف مع حضرة الباب "الواحد الأوّل" لدورة البيان إلى العمل، وقد حفّزهم إليه شرف ذلك التّفويض والانتداب الّذي أسبغ عليهم، فانتشروا وتفرّقوا في أقاليم بلادهم حيث قاوموا ببسالة نادرة الهجمات البربريّة العنيدة الّتي شنّتها القوى المحتشدة ضدّهم، وخلّدوا دينهم بمآثرهم ومآثر إخوانهم في الدّين، وأثاروا بذلك هياجًا اهتزّت له بلادهم من أدناها إلى أقصاها، وسرت أصداء ذلك الهياج مدوّية مجلجلة حتّى بلغت عواصم أوروبّا الغربيّة.


        ولم يقرّر حضرة الباب القيام بحجِّهِ الطّويل الشّاقّ إلى مقامات أجداده إلاّ بعد أن تلقّى الرّسالة المرتقبة الّتي أرسلها المُلاّ حسين نائبه الأمين المحبوب، تبشّره باجتماعه بحضرة بهاء الله.  وفي شهر شعبان 1260ﻫ (أيلول 1844م) تقدّم حفيد فاطمة الزّهراء عن أبيه وأمّه وسليل الحسين، أعظم من كان له حقّ خلافة رسول الله ليزور الكعبة، محقّقًا بذلك نبوءات الأحاديث الإسلاميّة.  فركب في سفينة شراعيّة من بوشهر في التّاسع عشر من رمضان (تشرين الأوّل 1844م) يصحبه القدّوس الّذي كان حضرته يعدّه في صبر وأناة ليحتلّ مركزه المقبل.  وبعد رحلة عاصفة دامت أكثر من شهر نزل في جدّة، وأحرم وركب جملاً انطلق به إلى مكّة فبلغها في غرّة ذي الحجّة (12 كانون الأوّل) وصحب القدّوس مولاه إلى الكعبة سائرًا على قدميه آخذًا بزمام مطيّته.  ويروي مؤرّخه (النّبيل) أنّ مظهر الله الّذي جاء حاجًّا من شيراز انقطع للتّعبّد في يوم عرفة وفي يوم النّحر تقدّم إلى مِنى، ونحر حسب المناسك، ولكنّه نحر تسع عشرة شاة: تسعًا باسمه، وسبعًا باسم القدّوس، وثلاثًا باسم الخادم الحبشيّ الّذي قام على خدمته.  ثمّ طاف حول الكعبة مع الطّائفين وأقام شعائر الحجّ وأدّى مناسكه.

 

        ولقد تميّزت زيارته للحجاز بحادثتين على جانب خاصّ من الأهمّيّة كانت أولاهما إعلانه لدعوته وتحدّيه السّافر لميرزا محيط الكرماني المتكبّر، وهو أحد أقطاب الشّيخيّة البارزين.  وكان ميرزا محيط يتمادى في بعض الأحيان إلى حدّ أكّد استقلاله عن زعامة تلك الطّائفة الّتي تولاّها بعد وفاة السّيّد كاظم (الرّشتي) الحاج محمّد كريم خان العدوّ اللّدود لأمر حضرة الباب.  وأمّا الحادثة الثّانية فكانت دعوته شريف مكّة وسادن بيت الله الحرام إلى أن يؤمن بالظّهور الجديد وذلك بواسطة رسالة حملها القدّوس إليه.  إلاّ أنّ الشّريف لم يستجب له لانهماكه في شؤونه الخاصّة.  ولكنّه علم بعد سبع سنوات من سياق حديث له مع رجل يدعى الحاج نياز البغدادي بالظّروف الّتي أحاطت دعوة مظهر الله الشّيرازيّ واستشهاده.  فاستمع بانتباه إلى وصف


تلك الحوادث، وعبّر عن سخطه وحزنه لهذا المصير الأليم الّذي صار إليه.

 

        وأشارت زيارة حضرة الباب للمدينة المنوّرة إلى نهاية حجّه.  فرجع إلى جدّة ومنها إلى بوشهر.  وكان من أوائل ما فعله هناك أن ودّع رفيقه وحواريّه الوداع الأخير، وأكّد له أنّه سوف يلتقي بمحبوب قلوبهم، كما بيّن له أنّه سوف يتوّج حياته بتاج الشّهادة، وأنّه هو نفسه سوف يلقى بعده مصيرًا مشابهًا على يد عدوّهما المشترك.

 

        وكانت عودة حضرة الباب إلى وطنه في صفر 1261ﻫ (شباط- آذار 1845م) إيذانًا بحدوث هياج يعمّ البلاد بأسرها.  ذلك لأنّ النّار الّتي أوقدها بإعلانه دعوته كانت تزداد اشتعالاً بفضل تشتّت أصحابه المختارين ونشاطهم حتّى ألهبت عواطف الصّديق والعدوّ على السّواء في مدّة لا تزيد عن سنتين.  بل إنّ اندلاع ألسنتها لم ينتظر عودة الّذي أشعلها.  فالواقع أنّ مضامين الظّهور الّذي ألقى ثقله -بكلّ هذه القوّة- على أمّة تبلغ هذا المبلغ من الانحلال والتّفكّك وحدّة الطّبع لم يكن لها بدّ من أن تثير في صدور النّاس أعنف مشاعر الخوف والبغض والغضب والحسد.  حقًّا، إنّ الدّين الّذي لم يقنع صاحبه بأن يدّعي لنفسه مقام "باب الإمام الغائب" وإنّما ادّعى مقامًا يفوق مقام "صاحب الزّمان"، واعتبر نفسه بشيرًا يسعى بين يديّ من هو أعظم منه عظمة لا تجارى ولا تبارى، ولم يكتفِ بأن يأمر رعايا الشّاه بالتّخلّي عن كلّ شيء واتّباعه بل وأمر الشّاه نفسه وملوك الأرض وأمراءها جميعًا أمرًا حاسمًا بذلك، مدّعيًا أنّه هو وارث الأرض ومن عليها.  والدّين الّذي تحدّت تعاليمه وأحكامه ومبادؤه الاجتماعيّة ومستوياته الخلقيّة كلّ الكيان الاجتماعيّ الّذي ولد في أحضانه استطاع أن يحشد العامّة والخاصّة ويجنّدهم عن بكرة أبيهم وراء شيوخهم وملكهم ووزرائه وحكومته، وأن يصهرهم جميعًا في قالب مقاومة آلت على نفسها أن تقضي قضاء مبرمًا على حركة قام بها من اعتبروه دعيًّا فاسقًا مارقًا، وأن تقتلعها فروعًا وأصولاً.

 

        بعودة حضرة الباب إلى شيراز يمكن أن يقال إنّ التّصادم الأوّل بين


القوّتين اللّتين لا يمكن التّوفيق بينهما قد بدأ.  فلقد تجرّأ المُلاّ علي البسطامي النّشيط المقدام، وهو أحد حروف الحيّ "وأوّل من يغادر بيت الله (شيراز) وأوّل من يضحّي في سبيله" وذكر أمام أحد أقطاب الشّيعة -الشّيخ محمّد حسن الذّائع الصّيت- أنّه نزّل من قلم مولاه في ظرف ثمانٍ وأربعين ساعة من الآيات ما يفوق حجم القرآن الّذي نزّل في ثلاثة وعشرين عامًا كاملاً.  فكفّروه وكبّلوه بالسّلاسل والأغلال وأهانوه وسجنوه وأغلب الظّنّ أنّهم قتلوه.  أمّا المُلاّ صادق الخراساني فقد دفعه ما أمر به حضرة الباب في "الخصائل السّبعة" من تغيير صفة الأذان التّقليديّ إلى أن يؤذّنه بصورته المعدّلة على مسمع من طائفة من أهل شيراز، الأمر الّذي صدمهم وأثار استنكارهم الشّديد فألقوا القبض عليه على الفور، وأهانوه وخلعوا ملابسه وجلدوه ألف جلدة.  وأمر حسين خان نظام الدّولة حاكم إقليم فارس الخسيس الّذي قرأ التّحدّي في "قيّوم الأسماء"، بأن يعاقب المُلاّ صادق والقدّوس وأحد المؤمنين الآخرين عقابًا علنيًّا سريعًا، فأحرقوا لحاهم وخرموا أنوفهم وطافوا بهم في الشّوارع والطّرقات على هذا النّحو المزري ثمّ طردوهم من المدينة.

 

        وبلغ الجنون بأهل شيراز كلّ مبلغ واحتدم الجدل في المساجد والمدارس والأسواق وغيرها من الأماكن العامّة.  واضطرب حبل الأمن والسّلام أيّما اضطراب، وبدأ الشّيوخ الخائفون الحاسدون الغاضبون كلّ الغضب يدركون حرج مركزهم.  فأمر الحاكم الّذي انخلع قلبه من الخوف، بأن يلقى القبض على حضرة الباب.  فجيء به إلى شيراز تحت الحراسة المشدّدة وعنّف تعنيفًا شديدًا بمحضر من حسين خان، ولطم على وجهه لطمة قويّة أسقطت عمامته عن رأسه.  وبفضل شفاعة إمام الجمعة أطلق سراحه بالضّمان الشّخصيّ، وعهد به إلى خاله الحاج ميرزا سيّد علي.  وتلا ذلك هدوء قصير، مكّن الشّابّ الأسير من أن يحتفل مع والدته وزوجته وخاله بنوروز هذه السّنة والسّنة الّتي تلتها في جوّ من الهدوء النّسبيّ.  وفي تلك الأثناء كانت حمّى الحماسة الّتي انتابت أتباعه تسري إلى رجال الدّين وطبقات التّجّار وتغزو دوائر المجتمع العليا.  فاكتسحت البلاد جميعًا موجة


من الاستفسارات الحارّة.  وكانت الجموع العديدة تستمع في عجب إلى الشّهادات وهي تتدفّق في بلاغة وجرأة من أفواه رسل حضرة الباب السّيّارين.

 

        ولقد بلغ الهياج مبلغًا لم يعد الشّاه يستطيع أن يتجاهله.  فانتدب السّيّد يحيى الدّارابي أمينه الملقّب بوحيد، وكان من أفقه علماء عصره وأبلغهم وأشدّهم تأثيرًا في قومه.  وكان يحفظ ما لا يقلّ عن ثلاثين ألف حديث، وأرسله ليتحرّى الأمر ويطلعه على جليّته.  وكان وحيد واسع الأفق مستنيرًا عالي الهمّة شديد الاتّصال بالبلاط.  وبعد أن التقى بحضرة الباب ثلاث مرّات انجذب إليه كلّيّة متأثّرًا بشخصيّته ومنطقه، في اللّقاء الأوّل دار بحثهما حول علم الكلام الإسلاميّ وحول معضلات القرآن وأحاديث الأئمّة ونبوءاتهم.  وفي اللّقاء الثّاني ذهل وحيد حين وجد الأسئلة الّتي أضمرها في نفسه تتلاشى من ذاكرته القويّة.  ولكنّ ذهوله كان أعظم وأعظم عندما تبيّن أنّ حضرة الباب كان يجيبه عن نفس الأسئلة الّتي نسيها.  وفي اللّقاء الثّالث حيّرت مندوب الشّاه ملابسات تنزيل حضرة الباب لتفسير سورة الكوثر مشتملاً على ما لا يقلّ عن ألفيّ (2000) آية، حيرة جعلته يكتب إلى رئيس البلاط تقريرًا ويكتفي بإرساله، ونهض بعد ذلك ليهب حياته وثروته كلّها لخدمة الدّين الّذي كافأه بتاج الشّهادة أثناء واقعة نيريز وهكذا نرى هذا الّذي صمّم تصميمًا قاطعًا على أن يفنّد مزاعم السّيّد الشّيرازي المغمور، ويقنعه بالعدول عن ادّعاءاته، ويصطحبه معه إلى طهران شاهدًا على انتصاره عليه، يعترف فيما بعد بأنّه "أقلّ من التّراب الّذي تحت قدميه".  بل إنّ حسين خان -الذي استضاف وحيدًا أثناء إقامته في شيراز- اضطرَّ إلى أن يكتب للشّاه معبّرًا عن اعتقاده الجازم بأنّ مندوبه النّابه قد أصبح بابيًّا.

 

        وهناك نصير شهير آخر لأمر حضرة الباب، أكثر همّة وحماسًا من وحيد ويكاد يضاهيه في المنزلة ألا وهو المُلاّ محمّد علي الزّنجاني الملقّب بالحجّة، وكان أخباريًّا([8])، مجادلاً شديد الوطأة جريء القلب متحرّر الفكر،


يضيق ذرعًا بالقيود.  وكان رجلاً بلغت به الجرأة أن أدان النّظام المذهبيّ من أوّل الأبواب الأربعة إلى أبسط الشّيوخ.  واستطاع بمواهبه الفائقة وفصاحته الدّافقة أن يفحم أعداء مذهبه الشّيعيّ على رؤوس الأشهاد أكثر من مرّة.  كان من العسير على مثل هذا الرّجل أن يقف مكتوف اليدين إزاء أمر يحدث كلّ هذا الانقسام بين مواطنيه.  فأرسل أحد تلاميذه إلى شيراز ليتحرّى الأمر ويقف على جليّته.  غير أنّ التّلميذ وقع من فوره أسيرًا لسحر حضرة الباب.  وكانت مجرّد مطالعة الحجّة لصفحة واحدة من "قيّوم الأسماء" أتاه بها ذلك التّلميذ كافيةً لأن تحدث فيه من التّحوّل ما جعله يصرّح أمام علماء مدينته المجتمعين بأنّ صاحب هذا الكتاب لو حكم على النّهار بأنّه ليل وعلى الشّمس بأنّها ظلّ لما تردّد هو في الإيمان بما حكم به.

 

        وثمّة جنديّ آخر انضمّ إلى جيش الدّين الجديد المتضخّم.  وهو العالم العلاّمة ميرزا أحمد الأزغندي أعلم علماء خراسان وأحكمهم وأبرزهم.  وكان قد جمع -انتظارًا لمجيء القائم الموعود- ما يزيد عن اثني عشر ألف حديث ونبوءة تتّصل كلّها بطبيعة الظّهور المنتظر وزمانه وأذاعها بين زملائه، وشجّعهم على الاستشهاد بها في كلّ جمع وحشد.

 

        وبينما كانت الحال تزداد تدهورًا في الأقاليم الأخرى، كانت عداوة أهل شيراز تبلغ الذّروة.  فلقد ضايق حسين خان القاسي المحبّ للانتقام ما أرسله إليه جواسيسه وعيونه السّاهرون من تقارير تقول بأنّ قوّة الأسير وشهرته تزدادان ساعة بعد أخرى.  فصمّم على أن يخطو خطوة مباشرة حاسمة بل إنّه يقال إنّ شريكه الحاج ميرزا آقاسي كان أمره من قبل بأن يقتل حضرة الباب غيلة بدعوى أنّه لو أطلق له العنان لدمّر المملكة وهدم دينها الرّاسخ.  وبأمر من الحاكم تسوّر عبد الحميد خان كبير الضّبّاط السّور في جنح اللّيل، ودخل منزل الحاج ميرزا سيّد علي حيث كان حضرة الباب معتقلاً، وألقى القبض عليه وصادر جميع كتبه ووثائقه.  إلاّ أنّه في تلك اللّيلة حدثت حادثة مفاجئة


دبّرتها العناية الإلهيّة دون شكّ لكي تفسد على المتآمرين خططهم، وتمكّن هدف كراهيّتهم (حضرة الباب) من أن يطيل ولايته ويتمّ رسالته.  فقد تفشّى وباء الكوليرا فجأة، وفتك منذ أن تفشّى في منتصف اللّيل بما يزيد على مائة شخص.  وداخل كلّ قلب الرّعب من الوباء، وبات أهل المدينة الموبوءة يفرّون مضطربين بين صرخات الألم والفزع، ومات ثلاثة من خدم الحاكم وسقط أفراد أسرته يقاسون من المرض.  فولّى الحاكم الأدبار يائسًا إلى حديقة له خارج المدينة تاركًا وراءه الموتى دون دفن.  فلمّا واجه عبد الحميد خان هذا الموقف غير المنتظر قرّر أن يسوق حضرة الباب إلى منزله، وما أن بلغ المنزل حتّى تملّكه الرّعب والفزع، فقد علم بأنّ ولده يعالج سكرات الموت من الوباء.  فألقى بنفسه يائسًا على قدميّ حضرة الباب، متوسّلاً إليه أن يغفر له وألاّ يحمِّل الولد أوزار أبيه، وأقسم على أن يستقيل من منصبه وألاّ يقبل منصبًا مثله من بعد أبدًا.  فلمّا رأى دعاءه قد استجيب أرسل التّماسًا إلى الحاكم يرجوه فيه أن يطلق سراح الأسير فيعفي بذلك المدينة من هذا الوباء الوبيل، فاستجاب حسين خان لرجائه وأطلق سراح سجينه على شرط أن يغادر المدينة.

 

        وبعد أن حفظت العناية الإلهيّة السّاهرة حضرة الباب على هذا النّحو المعجز تقدّم إلى إصفهان (في أيلول 1846م) يصحبه السّيّد كاظم الزّنجاني.  وأعقب ذلك فترة أخرى من الهدوء النّسبيّ استجمعت خلالها العمليّات الإلهيّة المنطلقة قوّة جديدة عجّلت بسلسلة من الحوادث الّتي أدّت إلى سجن حضرة الباب في قلعتيّ ماه كو وچهريق وانتهت باستشهاده في ساحة الثّكنة العسكريّة بتبريز.  ولمّا كان حضرة الباب يعلم تمام العلم بالمحن الوشيكة الحدوث فقد تنازل لأمّه ولزوجته عن كلّ ممتلكاته قبل أن يفارق أسرته الفراق الأخير، وأفضى لزوجته بسرّ ما سوف يحلّ به من المحن.  وأنزل لها مناجاة خاصّة أكّد لها أنّ تلاوتها تذهب عنها الحزن والاضطراب.  وقضى الأيّام الأربعين الأولى من إقامته في إصفهان ضيفًا على ميرزا سيّد محمّد سلطان العلماء، إمام الجمعة، وهو أحد رجال الدّين المبجّلين في كلّ أنحاء


المملكة.  وكانت هذه الضّيافة بناء على تعليمات حاكم المدينة منوچهر خان معتمد الدّولة الّذي تسلّم من حضرة الباب رسالة يطلب منه فيها أن يعيّن له مكان إقامته.  ولقد استقبل حضرة الباب استقبالاً حافلاً، وبلغ من تأثير سحره الّذي أسر به أهل المدينة أنّ جماعة من أهلها اندفعوا أثناء عودته من الحمّام العامّ ذات مرّة يطلبون الماء الّذي استحمّ به.  بل لقد بلغ من جاذبيّته أن مضيفه كان يصرّ على أن يقوم على خدمته بنفسه متجاهلاً مكانته الرّفيعة.  ونزولاً عند رغبة ذلك العالم الجليل أنزل حضرة الباب -ذات ليلة بعد العشاء- تفسيره الشّهير لسورة "والعصر" فأخذ يكتب بسرعة مدهشة، وأنزل في بضع ساعات ما يعادل ثلث القرآن من الآيات الّتي تنصبّ كلّها على تفسير الحرف الأوّل من السّورة (أي الواو) وهو حرف بالغ الشّيخ أحمد الإحسائي في التّنبيه عليه، وأشار إليه حضرة بهاء الله في الكتاب الأقدس، وهو عمل ملأ قلوب الحاضرين بفيض من الإعجاب والدّهشة والخشوع حتّى أنّهم نهضوا وقبّلوا أذيال ثوبه.

 

        وفي تلك الأثناء كانت الحماسة الفيّاضة الّتي أبداها أهل إصفهان تزداد بوضوح.  وكانت الجموع الّتي يدفع بعضها الفضول، ويدفع بعضها الآخر التّعطّش للحقيقة، ويدفع بعضها الثّالث اللّهفة على الشّفاء من عللهم وأمراضهم، يتقاطرون من كلّ حيّ من أحياء المدينة على منزل إمام الجمعة، بل إنّ منوچهر خان الرّزين الحكيم لم يتمالك نفسه من زيارة شخصيّة فذّة ذات جاذبيّة إلى هذا الحدّ.  وكان منوچهر خان مسيحيًّا من أهل جورجيا.  وأمام جمع حاشد من رجال الدّين النّابهين طلب إلى حضرة الباب أن يثبت له صدق رسالة محمّد رسول الله الخاصّة، فاستجاب حضرة الباب من فوره لهذا الطّلب الّذي كان الحاضرون يشعرون بالحرج من الاستجابة له.  وفي أقلّ من ساعتين، وفي خمسين صحيفة، أنزل حضرة الباب بحثًا دقيقًا قويًّا بليغًا في هذا الموضوع الرّفيع.  ليس هذا فحسب، بل إنّه ربطه كذلك بقدوم القائم الموعود ورجعة الإمام الحسين، وبلغ البحث من الإقناع حدًّا دفع منوچهر خان إلى أن يعلن على رؤوس الأشهاد إيمانه بالإسلام ونبيّ الإسلام واعترافه


بالمواهب اللّدنيّة الّتي امتاز بها صاحب البحث الّذي بلغ هذا المبلغ من قوّة الإقناع.

 

        هذه الشّواهد الدّالّة على السّيادة المتزايدة الّتي يحرزها هذا الشّاب غير المتعلّم على الحاكم وعلى أهل المدينة الّتي تعدّ بحقّ معقلاً من معاقل الشّيعة أفزعت المقامات الدّينيّة.  فامتنع الشّيوخ عن إتيان أيّ عمل عدائيّ سافر يعلمون علم اليقين أنّه يفسد عليهم خطّتهم، ولكنّهم حاولوا عن طريق ترويج أشنع الإشاعات أن يحرّضوا الصّدر الأعظم على أن يتدارك موقفًا يزداد حدّة وتهديدًا ساعة بعد أخرى، فالشّهرة الّتي يتمتّع بها حضرة الباب ووقاره وهيبته، والتّشريف الّذي يتلقّاه به مواطنوه بلغ أقصى غاياته آنذاك.  وسرعان ما أخذت ظلال المصير الدّاهم تتجمّع بسرعة من حوله.  وتلاحقت -منذ ذلك الوقت إلى النّهاية- سلسلة من المآسي الّتي كان مقدّرًا لها أن تنتهي باستشهاده وخمود دينه خمودًا ظاهريًّا.

 

        فلقد نشط الحاج ميرزا آقاسي المستبدّ الماكر كما لم ينشط من قبل خشية أن يطوّق حضرة الباب مليكه بنفوذه فيختم بذلك على مصيره.  وقد عنّف إمام الجمعة على تقصيره في أداء الواجب المقدّس، وكان دافعه في ذلك ارتيابه من أنّ حضرة الباب يتمتّع سرًّا بعطف معتمد الدّولة وعلمه بأنّ الأخير هو موضع ثقة الشّاه.  وفي الوقت نفسه كتب خطابات عديدة إلى علماء إصفهان يتملّقهم فيها، ولم يكن من قبل يقيم لهم وزنًا.  فأخذ رجال الدّين الّذين حُرِّضوا يطعنون ويكيلون السّباب من المنابر لمؤسّس هذه النّحلة الّتي بدت لهم كفرًا وإلحادًا كريهًا يجب توقّيه والخوف منه.  بل لقد حرّض الشّاه نفسه على استدعاء حضرة الباب إلى عاصمة ملكه.  فلمّا أمر منوچهر خان باتّخاذ التّدابير الرّامية إلى إرساله حضرته عزم على أن يحوّل إقامته إلى منزله الخاصّ بصفة مؤقّتة.  وفي الوقت نفسه اجتمع المجتهدون والعلماء الّذين أفزعتهم علامات هذا التّأثير النّفّاذ، وأصدروا فتوى ملئت سبابًا وقحًا وختمها كبار رجال الدّين في المدينة اتّهموا فيها حضرة الباب بالمروق من


الدّين وأفتوا بقتله.  بل إنّ إمام الجمعة نفسه أرغم على أن يشهد بخطّ يده بأنّ المتّهم مجرّد من العقل والمنطق.  وضاق معتمد الدّولة بذلك ذرعًا فدبّر خطّة لكي يهدّئ الخواطر الثّائرة، فأوحى إلى الأهلين الّذين كانوا يزدادون هياجًا بأنّ حضرة الباب قد رحل إلى طهران.  وفي الوقت نفسه هيّأ له استراحة قصيرة قوامها أربعة أشهر في "عمارة خورشيد" وهي قصر الحاكم الخاصّ في إصفهان.  وفي تلك الأيّام أبدى المضيف لضيفه رغبته في وقف كلّ أمواله الّتي قدّرها معاصروه بما لا يقلّ عن أربعين مليون فرنك لترقية مصالح الدّين الجديد، وأعلن له عن عزمه على تحويل محمّد شاه إلى الدّين الجديد، وإقناعه بالتّخلّص من صدره الأعظم الفاسق المخزي، والحصول من الشّاه على موافقته على أن يتزوّج حضرة الباب من إحدى أخواته.  إلاّ أنّ الموت اختطف معتمد الدّولة فجأة كما سبق أن تنبّأ له حضرة الباب.  فعجّل ذلك بالأزمة المقتربة، ذلك لأنّ نائب الحاكم -گُرگين خان الغليظ القلب الطّمّاع- حرّض الشّاه على أن يصدر استدعاء آخر للشّاب الأسير على أن يذهب متخفّيًا إلى طهران في حراسة جماعة من الفرسان.  ولم يتردّد گُرگين خان الوغد، الّذي اكتشف من قبل وصيّة عمّه معتمد الدّولة وأتلفها واستولى على أمواله، في أن يستجيب لتفويض الشّاه المكتوب.  وبينما هم في قلعة كنار گرد على بعد أقلّ من ثلاثين ميلاً من العاصمة، جاء رسول وسلّم محمّد بك رئيس الحرس أمرًا كتابيًّا من الحاج ميرزا آقاسي يأمره فيه بأن يتّجه إلى گُلين ويتوقّف هناك إلى أن تصدر إليه تعليمات أخرى.  وبعد ذلك بقليل تلقّى حضرة الباب رسالة من الشّاه في ربيع الثّاني 1263ﻫ (19 آذار – 17 نيسان 1847م) وهي وإن كانت مهذّبة العبارات إلاّ أنّها تكشف عن مدى التّأثير السّيّء الّذي كان للصّدر الأعظم على مولاه.  وهكذا فشلت كلّ الخطط الّتي طالما علّق عليها منوچهر خان الآمال.  وكان المكان الّذي عيّنه محمّد شاه معتقلاً لحضرة الباب بنصيحة الصّدر الأعظم الغدّار هو قلعة ماه كو غير البعيدة عن القرية الّتي تسمّى بهذا الاسم وتقع في أقصى الشّمال الغربيّ من آذربيجان.  ومن قديم كان أهلها ينعمون بحماية الصّدر الأعظم.  ولم يؤذن له


في أن يصطحب معه من أتباعه إلاّ تابعًا واحدًا وخادمًا واحدًا يؤنسانه في تلك الجهات الجرداء الموحشة.  وبذلك نجح هذا الوزير السّليط المحتال الّذي احتجّ بضرورة تفرّغ مولاه لقمع ثورة في خراسان مؤخّرًا وأخرى في كرمان، في إحباط خطّة لو قدّر لها أن تتحقّق لكان لها أصداء بعيدة المدى في مصيره ومصير حكومته ومولاه وشعبه على السّواء.


الفصل الثّاني

 

اعتقال حضرة الباب في آذربيجان

 

          إنّ الفترة الّتي نفي فيها حضرة الباب إلى جبال آذربيجان والّتي دامت ما لا يقلّ عن ثلاث سنوات، هي أحزن وأعنف أطوار ولايته الّتي لم تزد عن ستّ سنوات كما أنّها أخصبها وأحفلها باعتبار من الاعتبارات.  فهي تشتمل على تسعة أشهر من الاعتقال المتّصل في قلعة ماه كو ثمّ الاعتقال في قلعة چهريق اعتقالاً لم يتخلّله سوى زيارة لتبريز قصيرة ولكنّها لا تنسى.  وقد عمل العداء المستحكم الصّاعد الّذي أبداه كلّ من العدوّين القديرين الحاج ميرزا آقاسي الوزير الأوّل لمحمّد شاه، وأمير النّظام الوزير الأوّل لناصر الدّين شاه على إلقاء الظّلال القاتمة على هذه الفترة من أوّلها إلى آخرها وهي تضاهي أحرج مراحل ولاية حضرة بهاء الله حين واجه السّلطان عبد العزيز الجائر ووزيريه عالي باشا وفؤاد باشا أثناء نفيه إلى أدرنه، كما تشابه أحلك أيّام حضرة عبد البهاء في الأرض المقدّسة تحت حكم السّلطان عبد الحميد المستبدّ الطّاغية وجمال باشا الّذي لا يقلّ عنه طغيانًا.  شيراز شهدت إعلان حضرة الباب التّاريخيّ فهي ساحته الخالدة، وإصفهان قدّمت له –على عجل– ملاذًا تمتّع فيه بقسط من الأمن والسّلام، وأمّا آذربيجان فقد قدّر لها أن تكون مشهدًا لتباريح العذاب والاستشهاد.  ولسوف يسجّل التّاريخ هذه السّنوات الخواتم من حياته الأرضيّة على أنّها فترة اكتمل فيها نموّ الدّورة الجديدة، وتأكّدت دعوى مؤسّسها بصورة كاملة على رؤوس الأشهاد، وقدّرت فيها شرائعها، وأبرم ميثاق صاحبها إبرامًا، وأشهر فيها استقلالها وتوهّجت بطولة أبطالها في مجد لا يفنى.  ففي خلال هذه السّنوات الشّديدة العنف الحافلة بتصاريف القدر كشفت مكنونات مقام حضرة الباب بتمامها


لأصحابه، بل وأعلنها حضرة الباب رسميًا في عاصمة آذربيجان بمحضر من وليّ العهد، ونزل البيان الفارسيّ مخزن أحكام حضرة الباب، وتحدّد موعد دورة "من يظهره الله" وطبيعتها تحديدًا لا يرقى إليه شكّ، وأنهى مؤتمر بدشت العمل بالنّظام القديم، واندلعت نيران الفتن العظيمة في مازندران ونيريز وزنجان. 

 

          ومع ذلك تصوّر الحاج ميرزا آقاسي الأحمق قصير النّظر أنّه قد وأد الحركة في مهدها وأنّه يوشك أن ينتصر على مؤسّسها انتصارًا حاسمًا بعد أن أحبط خطّته الرّامية إلى لقاء الشّاه وجهًا لوجه في العاصمة، وأقصاه إلى أقصى ركن في المملكة، وقلّما تصوّر أنّ نفس هذه العزلة الّتي فرضها على سجينه سوف تمكّنه من أن يطوّر ذلك النّظام الّذي يراد به أن يجسّد روح دينه، وتتيح له فرصة حمايته من التّفكّك والانقسام، وإشهار دعوته رسميًّا وبلا تحفّظ.  قلّما تصوّر أنّ هذا السّجن سوف يحثّ أصحاب السّجين ورفاقه المقهورين على تحطيم أغلال الفكر الدّينيّ العتيق، وعلى الإسراع بالأحداث الّتي تتطلّب منهم إقدامًا وجرأة وإنكارًا للذّات لا عهد لتاريخ وطنهم بمثلها من قبل.  قلّما تصوّر أنّه بذلك يعمل على تحقيق حديث صحيح صدر عن نبيّ الإسلام يتعلّق بالأحداث الّتي لا بدّ من حدوثها في آذربيجان.  ولم يتّعظ الصّدر الأعظم بحاكم شيراز الّذي فرّ فرارًا مخزيًا، وأطلق سراح أسيره عندما تجرّع أوّل جرعة من غضب الله المنتقم وهو فزع يرتجف، وإنّما أخذ بدوره يدّخر لنفسه غضبًا إلهيًّا شديدًا محتومًا، ويمهّد السّبيل لسقوطه نتيجة تلك الأوامر الّتي أصدرها.

 

          كانت أوامره لعلي خان مستحفظ قلعة ماه كو شديدة واضحة، وفي الطّريق إلى تلك القلعة أمضى حضرة الباب في تبريز عدّة أيّام تميّزت من جانب الأهلين بحماسة بلغت من القوّة بحيث لم يسمح لأحد من النّاس ولا من أتباعه بأن يلقاه اللّهمّ إلاّ نفر قليل.  وكانت صيحة "الله أكبر" تتعالى من كلّ جانب وهو يمرّ في شوارع المدينة بين حرّاسه.  ولقد تفاقم الهرج والمرج


في المدينة حتّى لقد أمر المنادي بأن ينادي في النّاس منذرًا ومهدّدًا كلّ من يتجاسر على التّماس لقاء حضرة الباب بالسّجن ومصادرة الممتلكات.  وعند وصوله إلى ماه كو –الّتي لقّبها ﺒ"الجبل الباسط"– لم يسمح لأحد بأن يراه في الأسبوعين الأوّلين عدا كاتب وحيه السّيّد حسين وأخيه.  ولقد بلغ به البؤس في تلك القلعة شأنًا عبّر عنه في كتاب البيان الفارسيّ أنّه لم يكن لديه مصباح يضيء له في ظلمة اللّيل، وأنّ زنزانته الّتي بنيت من اللِّبن كانت تفتقر حتّى إلى باب، على حين شـكا في لوحه لمحمّد شاه من أنّ نزلاء القلعة عهد بهم إلى حارسين وأربعة كلاب.

 

          كان سجين ماه كو يعيش منعزلاً على ذرى جبل قصيّ يقع –في خطورة– على حدود الإمبراطوريّة العثمانيّة والإمبراطوريّة الرّوسيّة سجينًا بين جدران سميكة في قلعة حصينة ذات أربعة أبراج، نائيًا عن أهل بيته وعن ذويه وأصحابه.  كان يعيش قريبًا من قوم متعصّبين مشاغبين يختلفون عن الغالبيّة العظمى من أهل إيران من حيث الجنس والعادات واللّغة والمذهب، يحرسه أهل إقليم يختصّه الصّدر الأعظم برعايته لأنّه مسقط رأسه.  ولذلك خيّل لعدوه أنّ سجينه هذا قد قضي عليه بأن يفني زهرة شبابه هناك، وأنّه لن يلبث طويلاً حتّى يرى آماله تنهار أمام عينيه بصورة كاملة.  إلاّ أنّ هذا العدوّ سرعان ما تبيّن له أيّ حكم بعيد عن الصّواب حكم به على سجينه وعلى الّذين اختصّهم برعايته.  ذلك لأنّ القوم الغلاظ المتكبّرين المتهوّرين بدأوا يخضعون لوداعة حضرة الباب شيئًا فشيئًا، ويحسّون بالطّهارة في ذواتهم من تواضعه ويستنيرون بنصائحه ويتعلّمون من حكمته.  بل لقد بلغ من إغراقهم في محبّته أنّ أوّل شيء كانوا يعمدون إليه كلّ صباح هو أن يبحثوا عن مكان يمكنهم منه أن يلمحوا وجهه، وأن يلتمسوا منه على البعد أن يبارك لهم أعمالهم.  كلّ ذلك رغم احتجاجات علي خان المتسلّط، ورغم الإنذارات والتّهديدات المتكرّرة بالويل والثّبور الّتي كانت ترد من طهران.  وكان إذا تنازع خصمان ذهبا إلى سفح الجبل، ونظرا إلى حيث هو من القلعة، ناشد كلّ منها الآخر أن يقول الصّدق.  لا، بل إنّ علي خان المتسلّط نفسه رأى رؤية غريبة اغتمّ


لها فاضطرّ إلى أن يخفّف من حدّة إجراءاته تكفيرًا منه عمّا سلف، وبلغ من تساهله أنّه أخذ يسمح لسيل متزايد من الزّائرين المتعطّشين المخلصين بدخول القلعة.  وكان من بينهم المُلاّ حسين المثابر المغوار الّذي قطع الطّريق على قدميه من مشهد في شرق إيران إلى ماه كو في غربها الأقصى، واستطاع بعد هذه الرّحلة المضنية أن يحتفل بالنّوروز (1848م) مع محبوبه.

 

          على أنّ الجواسيس المكلّفين بمراقبة علي خان أخطروا الحاج ميرزا آقاسي بما آلت إليه الأمور.  فعزم على أن ينقل حضرة الباب إلى قلعة چهريق الّتي لقّبها حضرته ﺒ"الجبل الشّديد" (وكان ذلك في حدود 10 نيسان 1848م) وهناك عهد به إلى يحيى خان صهر محمّد شاه.  وبالرّغم من أنّه تصرّف في البداية بكلّ شدّة وصرامة إلاّ أنّه اضطرّ آخر الأمر إلى أن يخضع لسلطان سحر سجينه.  لا بل إنّ أهل قرية چهريق الأكراد الّذين كانت كراهيتهم للشّيعة تفوق كراهية أهل ماه كو لم يستطيعوا أن يقاوموا تأثير السّجين النّفّاذ.  فكنت تراهم –هم أيضًا– كلّ صباح يقتربون من القلعة قبل أن يباشروا أيّ عمل ويسجدون تقديسًا لنزيلها المقدّس.  ولقد شهد شاهد عيان أوروبّي عندما كتب في سياق مذكّراته عن حضرة الباب فقال: "بلغ من تزاحم النّاس وتدافعهم أن ضاق بهم الفناء ولم يتّسع لهم جميعًا فظلّت الأغلبيّة وقوفًا في الشّارع يستمعون في انتباه ونشوة إلى آيات القرآن الجديد".

 

          والواقع أنّ الهياج الّذي ثار في چهريق يكسف كلّ ما شهدته ماه كو.  ذلك لأنّ السّادة الأشراف والعلماء الكبار، بل وموظّفي الحكومة بدأوا يدخلون في دين السّجين بسرعة وجرأة.  وبلغ هذا الأمر قمّته عندما آمن ميرزا أسد الله الشّهير بالدّيَّان، وكان من أكابر رجال الدّولة ورجال الأدب، وهو الّذي وهب له حضرة الباب "العلم المكنون المخزون" وشرّفه بأنّه "موضع سرّ الله الواحد الصّمد" وكذلك عندما وصل إلى چهريق درويش كان نوّابًا في الهند من قبل، رأى حضرة الباب في المنام يأمره بأن يتخلّى عن ماله وجاهه، ويقبل على قدميه ليلقاه في آذربيجان.  وما تكاد أنباء هذه الحوادث المثيرة


تبلغ تبريز حتّى تنتقل منها إلى طهران.  ومرّة أخرى يجد الحاج ميرزا آقاسي نفسه مضطرًّا إلى أن يتدخّل.  وكان والد الدّيّان صديقًا حميمًا لذلك الوزير، فأفصح له عن قلقه الشّديد من الطّريقة الّتي يعتنق بها رجال الدّولة المقتدرون هذا الدّين الجديد.  ولكي تخفّ حدّة الهياج الصّاعد استدعي حضرة الباب إلى تبريز، وخوفًا من حماسة أهل آذربيجان فكّر الموكّلون بحراسته أن يغيّروا طريقهم ليتجنّبوا مدينة خوي ويمرّوا بدلاً منها بأُروميّة.  فلمّا بلغ حضرة الباب هذة المدينة رحّب به الأمير ملك قاسم ميرزا وأكرم وفادته، بل إنّ النّاس شاهدوه في يوم من أيّام الجمعة وهو يصحب ضيفه إلى الحمّام العامّ سائرًا على قدميه بينما كان الضّيف راكبًا، على حين حاول أتباع الأمير أن يصدّوا الجموع الغفيرة الّتي كانت تتدافع وتتزاحم بحماسة وشوق إلى الفوز بلمحة من السّجين المدهش الرّائع.  وغرقت تبريز هي الأخرى في حماسة فيّاضة جارفة فاستقبلته بحفاوة بالغة وأكرمت وفادته أيّما إكرام.  ولقد بلغ من هياج الشّعور العامّ أنّ السّلطات عيّنت لحضرة الباب مكانًا خارج بوّابات المدينة.  إلاّ أنّ هذا التّدبير عجز عن تهدئة الهياج السّائد.  ولم يفد التّهديد والوعيد ولا المنع والقمع، بل عملت على زيادة حدّة الموقف حتّى بلغ حدّ التّأزّم.  وما أن بلغت الأمور هذا الحدّ حتّى أصدر الصّدر الأعظم أمره التّاريخيّ لكبار رجال الدّين في تبريز بأن يجتمعوا على الفور ليتّخذوا التّدابير الفاعلة الحاسمة الّتي تكفل إخماد لهيب هذه النّيران المتأجّجة الأكّالة إلى الأبد.

 

        إنّ الظّروف المحيطة باستنطاق حضرة الباب –نتيجة لهذا الإجراء العاجل– تقوم شاخصًا من أهم الشّواخص في رسالته المؤثّرة.  ذلك لأنّ النّيّة المبيّتة من وراء هذا الاجتماع كانت تجريم السّجين على الملأ، ومناقشة ما يجب أن يتّخذ من التّدابير الرّامية إلى استئصال شأفة ما بدا لهم مروقًا وإلحادًا.  إلاّ أنّ ذلك الاجتماع أتاح له أرفع فرصة سنحت له في حياته لكي يؤكّد دعاوى ظهوره تأكيدًا علنيًّا رسميًّا وبلا تحفّظ، ففي مقرّ الحكومة، وبمحضر من حاكم آذربيجان ناصر الدّين ميرزا وليّ العهد، وتحت رئاسة الحاجّ ملاّ محمود نظام العلماء مربّي الأمير، وأمام كبار رجال الدّين


المجتمعين وزعماء طائفة الشّيخيّة وشيخ الإسلام وإمام الجمعة جلس حضرة الباب في المكان المخصّص لوليّ العهد وأجاب بنبرة مجلجلة عن السّؤال الّذي وجهه إليه رئيس الاجتماع إجابته المشهورة قال:  "*أنا هو ذلك القائم الموعود الّذي ظللتم ألف سنة تقولون لظهوره (عجّل الله فرجه)، أنا هو ذلك القائم الّذي كنتم تنتظرون ظهوره.  وإنّ طاعتي واجبة على أهل الشّرق والغرب جميعًا".

 

          طأطأ الحاضرون رؤوسهم برهةً وقد استبدّ بهم الذّهول والرّوع الصّامت ثمّ استجمع المُلاّ محمّد الممقاني الأعور الأشيب اللّحية المارق وقاحته الّتي عرف بها، ونهره واتّهمه بأنّه عون شرّير حقير من أعوان الشّيطان.  فأجابه الشّابّ الثّابت الجنان بأنّه ما زال يؤمن بما أكّده لهم.  ثمّ وجّه إليه نظام العلماء سؤالاً فأكّد له حضرة الباب أنّ كلماته وحدها هي الدّليل القاطع والبرهان السّاطع على صدق دعوته، واستشهد على صحّة تأكيده بآيات من القرآن، وادّعى أنّه قادر على أن ينزل في يومين وليلتين من الآيات ما يعادل ذلك الكتاب كلّه.  وإجابة على نقد وُجّه إليه بشأن خطإٍ نحويّ ورد في كلامه تلا عليهم بعض آيات من القرآن وردت فيها شواهد مماثلة.  وبعد أن أعرض في حزم ووقار عن تعليق طائش بعيد عن الموضوع رشقه به أحد الحاضرين فضّ بنفسه ذلك الاجتماع باقتضاب بأن نهض من مكانه وغادر الغرفة، فانفضّ الاجتماع وتفرّق أعضاؤه كاسفي البال منقسمين على أنفسهم متخاذلين يأخذ بكظمهم الغيظ المرير والهوان لأنّهم لم يفلحوا في بلوغ مناهم.  لم ينتهِ هذا الاجتماع بإخضاع روح الأسير وإذلالها، ولا بإقناعه بضرورة العدول عن دعوته والتّخلي عن رسالته وإنّما انتهى إلى إجماع الرّأي بعد كثير من النّقاش والجدل على الحكم بجلد حضرة الباب على قدميه، على أن يتولّى ذلك ميرزا علي أصغر شيخ الإسلام القاسي الجشع وفي مصلاّه.  أمّا الحاج ميرزا أقاسي فلم يسعه بعد أن فشلت مساعيه إلاّ أن يأمر بإعادة حضرة الباب إلى چهريق.


هذا الإعلان المثير، هذا الإعلان الرّسميّ المطلق لرسالة حضرة الباب الإلهيّة لم يكن هو النّتيجة الوحيدة لتلك الفعلة الرّعناء الّتي أدّت إلى اعتقال صاحب هذا الظّهور العظيم في جبال آذربيجان ثلاث سنوات.  بل إنّ هذه الفترة من الاعتقال في ركن قصيّ من المملكة بعيدًا عن مهبّ العواصف في شيراز وإصفهان وطهران أتاحت له الفراغ الكافي للشّروع في أعظم أعماله، والعكوف على آثار فرعيّة أخرى أريد بها أن تبسط المجال الكامل لدورته العظيمة رغم قصر مدّتها، وتطلق قوّتها بتمامها، وبفضل ضخامة الآثار الفائضة من قلمه وتنوّع الموضوعات الّتي تناولتها هذه الآثار، يحتلّ وحيه وإلهامه مكانًا فذًّا فريدًا لا مثيل له في تواريخ الأديان السّابقة.  حتّى أنّه ليؤكّد –وهو ما زال نزيل ماه كو– أنّ آثاره الّتي تناولت هذه الموضوعات المتباينة أشدّ التّباين قد بلغت حتّى ذلك الحين خمسمائة ألف آية.  وبذلك يشهد حضرة بهاء الله في كتاب الإيقان أنّه "*نزل من غمام الرّحمة الرّحمانيّة هذا ما لم يحصه أحد حتّى اليوم وإنّا لا نجد الآن منها إلاّ عشرين مجلّدًا، وناهيك بما فُقد، وناهيك بما نُهب وسُلب ووقع في أيدي المشركين ولم يعلم أحد ماذا فعلوا به".  ولايقلّ أخذًا بمجامع القلوب تنوّع ما تعرضه علينا تلك الآثار الضّخمة من أنماط ونماذج، فمن مناجاة وأدعية وخطب إلى ألواح للزّيارة وبحوث علميّة ورسائل عن العقائد الدّينيّة إلى ابتهالات وتفاسير للقرآن وللأحاديث المختلفة، إلى ألواح وجّهها لكبار رجال الدّين في المملكة، إلى أحكام وشرائع لتثبيت أركان الدّين وتوجيه مناشطه.

 

          أنزل في شيراز، في المرحلة الأولى من ولايته ما وصفة حضرة بهاء الله بأنّه "*أوّل وأعظم وأكبر جميع كتب" الدّورة البابيّة، ألا وهو تفسير سورة يوسف الشّهير ﺒ"قيّوم الأسماء".  وكانت الغاية الأساسيّة منه هي التّنبّؤ بما سوف يلقاه يوسف الحقيقيّ (حضرة بهاء الله) في الدّورة اللاّحقة على يد أخيه من لحمه ودمه وعدوّه اللّدود في آن واحد.  ويشتمل الكتاب على أكثر من تسعة آلاف وثلاثمائة آية، وينقسم إلى مائة وإحدى عشرة سورة، تتناول كلّ


سورة منها تفسير آية من آيات السّورة المذكورة.  ويستفتح بنفخة حضرة الباب في الصّور، وإنذاراته الشّديدة لـ"معشر الملوك وأبناء الملوك" وينذر بمصير محمّد شاه ويأمر الصّدر الأعظم ميرزا آقاسي بأن يتنازل عن منصبة، وينتقد النّظام المذهبيّ الإسلاميّ كلّه، ويحذّر المنتمين إلى مذهب الشّيعة بصفة خاصّة ويتغنّى بمحامد حضرة بهاء الله ويتنبّأ بمجيئه داعيًا إيّاه "بقيّة الله" و"السّيّد الأكبر".  ويؤكّد تأكيدًا حازمًا أنّ الدّورة البابيّة دورة مستقلّة وعالميّة، ويميط اللّثام عن مضامينها وينبّه على نصر صاحبها نصرًا ملزمًا مبينًا.  وفضلاً عن ذلك يوجّه إلى "أهل الغرب" نداءه "أن اخرجوا من دياركم لنصر الله" وينذر شعوب الأرض "انتقام الله الكبير الأكبر" ويهدّد العالم الإسلاميّ كلّه "النّار الأكبر" إن هم أعرضوا عن الشّريعة الجديدة، ويلمّح إلى استشهاده، ويثني على المنزلة الرّفيعة الّتي قدّرت لأهل البهاء "أصحاب السّفينة الحمراء".  ويتنبّأ بأفول بعض الكواكب العظيمة من أفق سماء الدّورة البابيّة وسقوطها، بل إنّه ليتنبّأ بأنّه "سوف ينتقم الله" في "رجعتنا" وفي "دار الآخرة" من مغتصبي الإمامة الّذين "حاربوا الحسين على أرض الفرات".

 

         كان هذا هو الكتاب الّذي اعتبره البابيّون –طوال ولاية حضرة الباب كلّها تقريبًا– قرآن أهل البيان، نزّل فصله الأوّل –وهو أشدّ الفصول وقعًا– بمحضر من المُلاّ حسين ليلة إعلان صاحبه لبعثته، وحمل هذا التّلميذ إلى حضرة بهاء الله بعض صحائفه باعتبارها بواكير الظّهور الجديد الّذي سرعان ما ظفر بولائه وحماسته، وترجمت الطّاهرة العبقريّة الموهوبة نصّه الكامل إلى الفارسيّة، وأشعلت فقراته نيران العداوة والبغضاء في صدر حسين خان، وعجّلت بانطلاق أوّل دفعة من الاضطهاد في شيراز، وأسرت صفحة واحدة منه لبّ الحجّة ونفذت إلى سويداء قلبه، وألهبت محتوياته حماسة المدافعين الشّجعان عن قلعة الشّيخ طبرسي وأبطال نيريز وزنجان.

 

          هذا الكتاب ذو القدر المجيد والأثر البعيد تلاه لوح حضرة الباب الأوّل لمحمّد شاه ولوحان للسّلطان عبد المجيد ونجيب باشا والي بغداد و"صحيفة


بين الحرمين" الّتي نزّلت بين مكّة والمدينة إجابة عن أسئلة ميرزا محيط الكرماني، ورسالته إلى شريف مكّة، وكتاب "الرّوح" على سبعمائة سورة وكتاب "الخصائل السّبعة" الّذي طالب فيه بتغيير صيغة الأذان و"رسالة الفروع العدليّة" الّتي ترجمها المُلاّ محمّد تقي الهراتي إلى الفارسيّة، و"تفسير سورة الكوثر" الّذي أحدث كلّ هذا التّحوّل في روح وحيد، و"تفسير سورة والعصر" بمنزل إمام الجمعة بإصفهان، ورسالته الّتي كتبها في إثبات "النّبوّة الخاصّة" استجابة لطلب منوچهر خان، واللّوح الثّاني لمحمّد شاه الّذي يطلب فيه أن يلقاه حتّى يبيّن له حقائق الدّين الجديد ويبدّد شكوكه، وألواحه المرسلة من قرية سياه دهان إلى علماء قزوين وللحاج ميرزا آقاسي يسأله عن سبب عدوله المفاجئ عن عزمه.

 

          إلاّ أنّ الجانب الأكبر من الآثار الفائضة عن فكر حضرة الباب الخصيب كان من نصيب فترة اعتقاله في ماه كو وچهريق.  وربّما انتمى إلى هذه الفترة ما لا يحصى من الرّسائل، كما يشهد بذلك حضرة بهاء الله دون غيره.  وهي الرّسائل الّتي وجّهها حضرة الباب بصفة خاصّة إلى كلّ رجل من رجال الدّين في كلّ مدينة من مدن إيران، وإلى العلماء المقيمين بالنّجف وكربلاء، ويحصي في كلّ رسالة منها الأخطاء الّتي ارتكبها كلّ واحد منهم بالتّفصيل، وفي أثناء اعتقاله تسعة أشهر في قلعة ماه كو أنزل ما لا يقلّ عن تسعة تفاسير للقرآن، كما يشهد الشّيخ حسن الزّنوزي الّذي استنسخ كلّ ما أملاه حضرة الباب على كاتب وحيه.  أمّا هذه التّفاسير فلا يعرف أحد عن مصيرها شيئًا، وإن كان أحدها يفوق "قيّوم الأسماء" الشّهير من بعض الوجوه حسبما يؤكّد صاحبه نفسه على الأقلّ.

 

          وبين جدران تلك القلعة نزّل "البيان" ذلك الكتاب العظيم الّذي يحتوي على شرائع الدّورة الجديدة وأحكامها، والخزانة الّتي تكتنز معظم إشارات حضرة الباب ومدائحه وتحذيره بشأن "من يظهره الله".  وهو كتاب لا شبيه له ولا نظير بين الكتب الدّينيّة الّتي فاضت عن قلم مؤسّس الدّورة البابيّة، وهو


يتألّف من تسعة أبواب يسمّى كلّ باب منها واحدًا وكلّ واحد منها يشتمل على تسعة عشر فصلاً ما عدا الواحد الأخير فهو يشتمل على عشرة فصول فقط.  ولا ينبغي لنا أن نخلط بين هذا الكتاب وبين البيان العربيّ الأصغر حجمًا والأقلّ شأنًا والّذي نزّل في أثناء الفترة نفسها.  وقد نزّل البيان الفارسي تحقيقًا للنّبوءة الإسلاميّة: "فتًى من بني هاشم...  سيأتي بكتاب جديد وشرع جديد" وقد حفظ من التّحريف والتّصحيف الّذي أصاب الكثير من آثارحضرة الباب الأقلّ شأنًا، وهو يضمّ ما يقرب من ثماني آلاف آية، وهو يقوم من آلاثار البابيّة مقام القطب من الرّحى، ويجب أن يعتبر تمجيدًا للموعود وثناءً عليه قبل أن يكون شرائع وأحكامًا وتكاليف ودستورًا دائمًا للأجيال القادمة.  وقد أنهى هذا الكتاب دورة العمل بالشّرائع والأحكام الّتي فرضها القرآن بشأن الصّلاة والصّوم والزّواج والطّلاق والميراث، وفي الوقت نفسه جاء مضمونه مصدّقًا بكلّيّته لرسالة حضرة محمّد بنفس القدر الّذي نسخ به نبيّ الإسلام من قبله وصايا الإنجيل، ومع ذلك اعترف بسماويّة دين السّيّد المسيح، وفضلاً عن ذلك فسّر باقتدار وبراعة معنى بعض الاصطلاحات الّتي تواترت في كتب الدّورات السّابقة المقدّسة من مثل الجنّة والنّار والموت والبعث والرّجعة والميزان والسّاعة واليوم الآخر وما إلى ذلك.  ولمّا كان هذا الكتاب شديدًا صارمًا –عن عمد– فيما فرض من الأحكام، داعيًا إلى التّقدّم والتّطوّر فيما أدخله من مبادئ كان الهدف منها أن توقظ رجال الدّين والنّاس من سباتهم الرّوحي المديد، وتكيل للمنظّمات العتيقة الفاسدة ضربة مباغته قاضية، فقد أعلن في ثنايا موادّه الشّديدة حلول اليوم المنتظر: "يوم يدعُ الدّاعي إلى شيء نكر"([9]) يوم "يصنع ما صنع رسول الله، ويهدم ما كان قبله كما هدم رسول الله أمر الجاهليّة"([10]).

 

          ويجب أن نلاحظ أنّه قد وردت في الواحد الثّالث من هذا الكتاب فقرة


جديرة بأن تعدّ من أعمق العبارات الواردة في كلّ آثار حضرة الباب مغزًى، وذلك لإشارتها الواضحة اللاّئحة لاسم الموعود ولتنبّؤها بالنّظام الّذي سوف يتطابق مع ظهوره في فترة تالية.  وهذه الفقرة المشحونة بالتّنبّؤ هي: "طوبى لمن ينظر إلى نظم بهاء الله ويشكر ربّه فإنّه يظهر ولا مردّ له من عند الله في البيان".  مع نفس ذلك النّظام الّذي صوّره ذلك الكتاب طابق صاحب الظّهور الموعود نظامه بعد عشرين سنة مستخدمًا نفس العبارة في كتابه "الأقدس"، مؤكّدًا أنّ نظام العالم قد اضطرب من هذا "النّظم الأعظم" الّذي دفع بحياة الإنسان إلى التّطوّر.  ومعالم ذلك النّظام نفسه هي الّتي وضّحها مركز ميثاق حضرة بهاء الله، ومبيّن تعاليمه المختار –في ألواح وصيّته وعهده– أثناء مرحلة تالية من تطوّر الدّين، وأساس ذلك النّظام نفسه هو الّذي يتعاون الآن على إقامته –في هذا العصر التّكوينيّ للدّين نفسه– أمناء ذلك الميثاق نفسه والممثّلون المنتخبون في المجتمع البهائيّ المترامي الأطراف.  وبنيان ذلك النّظام نفسه هو البنيان الّذي يبلغ كماله ببروز الجامعة البهائيّة العالميّة أو بمعنى آخر ملكوت الله على الأرض، ذلك الملكوت الّذي يجب أن يشهده نهائيًّا العصر الذّهبيّ لهذا الظّهور المبارك في تمام الوقت.

 

          وكان حضرة الباب ما زال في ماه كو حين كتب أشدّ ألواحه تفصيلاً وتبيانًا لمحمّد شاه، واللّوح يبدأ بحمد الله والثّناء على وحدانيّتة والصّلاة والسّلام على المرسلين والأئمّة الإثنيّ عشر، وينبّه تنبيهًا واضحًا على قدسيّة صاحبه وعلى المواهب الفائقة الخارقة الّتي شُحن بها ظهوره، وكان دقيقًا إلى أبعد حدود الدّقّة في استشهاده بالآيات والأحاديث المؤيّدة لدعواه الجريئة، قاسيًا في حكمه على بعض رجال الدّولة وممثّلي سلطة الشّاه الإداريّة ولا سيّما حسين خان "الخبيث الملعون" كما كان مثيرًا للشّجن في تصويره للإهانات الّتي لحقت به والمشقّات الّتي كابدها.  فشابهت هذة الوثيقة التّاريخيّة في كثير من الوجوه لوح السّلطان الّذي وجّهه حضرة بهاء الله من سجن عكّاء في ظروف مماثلة إلى ناصر الدّين شاه، فجاء أطول خطاب وجّهه حضرة بهاء الله إلى حاكم واحد.


أمّا كتاب "الدّلائل السّبعة" –أهمّ آثار حضرة الباب الاستدلاليّة– فقد نزّل خلال الفترة نفسها.  وفضلاً عن يسره الملحوظ ودقّته الرّائعة وأصالة آرائه وإفحام استدلاله، وبغضّ الطّرف عن كثرة وتنوّع البراهين الّتي ساقها تدليلاً على صحّة رسالته فإنّ هذا الكتاب جدير بالملاحظة للَّوم الّذي وجهه إلى "**مظاهر الملكيّة السّبعة الّذين يملكون كلّ الممالك" في عهده، وللطّريقة الّتي يؤكّد بها مسؤوليّة رجال الكنيسة ومسلكهم الّذي اتبعوه في عصر سابق، إذ إنّهم لو آمنوا بصحّة رسالة حضرة محمّد لتابعهم جمهور النّاس من أهل دينهم بلا جدال.

 

          وفي أثناء اعتقال حضرة الباب في قلعة چهريق، حيث قضى معظم السّنتين الباقيتين من حياته، نزل "لوح الحروفات" تشريفًا للدّيّان،وهو لوح أسيء فهمه أوّل الأمر باعتباره عرضًا لعلم الفراسة، إلاّ أنّه فهم فيما بعد أنّه يوضّح سرّ "المستغاث" من ناحية، ويلوّح من طرف خفيّ إلى الأعوام التّسعة عشر الّتي تفصل بين إعلان ظهور حضرة الباب وظهور حضرة بهاء الله من ناحية أخرى.  وفي خلال تلك السّنوات الّتي أظلمتها كلّها قسوة اعتقال حضرة الباب، والإهانات الشّديدة الّتي لحقت به، وأنباء البلايا الّتي نزلت بأبطال مازندران ونيريز، أنزل حضرة الباب بعد عودته من تبريز مباشرة لوحه للحاج ميرزا آقاسي الّذي يفضح فيه مخازيه، وهو لوح طرّز بطراز البيان الجريء المؤثّر، ولم يغادر شيئًا من الآثام إلاّ أحصاه.  ثم أرسل إلى الحجّة الشّجاع فسلّمه هذا إلى الوزير الخسيس، ولقد أكّد حضرة بهاء الله صحّة ذلك.

 

          إلى هذه الفترة من فترات الاعتقال في قلعتي ماه كو وچهريق، وهي فترة لا تضارع في خصوبتها، وإن كانت مريرة في إهاناتها، متزايدة في أحزانها، تكاد تنتمي معظم الإشارات المكتوبة الّتي شعر حضرة الباب بضرورة ذكرها –تحذيرًا أو ابتهالاً أو مناجاة– من قبل أن تحلّ ساعة بلائه الأعظم، مشيرًا بها إلى صاحب الظّهور الّذي يخلف ظهوره وشيكًا.  ولمّا كان مدركًا منذ البداية طبيعة رسالته المزدوجة، أي إنّه صاحب ظهور مستقلّ،


ومبشّر بظهور أعظم من ظهوره في آن واحد، فإنّه لم يقتنع بذلك العدد الضّخم من التّفاسير والمناجاة والشّرائع والأحكام والأبحاث والرّسائل والمواعظ والخطب الّتي فاضت عن قلمه بلا توقّف ولا انقطاع فحسب بل رأى أنّه لا بدّ له اليوم من أن يشفع الميثاق الأكبر بميثاق أصغر يؤخذ من أتباعه جميعًا بشأن من وصف مجيئه بأنّه ثمرة دورته وهدفها النّهائيّ، حيث إنّ الميثاق الأكبر الّذي أبرمه الله منذ الأوّل الّذي لا أوّل له على لسان النّبيّين والمرسلين جميعًا، وأخذه من بني آدم كافّة بشأن الظّهور الجديد قد تحقّق فعلاً، كما يؤكّد في آثاره.  نعم إنّ هذا الميثاق الأصغر كان سمة كلّ دين سابق بلا تمييز ولا استثناء.  وكان قائمًا في صور شتّى، وعلى درجات متفاوتة من التّأكيد وكان دائمًا مغلّفًا بأستار العبارات، مكنونًا في أصداف النّبوءات الباطنة والاستعارات المبهمة والأحاديث غير الموثوق بها، وفي الآيات المنتثرة المتشابهة من الكتب المقدّسة.  إلاّ أنّ هذا الميثاق في الدّورة البابيّة قدّر له أن يبرم في لغة واضحة لائحة لا يرقى إليها الشّكّ بالرّغم من أنّه لم ينفرد بوثيقة قائمة برأسها.  وعلى خلاف الأنبياء الّذين سبقوه والّذين اكتنف الغموض مواثيقهم، وعلى خلاف حضرة بهاء الله الّذي أفرد لميثاقه المحدّد بوضوح رسالة خاصّة به أسماها "كتاب عهدي" اختار حضرة الباب أن ينثر في ثنايا كتاب شريعته –البيان الفارسيّ– ما لا يُعدّ ولا يُحصى من الآيات، بعضها كان غامضًا عن عمد والكثير منها كان واضحًا وقاطعًا بما لا يقبل الشّكّ.  في هذة الآيات يحدّد حضرة الباب تاريخ الظّهور الموعود، ويثني على محامده ونعوته، ويؤكّد طبيعته الفائقة ويخصّه بالقوى والامتيازات غير المحدوده ويزيل كلّ حاجز يمكن أن يقوم عقبةً في سبيل الاعتراف به.  حتّى أنّ حضرة بهاء الله أشار إلى حضرة الباب في "كتاب بديع" بقوله:  "*ما قصّر في نصحة أهل البيان وتبليغه إيّاهم، لم يحدث في أيّ عصر ولا عهد أن ذكر الظّهور السّابق الظّهور اللاّحق بمثل هذا التّفصيل والتّصريح".

 

          وقد عني حضرة الباب بإعداد بعض أصحابه بصبر وأناة لتلقّي الظّهور الوشيك.  وأكّد لآخرين مشافهة أنّهم سوف يحيون حتّى يروا يومه.  وتنبّأ


صراحة للمُلاّ باقر –أحد حروف الحيّ– بأنّه سوف يلقى الموعود المحبوب وجهًا لوجه، ولسيّاح –وهو تابع آخر من أتباعه– أكّد تأكيدًا شفهيًّا مماثلاً.  أمّا المُلاّ حسين فقد وجّهه حضرة الباب لطهران مؤكّدًا له أنّ هناك سرًّا في هذه المدينة لا يضارعه نور الحجاز ولا نور شيراز، أمّا القدّوس فقد وعده حضرة الباب –يوم فارقه الفراق الأخير– بأنّه سوف يفوز بمحضر من هو المطلوب الوحيد لتقديسهم ومحبّتهم، وأعلن للشّيخ حسن الزّنوزي –وقت أن كان بماه كو– أنّه سوف يشاهد في كربلاء طلعة الحسين الموعود، وعلى الدّيّان أنعم بلقب "الحرف الثّالث المؤمن بمن يظهره الله" بينما كشف لعظيم في كتاب "الشّؤون الخمسة" عن اسم ذلك الّذي يبلغ بدورته الكمال وأعلن له اقتراب مقدمه.

 

          لم يعيّن حضرة الباب خليفة ولا نائبًا وامتنع أن يختار مفسّرًا أو مبيّنًا لتعاليمه.  ذلك لأنّ إشارته للموعود بلغت من الوضوح والشّفافيّة، ودورته كان مقدّرًا لها أن تبلغ من قصر المدّة بحيث لم تكن هناك ضرورة لهذا ولا لذاك.  وكلّ ما فعله –طبقًا لشهادة حضرة عبد البهاء في "مقالة سائح"– هو أنّه أخذ بنصيحة حضرة بهاء الله ومؤمن آخر من أتباعه، وعيّن ميرزا يحيى رأسًا صوريًا انتظارًا لظهور الموعود.  وذلك حتّى يتمكّن حضرة بهاء الله من أن يرتقي بالأمر العزيز على قلبه في جوّ من الأمن النّسبيّ.

 

          يشير حضرة الباب في البيان إلى الموعود فيؤكّد أنّ "*البيان من أوّله إلى آخره مكمن جميع صفاته وخزانة ناره ونوره" وفي موضع آخر يصرّح بقوله:  "*إن فزت بظهوره وأطعته فقد كشفت عن ثمرة البيان وإلاّ فأنت لست أهلاً للذّكر عند الله" وفي الكتاب نفسه يحذّر أتباعه جميعًا فيقول:  "يا أهل البيان لا تفعلوا ما فعل أهل الفرقان فتضيّعوا ثمرات ليلكم".  وإنذاره القاطع:  "*لا يمنعكم البيان وما نزّل فيه عن جوهر الوجود ومالك الغيب والشّهود".  وهذا تحذيره الخطير الّذي وجّهه لوحيد:  "إيّاك إيّاك يوم ظهوره أن تحتجب بالواحد البيانيّة [أي حرف الحيّ الثّمانية عشر وحضرة الباب]


فإنّ ذلك الواحد خلق عنده".  ومرّة أخرى:  "أن يا كلّ شيء في البيان! فلتعرفنّ حدّ أنفسكم.  فإنّ مثل نقطة البيان يؤمن بمن يظهره الله قبل كلّ شيء.  وإنّني أنا بذلك لأفتخرنّ على من في ملكوت السّموات والأرض".

 

        وإلى تاريخ مجيء الظّهور الموعود أشار بقوله:  "وفي سنة التّسع أنتم كلّ خير تدركون"، "في سنة التّسع أنتم بلقاء ربّكم ترزقون".  ومرّة أخرى "فإنّ لكم بعد حين [68] أمر ستعلمون".  وبيّن بيانًا أشدّ تخصيصًا بقوله:  "من أوّل ذلك الأمر إلى قبل أن يكمل تسع كينونات الخلق لم تظهر، وإنّ كلّ ما قد رأيت من النّطفة إلى ما كسوناه لحمًا ثم اصبر حتّى تشهد خلق الآخر، هنالك قل فتبارك الله أحسن الخالقين".  وقال لعظيم:  "اصبر حتّى يقضي عن البيان تسعة فإذًا قل فتبارك الله أحسن المبدعين".  وفي فقرة من الفقرات المرموقة أشار إلى السّنة التّاسعة عشرة بقوله:  "*راقبوا من مبدإ الظّهور إلى عدد الواحد [19]".  بل إنّه قرّر ذلك في وضوح أكثر حين قال:  "*يظهر مالك يوم الدّين في نهاية الواحد [19] وابتداء الثّمانين [1280 هـ]".  ومن شدّة لهفه على ألاّ يصدّ النّاس عن الموعود اقتراب الظّهور الموعود بسرعة قال:  "*لو ظهر في هذه اللّحظة لكنت أوّل العابدين وأوّل السّاجدين".

 

        ويتغنّى بمحامد الظّهور المنتظر بقوله:  "وقد كتبت جوهرة في ذكره، وهو أنّه لا يستشار بإشارتي ولا بما ذكر في البيان" و"إنّني أنا أوّل عبد قد آمنت به وبآياته".  ويؤكّد تأكيدًا له مغزاه حين يقول:  "*إنّ نطفة الظّهور القادم كانت وستكون أقوى من جميع أهل البيان".  وحين يقول:  "جميع البيان ورقة من أوراق جنّته".  وحين يؤكّد تأكيدًا مماثلاً فيقول:  "*إنّك لو تلوت آية واحدة من آيات من يظهره الله لكان ذلك أفضل من أن تحفظ البيان كلّه عن ظهر قلب لأنّ تلك الآية الواحدة تنجيك في ذلك اليوم، ولكنّ البيان كلّه لن ينجيك".  "*البيان اليوم في مقام النّطفة وآخر كمال للبيان عند أوّل ظهور من يظهره الله".   "**مجد البيان وجلاله مستمدّ ممّن يظهره الله".  "فإنّ كلّ ما رفع في البيان كخاتم في يدي، وإنّني أنا خاتم في يديّ من يظهره


الله جلّ ذكره يقلّب كيف يشاء لما يشاء بما يشاء إنه لهو المهيمن المتعال".  وهو يجيب وحيدًا وحرفًا آخر من حروف الحيّ عن الموعود فيقول:  "يستحيي اليقين أن يوقن فيه...  ويستحيي الدّليل أن يدلّ عليه".  وأضاف مخاطبًا وحيدًا أيضًا: "لو أيقنت بأنّك يوم ظهوره لا تؤمن به لأرفعت عنك حكم الإيمان...  ولو علمت أنّ أحدًا من النّصارى ممّن لم يؤمن بي آمن به لجعلته قرّة عيناي«.

 

        وأخيرًا إليك هذه المناجاة المؤثّرة الّتي يقول فيها: "فاشهد عليّ بأنّي بذلك الكتاب قد أخذت عهد ولاية من تظهرنّه عن كلّ شيء قبل عهد ولايتي.  وكفى بك وبمن آمن بآياتك عليّ شهداء، وإنّك أنت حسبي" وهذه شهادة أخرى فائضة من قلمه قال: "إنّي ما قصّرت عن نصحي ذلك الخلق...  وإن يؤمننّ به يوم ظهوره كلّ ما على الأرض فإذًا يسرّ كينونتي حيث كلّ قد بلغوا إلى ذروة وجودهم...  وإلاّ يحزن فؤادي.  وإنّي قد ربّيت كلّ شيء لذلك فكيف يحتجب أحد؟".

 

        لاحظنا في الصّفحات السّالفة كيف أنّ السّنوات الثّلاث الأخيرة الحافلة بالأحداث من ولاية حضرة الباب لم تشهد إعلان رسالته رسميًّا وعلنيًّا فحسب بل وشهدت كذلك فيضًا لم يسبق له مثيل من آثاره الملهمة، بما في ذلك إنزال شرائع دورته وإبرام الميثاق الأصغر ليحمي وحدة أتباعه ويمهّد الطّريق لقدوم الظّهور الأقوى من ظهوره بما لا يقبل المقارنة.  وفي غضون الفترة نفسها –وهي الأيّام الأولى من اعتقاله في قلعه چهريق– اعترف أصحابه باستقلال دينه الجديد وأكّدوه علانية وبلا تحفّظ.  أنزل مؤسّس الدّورة شرائعها في إحدى القلاع القائمة على جبال آذربيجان بينما كان أتباع الدّورة نفسها يفتتحون في نفس الوقت مؤتمرًا ينعقد في إحدى السّهول على حدود مازندران.

 

        ولمّا كان حضرة بهاء الله على صلة وثيقة بحضرة الباب عن طريق المراسلة المستمرّة، وكان القوّة الموجّهة للمناشط المتعدّدة الّتي يقوم بها


زملاؤه من الأصحاب، فقد رئِس المؤتمر ووجّه أعماله وأشرف عليها بصورة مستترة ولكّنها فاعلة.  وكان القدّوس يعتبر قطب الجانب المحافظ في المؤتمر وكان يعارض في الظّاهر الآراء المتطرّفة الّتي تدلي بها الطّاهرة المشتعلة حماسة، وذلك متابعة منه لخطّة محكمة سبق تدبيرها وأريد بها تخفيف حدّة الهلع والفزع اللّذين يثيرهما حتمًا مثل هذا المؤتمر.  وكان الغرض الأساسيّ من هذا الاجتماع تطبيق شريعة البيان بالانفصال الكامل المفاجئ العنيف عن الماضي كلّه بنظامه وتعصّبه المذهبيّ وتقاليده وشعائره.  أمّا الغرض الفرعيّ من المؤتمر فكان بحث وسائل تحرير حضرة الباب من اعتقاله القاسي في چهريق، ولقد تحقّق الغرض الأوّل بصورة باهرة، أمّا الغرض الثّاني فكان مقضيًّا عليه بالفشل منذ البداية.

 

        وكان مرسح هذا الإعلان البالغ التّحدي والبعيد الأثر قرية بدشت حيث استأجر حضرة بهاء الله ثلاثة بساتين في محيط بهيج، خصّص بستانًا منها للقدّوس وآخر للطّاهرة، واحتفظ لنفسه بالثّالث.  واستضاف الأصحاب الواحد والثّمانين الّذين اجتمعوا من الأقاليم المختلفة من أوّل يوم اجتمعوا فيه إلى يوم تفرّقوا، وفي كلّ يوم من الأيّام الاثنين والعشرين الّتي أقامها في تلك القرية كان ينزّل لوحًا يرتّل أمام المؤمنين المجتمعين، وعلى كلّ مؤمن خلع اسمًا جديدًا دون أن يكشف له عن شخصيّه من أنعم عليه به، أمّا هو فقد تلقّب "بالبهاء" منذ ذلك الحين.  وأنعم على الحرف الأخير من حروف الحيّ باسم "القدّوس" وعلى قرّة العين بلقب "الطّاهرة".  بهذه الأسماء وجّه إليهم حضرة الباب بعد ذلك الألواح النّازلة لكلّ واحد منهم.

 

        وكان حضرة بهاء الله هو الّذي أدار دفّة الأمور في هذه القصّة الباقية بثبات ودون خطأ وعلى غير توقّع ولا انتظار، وكان حضرة بهاء الله هو الّذي بلغ بالاجتماع قمّته النّهائيّة المثيرة.  ففي ذات يوم ألمّت به وعكة ألزمته الفراش، فدخلت عليه الطّاهرة –الّتي كانت تعدّ الرّمز النّبيل النّاصع للعفّة وتجسّد طهارة فاطمة الزّهراء– وظهرت فجأة أمام الأصحاب المجتمعين


سافرة في كامل زينتها.  وجلست عن يمين القدّوس الفزع المغتاظ، وهتكت ببيانها النّاريّ الأستار المغلّفة لقداسة التّكاليف الإسلاميّة، ونفخت في صور الدّورة الجديدة وأعلنت افتتاحها.  وكان الأثر صاعقًا خاطفًا، لحظتها بدت لعين النّاظرين الشّاعرين بالخزي والعار أنّها، وهي الطّاهرة النّاصعة المبجّلة بصورة تجعل مجرّد النّظر إلى ظلّها كبيرة لا تُغتفر، قد جلبت العار على نفسها، وأخزت الدّين الّذي اعتنقته، وشوّهت الطّلعة الخالدة الّتي ترمز إليها.  هنالك اكتسحت أرواحهم مشاعر الرّعب والغضب والحيرة وشلّت تفكيرهم.  أمّا عبد الخالق الإصفهاني الّذي أخذ منه الهلع والاضطراب كلّ مأخذ فقد مزّق عنقه بيديه وفرّ من وجهها منفعلاً يلطّخه الدّم.  وارتدّ قليل من الأصحاب عن دينهم وولّوا الأدبار، وجمد آخرون أمامها لا يبدون حراكًا ولا يتكلّمون، ولا بدّ أن بعضهم تذكّر –وقلبه يخفق بشدّة– ذلك الحديث الإسلاميّ عن ظهور فاطمة الزّهراء سافرة وهي تعبر الصّراط يوم القيامة.  أمّا القدّوس الّذي أسكته الهياج والغضب، فقد بدا أنّه يتحيّن الفرصة ليضرب عنقها بالسّيف الّذي صدف أنّه كان يحمله في يده آنذاك.

 

        نهضت الطّاهرة ثابتة الجنان غير هيّابة ولا وجلة تتهلّل بشرًا وسعادة.  وانطلقت ترتجل بيانًا بليغًا حارًّا عجيبًا أشبه ما يكون ببيان القرآن وجّهته للبقيّة الباقية من المؤتمر وختمته بقولها الجريء:  "إنّي أنا الكلمة الّتي ينطق بها القائم والّتي يفرّ منها نقباء الأرض ونجباؤها" ثم دعتهم إلى أن يحتضن كلّ واحد منهم أخاه ويحتفلوا بهذه المناسبة العظيمة.

 

        في ذلك اليوم الباقي "نفخ في الصّور" المذكور في القرآن([11]) ووقعت "الواقعة"([12]) وشهدت الأيّام الّتي تلت هذا الانفصال المثير عن طقوس الإسلام وتقاليده العريقة ثورة حقيقيّة في نظر هؤلاء الّذين كانوا حتّى آنذاك من


المستمسكين بشريعة حضرة محمّد في عاداتهم ومناسكهم وعباداتهم.  وبرغم اضطراب المؤتمر من مبتداه إلى منتهاه، وارتداد هذا النّفر القليل الّذي رفض أن يواجه تعطيل تكاليف الإسلام وشريعته فقد تحقّق هدف المؤتمر بصورة كاملة رائعة.  من قبل أربع سنوات فقط أعلن صاحب الظّهور البابيّ رسالته للمُلاّ حسين في غرفته الخاصّة بمنزله في شيراز، وبعد ثلاث سنوات من ذلك الإعلان –وبين جدران قلعة ماه كو– كان يملي على كاتب وحية أحكام دورته الأساسيّة المميّزة.  وبعد مضيّ عام وجد أتباع حضرة الباب أنفسهم في قرية بدشت منضوين تحت لواء حضرة بهاء الله الّذي كان بدوره أحد أصحاب حضرة الباب يعلنون عن نهاية تطبيق الشّرائع الإسلاميّة المنزلة في القرآن ويحطّمون قيود النّظام العتيق.  وبعد ذلك مباشرة كان حضرة الباب يدافع –وهو مازال في سجنه– عن أعمال أصحابه بتأكيد على دعواه من أنّه هو القائم الموعود تأكيدًا قاطعًا رسميًّا لا تحفّظ فيه أمام وليّ العهد وأقطاب الطّائفة الشّيخيّة وأكابر رجال الدّين المجتمعين في عاصمة آذربيجان.

 

        ولم يمضِ سوى أربع سنوات قصار وشيء طفيف على ميلاد الظّهور البابيّ حتّى نُفخ في الصّور ايذانًا بانتهاء الدّورة العتيقة وافتتاح الدّورة الجديدة.  ولم يكن هناك من الأبّهة والاحتفال ما يميّز هذا التّحّول العظيم في تاريخ العالم الدّينيّ، كما أن مرسحه المتواضع لم يكن يتناسب مع هذا التّحرّر الكامل المثير المفاجئ من القوى المظلمة الغاشمة؛ قوى التّعصّب والتّقليد والجهل وسيطرة رجال الدّين.  أمّا الجيش الجرّار فلم يزد فرسانه عن امرأة واحدة وحفنة من الرّجال الّذين انخرطوا في سلكه من نفس الطّبقات الّتي يهاجمونها، كان جيشًا أعزلاً مجرّدًا من القوّة والثّروة والجاه إلاّ فيما ندر، أمّا قائد الجيش نفسه فغائب أسير في قبضة أعدائه، وأمّا الميدان فقرية صغيرة في سهل بدشت على حدود مازندران، وأمّا النّافخ في الصّور فكانت امرأة وحيدة هي أنبل بنات جنسها في تلك الدّورة، لا بل إنّ بعض إخوانها في الدّين اتّهموها بالإلحاد، وكانت الصّيحة الّتي صاحتها هي أجراس الموت تقرع تشييعًا لشريعة قضت بالغة من العمر اثني عشر قرنًا.


وبعد عشرين سنة أخرى نُفخ في الصّور مرّةً أخرى إيذانًا بتأسيس شريعة دورة أخرى، فأسرعت عمليّة التّفكّك والانحلال هذه تتضافر مع الحظّ العابر للشّريعة السّماويّة الّتي بلغت من العمر أرذله، وجمعت العمليّة نشاطها من جديد في فترة متأخّرة، فأسرعت بإلغاء القضاء الشّرعيّ في تركيّا، وأفضت إلى هجره تلقائيًّا في إيران الشّيعيّة وأصبحت العمليّة مسؤولة في الأيّام الأخيرة عن انفصال النّظام المبيّن في الكتاب الأقدس عن القضاء الشّرعيّ السّنّي في مصر، كما مهّدت الطّريق للاعتراف بذلك النّظام في الأرض المقدّسة نفسها.  ومن المقدّر لهذه العمليّة أن تبلغ غايتها بصبغ الدّول الإسلاميّة بالصّبغة العلمانيّة، وبجعل جميع الأمم تعترف بشريعة حضرة بهاء الله وتتويجها على قلوب شعوب العالم الإسلامي.


الفصل الثّالث

 

الفتن في مازندران ونيريز وزنجان

 

        خلّدت أعمال مؤتمر بدشت اعتقال حضرة الباب في ركن قصيّ من آذربيجان، وميّزته تطوّرات ملحوظة بارزة من مثل إعلان دعوته على الملأ، وتنزيل أحكام دورته وشرائعها، وإبرام ميثاقه وعهده.  وقد قدّر لهذا الاعتقال أن يكتسب مغزى جديدًا بفضل الهياج الشّديد الّذي نتج عن أعمال أصحابه وأعمال أعدائه على السّواء.  ذلك لأنّ هذا الهياج الّذي حدث وسنوات الاعتقال تقترب من نهايتها، والّذي انتهى باستشهاده، تطلّب من أتباعه بطولة وبسالة، ومن أعدائه قسوة وعداوة لم يكن لهما مثيل في السّنوات الثّلاث الأولى من ولايته.  والواقع أنّ تلك الفترة القصيرة الهائجة المائجة رغم قصرها، يمكن أن تعتبر بحقّ أعنف وأفظع فترة في عصر البطولة المجيد من الدّورة البهائيّة.

 

          ذلك لأنّ الأحداث الجبّارة المتّصلة باعتقال حضرة الباب في ماه كو وچهريق والّتي تكوّن أعلى قمّة لظهوره، لم يكن لها إلاّ نتيجة واحدة، وهي أن تلهب نار الحماسة في صدور أحبّائه، ونيران البغضاء والعداوة في قلوب أعدائه بقوّة جديدة.  فأوشك أن ينطلق اضطهاد أخبث وأبشع وأحكم تدبيرًا من ذلك الّذي أشعله حسين خان أو حتّى الحاج ميرزا آقاسي، وأن يصحبه ما يتكافأ معه من مظاهر البطولة والبسالة الّتي لا يمكن أن تقارن بدفعات الحماسة الّتي رحّبت بميلاد الدّين في شيراز أو في إصفهان.  نعم قد قدّر لهذه الفترة الهائجة المائجة المتلاطمة أن تحرم الدّين من ممثّليه الأوائل في تعاقب سريع، وأن تبلغ قمّتها بقتل مؤسّسه، وأن تتلوها هذه المرّة إبادة تكاد تكون كاملة لأعوانه البارزين ما عدا فرد واحد وكّلت إليه العناية الإلهيّة


الفيّاضة مهمّة مزدوجة وهي أن ينقذ الدّين في أحلك ساعاته من الفناء، وأن يفتتح الدّورة الّتي تأتي من بعده.

 

          إنّ ادّعاء حضرة الباب لمقام القائم الموعود وسلطانه في تلك الظّروف المثيرة وبتلك النّبرة المتحدّية، أمام أقطاب الشّيعة المجتمعين وهم على ما هم عليه من البأس والحسد والفزع والعداء، كان قوّة ناسفة أهالت ركامًا حقيقيًّا من البلايا والكوارث انهارت على الدّين وعلى الّذين ولد بين ظهرانيهم، ورفعت من حرارة الحماسة في صدور أتباع حضرة الباب المشتّتين الّذين أثار غيظهم اعتقال قائدهم.  وزادت من نشاطهم آنذاك فيوضات قلمه الّتي كانت تصلهم من معتقله بلا انقطاع.  كما أثار هذا الادّعاء جدلاً حاميًا مستفيضًا في طول البلاد وعرضها، في الأسواق والمساجد والمدارس والأماكن العامّة الأخرى، فساعد على تعميق شقّة الخلاف الّتي شطرت النّاس أشطارًا.  في هذه السّاعة الحرجة الخطيرة كان محمّد شاه يتهالك إعياءً تحت وطأة علله وأمراضه، أمّا الحاج ميرزا آقاسي السّطحيّ التّفكير والّذي آلت إليه كلّ شؤون الدّولة آنذاك، فقد كان تردّده وتذبذبه وعجزه يزداد بازدياد مسؤوليّاته الجسام، فتارة يميل إلى الأخذ بقرار العلماء وتارة ينتقد عدوانهم ويشكّك في أحكامهم، ويغرق في التّصوّف تارة أخرى فيعمى في غمرة أحلامه وذهوله عن خطورة الموقف الّذي يجابهه.

 

        هذه الحالة الفاضحة من سوء الإدارة جرّأت النّظام الدّينيّ، فانطلق رجاله بنشاط خبيث يصبّون اللّعنات من منابرهم، ويحرّضون الجماهير الجاهلة المؤمنة بالخرافات على أن يحاربوا أتباع العقيدة البغيضة، وأن يستحلّوا أعراضهم وأموالهم ويستبيحوا أبناءهم.  وكانوا يصيحون أمام الجموع الغفيرة قائلين:  "*ماذا نقول في العلامات والأشراط الّتي تعلن مجيء القائم؟ ماذا نقول في الغيبة الصّغرى والغيبة الكبرى؟ ماذا نقول في مدينتيّ جابلقا وجابلسا؟ وكيف نفسّر أقوال حسين ابن روح؟ وبأيّ تفسير نفسّر الأحاديث الصّحيحة المنسوبة لابن مهزيار؟ وأين رجال الغيب الّذين يجوبون


وجه الأرض في أسبوع؟ وماذا نقول فيما سوف يقوم به القائم عند ظهوره من فتح المشارق والمغارب؟ وأين المسيح الدّجّال الأعور وحماره الّذي يركبه؟ وماذا في سفيان ودولته؟" وكانوا يحتجّون صائحين:  "*أنتجاهل ما لا يعدّ ولا يحصى من أحاديث أئمّتنا الصّحيحة أم نخمد بالحديد والنّار ذلك الإلحاد والكفر الّذي تجرّأ وأطلّ برأسه في أرضنا؟".

 

        أمام كلّ هذا التّشهير والتّنديد والاحتجاج والوعيد عمد أتباع الدّين المظلوم الحكماء المثقّفون إلى الاقتداء بمولاهم.  فكتبوا دون تردّد رسالات دقيقة في كتابتها، ودراسات مقنعة في بحثها ومنطقها، وتفاسير كاملة في شواهدها وردودًا فصيحة متينة متساندة أكّدوا فيها إيمانهم بنبوّة رسول الله وشرعيّة الأئمّة وولاية صاحب الزّمان، وفسّروا ببراعة ما غمض من الأحاديث وما تشابه من الآيات وما أُبْهِمَ من النّبوّات الواردة في الكتب الإسلاميّة المقدّسة.  وتعزيزًا لكفاحهم شهدوا بوداعة الإمام الحسين رغم بؤسه الظّاهريّ، ذلك الإمام الّذي مجّده أعداؤهم رغم هزيمته وانكساره واستشهاده المروّع باعتباره التّجسيد الرّائع والرّمز الفريد لنصر الله وقهره وسلطانه.

 

        استفحل خطب هذا الجدل العنيف الّذي عمّ البلاد من أقصاها إلى أقصاها، واتّسع بصورة مخيفة حين استسلم محمّد شاه لعلّته آخر الأمر.  وأسرع موته بسقوط صدره الأعظم المقرّب السّليط، الحاج ميرزا آقاسي، فصودرت أمواله الطّائلة الّتي اكتنزها ولحقه الخزي والعار، وطُرد من العاصمة فلاذ بكربلاء.  واعتلى العرش ناصر الدّين ميرزا وهو ابن سبعة عشر عامًا.  فترك أزمّة الأمور لأمير النّظام ميرزا تقي خان العنيد القاسي.  وسرعان ما أصدر قراره، دون أن يستشير أحدًا من زملائه الوزراء، بإنزال العقاب العاجل الصّارم بالبابيّين الّذين لا حول لهم ولا قوّة.  فأخذ الحكّام والرّؤساء وموظّفو الدّولة في كلّ الأقاليم كلّ في نطاق نفوذه يلاحقون أتباع الدّين المحرّم، ويتنافسون ويتبارون في صبّ البلايا عليهم وخاصّة بعد أن شجّعتهم الحملة العنيفة الّتي شنّها رجال الدّين، وشوّقتهم الأطماع والهبات الماليّة. 


ولأوّل مرّة في تاريخ الدّين تشنّ عليه حملة منظّمة تتّحد فيها السّلطتان المدنيّة والدّينيّة، وهي حملة قُدّر لها أن تنتهي بتلك الفظائع الّتي عاناها حضرة بهاء الله في سياه چال بطهران ثمّ نفيه إلى العراق.  قامت الحكومة ورجال الدّين والشّعب قومة رجل واحد يهاجمون عدوّهم المشترك ليقضوا عليه.  وفي النّواحي البعيدة المنعزلة سقط أفراد الجامعة المضطهدة المشتّتين صرعى تحت سيوف الأعداء بلا شفقة ولا رحمة.  وأمّا النّواحي الّتي تركّزت فيها أعداد كبيرة فقد اتّخذوا للدّفاع عن أنفسهم تدابير أساء فهمها العدوّ الماكر المخادع فساعدت بدورها على ازدياد اشتعال عداوة السّلطات، وضاعفت من هجمات المعتدين الظّالمين.  ففي الشّيخ طبرسي شرقًا، ونيريز جنوبًا، وزنجان غربًا.  وفي العاصمة نفسها قامت المذابح والفتن والمظاهرات والمناوشات والحصار والغدر والخيانة على قدم وساق.  فدلّلت في تعاقب سريع على شدّة العاصفة الّتي هبّت، وفضحت إفلاس الشّعب المتغطرس رغم انحطاطه، وجلّلت صفحات تاريخه بالسّواد.

 

        وقد أطاع المُلاّ حسين الباسل أمر حضرة الباب، فلبس العمامة الخضراء الّتي لبسها مولاه وأرسلها إليه، ورفع الرّاية السّوداء الّتي يشير رفعها، كما قال محمّد رسول الله، إلى قدوم خليفة الله في الأرض، وركب حصانه على رأس مائتين واثنين من زملائه الأصحاب ليلاقي القدّوس في الجزيرة الخضراء ويمدّ له يد المعونة.  وكانت بسالته نذيرًا بصدام تجاوب صداه في أرجاء البلاد جميعًا.  واستمرّ النّضال ما لا يقلّ عن أحد عشر شهرًا.  وكان مشهد الجانب الأعظم منه غابة مازندران.  وكان أبطاله زهرة أصحاب حضرة الباب.  وانضمّ إلى شهدائه ما لا يقلّ عن نصف حروف الحيّ بمن فيهم القدّوس والمُلاّ حسين وهما آخر وأوّل حروف الحيّ على التّوالي.  أمّا القوّة الموجّهة الّتي ساندت الصّراع من وراء ستار فلم تكن غير تلك الّتي فاضت عن تدبير حضرة بهاء الله.  وكان السّبب في هذا الصّراع تصميم مطالع أنوار العصر الجديد السّافر على أن يعلنوا بشجاعة مجيء هذا العصر إعلانًا لائقًا، وعزمهم الثّابت الأكيد على أن يدافعوا عن أنفسهم ضدّ هجمات


المغيرين اللّئام الجهلاء إذا فشل الإقناع بالحجّة والبرهان، ولقد بيّن ذلك الصّراع، بما لا يدع مجالاً للشّكّ، ما يمكن للرّوح الغلاّب الّذي حرّك حفنة لا تتجاوز الثّلاثمائة وثلاثة عشر من التّلاميذ العزّل غير المدرّبين، السّكارى بخمر الله، المنقطعين لتلقّي العِلم في المدارس والأروقة أن يفعله إذا هم قاموا يدافعون عن أنفسهم ضدّ جيش جرّار حسن الإعداد والعدّة تناصره جماهير الشّعب، ويباركه رجال الدّين، ويقوده أمير تجري في عروقه الدّماء الملكيّة، وتؤازره موارد الدّولة، ويتمتّع برضاء الشّاه وحماسته، ويعمل طبقًا للنّصائح الصّائبة الّتي يقدّمها له الوزير المقتدر، ثمّ تمخّض ذلك الصّراع عن خديعة خسيسة انتهت بطقوس وثنيّة دمويّة جهنّمية تَصِمُ مرتكبيها بالعار الأبديّ وتحيط ضحاياها بهالات من المجد الخالد، وتنبت البذور الّتي تزدهر في فترة تالية بزهرات المؤسّسات الإداريّة العالميّة، تؤتي ثمرتها الذّهبيّة في تمام الوقت على هيئة نظام يخلّص العالم كلّه ويحتضن الكرة الأرضيّة بأسرها.

 

        وليس من الضّروريّ في شيء أن نسرد تلك القصّة المحزنة ولو باختصار، رغم أهمّيتها البالغة ورغم ما عانته من تشويه لحقيقتها وقلب لأوضاعها على أيدي الأعداء من الرّواة والمؤرّخين.  وإنّما يكفي تحقيقًا للغاية المرجوّة من هذه الصّفحات أن نلقي نظرة عاجلة على ملامحها البارزة، نلاحظ ونحن نسترجع أحداث هذه المأساة العظيمة، ثبات أبطالها وشجاعتهم وحسن تنظيمهم وبراعتهم، ممّا يناقض –على خطّ مستقيم– خسّة أعدائهم وجبنهم وفوضاهم وتذبذبهم، نشاهد الصّبر الجميل وضبط النّفس النّبيل الّذي تحلّى به أحد ممثّليها الرّئيسيّين وهو المُلاّ حسين قلب الأسد الّذي أبى أن يستلّ سيفه من غمده إلاّ بعد أن قُتِلَ سبعة من زملائه الثّابتين الأبرياء على أيدي الجماهير المسلّحة الغاضبة السّاخطة المندّدة بهم أشدّ التّنديد الّتي تربّصت بهم على بعد فرسخ من بارفروش لتقطع عليهم الطّريق.  ويملؤنا الإعجاب بإيمان المُلاّ حسين الرّاسخ حين صمّم على الاستمرار في تأدية الأذان، وهم محاصرون في خان سبزه ميدان، رغم أنّ ثلاثة من أصحابه الّذين صعدوا سطح الخان ليؤدّوه قتلوا برصاص العدوّ على الفور واحدًا بعد


الآخر.  ويذهب بنا العجب كلّ مذهب لإنكار الذّات الّذي دفع بهؤلاء المعوزين المعسرين إلى أن يتجاهلوا في ازدراء تلك الغنائم الّتي خلّفها عدوّهم الهارب وراءه، كما دفعهم من قبل إلى أن يتركوا كلّ ما ملكت أيديهم وراء ظهورهم، ويقنعوا من دنياهم بخيلهم وسيوفهم.  ودفع بوالد بديع -وهو رجل من هذه الفئة الباسلة- إلى أن يلقي في عرض الطّريق بحقيبة الفيروز الّتي جاء بها من مناجم والده في نيسابور، ودفع ميرزا محمّد تقي الجويني إلى أن يلقي بمقدار مماثل من الذّهب والفضّة، ودفع هؤلاء الأصحاب إلى أن يحتقروا، بل وأن يأنفوا من أن يلمسوا الرّياش الفاخر وصناديق الذّهب والفضّة الّتي خلّفها الأمير مهدي قلي ميرزا اليائس، قائد جيش مازندران وأخو محمّد شاه، حين فرّ من معسكره لا يلوي على شيء بعد أن لحقه الخزي والعار، ولا نتمالك أنفسنا من الإعجاب بذلك الإخلاص العميق الّذي دافع به المُلاّ حسين عند الأمير عن نفسه وعن أصحابه، وتأكيده الرّسميّ الواضح له على أنّه لا هو ولا أصحابه يضمرون أيّة نيّة في اغتصاب سلطة الشّاه أو تقويض دعائم المملكة، وكذلك لا نتمالك أنفسنا من احتقار مسلك سعيد العلماء الخسيس المصروع القاسي المتعجرف الّذي أفزعه اقتراب هؤلاء الأصحاب، فألقى بعمامته على الأرض، وهو في سورة الغضب والاضطراب، وشقّ ثيابه أمام جمع غفير من الدّهماء نائحًا على الحالة الّتي تردّى إليها الإسلام، وحرّض هذا الجمع الغفير على حمل السّلاح والقضاء على الفئة المقتربة.  وتأخذ الدّهشة بمجامع الألباب ونحن نتأمّل إقدام المُلاّ حسين المعجز، فبرغم هيكله النّحيل ويده المرتجفة استطاع بضربة واحدة من سيفه أن يقتل عدوًّا خائنًا احتمى بإحدى الأشجار بأن شطر الشّجرة وشطرهُ وشطر بندقيّته إلى نصفين.  وفضلاً عن ذلك تتحرّك عواطفنا ومشاعرنا لمشهد قدوم حضرة بهاء الله إلى القلعة، وما أغدقه ذلك على المُلاّ حسين من السّعادة البالغة، والإجلال الّذي لقيه به زملاؤه الأصحاب ثمّ تفقّده للمتاريس والتّحصينات الّتي أقاموها على عجل لحماية أنفسهم، ونصيحته الّتي أدّت إلى خلاص القدّوس العجيب عند اتّصاله فيما بعد بالمدافعين عن القلعة ومشاركته


في المغامرات المتّصلة بحصارها وتدميرها في النّهاية.  ونذهل لرزانة القدّوس وحكمته ومدى الثّقة الّتي عَمّت القلعة بوصوله إليها، والبراعة الّتي أبداها، والبِشر الّذي استمع به المحصورون صباحًا ومساءً إلى صوته وهو يرتّل تفسيره الرّائع لصاد الصّمد الّذي كتبه وهو في ساري فبلغ ثلاثة أمثال حجم القرآن، ثمّ أخذ يوضّح ما غمض منه فأضاف إليه مثل ما كتب من قبل، كلّ ذلك رغم هجمات العدوّ الشّديدة والحرمان الّذي يقاسي منه أصحابه.  وبقلوب خافقة نتذكّر ذلك الهجوم الخالد الذّكر حين اندفع المُلاّ حسين من القلعة قبيل الفجر صائحًا: "يا أبطال الله، اركبوا خيلكم" على رأس مائتين واثنين من الأصحاب المحاصرين المحزونين، يتقدّمه القدّوس صائحًا: "يا صاحب الزّمان" وأسرعوا بملء العنان إلى معسكر الأمير، واخترقوه حتّى بلغوا مقصورته الخاصّة فإذا بهم يجدونه قد ألقى بنفسه لشدّة فزعه من نافذة خلفيّة إلى الخندق وفرّ حافيًا تاركًا جيشه يتخبّط في الاضطراب ويعمه الاختلال.  ويأخذ بكظمنا الحزن والألم حين نتمثّل آخر أيّام حياة المُلاّ حسين الأرضيّة.  توضّأ بعد منتصف اللّيل مباشرة، ولبس ملابس جديدة، ووضع على رأسه عمامة حضرة الباب، وركب جواده، وأمر بباب القلعة ففُتح، وخرج على رأس ثلاثمائة وثلاثة عشر من أصحابه صائحًا: "يا صاحب الزّمان" وهاجم المتاريس السّبعة الّتي أقامها العدوّ وأسر رجالها عن بكرة أبيهم، رغم سيل الرّصاص المنهمر، وقتل مدافعيهم بسرعة وبدّد شملهم، ولكنّ جواده تعثّر بحبل خيمة من الخيام أثناء الهرج القائم، وقبل أن يخلّص نفسه من الرّكاب اخترقت صدره رصاصة أطلقها عبّاس قلي خان اللاّريجاني الجبان الّذي كان مختفيًا في أغصان إحدى الأشجار المجاورة.  ونمجّد تلك البسالة النّادرة الّتي ألهمت تسعة عشر صاحبًا من هؤلاء الأصحاب الثّابتي الجنان أن يعاودوا الهجوم على معسكر العدوّ الّذي كان يتألّف ممّا لا يقلّ عن فرقتين كاملتين من المدفعيّة والمشاة، وأن يلقوا في قلوبهم رُعبًا دفع بأحد قوّادهم – وهو عبّاس قلي خان نفسه – إلى الفرار بعد أن سقط عن حصانه تاركًا أحد نعليه معلّقًا في الرّكاب، ودخل على الأمير مضطربًا وهو نصف


منتعل ليعترف له بالهزيمة المنكرة الّتي مني بها.  وإن نسينا فلا ننسى ذلك الصّبر العظيم الّذي احتملت به أرواحهم المجيدة محنتهم القاسية، حين اقتصر طعامهم على لحم الخيل الّتي كانوا يأتون بها من معسكر العدوّ المهجور، ثم قنعوا بالحشائش والأعشاب الّتي كانوا يقتلعونها اختطافًا من الحقول كلّما سنحت لهم الفرصة، ثمّ اضطرّوا إلى التهام لحاء الشّجر وجلود السّروج والأحزمة وأغمدة السّيوف والأحذية، ثمّ مرّت بهم ثمانية عشر يومًا لم يطعموا فيها شيئًا سوى الماء الّذي كانوا يشربون منه كلّ صباح جرعة، ثم اضطرّتهم نيران مدافع العدوّ إلى حفر ممرّات تحت الأرض داخل القلعة حيث اضطرّوا إلى أن يعيشوا في الطّين والماء بثياب جعلتها الرّطوبة أسمالاً، وأن يقتاتوا بالعظم المسحوق، ثمّ اضطرّهم الجوع والسّغب الشّديد –كما يشهد مؤرّخ معاصر– إلى أن ينبشوا حصان المُلاّ حسين قائدهم الجليل ويمزّقوه إربًا إربًا، ويسحقوا عظامه ويخلطوها باللّحم الّذي دبّ فيه التّعفّن ويطبخوه ويلتهموه سدًّا للرّمق.

 

        ولا يمكننا أن نغفل الإشارة إلى الخيانة الدّنيئة الّتي لجأ إليها الأمير العاجز الخائب، ونقضه ما سمّاه قسمًا غليظًا كتبه بخطّ يده وختمه على هامش فاتحة القرآن حالفًا بذلك الكتاب المقدّس أن يطلق سراح المدافعين عن القلعة، ومقسمًا بشرفه ألاّ يتعرّض لهم أحد بأذى سواء من جيشه أو من القرى المجاورة، وأنّه سوف يتكفّل بعودتهم إلى منازلهم في أمن وسلام بنفسه وعلى نفقته.  وأخيرًا نسترجع المنظر الختاميّ من هذه المأساة الكئيبة حين حنث الأمير في قسمه وخان عهده المقدّس.  وكان نفر من أصحاب القدّوس المخدوعين قد اجتمعوا في معسكر العدوّ فجُرّدوا ممّا يملكون وبيعوا بيع العبيد، أمّا الآخرون فلقوا حتفهم، قتل بعضهم بسيوف الضّبّاط ورماحهم، ومزّق بعضهم إربًا إربًا، وربط بعضهم الآخر إلى جذوع الشّجر ومزّقوا بالرّصاص، ووُضِعَ بعضهم في أفواه المدافع وأمسوا طعمة للنّار، وبُقِرَت بطون بعضهم ومزّقت أحشاؤهم ورفعت رؤوسهم على الرّماح والحراب.  أمّا القدّوس – قائدهم المحبوب– فقد أسلمته شناعة أخرى من


شناعات الأمير الجبان إلى سعيد العلماء الجهنّميّ الّذي رخّصت له نفسه المتعطّشة، ومعونة الدّهماء الّذين ألهب مشاعرهم، أن يمزّق أثواب ضحيّته، ويكبّله بالسّلاسل والأغلال الغلاظ، ويطوف به طرقات بارفروش ويحرّض نساءها على لعنه وسبّه والبصق في وجهه، والهجوم عليه بالخناجر والفؤوس والتّمثيل بجثمانه وإلقاء أشلائه الممزّقة في النّار.

 

        هذه القصّة المثيرة المجيدة بالنّسبة للأمر، المخزية بالنّسبة لأعدائه والّتي تعتبر ظاهرة نادرة في تاريخ العصور الحديثة، سرعان ما تلتها فتنة تماثلها في ملامحها الأساسيّة إلى حدّ عجيب، وإن انتقل مرسحها إلى الجنوب إلى إقليم فارس غير بعيد عن المدينة الّتي أشرق منها نور الأمر.  واضطرّت نيريز وما حولها أن تتلقّى صدمة هذه المحنة الجديدة بكلّ شدّتها وقسوتها، أمّا مهبّ هذه العاصفة الهوجاء الجديدة بكلّ شدّتها وقسوتها فكان قلعة خواجه([13]) القريبة من حيّ چنار سوختة من أحياء هذه القرية الهائجة المائجة، وأمّا البطل الّذي شمخ على كلّ أصحابه وناضل نضال الجبابرة ثمّ سقط طعمة للّهيب المدمّر فكان السّيّد يحيى الدّارابي الشّهير ﺒ"وحيد" –"وحيد عصره وفريد زمانه"– كما كان في طليعة الأعداء القادرين، الّذين أشعلوا نيران هذه الفتنة وغذّوها، حاكم نيريز زين العابدين خان الدّنيء المتعصّب، يناصره عبدالله خان شجاعُ المُلْك، ويعزّزه الأمير فيروز ميرزا حاكم شيراز.  ورغم أنّ هذه الواقعة كانت أقصر عمرًا من واقعة مازندران الّتي دامت ما لا يقلّ عن أحد عشر شهرًا، إلاّ أنّ الفظائع الّتي انتهت بها مرحلتها الأخيرة لا تقلّ هولاً في نتائجها.  ومرّة أخرى نجد حفنة من الرّجال الأبرياء الوادعين المسالمين ذوي الأرواح السّامية الّتي لا تقهر، تتألّف هذه المرّة من غلمان غير مدرّبين ورجال طاعنين في السّنّ، تفاجئهم وتتحدّاهم وتحاصرهم وتهاجمهم قوّات متفوّقة من رجال غلاظ شداد ماكرين، فتعجز عن قهر


روحهم رغم حسن تدريبها ووفرة عتادها واستمرار إمداداتها.

 

        تسبّب في هذا الهياج الجديد إعلان البعض عن إيمانهم بالأمر بصورة لا تقلّ جرأة ولا حرارة، وإظهار الحماسة الدّينيّة بصورة لا تقلّ اندفاعًا ولا اشتعالاً عمّا تمّ في واقعة مازندران، وأثاره انفجار عداوة دينيّة لا تقبل المهادنة ولا الموادعة، وصاحبه ما يتكافأ معه من مظاهر التّعصّب الأعمى، وأثارته أفعال مشابهة من التّهجّم السّافر من جانب رجال الدّين والدّهماء.  ومرّة أخرى تجلّى نفس الهدف وحرّكه من أوّله إلى آخره نفس الرّوح، واقترب من نفس قمم البطولة الخارقة، والثّبات وإنكار الذّات والشّجاعة الفائقة، وسقط القناع عن تنسيق لا يقلّ دقّة ولا إحكامًا بين السّلطات المدنيّة والدّينيّة في الخطط والجهود الّتي قصد بها تحدّي العدوّ المشترك والقضاء عليه.  وسبقه إنكار مماثل لأيّ نيّة يكنّها البابيّون للتّدخّل في الشّؤون المدنيّة أو تقويض سلطة الشّاه الشّرعيّة.  وقدّم هذا الصّراع دليلاً لا يقلّ عن سابقه إقناعًا على صبر الضّحايا وضبطهم لأنفسهم تجاه العدوان الغليظ الّذي لحق بهم دون أيّ استفزاز من جانبهم، وعندما كان الصّراع يقترب من قمّته انكشف جبن العدوّ وافتقاره إلى النّظام وتدهوره الخلقيّ وإفلاسه الرّوحيّ بصورة لا تكاد تقلّ تأثيرًا عمّا حدث في مازندران، وتميّزت أخرياته بحادثة غدر لا تقلّ دناءة ولا خسّة، وانتهى بمذبحة تثير فظائعها ومآسيها اشمئزازًا أكبر.  وختم هذا الصّراع حياة وحيد بخاتمة الشّهادة، إذ رُبط إلى حصان، وهو يلبس العمامة الخضراء رمز حسبه ونسبه وسُحب في الشّوارع والطّرقات بهذه الصّورة المزرية، ثمّ قُطع رأسه وحُشي بالقشّ وأُرسل تذكارًا إلى الأمير المبتهج في شيراز، على حين تُرك جثمانه تحت رحمة نسوة نيريز الغضبَى اللاّئي أسكرهنّ الفرح البربريّ، فأخذن يرقصن حوله على دقّ الطّبول ونقر الدّفوف وصيحات الجيش المظفّر.  وأخيرًا جرّ هذا الهياج في أعقابه غارة وحشيّة عامّة اشترك فيها ما لا يقلّ عن خمسة آلاف رجل كلّفوا بالإغارة على البابيّين العزّل، فنهبوا أموالهم وسَبَوا نساءهم وأطفالهم، وعرّوا بعضهم بصورة تكاد تكون كاملة وحملوهنّ على البغال والحمير والجمال وساقوهنّ


بين صفّين من الرّؤوس المقطوعة من جثث آبائهنّ وإخوتهنّ وأبنائهنّ وأزواجهنّ الّذين سبق أن كووهم بالنّار، أو اقتلعوا أظافرهم أو جلدوهم حتّى الموت أو دقّوا أسياخ الحديد في أيديهم وأرجلهم أو خرموا أنوفهم بالحبال ثمّ سحبوهم بها وعرّضوهم في الشّوارع على أنظار الجماهير المهتاجة السّاخرة.

 

        وما كادت تسكن هذه الفتنة البالغة كلّ هذا المبلغ من الهياج والإيلام حتّى اشتعلت في زنجان وما حولها فتنة أخرى أشدّ تدميرًا من الفتنتين السّابقتين، هبّت كالعاصفة الهوجاء في غرب إيران وتجرّع فيها كأس الشّهادة المُلاّ محمّد علي الزّنجاني الملقّب ﺒ"الحجّة" أحد أقطاب الدّين الأفذاذ، هو وألف وثمانمائة من إخوانه.  ولقد حدّدت هذه العاصفة مسافة الخلف الشّاسعة الّتي تفصل بين حملة مشاعل الدّين الجديد وبين أقطاب النّظام الدّينيّ والدّنيويّ المزعزع.  وكانت الشّخصيّات البارزة المسؤولة عن هذه المأساة الشّنيعة، بصفة أساسيّة، هي الأمير الحسود المنافق أرسلان خان، ومجد الدّولة خال ناصر الدّين شاه وأعوانه، وصدر الدّولة الإصفهاني، ومحمّد خان أمير تومان وعن ورائهم الإمدادات العسكريّة الفاعلة الّتي كان يرسلها أمير النّظام من ناحية، والتّأييد الحارّ الّذي أبداه رجال الدّين في زنجان من ناحية أخرى، وأمّا مرسح هذه المصادمات ومشهد هذه الآلام الموجعة وهدف الهجمات الوحشيّة المتكرّرة فكان قلعة علي مردان خان الّتي لجأ إليها ما لا يقلّ عن ثلاثة آلاف بابيّ بين رجل وامرأة وطفل، لا تفوق قصّة بلاياهم أيّ قصّة أخرى في مدى قرن كامل.

 

        وإنّ الإشارة الموجزة لبعض الملامح البارزة من هذه القصّة المفجعة، الّتي وهبت للدّين في طفولته طاقات لا حصر لها، لتكفي للكشف عن طبيعتها المميّزة.  فمن أبرز ملامح الصّراع الدّمويّ، تلك المناظر المثيرة للشّجن الّتي تلت تقسيم أهل زنجان إلى معسكرين متميّزين بناء على أمر صدر من حاكمها وطاف به المنادي.  فانفصمت العرى وتقطّعت الأسباب


وانشطرت العواطف والمصالح الدّنيويّة لصالح ولاء أعلى، وكذلك مناشدات الحجّة المتكرّرة للمحصورين أن يكفّوا أيديهم عن التّعدّي وأعمال العنف، وتأكيده لهم وهو يذكر مأساة مازندران بأنّ نصرهم لن يتحقّق إلاّ إذا ضحّوا بكلّ شيء على مذبح أمر صاحب الزّمان، وإعلانه صدق نيّة أصحابه في خدمة مليكهم وترقية مصالح شعبه، والبسالة النّادرة المدهشة الّتي صدّ بها هؤلاء الأصحاب هجمات صدر الدّولة الوحشيّة ممّا اضطرّهُ في النّهاية إلى الاعتراف بفشله الذّريع ولذلك عنّفه الشّاه وأنزله من رتبته، وكذا احتقار نزلاء القلعة لنداء المنادي الّذي أرسله العدوّ المرهق السّاخط ليفتنهم عن دينهم ويعدهم ويمنّيهم بهبات الشّاه السّخيّة، ثمّ براعة زينب وجرأتها الّتي لا يمكن أن يصدّقها العقل، وهي فتاة ريفيّة دفعها الشّوق القاهر إلى أن تشارك المدافعين عن القلعة مصيرهم فتنكّرت في زيّ الرّجال وقصّت ضفائرها وتمنطقت بالسّيف، وتعقّبت المغيرين وهي تصيح "يا صاحب الزّمان" واستمرّت خمسة أشهر في غمرة المعمعة لا تأبه لنوم ولا لطعام، تستنهض الهمم وتندفع لإنقاذ زملائها من الرّجال.  ثمّ هذا الزّئير الهائل الّذي تعالى من حناجر حرّاس التّحصينات وهم يردّدون الدّعوات الخمس الّتي أوصى بها حضرة الباب في نفس اللّيلة الّتي تلقّوا فيها أوامره بذلك.  هذا الزّئير أسرع بمصرع بضعة أشخاص في معسكر العدو، وجعل الضّبّاط المتردّدين يسقطون كؤوس الخمر من أيديهم ويقلبون موائد القمار، ويسرعون وهم حفاة واضطرّ آخرون للهروب إلى البرّيّة وهم شبه عراة أو اللّجوء إلى منازل العلماء والفزع يخلع قلوبهم، كما أنّنا نسترجع التّناقض بين الفوضى والسّباب والضّحك السّاخر والفسق والفجور الّذي تميّز به معسكر العدوّ  وبين جوّ التّبتّل والإجلال الّذي غمر القلعة حيث كانت أناشيد الحمد والثّناء وأهازيج السّرور والحبور تتعالى منها على الدّوام.  ولا يمكننا أن نغفل الإشارة إلى الالتماسات الّتي وجّهها الحجّة وأقطاب أنصاره إلى الشّاه يفنّدون فيها مزاعم خصومهم ويؤكّدون ولاءهم لشخصه ولحكومته، ويظهرون استعدادهم لإثبات صحّة أمرهم في محضره، ولا إلى كيفيّة احتجاز الحاكم هذه الرّسائل واستبدالها


بأخرى ملئت قذفًا وسبابًا وأرسلها إلى طهران.  ولا نغفل التّنويه بالمعونة الصّادقة الّتي بذلتها النّساء في القلعة وصيحات الابتهاج الّتي كنّ يرفعن بها عقيرتهنّ والحماسة الّتي كانت تدفع بعضهنّ إلى التّنكّر في زيّ الرّجال لتعزيز المتاريس والتّحصينات واحتلال مواقع إخوانهنّ الجرحى من الرّجال بينما أخريات كنّ يعتنين بالمرضى ويحملن إلى الجرحى قربًا من الماء، على حين فعل بعضهنّ الآخر ما فعلته قديمًا نساء قرطاجنّة، قصصن شعورهنّ الطّويلة وربطن الغدائر الغليظة حول البنادق لتقويتها.  ولا نغفل الإشارة أيضًا إلى الغدر الصّارخ الّذي عمد إليه العدوّ المحاصر، فقد كتبوا عهدًا للصّلح، ووضعوا معه مصحفًا مختومًا دليلاً وشاهدًا على صدق عهدهم وأرسلوه إلى الحجّة، إلاّ أنّهم لم يتورّعوا في اليوم نفسه عن أن يزجّوا بأعضاء الوفد الّذي أرسله الحجّة إليهم في غرفة أرضيّة بمن فيهم الأطفال، وعن أن ينزعوا لحية رئيس الوفد الجليل، ولا عن تشويه أحد زملائه بصورة وحشيّة.  وإنّنا لنتذكّر فضلاً عن ذلك شهامة الحجّة الّذي فجعته الأقدار في زوجته وولده فجأة ومع ذلك استمرّ يدعو أصحابه بجأش رابط إلى التّجمّل بالصّبر والأناة وتسليم أمرهم إلى الله.  وظلّ كذلك إلى أن خرّ صريعًا متأثّرًا بجرح بليغ بيد العدوّ.  ونتذكّر الانتقام البربريّ الّذي انتقم به من الضّحايا عدوّ يفوقهم عددًا وعدّة إلى حدّ بعيد.  وكيف أهدروا دمهم وأباحوهم للقتل الجماعيّ والنّهب الّذي لا مثيل لهما في المدى والضّراوة، وكيف أسرف في ذلك الجيش النّهّاب السّلاّب والشّعب الجشع والطّماع، والشّيوخ الّذين لا يطفئ ظمأهم شيء.  نتذكّر تعريضهم للضّحايا من الجنسين للبرد القارس الّذي تميّز به ذلك الشّتاء ما لا يقلّ عن خمسة عشر يومًا وليلة، حفاة عراة جياعًا.  على حين كانت جموع النّساء ترقص من حولهم طربًا وفرحًا، وتبصق في وجوههم، وتقذفهم بأقذع الشّتائم، نتذكّر القسوة الوحشيّة الّتي حكمت على ضحايا آخرين بأن يُقذفوا من أفواه المدافع، أو أن يُغمسوا في الماء القارس ويُجلدوا بقسوة أو تُغمس جماجمهم في الزّيت المغلي، أو تُدهن أبدانهم بالعسل ويتركوا ليموتوا في الجليد.  نتذكّر أخيرًا تلك الكراهية الّتي لا ترتوي تدفع الحاكم


اللّئيم إلى الإيعاز لابن الحجّة –وهو صبيّ لا يتجاوز السّابعة من عمره– أن يكشف عن مكان قبر أبيه.  فيهدم الحاكم القبر وينبش الجثّة، ويأمر بسحبها في شوارع زنجان على قرع الطّبول، ويعرّضها ثلاثة أيّام بلياليها لإهانات لا يمكن أن توصف بوصف.  هذه الأحداث وأمثالها الّتي وصفها اللّورد كرزون "بالحصار المروّع والمجزرة الشّنيعة" تتضافر جميعًا لتسكب على ملحمة زنجان مجدًا حزينًا لا يفوقه مجد أيّة قصّة مماثلة في عصر البطولة المجيد من دين حضرة بهاء الله.

 

        لم تستطع عاصمة المملكة أن تظلّ بمعزل ولا أن تقف مكتوفة اليدين إزاء تيّار البلايا والمِحَن الّذي اكتسح في السّنوات الأخيرة من ولاية حضرة الباب أقاليم إيران في الشّرق والغرب والجنوب بكلّ هذا العنف المشؤوم.  فاشتركت طهران قبل استشهاد حضرة الباب بأربعة أشهر في المذبحة العامّة الّتي كانت تلطّخ وجه البلاد ولكن بدرجة أقلّ وفي ظروف أقلّ عنفًا.  على أنّ المأساة الّتي حدثت في تلك المدينة لم تكن سوى مقدّمة لمذبحة قامت بعد استشهاد حضرة الباب، روّعت أهلها ونثرت الرّعب طولاً وعرضًا إلى أن بلغ الأقاليم النّائية.  نشأت هذه المأساة الجديدة بأمر أمير النّظام الحقود السّفّاح وارتكبت بين يديه وعاونه فيها محمود خان كلانتر وساعده أحد علماء كاشان اسمه حسين.  أمّا أبطال هذه المأساة فكانوا شهداء طهران السّبعة الّذين يمثّلون الطّبقات العليا من المجتمع، والّذين أصرّوا على ألاّ يشتروا حياتهم بمجرّد الإنكار الشّفهيّ.  وهو إجراء ظلّ الشّيعة يمارسونه قرونًا طويلة باسم التّقيّة، ويعتبرونه تخلّصًا مقبولاً بل ومستحبًّا ساعة الخطر.  ولم تفد الشّفاعات المتكرّرة الّتي تشفّع بها ذوو المقامات العالية في مناشط الحياة الّتي ينتمي إليها هؤلاء الشّهداء، ولا الأموال الطّائلة الّتي أبدى تُجّار شيراز وطهران المقتدرون استعدادهم لبذلها فداء لأحدهم، وهو ميرزا سيّد علي خال حضرة الباب النّبيل الرّزين، ولا استرحامات رجال الدّولة الحارّة بشأن شهيد آخر هو الدّرويش الفاضل الورع ميرزا قربان علي.  بل لم يُجدِ تدخّل أمير النّظام نفسه نفعًا حين حاول أن يحمل هذين الرّجلين الشّجاعين على الارتداد.  ولم يُغْنِ


كلّ ذلك عن حمل أحد منهم على التّنازل عن إكليل الشّهادة المشتهى.  أمّا الملامح الرّئيسة لمأساة شهداء طهران السّبعة فكانت النّشوة الّتي تملّكتهم، والإجابات المتحدّية الّتي ألقوها في وجه أعدائهم إذ يقتربون من مقرّ الشّهادة ومشهد الفداء، وتلك الصّيحات المستبشرة الّتي ارتفعت بها حناجرهم إذ يواجهون جلاّديهم، وتلك الأشعار المؤثّرة الّتي رتّلها بعضهم في لحظاته الأخيرة، وتلك البيانات والتّحدّيات الّتي وجّهوها إلى جموع المشاهدين المشدوهين وتلك اللّهفة الّتي تدافع بها آخر ثلاثة من الضّحايا ليسبق أحدهم الآخر إلى المصير الدّموي، وأخيرًا تلك الشّناعات الّتي انحطّ إليها العدوّ المتعطّش للدّماء، إذ عرض جثثهم ثلاثة أيّام بلياليها في سبزه ميدان ليركلها كلّ يوم آلاف ممّن يسمّون أنفسهم بالشّيعة المخلصين، ويبصقوا في وجوهها ساخرين لاعنين راجمين، ويهيلوا عليها القاذورات.  مأساة تبرز كمشهد من أبشع ما شوهد في غضون تفتّح دين حضرة بهاء الله الباكر.  فلا عجب أن ترى حضرة الباب، الّذي كان يرزح تحت وطأة أحزانه المتراكمة في قلعة چهريق، يثني عليهم ويمجّدهم على صفحات لوح طويل رثاهم وخلّد إخلاصهم ووفاءهم وولاءهم لأمره، ووصفهم فيه ﺒ"أكباش الفداء السّبعة" الّذين يمشون أمام القائم الموعود في يوم الحساب، طبقًا للحديث الإسلاميّ، هؤلاء الأكباش الّذين يسبق موتهم استشهاد راعيهم الحقّ بعد قليل.


الفصل الرّابع

 

استشهاد حضرة الباب

 

        إنّ أمواج البلايا الّتي لطمت الدّين كلّ هذه اللّطمات العنيفة، وصرعت في النّهاية أقدر أصحاب حضرة الباب وأعزّهم وأخلصهم في تعاقب سريع شملت سجين چهريق بحزن لا يوصف كما لاحظنا من قبل.  ويقرّر مؤرّخه أنّه لم يعد قادرًا على الكتابة أو الإملاء مدّة لا تقلّ عن ستّة أشهر، فقد سحقه الحزن البالغ للأخبار السّيّئة الّتي توالت عليه بسرعة من كلّ جانب، المحن الّتي نزلت بأقدر حواريّيه، والبلايا الّتي عاناها المحصورون، والخديعة المخزية الّتي وقع فريستها بقيّة الحصار، أخبار الآلام الوجيعة الّتي قاساها الأسرى، والمجازر البشعة الّتي راح ضحيّتها الرّجال والنّساء والأطفال، والتّمثيل الشّنيع بجثثهم، والإهانات الدّنيئة الّتي انهالت عليها.  ولقد أكّد كاتب وحيه أنّه امتنع عن أن يلقى أحدًا من أصحابه تسعة أيّام، كما امتنع عن تناول ما يقدّم إليه من لحم وشراب.  وانهمرت الدّموع من عينيه مدرارًا، وتدفّق الأنين من قلبه الجريح فيّاضًا، بينما هو يذبل ويذوي مدّة لا تقلّ عن خمسة أشهر فريدًا في سجنه لا يسرّي عنه أحد.

 

        لقد تقوّض الجانب الأكبر من دعائم دينه الجديد عند هبوب الإعصار الجبّار الّذي عصف به؛ فالقدّوس الّذي خلّده بتلقيبه إيّاه ﺒ"اسم الله الآخر"، وأنعم عليه حضرة بهاء الله فيما بعد في لوحه "كلّ الطّعام" بلقب "النّقطة الأخرى" ورفعه في لوح آخر إلى منزلةٍ تلي منزلة المبشّر بظهوره، وسلكه في لوح ثالث في عداد "أولي العزم من الرّسل" المذكورين في القرآن الكريم، ومجّده البيان الفارسي بأنّه رفيق الحجّ تطوف حوله المرايا بقدر عدد الواحدات الثّمانية، والّذي "*بانقطاعه وخلوصه يعتزّ الله بين الملأ الأعلى"،


والّذي وصفه حضرة عبد البهاء بأنّه "*قمر الهدى" وتنبّأ بظهوره يوحنّا اللاّهوتي في رؤياه باعتباره أحد "الشّاهدين" اللّذين تدخل منهما "روح حياة من الله" قبل أن يمضي "الويل الثّاني"، يلقى وهو في ميعة الصّبا وشرخ الشّباب، في سبزه ميدان ببارفروش حتفًا لم يلقه السّيّد المسيح في ساعة محنته الكبرى، كما يشهد حضرة بهاء الله.  وهذا المُلاّ حسين "أوّل حروف الحيّ" الملقّب ﺒ"باب الباب"، والموصوف ﺒ"المرآة الأوّليّة" والّذي أغدق عليه قلم حضرة الباب من المدائح والدّعوات وألواح الزّيارة ما يعادل ثلاثة أمثال القرآن الكريم مشيرًا إليه في هذه المدائح ﺒ"محبوب قلبي" والّذي أعلن القلم نفسه أنّ تراب قبره يبهج المحزون ويبرئ العليل، والّذي يغبطه "*خلق الأوّلين والآخرين" في ظلّ البيان "*إلى يوم القيامة".  المُلاّ حسين الّذي مجّده كتاب الإيقان بأنّه "لولاه ما استوى الله على عرش رحمانيّته، وما استقرّ على كرسيّ صمدانيّته" وأسبغ عليه السّيّد كاظم من العنايات والألطاف ما جعل تلاميذه يعتقدون أنّه من غير البعيد أن يكون هو الموعود، هذا الرّجل يموت هو الآخر وهو في أوج رجولته ميتة الشّهيد في طبرسي.  وهذا "وحيد" المذكور في كتاب الإيقان بأنّه "*وحيد عصره وفريد زمانه"، العالم الجليل، وأعظم الشّخصيات الّتي انضوت تحت علم الدّين الجديد، من شهد حضرة الباب في الدّلائل السّبعة "*بفضله وتقواه" و"*علوّ كعبه في العلم ورفعة شأنه في الحكمة"، ينجرف هو الآخر في ملابسات مشابهة في معمعة فتنةٍ أخرى، ويرتشف بدوره نفس الكأس الّتي تجرّعها شهداء مازندران الأبطال.  وهذا "الحجّة" عَلَمٌ آخر ذو بسالةٍ نادرةٍ وعزيمةٍ قاهرةٍ وأصالةٍ باهرةٍ وهمّةٍ عاليةٍ يهوي بصورةٍ سريعة لا مفرّ منها في الأتون المستعر الّذي أحاطت ألسنة لهيبه بزنجان وما حولها، وهذا خال حضرة الباب، والأب الوحيد الّذي عرفه منذ طفولته، ودرعه الواقي وعونه والرّاعي الأمين لزوجه وأمّه، تفصله عنه فأس الجلاّد في طهران.  كما سبقه في مضمار الشّهادة ما لا يقلّ عن نصف أصحابه المختارين: حروف الحيّ.  أمّا الطّاهرة فإنّها وإن كانت لا تزال على قيد الحياة حتّى آنذاك إلاّ أنّها كانت تسلك بجرأةٍ وبسالةٍ طريقًا تفضي بها إلى مصيرها المحتوم.


كان المدّ السّريع للحياة الزّاخرة بأوجاع هذا العهد الفاجع وهياجه وخياناته وأحزانه يصعد آنذاك مسرعًا إلى قمّته، وأخذت أقسى فترة من عصر البطولة المجيد في الدّورة الجديدة تشارف نهايتها.  وكانت كأس الويلات المريرة الّتي ارتشفها مبشّر تلك الدّورة قد امتلأت الآن عن آخرها وطفحت.  والواقع أنّه هو نفسه قد تنبّأ بموته الوشيك، ففي كتاب "پنج شأن" [الشّؤون الخمسة] أحد كتبه المتأخّرة، أشار إلى أنّ النّوروز السّادس بعد إعلان بعثته سوف يكون آخر نوروز يحتفل به على الأرض.  وفي تفسيره لحرف الهاء تمنّى الشّهادة على حين تنبّأ في قيوم الأسماء فعلاً بأنّه لا بدّ لحياته المجيدة من مثل هذه الخاتمة.  وقبل مغادرته النّهائية لچهريق بأربعين يومًا جمع الوثائق الموجودة في حوزته وسلّمها هي ومقلمته وأختامه وخواتمه إلى المُلاّ باقر أحد حروف الحيّ، وأوصاه بأن يودعها عند المُلاّ عبد الكريم القزويني الملقّب بميرزا أحمد، على أن يسلّمها هذا بدوره إلى حضرة بهاء الله في طهران.

 

        وعلى حين كانت الفتن في مازندران ونيريز قائمة على قدم وساق تتابع مجراها الدّموي، كان الصّدر الأعظم لناصر الدّين شاه يتدبّر في قلق بالغ دلالة هذه الأحداث الجسام، ويتوجّس خيفة من وقع صداها على مواطنيه وحكومته ومليكه، ويدير في عقله المحموم هذا التّصميم الوبيل الّذي لم يقدّر له أن يترك بصماته الّتي لا تمحى على مصير بلاده فحسب بل وأن يحمل في طواياه نتائج تفوق الحصر والعدّ في مصائر الجنس البشري بأسره.  فقد اقتنع أمير النّظام آنذاك تمام الاقتناع بأنّ التّدابير الرّادعة الّتي اتّخذت ضدّ أتباع حضرة الباب لم يكن لها من جدوى سوى أنّها استنهضت عزائمهم وشحذت هممهم وثبّتت أقدامهم على دينهم المقصود بالقمع والاضطهاد.  كما أنّ عزل حضرة الباب واعتقاله أحدث من الأثر عكس ما كان يأمل، ولشدّة اضطرابه أخذ يندّد بما أظهره سلفه الحاج ميرزا آقاسي من رقّة الحاشية ولين الجانب حتّى وصلت الأمور إلى هذه الدّرجة من السّوء، وشعر آنذاك أنّه لا بدّ من


إيقاع عقاب مثاليّ أشدّ وأوجع على ما اعتبره بدعة ورجسًا شنيعًا يدنّس الهيئات الدّينيّة والمدنيّة في المملكة، واعتقد أنّه لا شيء يوقف هذا الّتيار الّذي أحدث كلّ هذا الدّمار في البلاد سوى القضاء على رأس هذا المذهب الممقوت والقوّة الدّافعة لهذه الحركة الفاعلة.

 

        وكان حصار زنجان قائمًا على أشدّه حين أرسل إلى الأمير حمزة ميرزا حشمة الدّولة حاكم آذربيجان يأمره بإعدام حضرة الباب مستغنيًا في ذلك عن أمر صريح واضح من الشّاه ومستقلاً عن زملائه الوزراء ومستشاريه.  وخوفًا من أن يثير توقيع مثل هذه العقوبة الصّارمة في عاصمة البلاد قوًى يعجز عن ضبطها أو التّحكّم فيها، فقد أمر أن يساق الأسير إلى تبريز لكي يُعدم هناك، فلمّا واجهه الأمير السّاخط بالامتناع الصّريح عن ارتكاب هذه الجريمة النّكراء، كلّف أمير النّظام أخاه ميرزا حسن خان أن ينفّذ أوامره.  أمّا الشّكليات المعتادة للحصول على التّصديق اللاّزم فقد أجراها أقطاب المجتهدين في تبريز بسرعة ودون عناء، على أنّه لا المُلاّ محمّد الممقاني الّذي كتب فتواه بقتل حضرة الباب في نفس اليوم الّذي اختبره فيه بتبريز ولا الحاج ميرزا باقر، ولا المُلاّ مرتضى قلي قبل أن يتنازل ويلاقي خصمه البغيض وجهًا لوجه حين يسوقه الفرّاش باشي إليهم في منازلهم بأمر الصّدر الأعظم.

 

        وقبل هذه المعاملة المشينة الّتي عومل بها حضرة الباب وبعدها بقليل حدثت حادثتان على جانب عظيم من الدّلالة تلقيان ضوءًا كاشفًا على الظّروف الغريبة الغامضة الّتي اكتنفت فواتح استشهاده.  أمّا الحادثة الأولى فهي أنّ الفرّاش باشي قاطع آخر حديث لحضرة الباب مع كاتب وحيه السّيّد حسين في إحدى غرف الثّكنات، وعندما كان الفرّاش باشي يدفع السّيّد حسين بعيدًا ويعنّفه بشدّة خاطبه السّجين قائلاً: "*لن يمنعني أحد عن قول ما أريد أن أقوله له، ولو قاومني جميع من على الأرض فلن يستطيعوا أن يمنعوني عن إبلاغ نواياي وإتمامها حتّى الحرف الأخير".  أمّا الحادثة الثّانية فهي أنّ سام


خان المسيحيّ قائد الفرقة الأرمنيّة الّتي كلّفت بتنفيذ حكم الإعدام، خشي أن تجرّ عليه فعلته غضب الله، فالتمس أن يُعفى من هذه المهمّة المفروضة عليه فرضًا، فأجابه حضرة الباب قائلاً: "*نفّذ ما أُمرت به، وإذا كنت صادق النّيّة فإنّ الله قادر أن ينجيك من ورطتك".

 

        وعلى هذا انطلق سام خان يؤدّي مهمّته، فدقّوا مسمارًا ضخمًا في عمود بين غرفتين في الثّكنة، وربطوا فيها حبلين أوثق حضرة الباب بإحداهما وبآخر أحد أصحابه وهو الشّاب المتفاني ميرزا محمّد علي الزّنوزي الملقّب ﺒ"الأنيس".  وكان من قبل ارتمى على قدميّ حضرة الباب متوسّلاً إليه ألاّ يفارقه بأيّة حال من الأحوال، واصطفّت فرقة الرّماة صفوفًا ثلاثة في كلّ صفّ مئتان وخمسون جنديًّا، وأطلق كلّ صفّ الرّصاص بعد الآخر حتّى أفرغت الفرقة الرّصاص جميعًا وتكاثف الدّخان المتصاعد من البنادق السّبعمائة والخمسين حتّى أظلمت السّماء، وما كاد الدّخان ينقشع حتّى ذهل ما يقرب من عشرة آلاف مشاهد صعدوا على سطوح الثّكنات والمنازل المجاورة، فقد بصروا مشهدًا أبت عيونهم المحملقة أن تصدّقه.

 

        لقد توارى حضرة الباب عن أنظارهم، ولم يكن أمامهم غير رفيقه يقف بجوار الحائط الّذي صلبا عليه حيًّا لم يصبه أيّ سوء.  أمّا الحبلان اللّذان صُلبا بهما فقد تمزّقا.  صاح المشاهدون المشدوهون: "اختفى السّيّد الباب عن أنظارنا" وتلا ذلك بحث محموم، فإذا بهم يجدونه سليمًا معافًى في نفس الغرفة الّتي قضى فيها ليلة البارحة مشغولاً بإتمام حديثه مع كاتب وحيه.  وإذا بالسّجين الّذي حفظته العناية الإلهيّة على هذا النّحو المعجز يرحّب بقدوم الفرّاش باشي ويقول له: "*أمّا وقد انتهيت من حديثي مع السّيّد حسين فبإمكانكم أن تفعلوا ما بدا لكم".  عندئذ تذكّر الفرّاش باشي التّأكيد الجريء الّذي ألقاه السّجين إليه من قبل، فعرته القشعريرة من هذه الظّاهرة الصّاعقة وغادر المكان على الفور واستقال من منصبه.

 

        وكذلك تذكّر سام خان في رعب وعجب ذلك التّأكيد الّذي وجّهه إليه


حضرة الباب، فأمر رجاله بأن يغادروا الثّكنات على الفور، وأقسم، وهو يغادر الفناء، ألاّ يعود إلى تكرار هذه الفعلة ولو كلّفه ذلك حياته.  عندئذٍ تطوّع آقا جان خمسه قائد الحرس بأن يحلّ محله، وعلى نفس الحائط وبنفس الطّريقة عُلّق حضرة الباب ورفيقه من جديد، واصطفّت الفرقة الجديدة، وأطلقت عليها الرّصاص وفي هذه المرّة تمزّق صدراهما واختلط جسداهما تمامًا، أمّا الوجهان فقد ظلاّ سالمين لم تصبهما إلاّ خدوش طفيفة.  وكانت كلمات حضرة الباب الأخيرة للجماهير المحملقة حين تأهّبت الفرقة لإطلاق رصاصها: "*أيّها الجيل الملتوي! لو آمنتم بي لاحتذى كلّ واحد منكم حذو هذا الشّاب الّذي هو أعظم منكم شأنًا، ولأقبل راضيًا مختارًا على التّضحية بنفسه في سبيلي، وسيأتي اليوم الّذي فيه تؤمنون بي، وعند ذاك لن أكون معكم".

 

        ولم يكن هذا كلّ شيء، ففي نفس اللّحظة الّتي انطلق فيها الرّصاص هبّت عاصفة عاتية هوجاء واكتسحت المدينة، وظلّت دوّامة الغبار تحجب ضوء الشّمس وتعمي العيون من الظّهر حتّى اللّيل.  وفي سنة 1268ﻫ حدثت بشيراز "زلزلة" تنبّأَ بها كتاب جليل هو رؤيا يوحنّا اللاّهوتي، فألقت الذّعر والاضطراب وأصابت أهلها بخسائر زاد من فداحتها تفشّي وباء الكوليرا والقحط والنّكبات الأخرى.  وفي تلك السّنة نفسها لقي مائتان وخمسون رجلاً من رجال الفرقة الّتي حلّت محلّ فرقة سام خان حتفهم هم وضبّاطهم في زلزال مروّع.  على حين لقي الرّجال الخمسمائة الآخرون نفس المصير الّذي كتبته بنادقهم على حضرة الباب جزاءً لهم على تمرّدهم بعد ثلاث سنوات.  بل لقد أطلق عليهم الرّصاص مرّة أخرى خشية أن يكون أحدهم على قيد الحياة، ثمّ مُزّقت أجسادهم بالحراب والرّماح، وعُرضت على أنظار أهل تبريز، وأمّا المدبّر الأوّل لقتل حضرة الباب، أمير النّظام الطّاغية، فقد لقي حتفه هو وأخوه، شريكه الأوّل، بعد سنتين من فعلتهما الوحشيّة.

 

        وفي مساء اليوم الّذي استشهد فيه حضرة الباب بالغًا الحادية والثّلاثين من عمره، والسّابعة من بعثته، وهو التّاسع من شهر تموز 1850م (الموافق


للثامن والعشرين من شعبان 1266ﻫ) نقل الجسدان المختلطان الممزّقان من فناء الثّكنات إلى حافّة الخندق خارج أبواب المدينة.  وكلّفت أربع مجموعات قوام كلّ منها عشرة رجال بأن تتناوب حراستهما.  وفي صبيحة اليوم التّالي زار المكان قنصل روسيا في تبريز، وأمر الرّسّام الّذي رافقه أن يرسم الرّفات كما ترقد بجانب الخندق.  وفي منتصف اللّيلة التّالية نجح أحد أتباع حضرة الباب وهو الحاج سليمان خان في نقل رفات الجسدين بتوسّط رجل يدعى الحاج الله يار إلى مصنع حرير يمتلكه أحد المؤمنين في ميلان، ووضعهما في اليوم التّالي في صندوق خشبيّ أعدّ لذلك، ثمّ نقل الصّندوق إلى مكان أمين.  وفي تلك الأثناء كان الشّيوخ يعلنون بفخر من فوق منابرهم أنّ جثمان الإمام المعصوم يحرّم على الهوام وجوارح الطّير فما بال جسد هذا الرّجل نهشته كواسر السّباع.  وما كادت أنباء نقل رفات حضرة الباب ورفيقه في البأساء تبلغ حضرة بهاء الله حتّى أمر سليمان خان بإحضارها إلى طهران حيث أخذت إلى مقام إمام زاده حسن، ومن ثمّ أخذت تنقل من مكان إلى مكان إلى أن أمر حضرة عبد البهاء بنقلها إلى الأرض المقدّسة، وهناك أخلدها بيديه إلى الرّاحة الأبديّة في تعظيم وتكريم في مقام شيّد لذلك على سفح جبل الكرمل.

 

        وهكذا انتهت حياة سوف تعترف الأجيال القادمة بأنّها تقوم بين ملتقى كورين إلهّيّين عالميّين: كور آدم الّذي يترامى موغلاً في القدم إلى فجر التّاريخ الدّينيّ العالميّ المدوّن، والكور البهائيّ الّذي يتوغّل في المستقبل إلى غايات لم يلدها الزّمن بعد ولا تقلّ عن خمسة آلاف قرن.  وأمّا السّموّ القدسيّ الّذي بلغت به هذه الحياة تمامها فيشير، كما لاحظنا فعلاً، إلى ختام أمجد أطوار العصر البطوليّ من الدّورة البهائيّة.  وفضلاً عن ذلك فلا يمكن أن ينظر إليه إلاﹼعلى ذلك الضّوء الّذي تشعّهُ أفجع الحوادث وأوجعها في القرن البهائيّ الأوّل كلّه.  وهو حادث يمكن أن يشار إليه بحقّ بأنّه لا قرين له ولا مثيل في حياة أيّ مؤسّس من مؤسّسي الدّيانات القائمة في العالم أجمع.

 

        وقلّما يعجز حادث خطير كهذا عن إثارة الاهتمام العميق حتّى فيما


وراء حدود البلاد الّتي حدث فيها.  وهذه شهادة سجّلها عالم مسيحيّ ورجل من رجال الدّولة عاش في إيران مدّه وتعرّف على حياة حضرة الباب وتعاليمه قال: "إن ذلك المثل الرّائع الّذي قدّمه الباب للإنسانيّة لتتأمّله لهو من أعظم الأمثلة الرّائعة على الشّجاعة، ودليل يثير الإعجاب على المحبّة الّتي حملها بطلنا لمواطنيه.  لقد ضحّى بنفسه من أجل الإنسانيّة ولها وهب جسده وروحه، وفي سبيلها عانى الحرمان والهوان والسّباب والعذاب والشّهادة.  وقد وقَّع بدمه ميثاق الإخاء العالميّ، ودفع من حياته، كما فعل السّيّد المسيح من قبل، عربونًا لعهد الوفاق والعدل والمحبّة القادم".  وهذه شهادة أخرى كتبها هذا العالم أيضًا معلّقًا على ملابسات استشهاد حضرة الباب، قال: "إنّها حقيقة غريبة فذّة بين تواريخ الجنس البشريّ" وهذا ما قاله مستشرق فرنسيّ ملحوظ المكانة: "إنّها لمعجزة حقيقيّة".  وهذا حكم رحّالة وكاتب إنجليزيّ شهير قال: "هو رجل إلهيّ حقّ".  وهذا ثناء رجل فرنسيّ نابه من رجال الإعلام قال: "خير من أنتجته بلاده".  وهذا ما حكم به رجل إنجليزيّ من رجال الدّين المختارين قال: "إنّه لهو مسيح العصر...  نبيّ وأكثر من نبي".  وهذا هو الاحتمال الّذي قدّره للدّين البابيّ عالم أكسفورد الذّائع الصّيت وعميد كلّية باليول مؤخّرًا، إذ قال: "إنّه أهمّ نهضة دينيّة ظهرت منذ أن تأسّست المسيحيّة".

 

        وهذا تأكيد حضرة عبد البهاء المدوّن: "*لقد انطلق كثيرون من جميع آفاق العالم إلى إيران وبدأوا يفحصون الأمر من كلّ قلوبهم" بل إنّ مؤرّخًا معاصرًا كتب آنذاك فقال إنّ قيصر روسيا أرسل إلى القنصل الرّوسيّ في تبريز -قبل استشهاد حضرة الباب بقليل- يأمره أن يبحث هذه الحركة المثيرة ويكتب عنها تقريرًا وافيًا، ولكنّ هذه التّعليمات لم تنفّذ نظرًا لاستشهاد حضرة الباب.  أمّا الدّول النّائية كدول غرب أوروبّا، فقد ثار فيها اهتمام لا يقلّ عمقًا، وانتشر الخبر انتشارًا لا يقلّ سرعة في مختلف الدّوائر الأدبيّة والفنيّة والدّبلوماسيّة والفكريّة ويشهد رجل الإعلام الفرنسيّ سالف الذّكر بذلك: "لقد تحرّكت أوروبّا كلّها عطفًا وسخطًا...  وبيّن أدباء هذا الجيل في باريس


سنة 1890م، ما زال استشهاد الباب من الموضوعات الجديدة تمامًا كما كان يوم تلقّت باريس نبأ موته لأوّل مرّة.  لقد نظمنا فيه الشّعر، وألحّت سارة برنارد([14]) على  كاتل منديس([15]) أن يضع مرسحيّة ترتكز على هذه المأساة التّاريخية".  وفي 1903م قامت شاعرة روسيّة وعضوة في الجمعيّة الفلسفيّة وجمعيّة المستشرقين وجمعيّة الخدمات المكتبيّة في سانت بيترسبرغ بنشر مرسحيّة بعنوان "الباب" مثّلت بعد سنة على أحد مراسح المدينة الرّئيسة ثمّ انتشر صداها في لندن انتشارًا واسعًا، وترجمت إلى الفرنسيّة في باريس، وإلى الألمانيّة بقلم الشّاعر فيدلر([16]) ومثّلت مرّة أخرى بعد الثّورة الرّوسيّة مباشرة على مرسح الشّعب في لننغراد، ونجحت في إثارة العطف الأصيل والاهتمام العظيم لدى تولستوي الشّهير، الّذي نشر تقريظه للمرسحيّة الشّعريّة في الصّحف الرّوسيّة فيما بعد.

 

        وليس من المبالغة في شيء إذا قلنا إنّنا لا نجد في محيط الآداب الدّينيّة العالميّة، اللّهم إلاّ الأناجيل، رواية تتّصل بموت أحد مؤسّسي الأديان السّابقة يمكن أن تقارن أو تقاس بالاستشهاد الّذي تجرّع كأسه مظهر شيراز الإلهيّ.  فتلك الظّاهرة العجيبة المستعصية على التّفسير والّتي شهدها شهود العيان وعزّزهم فيها رجال لهم حيثيّتهم ومكانتهم العالية، واعترف بها المؤرّخون الرّسميّون وغير الرّسميّين من أفراد الشّعب الّذي عاهد نفسه على أن يكيد للدّين البابيّ كيدًا لا ينتهي، يمكن أن تعدّ بحقّ أعجب ظواهر الطّاقات الفريدة الّتي زوّدت بها هذه الدّورة الّتي بشّرت بها كلّ الدّورات السّالفة.  على أنّ آلام السّيّد المسيح، بل ودعوته العلنيّة كلّها هي وحدها الّتي تقدّم شبيهًا لبعثة حضرة الباب وموته، شبيهًا لا يعجز أيّ باحث في الدّين المقارن من إدراكه ولا يمكنه إغفاله.  ففي شباب حضرة الباب الغضّ ووداعته، وفي قصر


ولايته العلنيّة وهياجها الشّديد، وفي السّرعة الشّديدة الّتي اندفعت بها هذه الولاية إلى قمّتها، وفي النّظام الرّسوليّ الّذي أقامه والأولويّة الّتي أنعم بها على أحدهم، وفي جرأة تحدّيه للرّسوم والطّقوس العتيقة والشّرائع الرّاسخة الّتي التحمت بنسيج الدّين الّذي ولد بين أحضانه، وفي الدّور الّذي لعبه النّظام الدّينيّ الرّسميّ العتيد بصفته المحرّض الأوّل على التّعديات الّتي عاناها والإهانات الّتي انهالت عليه، وفي اعتقاله المفاجئ، والاستنطاق الّذي تعرض له، وفي الاستهزاء الّذي انهمر عليه والجلد الّذي قاسى منه، والقذف العلني الّذي احتمله، وأخيرًا في صلبه الشّنيع أمام الجمهور المعادي، في كلّ ذلك لا نعجز عن تمييز التّشابه الملحوظ بين الملامح المميّزة لحياة حضرة الباب وحياة السّيّد المسيح.

 

        إلاّ أنّه لا ينبغي أن يعزب عن بالنا أنّه بالإضافة إلى المعجزة المتّصلة باستشهاد حضرة الباب، فإنّ حضرته لا يعتبر مؤسّسًا لدورة سماويّة فحسب، كما هي حال مؤسّس الدّين المسيحيّ، بل ومبشّرا بعصر جديد، ومفتتحًا كورًا إلهيًّا عالميًّا.  ولا ينبغي لنا أن نتجاهل هذه الحقيقة المهمّة الأخرى ألا وهي أنّ القوى الّتي اصطفّت ضدّ حضرة الباب في إيران مثّلت تحالف السّلطات الدّينيّة والمدنيّة الّتي ثابرت منذ لحظة بعثته إلى يوم استشهاده، وتشبّثت بكلّ وسيلة مستطاعة للتّآمر على أتباعه وتشويه مضامين رسالته، على حين لم يتجاوز أعداء السّيّد المسيح في حياته أحبار اليهود ومن والاهم.

 

        إنّ حضرة الباب الّذي مجّده حضرة بهاء الله بأنه "جوهر الجواهر" و"بحر البحور" و"النّقطة الّتي تدور حولها أرواح النّبيّين والمرسلين" والّذي به "فصّل من النّقطة علم ما كان وما يكون" والّذي "*قدره أعظم من كلّ الأنبياء" و"*أمره أعلى وأرفع من عرفان كلّ الأولياء وإدراكهم"، قد بلّغ رسالته وأدّى مهمّته.  هذا "*الصّبح الصّادق المبشّر بالنّيّر الأعظم الأبهى" حسبما قرّر حضرة عبد البهاء، هذا الّذي أشار مقدمه إلى انتهاء دور "**الوعود والنّبوّات"، وافتتاح "**دور الوفاء بالوعود وتحقّق النّبوّات"،


محا بظهوره ظلام اللّيل الّذي خيّم على بلاده، وأعلن في الوقت نفسه اقتراب بزوغ النّيّر الأعظم الّذي يحيط نوره الجنس البشري جميعًا.  وصرّح مؤكّدًا بأنّه: "النّقطة الّتي ذوّت بها من ذوّت"، و"الرّكن من كلمة الأولى"، و"البيت" و"النّبأ العظيم" و"النّار في النّور على نور الطّور"، "ذكر الله"، والّذي "ما أرسلنا من نبيّ إلاّ وقد أخذناه بالعهد من أجله" وحقّق بمجيئه وعد جميع العصور، وافتتح دور بلوغ كلّ الظّهورات الإلهيّة واكتمالها في آن واحد.  هذا "القائم" موعود الشّيعة، و"المهدي" المنتظر من أهل السّنة، و"رجعة يوحنّا المعمدان" الّتي يتوقّعها المسيحيّون ورجعة "أوشيدرماه" الّذي أشارت إليه الكتب الزّرادشتيّة، ورجعة "إيليّا" الّذي ينتظره اليهود، هذا الّذي تظهر بعثته "آثار جميع الأنبياء" هذا الّذي "عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيّوب"، ظهر وأشهر أمره واضطهد بلا رحمة ومات مجيدًا.  هذا الويل الثّاني الّذي تحدّث عنه يوحنّا في رؤياه قد جاء آخر الأمر، وقد بعث أوّل المرسلين اللّذين تنبّأ بظهورهما القرآن الكريم.  و"نفخ في الصّور" نفخة صعق لها من في السّموات والأرض وبلغت بالعالم نهايته، و"وقعت الواقعة"، و"جاءت الطّامّة الكبرى"، و"البعث" و"زلزلت السّاعة" و"أتت البيّنة" و"تنزّل الملائكة والرّوح فيها" و"قام النّاس لربّ العالمين" و"السّماء كشطت" و"جاء ربّك والملك صفًّا صفًّا"، و"الكواكب انتثرت" و"أخرجت الأرض أثقالها" و"الجنّة أزلفت"، و"الجحيم سعّرت"، و"وضع الكتاب"، ومدّ "الصّراط" و"وضع الميزان" و"نسفت الجبال نسفًا" كما تنبّأ القرآن الكريم وتمّ "تطهير قدس الأقداس" الّذي تنبّأ به دانيال وأكّده السّيّد المسيح في إشارته إلى "رجسة الخراب" وانقضى يومٌ "كان مقداره ألف سنة ممّا تعدّون" كما تنبّأ القرآن الكريم.  وانتهت "الاثنان والأربعون شهرًا" الّتي تداس فيها "المدينة المقدّسة"، كما تنبّأ يوحنّا اللاّهوتي، وافتتح "وقت النّهاية" وقام أوّل "الشّاهدين" اللّذين دخل فيهما "بعد الثّلاثة أيّام ونصف روح حياة من الله" فوقف على رجله "وصعد إلى السّماء في السّحابة" وظهرت "الخمسة والعشرون حرفًا" الباقية من "السّبعة والعشرين" الّتي تحوي العلم كلّه كما


يقول الحديث الإسلامي.  هذا "الابن الذّكر العتيد أن يرعى الأمم بعصا من حديد" المذكور في كتاب رؤيا يوحنّا، أطلق بمقدمه القوى الخلاّقة الّتي أريد بها، بعد أن عزّزتها فيوضات الظّهور اللاّحق والأعظم قوّة، أن تغرس في الجنس البشريّ القدرة على تحقيق الاتّحاد العضويّ، وبلوغ سنّ الرّشد، وبذلك يصل إلى المرحلة النّهائيّة من تطوّره المديد.  وأمّا الصّيحة فقد ارتفعت في قيّوم الأسماء ﻟ"معشر الملوك وأبناء الملوك" مشيرة إلى ابتداء عمليّة أسرعت بها فيما بعد إنذارات حضرة بهاء الله إلى كلّ ملوك الشّرق والغرب، وما زالت تحدث تطّورًا واسع النّطاق في مصائر النّظام الملكيّ في جميع أرجاء العالم.  وأمّا "النّظم" الّذي أقامه الموعود في الكتاب الأقدس، ووضّح معالمه مركز الميثاق في ألواح وصاياه، ويشيّد الآن أتباعه هيكله الإداريّ، فقد أعلن في "البيان الفارسيّ" بصورة مؤكّدة.  أمّا الشّرائع والأحكام الّتي أريد بها من جهة أن تقضي بضربة واحدة على امتيازات دورة دينيّة بلغت أرذل العمر وعلى طقوسها ومناسكها ونظمها، وأن تجتاز من جهة أخرى تلك الفاصلة الّتي تفصل بين النّظام البالي البائد وبين مؤسّسات النّظام العالميّ الّذي يخلفه، فقد صيغت وأعلنت بوضوح.  وأمّا الميثاق الّذي استطاع، خلافًا لكلّ الدّورات السّابقة، ورغم كلّ الحملات العنيفة العنيدة الّتي شنّت عليه، أن يحافظ على كيان دين صاحبه، ويمهّد السّبيل لمقدم مركزه وغايته فقد أبرم إبرامًا وثيقًا.  وانبثق النّور الّذي كان من شأنه أن ينتشر من مهده تدريجًا وعلى فترات متعاقبة إلى فنكوفر غربًا، وبحر الصّين شرقًا، ويسكب شعاعه على إيسلندا شمالاً وبحر تسمانيا جنوبًا.  أمّا قوّات الظّلام الّتي اقتصرت في بادئ الأمر على هيئات الشّيعة الدّينيّة في إيران، ثم استجمعت فيما بعد قوّة أعظم على يد المقاومة العنيدة الّتي تحالف عليها خليفة الإسلام ورجال السّنّة في تركيا، ثم بلغت ذروتها في مقاومة الهيئات العتيدة المتّصلة بالدّيانات القويّة الأخرى، فقد شنّت حملتها الأولى.  وأمّا نواة المجتمع العالميّ الإلهيّ التّقدير، والّذي استطاعت قوّته الوليدة أن تحطّم أغلال الانتماء إلى الشّيعة، والّذي كان يحصل على اعتراف أوسع وأعمق بدعواه


الذّاهبة إلى أنّه دين العالم المقبل -كلّما اتّسعت دائرة المنتمين إليه-  فقد تكوّنت ثمّ أخذت تتبلور على مهل.  وأمّا البذرة الّتي وهبت لها يد العناية الإلهيّة هذه الطّاقات الواسعة النّطاق، ثم داستها الأقدام حتّى انعدمت من الوجود في الظّاهر فقد اتيحت لها الفرصة، بفضل هذه العمليّة نفسها، أن تنبت من جديد وتنمو على هيئة ظهور أقوى وأشدّ إلزّامًا، من شأنه أن يزدهر في فترة متأخّرة بمؤسّسات النّظام الإداريّ العالميّ الّتي تصل حدّ البلوغ في العصر الذّهبيّ الّذي لم يولد بعد، على صورة هيئات تعمل في اتّساق مع مبادئ "نظم" يوحّد العالم كلّه ويفتديه. 


الفصل الخامس

 

محاولة اغتيال الشّاه وما ترتّب عليها

 

        إنّ الدّين الّذي حرّك أمّة بأسرها من أعماقها، ومن أجله أزهقت الآلاف من الأرواح الغالية المجيدة، وعلى مذبحة ضحّى مؤسّسه بحياته، بدأ يتعرّض الآن لضغوط أزمة جديدة ذات عنف شديد وأثر بعيد، كانت واحدة من تلك الأزمات الدّوريّة الّتي توالت على مدى قرن كامل فنجحت في أن تكسف سناء الدّين بصورة مؤقّتة، وأن تهدم بنيان مؤسّساته العضويّة تقريبًا.  والواقع أنّ هذه المظاهر الحتميّة لهذا التّطوّر الغيبيّ لدين عالميّ كانت تحدث فجأة دائمًا، وعلى غير انتظار في الأغلب الأعمّ، كما كانت تبدو مستأصّلة لشأفة هذا الدّين العالميّ المفعم بالحياة، المتحدّي في دعواه، المطوّر في عقائده، الماضي في كفاحه حيال صدمات ومخاطر جمّة يكاد يرزح تحت وطأتها.  وكانت هذه الأزمات أمّا من الخارج على يد أعدائه الالدّاء، وأمّا من الدّاخل نتيجة لطيش بعض أحبّائه أو ارتداد بعض أتباعه، أو تخاذل بعض ذوي المقامات الرّفيعة من أقارب مؤسّسيه وذوي قرباهم.  ومهما يكن من أمر هذه النّكسات الأكيدة الّتي كان الدّين يعاني منها بين الحين والآخر، ومن أمر تأثيرها في الرّوح المعنويّة لدى جموع معتنقيه المخلصين، ومهما يكن من طنطنة أعدائه بها وادّعائهم بأنّها أعراض الاضمحلال والانحلال الوشيك، فإنّنا إذا استرجعناها جميعًا وجدنا أنها عجزت عن عرقلة تقدّمة أو النّيل من وحدته وتماسكه.  صحيح أنّ الضّريبة الّتي تقاضتها كانت فادحة الأوجاع، والبلايا الّتي خاضتها كانت جسيمة تفوق الوصف، والهول الّذي أثارته كان واسع المدى بل لقد أصابة بالشّلل بعض الوقت، ولكنّنا لو تأمّلنا كلّ واحدة من هذه النّكسات في أبعادها الصّحيحة لقرّرنا، بثقة واطمئنان، أنّها عناية


مستورة وبركة مقنّعة، ووسيلة ربانيّة لإطلاق المزيد من القدرة السّماويّة، ومهرب معجز من كوارث وشيكة الحدوث أشدّ نكالاً ووبالاً، وأداة لتحقيق النّبوءات العريقة، وعامل لتطهير حياة الجامعة وتقويتها، ودافع لتوسيع نطاقها ونشر تأثيرها، وشاهد مفحم ملزم على عدم قابليّة عرى الدّين للانفصام.  وطالما اتّضحت لعيون النّاس دلالة هذه الامتحانات، إبّان الأزمة نفسها أحيانًا، وبعد انتهائها في الغالب، وتجلّت ضرورتها للصّديق والعدوّ قاصيهم ودانيهم بصورة لا يرقى إليها الشّكّ، وقلّما ظلّ السّرّ، بل قل لم يحدث مطلقًا أن ظلّ السّرّ الكامن وراء هذه الكوارث المشؤومة الّتي بعث بها الله محجوبًا، أو ظلّ الغرض من حدوثها أو مغزى حدوثها مستورًا عن ذوي الألباب.

 

        والآن يوشك أمر حضرة الباب أن يعاني إحدى هذه المحن القاسية وهو ما زال في مراحل طفولته الأولى.  نعم إنّ هذا الدّين الّذي اضطهد اضطهادًا مريرًا، واشتدّت كراهيّته واستنكاره منذ اللّحظة الأولى الّتي ولد فيها، وحرّم منذ أيّامه المبكّرة من مساندة معظم أقطاب أنصاره، وصعق لزوال مؤسّسه المفاجئ المحزن، وترنّح تحت وطأة الضّربات القاسية الّتي كيلت له تباعًا في مازندران وطهران ونيريز وزنجان، يوشك أن يعاني إذلالاً لم يعرف له مثيل من قبل نتيجة لفعلة مخزية أتاها شابّ بابيّ متعصّب متهوّر.  وبذلك أضيف إلى أعباء المحن الّتي عاناها عبء فادح لكارثة جديدة فريدة في خطورتها، مخزية في طبيعتها، مدمّرة في نتائجها المباشرة. 

 

        فلقد دفعت مرارة مأساة استشهاد حضرة الباب، وجنون اليأس، والاعتقاد بأنّ المحرّض الأوّل على هذه الجريمة هو الشّاه دون سواه، بصادق التّبريزي العامل في حانوت حلواني بطهران إلى أن يثأر لهذه الفعلة النّكراء.  فتقدّم في يوم من أيّام آب (15 آب 1852م) مع شريك له نكرة مثله يدعى فتح الله القمي إلى نياوران حيث عسكر الجيش حول محلّ إقامة الشّاه.  وانتظر بجانب الطّريق كأحد المارّة الأبرياء ثم أطلق من سلاحه النّاريّ


الرّصاص على الشّاه بعد خروجه من رحاب القصر على جواده يتريّض رياضة الصّباح.  وأظهر فحص السّلاح الّذي استعمله المعتدي طيش هذا الشّاب الأخرق بصورة لا تقبل الشّكّ.  وبيّن بجلاء أنّ أيّ رجل سليم العقل لم يكن ليقدم على ارتكاب مثل هذه الفعلة الخرقاء. 

 

        غرقت نياوران الّتي أقام فيها البلاط الشّاهاني وفصائل الجيش في هرج ومرج لا يمكن تصوّرهما نتيجة لهذا الاعتداء، فوزراء الدّولة وعلى رأسهم ميرزا آقا خان النّوري اعتماد الدّولة خليفة أمير النّظام أهرعوا -والهلع يخلع قلوبهم- إلى مليكهم الجريح، ونفخت الأبواق وقرعت الطّبول وعلت أصوات المزامير تدعو جيوش جلالته الشّاهانيّة من كلّ حدب وصوب.  واندفعت حاشية الشّاه مشاة وفرسانًا إلى رحاب القصر، وعمّت الفوضى فكان كلّ فرد يصدر قرارًا، ولا يسمع أحد قولاً، ولا يطيع أحد أمرًا، ولا يفهم أحد شيئًا.  وفي هذه الأثناء أمر أردشير ميرزا حاكم طهران فصائله بتفتيش شوارع العاصمة المهجورة ثمّ أغلق أبواب القلعة والمدينة، وحشا مدافعه، وأرسل رسولاً على عجل ليتأكّد من صحّة الإشاعات المنكرة الدّائرة على ألسنة النّاس ويطلب تعليمات محدّدة. 

 

        وما كادت هذه الفعلة ترتكب حتّى وقع ظلّها على البابيّين كلّهم، وهبّت على الأمّة بأسرها عاصفة من الذّعر والسّخط والكراهية تعزّزها أم الشّاه الشّاب.  ولم يعد هناك أيّ مجال للتّفكير في إجراء أبسط ألوان التّحقيق عن أصول هذا الاعتداء أو المحرّضين عليه، وكانت أيّ همسة أو إشارة كافية لأن تورد أيّ بريء موارد الهلاك وتصبّ عليه أشنع ألوان العذاب.  وأخيرًا وبعد طول تربّص وانتظار ظفر جيش الأعداء بالمبرّر الّذي كان يتمنّاه، هذا الجيش المؤلّف من رجال الدّين ورجال الدّولة والشّعب ممّن وحّدت بينهم الكراهية المريرة فتربّصوا حتّى تسنح الفرصة ليشهّروا بخصمهم الممقوت ويقضوا عليه.  وها قد حانت الفرصة وأصبح هذا الجيش قادرًا على أن يحقّق غرضه الخبيث إلى أقصى مدى.  وبالرّغم من أنّ الدّين تبرّأ منذ البداية، من


أيّة نيّة في اغتصاب حقوق الدّولة أو امتيازاتها، وبالرّغم من أنّ أقطابه وأصحابه وأتباعه حرصوا على أن يتجنّبوا أيّ تصرّف يثير أدنى اشتباه في رغبتهم في إعلان الجهاد الدّينيّ، وعلى أن يتوقّوا متابعة أيّ مسلك عدائيّ، إلاّ أنّ الأعداء تعمّدوا تجاهل الشّواهد العديدة الدّالّة على ضبط النّفس الملحوظ من جانب أتباع الدّين المضطهد وأثبتوا قدرتهم على ارتكاب شناعات بربريّة كتلك الّتي ستظلّ مقترنة بقصص مازندران ونيريز وزنجان الدّمويّة.  أمّا وقد ارتكبت هذه الفعلة النّكراء الغادرة فإلى أيّ دركة من الخسّة والقسوة لا يحبّ هذا العدو المتربّص أن ينزل؟ وبأيّة تهمة لا يحبّ أن يلصقها بخصومة؟ وبأيّة معاملة لا يودّ أن يعامل بها كلّ من يمكن أن تتسرّب إليه شبهة الاشتراك من قريب أو من بعيد في هذه الجناية الشّنيعة ضدّ من جمع في شخصه سيادة الدّولة ووصاية الإمام الغائب؟! ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‌‍‍

 

        كان حكم الإرهاب الّذي تلا ذلك مثيرًا للتقزّز بصورة لا توصف، فروح الانتقام الّذي تملّك هؤلاء الّذين صبّوا جام غضبهم وويلاتهم كان ظامئًا لا يطفأ له ظمأ، وتجاوبت أصداؤه حتّى بلغت صحافة أوروبّا واصمة بالعار والشّنّار زبانية الإرهاب المتعطّشين للدّماء.  ورغبة من الصّدر الأعظم في أن يحدّ من الانتقام الدّموي فقد قسّم مهمّة قتل من حكم عليهم بالإعدام، بين الأمراء والنّبلاء وزملائه الوزراء والقوّاد وضبّاط البلاط ومندوبي رجال الدّين والتّجار والمدفعيّة والمشاة، لا بل لقد خصّصت للشّاه ضحيّة ولكنّه أناب عنة قهرمان قصره لكي يطلق طلقته القاتلة صونًا لكرامة التّاج.  أمّا أردشير ميرزا فقد عمل من جانبه على تشديد الحراسة على أبواب العاصمة، وأمر الحرّاس بأن يتحقّقوا من شخصيّة الّذين يحاولون الخروج منها، واستدعى الكلانتر والدّاروغة والكدخداوات([17]) وأمرهم بأن يبحثوا عن كلّ من حامت حوله شبهة اعتناق البابيّة ويلقوا القبض عليه.  وتحت التّهديد والوعيد اضطرّ شاب اسمه عبّاس كان خادمًا عند أحد المؤمنين المعروفين إلى أن يمشي في شوارع


طهران ويدلّ على كلّ من تذكّر أنّه بابيّ، بل لقد أرغم على أن يشي بأيّ شخص يظنّ أنّه قادر على أن يدفع فدية طيّبة لاستخلاص نفسه. 

 

        وكان صادق المنحوس أوّل من عانى في ذلك اليوم العصيب إذ قتل على الفور في نفس البقعة الّتي حاول فيها ارتكاب جريمته بأن شدّوه إلى ذيل بغل وسحبوه طوال الطّريق إلى طهران حيث شقّوا بدنه إلى نصفين صلبوهما وعرضوهما على الأنظار.  ونودي بأهل طهران أن يصعدوا إلى الأسوار ليشاهدوا الجسد الممزّق.  أمّا شريكه فقد صبّوا في حلقه الرّصاص المنصهر بعد أن قاسى عذاب الكلاليب المحمّاة وتمزيق المسامير لأوصاله، وعرّي رفيق لهما يسمّى الحاج قاسم ووضعت الشّموع الموقدة في ثقوب شقّوها في بدنه، وعرض على الجمهور الصّاخب اللاّعن.  أمّا الآخرون فقد فقئت عيونهم ونشرت أجسادهم بالمناشير وخنقوا، وقذفوا من أفواه المدافع، وقطّعوا إربًا إربًا، ومزّقوا بالفؤوس والبلط، ونعلت أقدامهم بحدوات الخيل، وطعنوا بالحراب ورجموا بالحجارة، وتسابقت زبانية العذاب على بلوغ أقسى غايات التّوحّش والبربريّة.  وكان النّاس يتسلّمون أجساد الضّحايا المنكودة ويتكالبون عليها ليمثّلوا بها تمثيلاً لا يبقي على شيء من معالمها الأولى، حتّى أنّ الجلاّدين الّذين ألفوا القسوة بحكم عملهم كانوا يذهلون لقسوة النّاس الجهنّميّة.  وكان الجلاّدون يسوقون النّساء والأطفال في الطّرقات بأجساد ممزقة تشتعل في جراحاتها الشّموع وهنّ يرتّلن بأصوات رنّانة "إنّا لله وإنّا إليه راجعون" أمام المتفرّجين الواجمين على جانبيّ الطّريق، فإذا هلك الأطفال في الطّريق ألقى الجلاّدون أجسادهم تحت أقدام آبائهم وأخواتهم، فيطأونها بعزّة وكبرياء دون أن يتجشّموا عناء النّظر إليهم مرّة أخرى.  ولقد شهد أحد الكتّاب الفرنسيّين الممتازين بأنّ والدًا رفض الارتداد عن دينه وفضّل أن يذبحوا ولديه الشّابّين المتسربلين بدمائهما على صدره، وهو مستلقٍ على الأرض، وكان أكبرهما فتى في الرّابعة عشرة من عمره فطالب بحقّه في أن يقتل قبل أخيه لأنّة هو الأرشد. 


ويروي الرّواة عن ثقة ويقين أنّ أحد الضّباط النّمساويّين، وهو الكابتن فون جومونس([18]) الّذي كان آنذاك في خدمة الشّاه هالته بشاعة الفظائع الّتي كان مضطرًّا إلى مشاهدتها بحكم عمله فقدّم استقالته، وبعد أسبوعين من محاولة الاغتيال أرسل خطابًا نشر في مجلة "صديق الجنود".  قال: "*اتبعني يا صديقي، وأنتم يا من تدّعون أنّكم تتحلّون بالأخلاق الأوروبيّة الرّفيعة تعالوا معي لتشاهدوا البؤساء الّذين فقئت عيونهم ثمّ أجبروا على أن يأكلوا آذانهم المبتورة في مشهد التّعذيب ذاته دون ملح ولا توابل! والّذين انتزع الجلاّدون أسنانهم وضروسهم بوحشيّة، والّذين لم ينلهم شيء كبير من الأذى سوى أن حطّمت المطارق جماجمهم العارية بكلّ بساطه.  هلمّوا هلمّوا إلى حيث تضاء الأسواق بالضّحايا البؤساء لأنّ النّاس شقّوا ثقوبًا عميقة في صدور الضّحايا وأكتافهم عن اليمين وعن الشّمال، ووضعوا في الجروح شموعًا مشتعلة.  ولقد شاهدت بعضهم يسحبون في السّوق مصفّدين بالأغلال تتقدّمهم إحدى الفرق العسكريّة.  وكانت الشّموع قد احترقت وتوغّلت حتّى أخذ شحم الجروح يدخّن كالمصباح إذا انطفأ حديثًا.  وليس من النّادر أن تتفتّق عبقريّة أهل الشّرق عن ألوان جديدة من التّعذيب.  من ذلك مثلاً أنهم يسلخون قدميّ البابيّ ويغمسون جروحه في الزّيت المغلي، ويدقّون فيها حدوة حصان، ويرغمونه على الجري.  فلا تصدر من الضّحيّة آهة ولا زفرة.  بل تتحمّل حواسّه المفقودة ذلك العذاب في صمت مظلم.  والآن يجب عليه أن يجري.  ولا يستطيع الجسم أن يتحمّل ما يتحمّله الرّوح فيسقط.  ألا فارحموه واضربوه الضّربة القاضية، وخلّصوه من آلامه! ولكن لا! الجلاّد يهوي بالسّوط وكان عليّ أن أشاهد ذلك، وإذا بالضّحيّة المتحمّلة مائة ضعف من العذاب تركض من جديد، كلّ هذا مجرّد بداية للنّهاية.  أمّا النّهاية نفسها فهي أنّ الجلادين يصلبون الأجساد المكويّة الممزّقة رأسًا على عقب على جذوع الأشجار.  عند ذاك تتاح الفرصة لأيّ إيرانيّ يحبّ أن يجعل تلك الأجساد


المعلّقة النّبيلة هدفًا لإظهار براعته في التّصويب على قدر ما يحبّ ويشتهي وعلى مسافة معيّنة ليست بالقريبة جدًّا ولقد رأيت أجسادًا مزّقتها مائه وخمسون رصاصة تقريبًا".  ثمّ مضى يقول: "*حين قرأت ما كتبت مرّة أخرى تصوّرت أنّ الّذين يعيشون معكم في النّمسة وطننا العزيز المحبوب قد يخامرهم الشّكّ في صحّة هذه الصّورة، وقد يرمونني بالتّهويل والمبالغة، ألا ليتني لم أولد حتّى لا أرى هذه الصّورة.  ولكنّني بحكم عملي كنت أشاهد هذه الأهوال كثيرًا، أكثر مما ينبغي لسوء الحظّ.  إنّني لا أغادر منزلي الآن حتّى لا أشاهد شناعات جديدة أخرى...  ولمّا كان روحي يثور ضدّ هذا العار...  فإنّني أقطع صلتي بمنظر هذه الجرائم".  ولا عجب أنّ وصف رجل ذائع الصّيت مثل رينان([19]) في كتابه "الرّسل" هذه المجزرة البشعة الّتي ارتبكت في يوم واحد أثناء مذبحة طهران الكبرى بأنّها "يوم قد لا يكون له شبيه ولا نظير في تاريخ العالم بأسره". 

 

        لم تكتفِ اليد الّتي هوت على أنصار هذا الدّين الممتحن أفظع امتحان بهذه الضّربة القاصمة بعامّة أتباع حضرة الباب، بل امتدّت بغضب وعزم وقوّة مماثلة فصرعت البقيّة الباقية من الأقطاب الّذين عاشوا من بعد أعاصير العدوان الّتي اجتاحت كلّ هذه الجموع الغفيرة من أنصار الدّين وأتباعه.  فجندلت العاصفة الهوجاء "الطّاهرة" البطلة الخالدة الّتي سكبت سناء باقيًا على بنات جنسها وعلى الدّين الّذي اعتنقته على حدّ سواء.  كما افترست السّيد حسين كاتب وحي حضرة الباب ورفيق منفاه ومستودع وصاياه وشاهد وقائع استشهاده العجيبة.  لا بل إنّ تلك اليد بلغ من جسارتها ووقاحتها أن تطاولت إلى شخصيّة حضرة بهاء الله الشّامخة، فألقت القبض عليه إلاّ أنّها عجزت عن أن تصرعه.  نعم إنّها جعلت حياته في خطر، وطبعت على جسده آثارًا لا تمحى من القسوة المتحجّرة، ولكنّها عجزت عن أن تعطّل مهمّته الّتي لم تكن مجرّد المحافظة على النّيران الّتي أوقدها روح حضرة الباب فحسب


بل وإشعال نار تبلغ، بظهور حضرة الباب، تمامه وتفوق كلّ أمجاده. 

 

        وفي تلك الأيّام المظلمة المضنية عندما غابت شمس الباب وعندما أفلت تلك النّجوم السّاطعة في سماء دينه الواحدة بعد الأخرى وهامَ مَنْ كان مرشّحًا لوصايته من بعده في فلوات رشت وجبالها طريدًا شريدًا متنكّرًا في ثياب الدّراويش حاملاً بيده كشكوله، بَدا للأعداء المتربّصين السّاهرين أنَّ حضرة بهاء الله، بفضل ما أنجزه من أعمال، هو الدّ الخصوم وأنّه الأمل الوحيد لمن اعتبرهم هؤلاء زمرة الإلحاد والكفر الّتي لم تستأصل جذورها بعد، فأصبح اعتقاله وقتله آنذاك من ألزم الأمور.  ولم لا؟ ألم يكن هو الّذي تسلّم من المُلاّ حسين مبعوث حضرة الباب الوثيقة الّتي زفّت إليه أولى بشارات الظّهور الجديد ولم تكد تمضي على ميلاد الدّين سوى ثلاثة أشهر، فآمن بها وصدّق بصحتها من فوره، ونهض ليدافع عن أمرها وأمر صاحبها.  ألم تكن إلى مسقط رأسه ومسكنه قد اتّجهت خطوات ذلك المبعوث أوّل ما اتّجهت بوصفه الموضع الّذي يضمّ سرًّا لا يطمع الحجاز ولا شيراز في منافسة قدسيّته، وبما كتبه المُلاّ حسين عن اجتماعه به ابتهج حضرة الباب ابتهاجًا ألقى على قلبه سكينة جعلته يصمّم أخيرًا على أن يقدم على حجّهِ المرتجى إلى مكّة والمدينة.  ألم يكن هو وحده غاية كلّ الإشارات الخفيّة ومدار الثّناء العاطر والمناجاة الحارّة والبشارات السّارّة والإنذارات المدوّنة في كلّ من "قيّوم الأسماء" و "البيان"، أوّل وآخر الشّهادات المكتوبة بذلك المجد الّذي يوشك أن يسبغه الله عليه.  وبفضل مراسلاته مع مؤسّس الدّين الجديد واتّصاله الوثيق بالنّخبة الممتازة من أصحابه من أمثال وحيد والحجّة والقدّوس والمُلاّ حسين والطّاهرة استطاع أن يتعهّد الدّين بالنّماء، ويوضّح مبادئه ويعزّز أسسه الخلقيّة ويحقّق مطالبه العاجلة ويجنّبه بعضًا من الأخطار الدّاهمة، ويشارك مشاركة فاعلة في نهضته وتثبيت أركانه.  ألم يكن هو الّذي عناه المظهر الإلهيّ عندما بشّر القدّوس -غداة العودة من الحجّ إلى بوشهر- بأنّه سوف يحظى بسعادة لقاء "هدف تقديسنا وغاية محبّتنا" قبل أن يرتشف القدّوس كأس الشّهادة.  ألم يسقط وهو في ريعان شبابه كلّ اعتبار للشّهرة والثّروة


والجاه، متجاهلاً المخاطر ومُهملاً تنديد الطّبقة الاجتماعيّة الرّفيعة الّتي ينتمي إليها؟ ونهض في طهران ثمّ في موطنه مازندران لينتمي إلى الفرقة الغامضة المنبوذة، وكسب لها عددًا كبيرًا من رجال الدّولة والنّابهين من أهل نور بمن فيهم خلطاؤه وذوو قرباه، وبجرأة فسّر لتلاميذ المجتهد الشّهير المُلاّ محمّد حقائق الدّين وكسبهم إلى صفّه، وضمن بعمله هذا ولاء عدد كبير من رجال الدّين والدّولة والفلاّحين والتّجار، بل وأفحم المجتهد نفسه في إحدى الجلسات الخالدة الذّكر.  وإلى كفاية رسالته الّتي كتبها وأودعها المُلاّ محمّد مهدي الكندي فسلّمها هذا بدوره إلى حضرة الباب على مقربة من مدينة گُلين يرجع الفضل في أن تخلّص روح السّجين، في ساعة التّوتر والانزعاج، من الشّقاء الّذي خيّم عليه منذ أن ألقي القبض عليه في شيراز.  ألم يرحّب من أجل الطّاهرة وأصحابها المسجونين بالسّجن المهين عدّة أيّام في منزل أحد مخاتير البلد في طهران؟ وكان أوّل سجن يعانيه، وإلى حرصه ونفاذ بصيرته ومقدرته يرجع الفضل في فرارها الموفّق من قزوين، وخلاصها من خصومها ووصولها سالمه إلى بيته، ثم انتقالها إلى مكان أمين قرب العاصمه استطاعت أن تنطلق منه إلى خراسان.  وإلى محضره أدخل المُلاّ حسين سرًّا عند وصوله إلى طهران فلقيه ثمّ سافر إلى آذربيجان ليزور حضرة الباب الّذي كان آنذاك معتقلاً في ماه كوه.  ألم يكن هو الّذي أدار دفّة الأمور في مؤتمر بدشت دُونَ زلّة بصورة غير ملحوظه، واستضاف القدّوس والطّاهرة والواحد والثّمانين مؤمنًا الّذين اجتمعوا بتلك المناسبة، وأنزل كلّ يوم لوحًا وأنعم على كلّ فرد من المجتمعين باسم جديد.  ألم يكن هو الّذي واجه وحده جمهورًا يزيد على الخمسمائة فلاّح في نيالا، وحمى القدّوس من غضب المهاجمين، وأمكنه أن ينقذ بعضًا من الأموال الّتي نهبها العدوّ، وقام على حماية الطّاهرة الّتي أوذيت كثيرًا وهوجمت كثيرًا؟ ألم يكن هو الّذي ثارت ثائرة محمّد شاه عليه نتيجة للوشايات والسّعايات المستمرّة فأصدر أمرًا بإلقاء القبض عليه واستدعائه إلى العاصمة، ولكنّ الأمر لم ينفّذ نتيجة لموت الشّاه المفاجئ؟ وإلى نصائحه وتشويقه لنزلاء قلعة الشّيخ طبرسي، الّذين قابلوه بالمحبّة


والإجلال أثناء زيارته، يرجع الفضل إلى حدّ ليس بالقليل في ارتفاع الرّوح المعنويّة لدى المدافعين الأبطال.  وإلى تعليماته الصّريحة يرجع توفيقهم في تخليص القدّوس بصورة معجزه لينضمّ إليهم في المغامرات المثيرة الّتي خلّدت فتنة مازندران.  ألم يكن من أجل هؤلاء المدافعين الّذين كان ينوي الانضمام إليهم أن سجن مرّة أخرى في مسجد آمل الّذي سيق إليه وسط ما لا يقلّ عن أربعة آلاف من المشاهدين المهتاجين ومن أجلهم جلد حتّى أُدميت قدماه في خلوة مجتهد هذه المدينة، وأودع مسكن حاكمها، ووشى به المُلاّ الكبير وأهانته الجموع الّتي حاصرت مسكن الحاكم ورشقته بالحجارة وقذفته بابشع السّباب.  ألم يكن هو بعينه الّذي أشار إليه القدّوس عندما وصل إلى قلعة الشّيخ طبرسي ونزل عن فرسه وأسند ظهره إلى حائط الضّريح ورتّل قوله تعالى "بقيّة الله خير لكم إن كنتم مؤمنين".  وكان هو بعينه المقصود بكلّ هذا الثّناء العاطر وهذا التّفسير البارع لصاد الصّمد الّذي كتب هذا البطل الشّابّ بعضه في القلعة أثناء أحرج الظّروف والّذي يبلغ حجمه ستّة أمثال حجم القرآن.  ألم يكن لتاريخ ظهوره الوشيك أن اشار "لوح الحروفات" الّذي فاض من قلم حضرة الباب في چهريق تشريفًا للدّيّان إشارة خفيّة، وفيه أماط اللّثام عن سرّ "المستغاث"؟ وللفوز بمحضره وجّه حضرة الباب انتباه صحابيّ آخر، وهو المُلاّ باقر أحد حروف الحيّ.  وإلى رعايته الخاصّة عهد بوثائق حضرة الباب ومقلمته وأختامه وخواتمه العقيقيّة مع درج كتب فيه على هيئة النّجم ما لا يقلّ عن ثلاثمائة وستّين اشتقاقًا لكلمة "بهاء" سلّمت إليه جميعًا تنفيذًا لتعليماته الّتي أصدرها قبل مغادرته قلعة چهريق.  ومن نتيجة مبادرته وحدها وتنفيذًا لتعليماته بحذافيرها نقلت رفات حضرة الباب الغالية من تبريز إلى العاصمة بسلام وحفظت بمنتهى العناية وأخفيت بمنتهى السّرّيّة خلال السّنوات العاصفة الهوجاء الّتي تلت استشهاده.  وأخيرًا ألم يكن هو الّذي عمل أثناء إقامته في كربلاء -وفي الأيّام الّتي سبقت محاولة اغتيال الشّاه- بكلّ همّة ونشاط على نشر تعاليم زعيمه الرّاحل بنفس الحماسة والقدرة اللّتين امتازت بهما أعماله الأولى في مازندران، مجتهدًا في تأمين مصالح دينه واستنهاض


همم أتباعه المحزونين وتنظيم قوى أوليائه الحيارى المشتّتين؟

 

        رجل هذا شأنه وهذا سجلّ أعماله، لم يكن من السّهل أن يفلت من رقابة العدوّ السّاهر اليقظ ولا من غضبه، والواقع أنّه لم يفلت.  فمنذ البداية تملّكته الحماسة القاهرة للأمر الّذي اعتنقه، وكان جريئًا جسورًا في مطالبته بحقوق المضطهدين، وكان في ميعة الصّبا وريعة الشّباب لا يجاريه في قدرته ولا يباريه في سحر بيانه أحد، وكان ذا طاقة لا تكلّ، وحكم صائب لا يخلّ، ثريًّا متمتّعًا بالإجلال والنّفوذ والجاه والمكانة السّامية النّبيلة إلى أقصى درجة.  ومع ذلك احتقر الأبّهة والمفاخر والعطايا والممتلكات الدّنيويّة.  وبفضل مراسلاته المنتظمة، كان وثيق الصّلة بمؤسّس الدّين الّذي نهض للذّود عنه، كما كان واقفًا تمام الوقوف على آمال أقطابه وآلامهم وخططهم ومناشطهم.  وكان يتقدّم ليحتلّ مكان الزّعامة الصّريحة للقوى المكافحة من أجل تحرير الدّين تارةً، وتارةً أخرى كان يتعمّد الانسحاب في حرص شديد ليكون أقدر على علاج موقف شاذّ أو إبعاد خطر داهم، ولكنّه كان في كلّ الأحوال ساهرًا متأهّبًا مستعدًّا لا يكلّ عن بذل الجهود ليحافظ على كيان الدّين ويحلّ مشكلاته ويدافع عنه ويشجّع أتباعه ويبلبل خصومه.  أمّا وقد بلغ الدّين الآن أحرج ساعاته وأشدّها حسمًا فقد تقدّم إلى قلب المرسح الّذي أخلي من حضرة الباب بصورة محزنة لكي يؤدّي لمدّة أربعين سنة كاملة دورًا لا يدانيه في جلاله ولا في أشجانه ولا في سنائه دور أيّ مؤسّس من المؤسّسين العظام لأديان العالم التّاريخيّة. 

 

        أثارت هذه الشّخصيّة الشّامخة العظيمة غضب محمّد شاه، نتيجة للاتّهامات الّتي وجّهت إليه، وما سمعه الشّاه عمّا حدث في بدشت.  فأصدر إلى زعماء مازندران الاقليميّة عدّة فرمانات يأمرهم فيها باعتقاله وصرّح بعزمه على قتله.  أمّا الحاج ميرزا آقاسي الّذي حدثت بينه وبين الوزير (والد حضرة بهاء الله) جفوة من قبل، وأغضبه فشله في اغتصاب إحدى ضياع حضرة بهاء الله، فقد عاهد نفسه على مُعاداته خاصّة وأنّه نجح نجاحًا باهرًا في إحباط


مساعيه الخبيثة.  وفضلاً عن ذلك فإن أمير النّظام كان مدركًا تمام الإدراك عمق تأثير هذا الخصم الفاعل.  فاتّهمه أمام جماعة من علّيّة القوم بأنَّ نشاطه قد كبّد الدّولة خسارة لا تقلّ عن خمس كرورات([20]).  وفي هذه الفترة الحاسمة الّتي كان يجتازها الدّين طلب إليه بكلّ وضوح وتأكيد أن يحوّل مقامه إلى كربلاء مؤقّتًا.  أمّا ميرزا آقا خان النّوري الّذي خلف أمير النّظام فقد حاول في أوّل أيّامه أن يعقد صلحًا بين حكومته وبين حضرة بهاء الله الّذي اعتبره أقدر أتباع حضرة الباب.  فلا عجب أن تطرّقت إلى حضرة بهاء الله الظّنون والشّكوك، الّتي لا يعدلها في الخطورة والجسامة إلاّ بطلانها وزيفها، عندما اقترفت تلك الفعلة الجريئة الخطيرة فيما بعد.  وتسرّبت هذه الظّنون إلى الشّاه وحكومته وبلاطه وشعبه.  وإنّ أشدّهم إسرافًا في ذلك أمّ الشّاه الشّاب الّتي أخذ الغضب منها كلّ مأخذ واتّهمته بأنّه هو المحرّض الأوّل على محاولة اغتيال ولدها. 

 

        كان حضرة بهاء الله ضيفًا على الصّدر الأعظم في لواسان حين محاولة اغتيال الشّاه، وكان يقيم في قرية أفجه حين بلغت الأنباء الخطيرة.  فنصح له جعفر قلي خان أخو الصّدر الاعظم الّذي كان يقوم على ضيافته بأن يتوارى عن الأنظار بعض الوقت في ناحية من تلك النّواحي.  ولكنّه لم يستمع للنّصيحة وصرف الرّسول الّذي أرسل معه ليؤمّن سلامته.  وركب في صبيحة اليوم التّالي إلى معسكر الجيش الشّاهاني بجرأة ورباطة جأش، وكان الجيش في نياوران بمنطقة شميران.  وفي قرية زركندة لقيه صهره ميرزا مجيد الّذي كان آنذاك سكرتيرًا للأمير دولجوروكي([21]) الوزير الرّوسي، وصحبه إلى منزله المتّصل بمنزل رئيسه، فلّما علمت حاشية حاجب الدّولة الحاج علي خان بقدوم حضرة بهاء الله بادروا بإخطار سيّدهم فرفع هذا الأمر بدوره إلى مسامع الشّاه، فتعجّب الشّاه وأرسل ضبّاطه ومعتمديه إلى السّفارة يطالبون بتسليم


المتّهم إليهم.  ولكنّ السّفير الرّوسي رفض أن يسلّمه إليهم، وطلب إلى حضرة بهاء الله أن يتوجّه إلى بيت الصّدر الأعظم الّذي سبق للسّفير أن أبدى له رغبته في تأمين سلامة الوديعة الّتي تقوم الحكومة الرّوسيّة بتسليمها إليه.  إلا أنّ هذه الرّغبة لم تتحقّق نظرًا لأن الصّدر الأعظم خاف على مركزه أن يضيع إذا هو شمل المتّهم بالحماية المطلوبة. 

 

        وهكذا سُلّم هذا القطب العظيم للدّين المضطهد على الدّوام، والّذي طالت منه الشّكوى والخوف، إلى أيدي أعدائه وأرغم على أن يرتشف من تلك الكأس الّتي تجرّعها حتّى الثّمالة مؤسّس الدّين نفسه، وسيق من نياوران إلى سياه چال بطهران "*على قدميه مكبّلاً بالسّلاسل والأغلال، عاري الرّاس حافي القدمين" معرّضًا لشمس الصّيف الحامية.  وفي الطّريق خلعت عنه ملابسه الخارجيّة عدّة مرّات وضايقته الجماهير بالسّخرية ورشقتهُ بالحجارة.  أمّا الغرفة السّفليّة الّتي ألقي فيها فكانت من قبل خزّانًا لمياه أحد الحمّامات العامّة بالمدينة.  ولندع كلماته المدوّنة في "لوح ابن الذّئب" تشهد بالمحنة الّتي عاناها في ذلك السّرداب الوبيل، قال:  "*وعيّن لنا مقرّ لمدّة أربعة أشهر لا شبيه له ولا مثيل...  وبعد أن وردنا السّجن قادونا إلى دهليز مظلم ثمّ هبطنا ثلاث دركات وبلغنا المقرّ الّذي عيّنوه، أمّا المكان فكان مظلمًا يعيش فيه ما يقرب من المائة والخمسين من اللّصوص والقتلة وقطّاع الطّرق.  وبالرّغم من وجود هذا الجمع الغفير فإنّ المكان لم يكن له من منفذ سوى الطّريق الّذي وردنا منه.  إنّ الأقلام لتعجز عن وصفه، والبيان يكلّ عن بيان روائحه المنتنة.  وكان معظم هذا الجمع بلا لباس ولا فراش.  الله يعلم ما ورد علينا في ذاك المقام الأنتن الأظلم".  وقيّدت قدماه بالقيود وصفّد عنقه بسلاسل "قره گُهَر" الثّقيلة فتركت بصماتها على جسده طيلة حياته.  وقد شهد حضرة عبد البهاء بذلك فقال:  "**وضعت حول عنقه سلاسل ثقيلة صفّد بها خمسة من البابيّين.  وكانت هذه السّلاسل مشدودة بعضها إلى بعض بأقفال ومسامير قويّة جدًّا وثقيلة جدًّا.  وكانت ثيابه ممزّقة وكذلك كان لباس رأسه.  وظلّ حضرته على هذه الحال الفظيعة أربعة أشهر".  وقد حرم الطّعام


والشّراب ثلاثة أيّام بلياليها واستحال عليه النّوم.  ذلك لأنّ المكان كان باردًا رطبًا قذرًا موبوءًا بالحمّى، مليئًا بالهوام والحشرات والرّوائح الكريهة.  ولقد ذهب أعداؤه الّذين أثارتهم الكراهية الشّديدة إلى حدّ محاولة دسّ السّمّ في طعامه طمعًا في الفوز برضاء أمّ الشّاه عدوّه اللّدود، ولكنّ المحاولة باءت بالفشل وإن أضرّت بصحّته في السّنوات التّالية.  ويذكر الدّكتور ج. إ. إسلمنت في كتابه:  "*يخبرنا حضرة عبد البهاء كيف أذن له يومًا أن يدخل ساحة السّجن ليرى والده المحبوب حين خرج لرياضته اليوميّة، وكان حضرة بهاء الله قد تغيّر بصورة مخيفة، وقد بلغ به الإعياء أنّه لم يكن قادرًا على السّير، وكان شعره ولحيته متلبّدين، وكان عنقه متسلّخًا متورّمًا من ثقل السّلاسل الحديديّة، وكان جسده ينوء تحت أثقال الأغلال".

 

        وبينما كان حضرة بهاء الله يعاني تلك الامتحانات القاسية والشّدائد المروّعة في تلك الأيّام الهائجة المائجة كان ثمة نجم آخر من نجوم الدّين، ونعني به الطّاهرة الجريئة، تهوي بسرعة تحت قوّتها المدمّرة.  لقد بدأ عملها الباهر كالشّهاب أوّل ما بدأ في كربلاء، وبلغ أوجه في بدشت، وهو يوشك الآن أن يبلغ نهايته بشهادة يمكن أن توضع بجدارة واستحقاق في مصاف أشدّ القصص تحريكًا للقلوب في أعنف فترات التّاريخ البهائيّ وأشدّها اضطرابًا. 

 

        كانت سليلة أسرة الحاج المُلاّ صالح البرقاني الشّهيرة الّتي طالما احتلّ أفرادها المكانة المرموقة في النّظام المذهبي بإيران.  وكانت سمّيّة فاطمة الزّهراء، ولكن أسرتها كانت تسمّيها زرّين تاج (التّاج الذّهبي) والزّكيّة.  ولدت في نفس السّنة الّتي ولد فيها حضرة بهاء الله وكان أهل مدينتها يعدّونها، منذ نعومة أظفارها، آيّة في الذّكاء والجمال.  وأجلّها قبل إيمانها بعض أكابر علماء بلادها لطرافة آرائها ووجاهتها وجدّتها، وخاطبها أستاذها المعجب، السّيد كاظم ﺒ"قرّة العين" ولقّبها لسان القدرة والعظمة ﺒ"الطّاهرة".  وكانت السّيدة الوحيدة الّتي سلكها حضرة الباب في عداد حروف الحيّ، وعن طريق حلم سبقت الإشارة إليه في الصّفحات السّابقة،


اعتنقت الدّين وثابرت على نشره وترويجه حتّى في أشدّ الأوقات خطورة وخطرًا بكلّ ما أوتي روحها الغلاّب من حماسة وقوّة حتّى النّفس الأخير.  ولقد نصرت أمر حضرة الباب بجدّيّة وحماس غير عابئة باحتجاجات والدها الشّديدة، غير مكترثة بشتائم عمّها، غير آبهة لتوسّلات زوجها وإخوتها.  لا يفت في عضدها التّدابير الّتي اتّخذتها المقامات المدنيّة والدّينيّة في كربلاء ثمّ بغداد ثمّ قزوين للحدّ من نشاطها.  ولقد ثابرت على إشعال حماسة العرب والعجم، وأخذ البيعة منهم للظّهور الجديد، والدّعوة إلى تغيير عادات قومها ومسالكهم تغييرًا ثوريًّا، وذلك عن طريق خطبها البليغة العصماء وتنديداتها الجريئة بالمفاسد وأبحاثها ودراستها وأشعارها وترجماتها وتفسيراتها ومراسلاتها.

 

        كانت هي الّتي قد نهضت في كربلاء، أقوى معقل للشّيعة، لتوجّه الرّسائل الطّوال للعلماء المقيمين بتلك المدينة، والّذين كانوا قد رجعوا بمنزلة المرأة إلى ما فوق منزلة الحيوان بقليل، وأنكروا عليها حقّ امتلاك أيّ شيء حتّى الرّوح.  وفي رسائلها هذة دافعت بحرارة عن هدفها السّامي، وندّدت بمآربهم الخبيثة.  وتحدّت مواضعات أهل تلك المدينة المتعصّبين تحدّيًا صريحًا سافرًا، وذلك بأن تجاهلت الذّكرى لشهادة الإمام الحسين الّتي تقام باحتفال مهيب في فواتح المحرّم من كلّ عام، واحتفلت بدلاً منه بعيد ميلاد حضرة الباب الّذي يوافق غرّة ذلك الشّهر.  وببلاغتها العجيبة وقوّة عارضتها المدهشة افحمت الوفد الممثّل للشّيعة والسّنّة والمسيحيّين وأكابر اليهود في بغداد والّذي حاول أن يصرفها عمّا عاهدت نفسها عليه من نشر بشارات الرّسالة الجديدة.  وببراعة فائقة دافعت عن دينها وبرّرت تصرّفاتها في بيت الفقيه النّابه الشّيخ محمود الآلوسي مفتي بغداد.  ثم عقدت جلساتها التّاريخيّة للأمراء والعلماء ورجال الحكومة المقيمين بكرمنشاه حيث قرأت عليهم وترجمت لهم تفسير حضرة الباب لسورة الكوثر، وبلغت هذه الجلسات قمّتها باعتناق الأمير (الحاكم) هو وأسرته الدّين الجديد.  وكانت السّيدة الموهوبة الّتي اخذت على عاتقها ترجمة تفسير حضرة الباب الضّخم لسورة يوسف (قيّوم الاسماء) لصالح إخوتها في الدّين من الإيرانيّين، وبذلت


أقصى ما تستطيع من جهد لتنشر هذا الكتاب العظيم وتوضّح محتوياته، وبجسارتها ومهارتها وقدرتها على التّنظيم وحماستها الظّامئة استطاعت أن تثبّت دعائم فتوحاتها في محيط لا يقلّ جفاء ولا عداء عن قزوين، قزوين الّتي افتخرت بأنّ أسوارها تضمّ ما لا يقلّ عن مائة علاّمة من علماء الإسلام الأفذاذ.  وهي الّتي قاطعت وحيدًا النّابغة، أثناء لقائهما الخالد في منزل حضرة بهاء الله بطهران عندما كان وحيد يتابع حديثه القيّم عن علامات المظهر الجديد وأشراطه، ودعته بقوّة، وهي تضع في حجرها حضرة عبد البهاء الّذي كان طفلاً آنذاك، إلى أن ينهض ويظهر بالأعمال لا بالأقوال عمق إيمانه ومدى بطولته وتضحيته.  وإبّان شهرتها وذيوع صيتها في طهران تزاحمت على بابها زهرات المجتمع ليستمعن إلى أحاديثها الرّائعة عن مبادئ دينها الفريدة.  وكان سحر بيانها هو الّذي جذب المدعوّات في حفل زفاف ابن محمود خان الكلانتر الّذي اعتقلت في منزله، وصرفهنّ عن الطّرب والسّمر، وجمعهنّ حولها متلهّفات ظامئات إلى كلّ كلمة من كلماتها.  وكان لتأكيدها الحارّ والقاطع لدعاوي الظّهور الجديد ومعالمه المميّزة خلال سبع جلسات عقدتها في المنزل نفسه مع مندوبي الصّدر الأعظم الّذين أرسلهم لاستجوابها الأثر الكبير في الإسراع بالحكم عليها بالإعدام.  ومن قلمها فاضت المدائح الّتي لا تشهد بوضوح وصراحة بايمانها الرّاسخ بظهور حضرة الباب فحسب بل وتشهد أيضًا باعترافها برسالة حضرة بهاء الله المجيدة الّتي لم تكن قد تكشّف أمرها بعد.  وأخيرًا، وليس آخرًا، إلى مبادرتها أثناء اشتراكها في مؤتمر بدشت يرجع الفضل في كشفها لإخوانها المؤمنين أشدّ الأمور تحدّيًا في مكنونات الدّورة الثّوريّة الّتي لم يكن أحد يدركها بتمامها آنذاك.  كما يرجع إليها الفضل في انفصال النّظام الجديد عن أحكام الإسلام ومؤسّساته انفصالاً دائمًا.  وقد آن لهذه الفتوحات العجيبة أن تتوّج، وتبلغ كمالها النّهائي باستشهاد صاحبتها في غمار العاصفة الّتي كانت تجتاح العاصمة من أقصاها إلى أقصاها.

 

        وذات ليلة أدركت أنّ ساعتها قد دنت، فلبست ثياب العرس وتزيّنت


وتعطّرت بالطّيب، وأرسلت تطلب زوجة الكلانتر وباحت لها بسرّ دنوّ استشهادها، وأسرّت إليها بوصاياها الأخيرة.  ثمّ اعتكفت في جناحها وانتظرت في تعّبد وتبتّـل وابتهال تلك السّاعة الّتي تشهد اتّحادها مع محبوبها.  وكانت تذرع غرفتها وهي ترتّل مناجاة تعبّر عن الحزن والنّصر حين أقبل فرّاشو عزيز خان السّردار في سكون اللّيل يسوقونها إلى حديقة إيلخاني خارج أسوار المدينة، موضع شهادتها.  وعندما وصلت إلى الحديقة كان السّردار مع معاونيه لاهين مخمورين يغرقون في الضّحك.  فأمر عفو الخاطر بأن تخنق على الفور وأن يلقى بها في حفرة.  وبنفس المنديل الحريريّ الّذي احتفظت به بالغريزة لهذا الغرض، ودفعت به في اللّحظات الأخيرة إلى ابن الكلانتر الّذي رافقها، خُنِقت البطلة الخالدة، وأُلقي بجثمانها في بئر ثمّ أهيل عليها التّراب والحجارة على نحو ما رغبت.

 

        وهكذا انتهت حياة تلك البطلة البابيّة العظيمة، أوّل شهيدة في سبيل تحرير المرأة.  فلقد التّفتت إلى سجّانيها عند موتها، وقالت في جرأة:  "**تستطيعون قتلي بأسرع ما تريدون ولكنّكم لن تستطيعوا ايقاف تحرير المرأة".  كان عملها باهرًا بقدر ما كان قصيرًا.  وكان محزنا بقدر ما كان مليئًا بالأحداث، ولقد عمّت شهرة هذه السّيّدة الخالدة الآفاق، وطبقّت الخافقين على خلاف زملائها من المؤمنين الّذين ظلّت معظم أعمالهم الجليلة مجهولة لا يتغنّى بها أحد من معاصريهم في البلاد الأجنبيّة.  أمّا هذه السّيّدة فقد ذاع صيتها بسرعة ملحوظة حتّى بلغت عواصم أوروبّا الغربيّة، وأثارت الإعجاب والعطف وانتزعت الثّناء البالغ من الرّجال والنّساء وذوي الجنسيّات والمهن واللّغات المختلفة.  فلا عجب أن أضاف حضرة عبد البهاء اسمها إلى سارة وآسية ومريم العذراء وفاطمة الزّهراء، اللّواتي شمخن على بنات جنسهنّ بمزاياهنّ الذّاتيّة ومكانتهنّ الفريدة على مرّ الدّورات السّابقة، ووصفها بقوله:  "*قد كانت فتنة العصر في بلاغتها، وفي منطقها اضطرابًا للعالمين".  ووصفها مرّة اخرى بأنّها "*قبس من نار محبة الله" و"*سراج موهبة الله".


        والواقع أنّ قصّة حياتها العجيبة انتشرت طولاً وعرضًا بمثل ما انتشرت به قصّة حياة حضرة الباب منبع إلهامها المباشر.  وإليك ثناء معلّق معروف على حياة حضرة الباب وأصحابه، قال:  "إنّها آية في العلم وفي الجمال".  وأثنى عليها كاتب مرسحيّ معروف كانت سارة برنارد سألته أن يكتب تاريخ حياتها في صورة مرسحيّة، قال:  "هي جان دارك الايرانيّة زعيمة، تحرير المرأة في الشّرق.  شبيهة هيلويز([22]) العصور الوسطى وهيباشيا الأفلاطونيّة الحديثة([23])" وشهد اللّورد كرزون من كدلستون([24]) بأنّ "بطولة زرّين تاج شاعرة قزوين الجميلة المنكودة الطّالع...  هي قصّة من أقدر قصص التّاريخ الحديث على تحريك المشاعر".  وكتب الأستاذ إ. ج. براون([25]) المستشرق الإنجليزيّ الشّهير "إنّ ظهور امرأة كقرّة العين يعتبر ظاهرة نادرة في أيّ زمن من الأزمان وفي أيّ قطر من الأقطار بل إنّه في قطر كإيران يعتبر أعجوبة إن لم يكن شيئًا يقارب المعجزة...  ولو لم يكن للدّين البابيّ من سبب يمتّ به إلى العظمة سوى أنّه أخرج لنا بطلة مثل قرّة العين لكفاه سببًا".  وأبدى رجل الدّين الإنجليزيّ المعروف دكتور ت. ك. تشايين([26]) في أحد كتبه تلك الملاحظة ذات الدّلالة الكبيرة قال:  "إنّ البذور الّتي بذرتها قرّة العين في العالم الإسلامي بدأت الآن تؤتي أُكُلها...  هذه السّيدة النّبيلة...  يرجع إليها الفضل في افتتاح عهد الإصلاح الاجتماعيّ في إيران...  " وأشار إليها الدّبلوماسيّ الفرنسيّ الملحوظ المكانة والكاتب القدير كونت دي جوبينو([27]) بقوله:  "ممّا لا شكّ فيه أنّها من أعجب ظواهر هذا الدّين وأدعاها إلى الاهتمام".  ثمّ أضاف "وفي قزوين كانت تعتبر أعجوبة عن جدارة


واستحقاق".  وكتب مرّة أخرى:  "لقد أخبرني كثيرون ممّن عرفوها عن قرب واستمعوا إليها في فترات مختلفة من حياتها...  أنّها كانت إذا تكلّمت تحرّكت مشاعر المستمع وملأ صدره الإعجاب ومال إلى البكاء".  وكتب سير فالنتين تشيرول([28]):  "ليس هناك من ذكرى أحقّ بالتّخليد من ذكراها، وليس هناك من ذكرى أقدر من ذكراها على إشعال الحماسه من جديد.  وما زال التّاثير الّذي خلّفتة في حياتها ينسكب على قضيّة بنات جنسها".  وهذا سليمان ناظم بيك الشّاعر التّركي الشّهير والكاتب القدير يقول في كتابه عن البابيّين متعجّبًا:  "يا طاهرة! لأنت خير من ألف ناصر الدّين شاه!" وأمّا السّيدة ماريانا هاينش([29])، أمّ أحد رؤساء حكومة النّمسة، فقد قرّظت الطّاهرة قائلة:  "كانت الطّاهرة المثل الأعلى للأنوثة...  ولسوف أحاول أن أقدم لنساء النّمسة ما قدّمته الطّاهرة لنساء إيران وضحّت له بحياتها". 

 

        وما أكثر الّذين تلهّفوا على معرفة المزيد عن حياتها من المعجبين بها المتحمّسين لها في قارّات العالم الخمس! وما أكثر الّذين سما مسلكهم بمثلها الملهم! وما أكثر الّذين حفظوا مدائحها الفريدة عن ظهر قلب، لحّنوا أشعارها أو تألّق طيف روحها الغلاّب أمام أبصارهم، أو أكنّوا لها في قلوبهم حبًّا وإعجابًا لا ينال الدّهر من سناهما، وما أكثر الّذين تحرّقت أرواحهم شوقًا لأن يقتدوا بها، وأن يسلكوا، بنفس الإخلاص والإقدام، نفس الطّريق الّتي اختارتها لنفسها، والّتي لم تنحرف عنها قيد شعرة منذ اعتنقت دين حضرة الباب إلى النّفس الأخير. 

 

        إنّ عاصفة الاضطهاد الهوجاء الّتي جرفت حضرة بهاء الله إلى سجن تحت الأرض وأطفات سراج الطّاهرة ختمت أيضًا على مصير الكاتب الممتاز لوحي حضرة الباب الّذي شاطرة الاعتقال في ماه كو وچهريق ونعني به السّيد حسين يزدي الملقّب ﺒ"العزيز".  وكان رجلاً محنّكًا عظيم الموهبة، متبحّرًا في تعاليم


مولاه، متمتّعًا بثقته المطلقه.  وقد رفض كلّ عرض للخلاص عرضه عليه كبار رجال الدّولة في طهران.  وكان يحنّ حنينًا موصولاً للشّهادة الّتي حرم منها يوم ضحّى حضرة الباب بحياته في ساحة الثّكنات بتبريز.  فلمّا رافق حضرة بهاء الله في سياه چال بطهران ظلّ يستمدّ منه العزاء والإلهام، وهو يسترجع ذكرى تلك الأيّام الخوالي الغوالي الّتي قضاها في خدمة مولاه بآذربيجان إلى أن خرّ صريعًا آخر الأمر، في ظروف قاسية وبصورة مخجلة، على يد عزيز خان السّردار الّذي كال أيضًا للطّاهرة الضّربة القاضية. 

 

        وثمّة ضحيّة أخرى من ضحايا هذا التّنكيل المروّع الّذي فرضه العدوّ اللّدود الّذي لا يلين، ونعني بها الحاج سليمان خان الشّجاع الواسع الأفق العريض النّفوذ، فلقد كان محترمًا إلى حدّ أنّ أمير النّظام حرص، في إحدى المناسبات السّابقة، على أن يتجاهل صلته بالدّين الّذي اعتنقه، وأن يبقي على حياته، إلاّ أنّ الهياج الّذي زلزل طهران عقب محاولة اغتيال الشّاه عجّل بالقبض عليه وأدّى إلى استشهاده.  ذلك لأنّ الشّاه كلّف حاجب الدّولة بإغرائه للارتداد عن دينه، فلمّا عجز حاجب الدّوله عن ذلك أمر الشّاه بأن يُقتل على النّحو الّذي يفضّله لنفسه.  وبناءً على رغبته شقّوا في لحمه تسعة ثقوب، ووضعوا في كلّ ثقب منها شمعة موقدة، فلمّا أحجم الجلاّد على أن يقوم بتلك المهمّة الشّنيعة حاول هو أن ينتزع السّكّين ليغمدها في جسمه بيده.  ولكنّ الجلاّد رفض أن يعطيه إيّاها خشية أن يهجم بها عليه.  وأمر رجاله أن يوثقوا يديّ ضحيّته وراء ظهره، ومن ثمّ رجاهم المعذّب المِقدام أن يشقّوا ثقبين في صدره وثقبين في كتفيه وثقبًا في كاهله، وأربعة ثقوب أخرى في ظهره.  وقد حقّقوا له هذا الرّجاء وهو صابر مشدود القامة كالسّهم متألّق العينين ثابتًا راسخًا، لا تزعجه الجماهير الهادرة، ولا منظر دمائه وهي تنزف من جراحه.  ثمّ سار على قرع الطّبول وإنشاد المرتّلين أمام الجموع المتزاحمه من حوله إلى مقرّ الفداء.  وكان يتوقّف كلّ بضع خطوات ليخاطب المشاهدين المتحيّرين على جانبيّ الطّريق بعبارات يمجّد فيها حضرة الباب، ويعظّم فيها معنى استشهاده في سبيله.  ثمّ ينطلق معبّرًا عن فرحه وسروره حين تقع عيناه


على الشّموع وهي تتأرجح في ثقوبها الدّامية، فإذا سقطت إحداهنّ التّقطها وأشعلها من أختها وثبّتها في مكانها من جديد.  وسأله الجلاّد ساخرًا: "إذا كنت ترى الموت سارًّا على هذا النّحو فلماذا لا ترقص؟" فصاح المعذّب: "أرقص!؟ بإحدى راحتيّ كأس المدام وبالأخرى طرّة الحبيب، وإنّ مثل هذا الرّقص في السّوق هو أملي".  وبينما هو في السّوق هبّت ريح جعلت شعلات الشّموع الموغله في جراحه تزداد وأزّ اللّحم المحيط بها، فانطلق يخاطب اللّهيب الغائر في جراحه: "أيّها اللّهيب! لقد فقدت قدرتك على الإيلام منذ زمن بعيد، وفقدت لذعتك، هيّا عجّل! هيّا أسرع فمن ألسنتك أسمع الصّوت الّذي يدعوني إلى لقاء المحبوب".  وهكذا مضى في هالة من النّور كما يمضي الفاتح المظفّر إلى مشهد نصره وظفره، وعندما وصل إلى ساحة الاستشهاد رفع صوته مرّة أخرى ينادي جمهور المتفرّجين نداءه الأخير.  ثمّ سجد مُيمّمًا وجهه شطر مقام إمام زاده حسن، وتمتم ببعض العبارات العربيّة وصاح بالجلاّد: "لقد انتهى عملي وعليك الآن أن تكمل عملك" وظلّت الحياة تتردّد في جسده وهو ينشر إلى نصفين، واستمر تمجيد محبوبه يرفرف على شفتيه المحتضرتين.  ثمّ علّق جسده الدّامي المحترق على جانبيّ بوّابة نو تنفيذًا لرغبته، شاهدًا صامتًا على الحبّ الظّامئ الّذي أشعله حضرة الباب في صدور أتباعه.

 

        ولم يكن في الإمكان أن تقتصر الفتنة الّتي اندلعت نتيجة لمحاولة اغتيال الشّاة على العاصمة بل لقد امتدّت إلى الأقاليم القريبة، وهبّت على مازندران، موطن حضرة بهاء الله، وتمخّضت عن مصادرة كلّ ممتلكاته ونهبها وتدميرها.  كما أمر ميرزا أبو طالب خان ابن أخي الصّدر الأعظم بنهب منزله الّذي ورثه عن والده في قرية تاكور من أعمال نور، وأمر بتدمير كلّ ما لا يمكن حمله، بينما شوّهت غرفاته الّتي كانت تفوق في رونقها وبهائها قصور طهران تشويهًا لا يمكن إصلاحه.  بل لقد هدمت منازل النّاس وسوّيت بالارض، ثم أحرقت القرية عن بكرة أبيها. 


وامتدّ الهياج الّذي عصف بطهران وهبّ على مازندران نهبًا وتدميرًا حتّى بلغ يزد ونيريز وشيراز وزلزل أبعد الدّساكر والضّياع، مشعلاً نار البغي والعدوان من جديد.  ومرّة أخرى تنافس الحكّام الجشعون الطّمّاعون وأعوانهم الخونة في سلب الوادعين وذبح الأبرياء وإهانة النّبلاء.  وتلا ذلك كلّه مذبحة أخرى تكرّرت فيها مآسي نيريز وزنجان الشّنيعة.  وكتب مؤرّخ الحوادث الدّامية المتّصلة بميلاد ديننا ونشأته يقول: "يتراجع القلم رعبًا وفزعًا حين يحاول أن يصف ما ابتلي به هولاء الرّجال الشّجعان والنّساء الجريئات...  وإنّ كلّ ما حاولت أن أصفه من فظائع حصار زنجان...  ليتضاءل أمام تلك الفظائع الّتي ارتكبت بعد عدّة أعوام في نيريز وشيراز.  فلقد رفع على أسنّة الحراب ما لا يقلّ عن مائتي رأس من رؤوس ضحايا التّعصّب الأعمى الوحشيّ، ثمّ حملت من شيراز إلى آباده تحفّ بها مظاهر الظّفر والانتصار.  ووضع أربعون امرأة وطفلاً في كهف جمعت فيه مقادير عظيمة من الحَطَب غمست بالنّفط وأشعلت؛ فأحالت النّساء والأطفال إلى هشيم تذروه الرّياح.  كما أرغمت ثلاثمائة امرأة أخرى على أن تركب كلّ اثنتين منهنّ على ظهر فرس عارٍ إلى شيراز، وساقوهنّ شبه عاريات بين صفّين من الرّؤوس المقطوعة من الأجساد الهامدة لأزواجهنّ وأبنائهنّ وآبائهنّ وإخوتهنّ، وقُذفن بأقذع الشّتائم والسّباب، وانهال عليهنّ العذاب ألوانًا حتّى هلكت الكثيرات منهنّ من شدّة الإرهاق والإعياء. 

 

        وبهذا أشرف على النّهاية فصل يسجّل للزّمان كلّه أعنف فترة من فترات القرن البهائيّ الأوّل وأحزنها وأمجدها وأحفلها بالوحشيّة والمآسي والبطولات.  ويمكننا أن نقول أنّ أنهار الدّماء الّتي سالت وتلاطمت بها تلك السّنوات المزدحمة بالوبال والنّكال كانت تروي البذور الخصيبة لذلك النّظام العالميّ الّذي قُدّر للظّهور الوشيك التّالي والأعظم شأنًا أن يعلنه ويؤسّسه.  ومنذ اللّحظة الّتي ولد فيها هذا العصر البدائيّ حتّى وقتنا هذا، والمدائح العاطرة الّتي أسبغها على ذلك الجيش النّبيل من أبطاله وأوليائه وشهدائه،
وأغدقها عليهم الصّديق والعدوّ على السّواء، ابتداءً من حضرة بهاء الله نفسه إلى أقلّ النّاس ارتباطًا بالأمر، تقوم كلّها شاهدًا باقيًا خالدًا على مجد تلك الأعمال الّتي خلّدت ذلك العصر. 

 

        وإليك شهادة حضرة بهاء الله الفذّة الفريدة في كتاب الايقان: "*تحيّر العالم كلّه من تضحيتهم بقلوبهم وأرواحهم...  تاهت العقول في أفعالهم، وتحيّرت النّفوس في اصطبارهم وبما حملت أجسادهم...  هل ظهر في أيّ عصر من العصور مثل هذا الأمر الخطير؟" وقوله مرّة أخرى: "*هل وقع في البلاد مثل هذا الهياج في أيّ عصر من عهد آدم إلى يومنا هذا؟ أم هل ظهر بين العباد مثل هذا الهرج والمرج...  لكانّما ظهر الصّبر في عالم الكون من اصطبارهم، وخلق الوفاء في أركان العالم من فعلهم".  وفي مناجاة له يشير إشارة خاصّة إلى شهداء الأمر، ويؤكّد تأكيدًا له دلالته حين يقول: "**بدماء عاشقيك الّتي سُفِكت حملت الأرض بمظاهر قدرتك وآيات اقتدارك.  وعمّا قريب تحدّث الأرض أخبارها في الميقات المعلوم".

 

        وإلى أيّ قوم غير هؤلاء الأبطال الإلهيّين الّذين فلقوا بدمائهم الزّكيّة صبح اليوم الموعود تشير كلمات محمّد رسول الله ذات الدّلالة العظيمة، والّتي رواها القدّوس لزملائه في قلعة الشّيخ طبرسي: "واشوقًا لإخواني الّذين يأتون في آخر الزّمان طوبى لهم وطوبى لنا وطوباهم أفضل من طوبانا" وأيّ قوم غير هؤلاء يعنيهم ذلك الحديث المعروف بحديث جابر، والّذي رواه الكافي وشهد بصحّته حضرة بهاء الله في كتاب الإيقان، والّذي يبيّن علامات القائم الموعود بلغة لا لبس فيها ولا غموض: "فيُذَلّ أولياؤه في زمانه، وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس التّرك والدّيلم.  فيُقتلون ويُحرقون، ويكونون خائفين مرعوبين وجلين تُصبغ الأرض بدمائهم، ويفشو الويل والرّنّة في نسائهم.  أولئك أوليائي حقًّا". 

 

        وإليك شهادة اللّورد كرزون من كدلستون الخطّيّة، قال "إن ملاحم البطولة الرّائعة لتضيء صفحات التّاريخ البابيّ الملطّخة بالدّماء...  وإنّ نيران


سميثفيلد([30]) عجزت عن أن تشعل في قلوب أصحابها شجاعة أنبل من تلك الّتي واجهت زبانية العذاب في طهران وتحدّتهم.  وإنّ دينًا في مقدوره أن يوقظ في أتباعه مثل هذا الرّوح النّادر النّبيل من التّضحية بالنّفس والنّفيس ليس بالشّيء الّذي يمكن الاستهانة بشأنه.  ولسوف تهزّ بطولة أتباعه (أي حضرة الباب) واستشهادهم مشاعر الكثيرين الّذين لا يمكنهم أن يجدوا لها مثيلاً في تاريخ الإسلام المعاصر".  وكتب الأستاذ دارمستتر([31]) فقال: "إنّ البابيّة الّتي انتشرت في أقلّ من خمس سنوات في إيران من أقصاها إلى أقصاها، واغتسلت بدماء شهدائها في سنة 1852م لا تزال تتقدّم وتدعو إلى نفسها في صمت وسكون.  ولئن قدّر لإيران أن تنهض من جديد فعن طريق هذا الدّين الجديد".  أمّا رينان فيشهد في كتابه "الرّسل": "بأنّ آلاف الشّهداء أسرعوا إلى مقر الشّهادة والفداء في سبيله صامدين ثابتين.  ولربّما كان يوم المجزرة الكبرى الّتي اكتسحت البابيّين في طهران يومًا لا شبيه له ولا نظير في تواريخ العالم على الإطلاق".  وأعلن المستشرق الشّهير الأستاذ إ.  ج.  براون: "إنّ ميلاد دين لا يصعب عليه أن يحتلّ مكانته البارزة بين أديان العالم العظمى ليعتبر واحدًا من تلك الانفجارات العجيبة للحماسة والإيمان والإخلاص الحارّ والبطولة القاهرة".  وأعلن مرّة أخرى: "إنّ الرّوح الّذي غمر البابيّين قلّما يعجز عن التّاثير بقوّة في كلّ من يتعرّض له...  وليكذّبني من لم يشاهدوا ولم يروا كيفما شاؤوا، ولكن ما أن يظهر لهم هذا الرّوح نفسه حتّى يحسّوا بشعور لا أعتقد أنهم قادرون على نسيانه أبدًا".  وأمّا الكونت دي جوبينو فقد صرّح في كتابه: "وإنّي أقسم كذلك على أنّني لو رأيت في أوروبّا طائفة لها مثل ما للبابيّة من طبيعة، وتتحلّى بمثل ما تتحلّى به من إيمان عميق وحماسه خالصة، وإقدام مذهل وإخلاص بالغ وقدرة على انتزاع الاحترام من غير المبالين ولا المكترثين، وإلقاء الرّعب في قلوب


الأعداء، ثمّ ما قد أسمّيه (بالقدرة على التّحويل عن العقيدة) بصورة مطلقة لا تقف عند شيء، ونجاح مستمرّ يتخلّل جميع طبقات المجتمع، لو أنّني رأيت في أوروبّا طائفة تمتاز بكلّ هذه الفضائل والمزايا العظيمة لما تردّدت لحظة واحدة في أن أتنبّأ بأنّ القوّة والسّلطان سوف يكونان من نصيبها في فترة وجيزة". 

 

        ويروى أن عبّاس قلي خان اللاّريجاني الّذي أطلق الرّصاصة الّتي قتلت المُلاّ حسين، قال أمام بعض الشّهود في معرض إجابته عن سؤال وجّهه إليه الأمير أحمد ميرزا: "حقيقة الأمر هي أنّه لو شهد طبرسي من لم يشهد كربلاء لما استطاع أن يدرك ما دار في كربلاء فحسب، ولما عاد يقيم لكربلاء أيّ وزن.  ولو أنّ أحدًا رأى المُلاّ حسين البشروئي لما شكّ لحظة في أنّ سيّد الشّهداء (أي الإمام الحسين) قد رجع إلى العالم مرّة أخرى ولو رأى أحد أعمالي لقال: "هذا شمّرُ (قاتل الحسين) رجع بسيفه ورمحه...  والواقع أنني لم أعرف ماذا بدا لهؤلاء النّاس ولا ماذا رأوا حتّى أقدموا على القتال بكلّ هذا الصّبر والجلد وكلّ هذه النّشوة.  إنّ حدّة شجاعتهم وصلابة إقدامهم تفوق كلّ خيال". 

 

        وفي الختام نتساءل ماذا كان مصير هؤلاء الأنذال الّذين حرّكتهم البغضاء والطّمع والتّعصب، وحاولوا أن يطفئوا النّور الّذي اشرق به حضرة الباب وأتباعه على وطنهم وبني جنسهم؟ نعم، نزلت مقامع القصاص الإلهيّ بسرعة وبلا رحمة ولا هوادة على رؤوسهم جميعًا.  فلم تُبْقِ على الشّاه، رأس الدّولة، ولا على وزرائه ومستشاريه، ولا على رجال الدّين الّذين ارتبطت بهم حكومته ارتباطًا وثيقًا، ولا على ولاته ونوّابه، ولا على قوّاد جيشه الّذين اشتركوا، بدرجات متفاوتة ودوافع مختلفة منها العمد ومنها الخوف ومنها الغفلة، في إثارة تلك الفتن والمحن القاسية الّتي عاناها الدّين الجديد بلا ذنب ولا جريرة، وبدون وجه حقّ ولا استحقاق.  فمحمّد شاه المتعصّب المتذبذب، الّذي رفض أن يحقّق رغبة حضرة الباب في الحضور إلى العاصمة لإقامة الدّليل على صدق دعواه، وأذعن لإلحاح وزيره الخبيث، تهالك وهو


ما زال في  ربيعه الأربعين، تحت وطاة طائفة من الأمراض والعلل هاجمته بعد أن تلقّى نكسة مفاجئة، وحكم عليه "بالنّار" الّتي أقسم صاحب "قيّوم الأسماء" أن تلتهمه "يوم القيامة" التهامًا.  أمّا شيطانه الحاج ميرزا آقاسي المطلق السّلطان والقوّة من وراء العرش، والمحرّض الأوّل على الهجمات الّتي شنّت على حضرة الباب بما في ذلك اعتقاله في جبال آذربيجان، فقد عزل بعد مضي ما لا يزيد على سنة ونصف منذ أن ألقى بنفسه بين الشّاه وبين أسيره، وصودرت أمواله وأملاكه المشبوهة، وفضحه مليكه، واضطرّ إلى أن يحتمي بمقام شاه عبد العظيم خوفًا من غضب مواطنيه المتزايد، ثمّ نفي بعد ذلك إلى كربلاء نفيًا مزريًا، وسقط فريسة للفقر والمرض والنّدم الأكّال، وكان ذلك تحقيقًا مؤسفًا لما ورد في ذلك اللّوح الّذي فضحه فيه أسيره وتنبّأ له فيه بمصيره، وكشف عن خزيه وعاره.  وأمّا أمير النّظام ميرزا تقي خان الوضيع الخسيس، الّذي تلوثّت أولى سنوات وزارته القصيرة العمر بالهجوم الوحشيّ على المدافعين عن قلعة طبرسي، وصادق على قتل شهداء طهران السّبعة وشجّع عليه، وشحن الهجوم على وحيد وزملائه، وعَجّل بفتنة زنجان العظيمة، والمسؤول الأوّل عن إصدار الحكم بقتل حضرة الباب، فقد جرّد من كلّ مزايا الجاه والاحترام الّتي تمتّع بها نتيجة لحسد مليكه الشّديد ومؤامرات البلاط النّاقمة، وقتل غيلة بأمر الشّاه فقطعت شرايينه في حمّام قصر "فين" قرب كاشان.  ولقد روى النّبيل نقلاً عن حضرة بهاء الله أنّه قال: "لو عرف أمير النّظام مقامي الحقيقي لاعتقلني ولا ريب.  وبالرّغم من أنّه بذل قصارى جهده ليكتشف حقيقة الوضع إلاّ أنّه فشل، وذلك لأنّ الله أراد أن يجهله".  وأمّا ميرزا آقا خان الّذي ضرب بسهم وافر من المآسي الّتي ارتكبت نتيجة لمحاولة اغتيال الشّاه فقد طرد وخلع من منصبه، وحدّدت إقامته ووضع تحت الرّقابة المشدّدة في يزد حيث قضى بقيّة أيّامه في خزي ويأس.

 

        وأمّا حسين خان والي شيراز الملقّب ﺒ"السّكران" و"الطّاغية" وهو أوّل من أساء معاملة حضرة الباب وعنّفه على رؤوس الأشهاد، وأمر خادمه بأن يصفعه على وجهه بعنف، فإنّه لم يضطرّ إلى أن يتحمّل البلاء الفظيع الّذي


نزل بغتةً به وبأهله وبمدينته وبإقليمه كلّه فحسب، بل واضطرّ فيما بعد إلى أن يشاهد بعينيه فشل كلّ مساعيه، وأن يقضي بقيّة أيّامه مغمورًا مجهولاً إلى أن احتواه قبره بعد أن هجره الصّديق والعدوّ على السّواء.  وأمّا حاجب الدّولة الشّيطان الدّمويّ الّذي لم يدّخر وسعًا في قتل الكثير من البابيّين العزّل الأبرياء، فقد سقط بدوره فريسة لغضب اللّور([32]) العتاة الغلاظ، فسلبوه كلّ ممتلكاته وجزّوا لحيته وأرغموه على أكلها وأسرجوه وألجموه وركّبوه على مرأى ومسمع من النّاس، ثم هتكوا عرض نسائه وأولاده تحت سمعه وبصره.  وأمّا سعيد العلماء مجتهد بارفروش المتعب الغليظ القلب الصّفيق، الّذي أنزل بعداوته المتعطّشة الإهانات على رأس أبطال طبرسي، وسبّب لهم كثيرًا من المتاعب فقد سقط بعد هذه الشّناعات الّتي ارتكبها مباشرة فريسة لمرض وبيل غريب جعله يعطش عطشًا لا يمكن إطفاؤه، وأحدث فيه نوبات برد شديدة فلا تدفئه الفراء الّتي يتدثّر بها ولا النّيران المشتعلة في غرفته على الدّوام.  وأمّا منزله الفاخر الرّياش فقد تهدّم وتخرّب وبلغت به الحال بعد موته إلى أن أصبح مزبلة لأهل المدينة.  وقد أثّر منظره في أهالي مازندران تأثيرًا عميقًا حتّى أنّ أحدهم كان يدعو على خصمه بأن يصير منزله إلى ما صار إليه هذا المنزل اللّعين.  أمّا محمود خان الكلانتر المنافق الطّموح الّذي عهد إليه بالطّاهرة قبل استشهادها فقد جلب على نفسه غضب مليكه بعد تسع سنوات، وسحب من قدمية بالحبال في الأسواق إلى خارج المدينة حيث شنق.  وأمّا ميرزا حسن خان الّذي نفّذ حكم الإعدام في حضرة الباب بأمر أخيه أمير النّظام، فقد عوقب بعقوبة فظيعة أفضت إلى موته قبل انقضاء سنتين إلى ارتكابه ذلك الإثم الّذي لا يغتفر.  وأمّا شيخ الإسلام لمدينة تبريز ميرزا علي أصغر الوَقح الخسيس الطّاغية، الّذي جلد بيديه حضرة الباب إحدى عشرة جلدة بعد أن امتنع حرس حاكم المدينة عن ذلك، فقد أصيب بالشّلل في السّنة نفسها، وقاسى ألوان العذاب ومات بائسًا، ثم ألغي منصب شيخ


الإسلام في تلك المدينة بعد موته.  وأمّا أبو طالب خان المتغطرس الخائن الّذي أمر بنهب قرية تاكور وإحراقها، وتخريب منزل حضرة بهاء الله دون أن يتوخّى الاعتدال كما نصحه ميرزا آقا خان رئيس الوزراء فقد أصابه الطّاعون بعد سنة، وهلك بائسًا يتحاشاه حتّى أقرب المقرّبين.  وأمّا مهر علي خان شجاع المُلك الّذي اضطهد بقايا البابيّين في نيريز بوحشيّة بعد محاولة اغتيال الشّاه فقد مرض وأصابه البكم -حسب شهادة حفيده- ولم يبرأ منه حتّى مماته.  وأمّا شريكه ميرزا نعيم فقد لطّخه العار، وغرّم مرّتين غرامات فادحة، وعزل من منصبه وتعرّض لعذاب مهين.  وأمّا الفرقة الّتي تجاهلت المعجزة الّتي أنذرت سام خان ورجاله بأن ينسحبوا ولا يعاودوا إعدام حضرة الباب، وتطوّعت لتحلّ محلّها ومزّقت جسده برصاصها، فقد فقدت في السّنة نفسها ما لا يقلّ عن مائتين وخمسين رجلاً من ضبّاطها ورجالها في زلزال مروّع حدث بين أردبيل وتبريز، كما أعدم الخمسمائة الباقون في تبريز بعد سنتين رميًا بالرّصاص جزاء عصيانهم.  فذكر النّاس فعلتهم الشّنعاء وهم يشاهدون أجسادهم المعروضة المشوّهة، وبالغوا في اللّعن والطّعن وإظهار التّعجّب حتّى اضطرّ أكابر المجتهدين إلى أن يعاقبوا النّاس ليسكتوهم.  وأمّا قائد الفرقة آقا جان بيك فقد مات بعد ستّ سنوات من استشهاد حضرة الباب أثناء قصف البحريّة البريطانيّة للمحمّرة. 

 

        ولم يكن قصاص الله الصّارم ليقتصر على كلّ من لعبوا دورًا كبيرًا أو صغيرًا في الجرائم الّتي ارتكبت ضدّ حضرة الباب وأتباعه، بل إنّه لم يقلّ صرامة ولا شدّة وهو ينزل على جمهرة النّاس الّذين كانوا أشدّ تعصّبًا من اليهود على أيّام السّيّد المسيح، النّاس المشهورين بجهلهم المطبق وتعصّبهم الوحشيّ وضلالهم وقسوتهم البالغة، الأخسّاء المرتزقة الأنانيّين الجبناء، وأفضل ما أستطيع أن أفعله في هذا المقام هو أن أورد ما كتبه حضرة الباب نفسه في كتابه، الدّلائل السّبعة، أثناء الأيّام الأخيرة من عهده قال: "*تذكّروا أيّام الدّعوة الأولى، ما اكثر من مات بالكوليرا! كان ذلك من عجائب الظّهور حقًّا، ومع ذلك لم يفطن إلى ذلك أحد! نزل البلاء بشيعة


الإسلام أربعة أعوام دون أن يدرك دلالته أحد!" وكتب النّبيل في تاريخه الخالد يقول: "أمّا جمهرة النّاس من شعبها (إيران) أولئك الّذين شاهدوا في غير اكتراث تلك المأساة تمثل أمام أعينهم دون أن يرفع أحد منهم إصبع احتجاج واحدة، فقد سقطوا بدورهم فريسة لبلاء عجزت عن صدّه موارد الدّولة وجهود رجالها.  منذ ذلك اليوم الّذي امتدّت فيه يد المجرم الأثيم إلى حضرة الباب...  أخذت الرّزايا والبلايا المتوالية تزهق أرواح هذا الشّعب الجاحد وتفضي به إلى شفا الإفلاس العام، واكتسحته أوبئة مجهولة لم ترد لها سوى إشارات عابرة في بطون الكتب المهجورة الّتي لم يكترث بقراءتها سوى القليل، اكتسحته اكتساحًا لا يبقي ولا يذر.  فأنزلت الخراب أينما انتشرت وأهلكت الحرث والنّسل أينما اتّجهت وعانى من وطأتها الرّفيع والوضيع والأمير والفقير، وأطبقت بقبضتها على الأهلين وأبت أن ترخيها، ومضت هذه البلايا تجتاح البلاد كما اجتاحت الحمّى إقليم جيلان.  وبالرّغم من جسامة هذه الكوارث فإنّ غضب الله المنتقم لم يقف عند حدّ ما أصيب به هذا الشّعب الضّالّ عديم الإيمان، بل لقد عمّ كلّ نفس تتنفّس على هذه الأرض الموبوءة وترك أثره على حياة النّبات والحيوان على حدّ سواء، وجَعَل النّاس يحسّون بجسامة مصابهم وفداحة خطبهم.  وأقبلت المجاعة فأضافت أهوالها إلى الرّزايا الثّقيلة الّتي يئنّ النّاس تحت وطأتها، وفشا بينهم شبح الموت جوعًا، وأفزعتهم رؤيا الموت البطيء المؤلم… وتلهّف الشّعب والحكومة على الخلاص ولا خلاص.  فشربوا كأس الويلات حتّى ثمالتها غير متفطّنين إلى تلك اليد الّتي رفعتها إلى شفاههم، ولا إلى ذلك الشّخص الشّخيص الّذي من أجله قاسوا ما قاسوا".


الفترة الثّانية

ولاية حضرة بهاء الله

1853 – 1892م


صفحة خالية


الفصل السّادس

 

ميلاد الظّهور البهائيّ

 

        إنّ سلسة الأحداث العصيبة الّتي توالت بسرعة خاطفة بعد محاولة اغتيال ناصر الدّين شاه المشؤومة تشير إلى انتهاء الدّورة البابيّة كما لاحظنا من قبل؛ وهي تشير، في الوقت نفسه، إلى ختام الفصل البدائيّ الدّمويّ المظلم من تاريخ القرن البهائيّ الأوّل.  ولقد تمخّضت هذه الأحداث الرّهيبة عن عهد يتميّز بالشّدة المتناهية تعثّرت فيه مصائر دين حضرة الباب وهبطت إلى أسفل الدّركات.  والواقع أنّ المحن والفتن والنّكسات والهزائم والسّعايات والوشايات والمجازر والمذابح أخذت كلّها تعمل منذ البداية، وبدرجات متزايدة، على استئصال شأفة أتباعه من كلّ الطّبقات، وتعريض إخلاصهم وولائهم الرّاسخ للامتحان والافتتان.  ولقد نجحت في كلّ شيء إلاّ في هدم الأسس الّتي قام عليها الدّين البابيّ.

 

        فما كاد هذا الدّين يولد حتّى قاومته الحكومة ورجال الدّين والشّعب، وقاموا ضدّه قومة رجل واحد، وتحالفوا فيما بينهم على مناصبته العداء إلى الأبد.  أمّا محمّد شاه الضّعيف العقل والإرادة فقد رفض، تحت الضّغط والإكراه، ما عرضه عليه حضرة الباب، وأبى أن يلقاه وجهًا لوجه، أو أن يسمح له بالحضور إلى العاصمة.  وأمّا ناصر الدّين شاه الشّاب الأرعن المستبدّ الباطش فقد أظهر، بصفته صاحب التّاج والصّولجان، عداءً شديدًا مطّردًا، تأجّجت نيرانه، واستفحل خطبه بكلّ وحشيّته الضّارية وظلمته الجهنّميّة.  أمّا "المعتمد " القويّ الرّزين الوحيد الّذي كان في مقدوره أن يزوّد حضرة الباب بما كان يحتاج إليه أشدّ الاحتياج من معونة وحماية، فقد اختطفته منه يد المنون على حين غرّة.  أمّا شريف مكّة الّذي عرف الظّهور


الجديد من القدّوس فقد أعار الدّعوة الإلهيّة أذنًا صمّاء، واستقبل الرّسول بفتور.  أمّا الاجتماع الّذي كان مقرّرًا أن ينعقد في كربلاء المقدّسة بعد عودة حضرة الباب من الحجاز فقد صرف عنه النّظر نهائيًّا، الأمر الّذي خيّب آمال أصحاب حضرة الباب، ذلك لأنّهم كانوا ينتظرون عودته على أحرّ من الجمر حتّى ينعقد الاجتماع.  أمّا معظم حروف الحيّ الثّمانية عشر، وهم القلاع الرّئيسة الّتي عزّزت قوّة الدّين الجديد، و"المرايا" و"الهداة" و"الشّهود" الممثّلون للدّين البابيّ، فقد خرّوا صرعى تحت السّيف، وأخرجوا من ديارهم، وضربوا ضربة ألزمتهم الصّمت المطبق.  وبهمّة الأعداء وحماستهم الّتي لا تفتر لم يتحقّق معظم  البرنامج الّذي أتيح للمقرّبين منهم الوقوف على مكنوناته، وفشلت الجهود الّتي بذلها اثنان من هؤلاء الأصحاب لإقامة الدّين في تركيّا فشلاً ذريعًا كان مقدّرًا منذ البداية.  وأمّا العواصف الّتي اكتسحت مازندران ونيريز وزنجان فقد أتت على عدد هائل من أقدر الأصحاب وأشجعهم، وقضت على الآمال المعقودة على القدّوس المبجّل، والمُلاّ حسين قلب الأسد، ووحيد المتبحّر،  والحجّة الغلاّب.  وأمّا الهجمات الفظيعة المتّصلة بموت شهداء طهران السّبعة فعليها تقع مسؤوليّة القضاء على رمز حيّ آخر من رموز الدّين كان بإمكانه، لو كتبت له الحياة، أن يفعل الشّيء الكثير من أجل حماية الدّين المكافح ونشره، إن لم يكن بفضل مزاياه الذّاتيّة فبفضل ما له من صلة القربى الوثيقة بحضرة الباب.

 

        كما أنّ العاصفة الّتي هبّت بعد ذلك بقوّة فريدة على الجامعة الجاثية على ركبتيها من شدّة القهر حرمتها من أعظم أبطالها أي "الطّاهرة" الفذّة، وهي في أوج انتصارها.  كما اختطفت السّيّد حسين كاتب الوحي الأمين والمخزن المختار لرغبات حضرة الباب الأخيرة.  وأطاحت بالمُلاّ عبد الكريم القزويني، أحد القلائل الّذين يستطيعون أن يدّعوا بحقّ التّبحّر في أصول الدّين، وساقت حضرة بهاء الله إلى سجن مظلم تحت الأرض، وكان حضرته الوحيد الّذي بقي على قيد الحياة من عمالقة الدّورة الجديدة.  أمّا حضرة الباب، الينبوع الّذي فاضت منه قوى الحياة إلى الظّهور الجديد، فقد استسلم


لرصاص الرّماة في ظروف محزنة سبقت هبوب هذا الإعصار، وخلّف على رأس الجامعة المحطّمة رئيسًا صوريًا وَجِلاً أشدّ ما يكون الوجل، ساذجًا، يرضخ لأقلّ تأثير، عاطلاً من كلّ ميزة ظاهرة، وبعد أن أفلت الزّمام من يد حضرة بهاء الله القائد الحقيقيّ أخذ يحتمي بتلال موطنه مازندران من هجمات العدوّ المميت، وارتدى زيّ الدّراويش.  وأمّا آثار مؤسّس الدّين الضّخمة، وكانت كلّها مخطوطة متفرّقة مبعثرة مختلطة رديئة الاستنساخ معرّضة للضّياع، فقد أتلف بعضها عن عمد نظرًا لشدّة هياج هذه الفترة،  وصودر بعضها، وأرسل بعضها الآخر بسرعة إلى أماكن أمينة وفيما وراء حدود البلاد الّتي نزلت فيها.  وأبرز الأعداء الأقوياء رؤوسهم الآن، وفي مقدّمتهم الحاج ميرزا كريم خان الّذي كتب رسالة يهاجم فيها الدّين الجديد وعقائده بدناءة وذلك بناءً على أمر خاصّ من الشّاه، وبعد أن جرّأتهم النّكسات الّتي مني بها الدّين أخذوا يكيلون له السّباب واللّعنات، ويهيلون عليه الإهانات والسّعايات.  أضف إلى ذلك أنّ بعض البابيّين اضطرّوا، تحت الضّغط والقهر، إلى الارتداد بينما تمادى آخرون في الارتداد إلى أن التّحقوا بصفوف الأعداء.  وإلى مجموع هذه البلايا والرّزايا أضيف افتراء شنيع نشأ عن فعلة حمقاء ارتكبها حفنة من المتحمّسين المتهوّرين، فلطّخوا بها دينًا بريئًا منها كلّ البراءة بعار بدا أنّه لن يمحى أبد الدّهر، وأنذر باستئصال شأفته واقتلاعه من جذوره.

 

        ومع كلّ ذلك فإنّ النّيران الّتي أشعلتها يد الله العليّ القدير لم تخمد، وإن أضعفتها سيول المحن والشّدائد الّتي انصبّت عليها.  نعم، إنّ اللّهيب الّذي توهّج تسعة أعوام بكلّ هذا التّركيز العظيم قد انطفأ مؤقّتًا، إلاّ أنّ الجمرات الّتي خلّفتها النّيران العظيمة ظلّت حيّة متوقّدة لتندلع ألسنتها مرّة أخرى بعد أمدٍ ليس بالبعيد على نسائم ظهور أعظم، ولتسطع بضوءٍ لا يبدّد الظّلام فحسب بل ويسكب سناه على أقاصي نصفيّ الكرة الشّرقيّ والغربيّ معًا.  وكما أتاح الاعتقال والانعزال الاضطراريّ لحضرة الباب فرصة صياغة شريعته والكشف عن مكنونات دعوته وإشهار منزلته على رؤوس الأشهاد،


وابرام عهد ولايته، وتقرير أحكام دورته وإجرائها على أيدي أصحابه في مؤتمر بدشت.  أثبتت هذه الأزمة الفريدة في شدّتها، والّتي انتهت باستشهاد حضرة الباب وسجن حضرة بهاء الله، أنّها مقدّمة لإحياء يفيض عن قوّة دافعة لظهور أقوى وأعظم يخلّد شهرة رسالة مظهر شيراز الإلهيّ الأصليّة، ويركّزها على دعائم أقوى وأمتن في أنحاء بعيدة وراء حدود وطنه.

 

        في تلك الآونة الّتي بدا فيها أمر حضرة الباب على شفا الخمود والانطفاء، وضاعت فيها، حسب الظّاهر، كلّ الآمال والمطامع الّتي دفعته، وخيّل فيها أن التّضحيات الرّائعة الّتي بذلها العديد من محبّيه قد ذهبت أدراج الرّياح، في تلك الآونة أوشك الوعد الإلهيّ الكامن في ذلك الأمر أن يتحقّق فجأة، وكاد كماله النّهائيّ أن يتجلّى على نحو غريب.  نعم، لقد بلغت الدّورة البابيّة نهايتها (في كمال نضجها وفي أجلها المسمّى) وهي الآن تؤتي أكلها المقدّرة، وتكشف عن غايتها القصوى، ألا وهي ميلاد رسالة حضرة بهاء الله.  نعم، في تلك السّاعة العصيبة الحالكة الظّلام أوشك النّور الجديد أن ينبثق بصورة مجيدة، في أفق إيران المظلم، وكادت أعظم مرحلة إن لم تكن أروع مرحلة من عصر البطولة المجيد أن تتفتّح نتيجة  لما كان في واقع الأمر عمليّة نضج وتطوّر.

 

        في غضون تسع سنوات، كما تنبّأ حضرة الباب تمامًا، كان جنين الدّين الّذي أسّسه يتطوّر بسرعة غريبة قاهرة إلى أن ولد أمر الله الموعود في الميقات المعلوم بين جدران سجن سياه چال بطهران ووسط آلامه وتباريحه.  وبعد عدّة سنوات كتب حضرة بهاء الله مفنّدًا مزاعم المنكرين لصحّة رسالته بحجّة أنّها تلت رسالة حضرة الباب بسرعة خاطفة قال: "*لاحظوا كيف في سنة التّسع اكتمل عدد النّفوس المقدّسة المطهرّة الزّكيّة في سّر السّرّ عندما ظهر هذا الظّهور الأبدع الأقدس الرّحمانيّ" وقال مرّة أخرى: "**إنّ انقضاء هذه الفاصلة القصيرة بين هذه الدّورة القاهرة الباهرة وبين ظهوري السّابق لهو سرّ بديع وغيب منيع.  ولقد كان ميقاتها مضروبًا من قبل".


        إلى تعاقب هاتين الدّورتين بسرعة أشار يوحنا اللاّهوتيّ بوضوح حين قال: "الويل الثّاني مضى، وهو ذا الويل الثّالث يأتي سريعًا" وفسّر حضرة عبد البهاء هذا "الويل الثّالث" بأنّه "*يوم ظهور الجمال المبارك، وهو يوم الله، وهو قريب من يوم ظهور حضرة الأعلى" وقال مرّة أخرى: "*إنّ جميع ملل العالم تنتظر ظهورين يأتيان في وقت واحد، والكلّ موعودون بذلك".  وفي موضع آخر قال: "*والقصد أنّ الكلّ موعودون بظهورين يجيئان متتاليين" وأمّا الشّيخ أحمد الأحسائيّ، نيّر الهدى الإلهيّ، فقد فطن قبل سنة السّتّين إلى اقتراب مجد حضرة بهاء الله، ونبّه على "الظّهورين التّوأمين اللّذين يتعاقبان بسرعة".  وفي رسالة كتبها بخطّ يده إلى السّيّد كاظم [الرّشتيّ] وردت تلك العبارة العظيمة الدّلالة والّتي تشير إلى اقتراب ساعة ذلك الظّهور الأعظم: "لا بدّ لهذا الأمر من مقرّ ولكلّ نبإٍ مستقرّ ولا يحسن الجواب بالتّعيين فستعلمنّ نبأه بعد حين(68)".

 

        أمّا الظّروف الّتي تلقّى فيها حامل الظّهور الجديد، الّذي جاء بعد ظهور حضرة الباب بهذه السّرعة، أولى بشارات رسالته السّامية فتعيد إلى الذّاكرة، إن لم تفُق في شدّة وقعها، تجربة حضرة موسى الّتي ترتجف لها الأرواح حين آنس في برّيّة سيناء نارًا، وتجربة حضرة زرادشت حين رأى سبع رؤًى متوالية، وتجربة السّيّد المسيح حين خرج من مياه الأردن فرأى السّموات تتفتّح ليهبط منها روح القدس كهيئة الحمامة تقع عليه، وتجربة حضرة محمّد حين أمره صوت جبريل أن "اقرأ باسم ربّك" وهو يتعبّد في غار حراء بظاهر مكّة المقدّسة، وتجربة حضرة الباب الّذي رأى في منامه كأنّه يقترب من رأس الإمام الحسين ويرتشف الدّم المسفوح من عنقه المبتور فإذا به ينهض ليجد نفسه المخزن المختار لألطاف الله العليّ القدير.

 

        وإنه ليحقّ لنا أن نتساءل في هذا الموضع عن طبيعة ذلك الظّهور ومضامينه، الّذي جاء بمثل هذه السّرعة بعد إعلان حضرة الباب دعوته، فعطّل دورته بضربة واحدة واحتفظ مع ذلك بسلطان مؤسّسها بكلّ قوّة


وحماسة.  كما يحقّ لنا أن نقف لنتأمّل دعاوي من كان واحدًا من أصحاب حضرة الباب ثم اعتبر نفسه، في هذه المرحلة المبكّرة، قادرًا على أن ينسخ شريعة مولاه المحبوب.  ويحقّ لنا أيضًا أن نطيل التّفكير في الصّلة بين النّظم الدّينيّة الّتي قامت قبله وبين ظهوره، ذلك الظّهور الّذي فاض عن روحه المتمخّضة في تلك السّاعة الشّديدة الخطر، فخرق حجاب الكآبة الّتي خيّمت على تلك البؤرة الجهنّمية الوبيلة، واندفع نوره من وراء جدرانها إلى أقصى الأرض، وصبّت إمكانيّاته الّتي تفوق الحصر والعدّ في كيان الجنس البشريّ كلّه، فيوجّه الآن مسير المجتمع البشريّ الحاضر تحت أسماعنا وأبصارنا.

 

        إنّ الّذي تلقّى العبء الفادح لهذا الظّهور الفائق المجد، في مثل هذه الظّروف المؤثّرة، لم يكن سوى هذا الّذي سوف تفتخر به الأجيال القادمة وتمجّده، بل ويؤمن به اليوم أتباع يفوقون العدّ والحصر، باعتباره قاضي الجنس البشريّ ومشرّعه ومخلّصه، ومنظّم الكوكب كلّه، وموحّد بني الإنسان كلّهم، وفاتح العصر الألفيّ المرتجى، ومنشئ "الكور العالميّ"، ومؤسّس السّلام الأعظم، ومنبع العدل الأعظم، ومعلن بلوغ النّوع الإنسانيّ سنّ الرّشد ومبدع النّظام العالميّ الجديد، وملهم الحضارة العالميّة وخالقها.

 

        لبني إسرائيل لم يكن بأكثر ولا بأقلّ من تجسيد "الأب الأبديّ" و"ربّ الجنود" الّذي "أتى من ربوات القدس"، وللعالم المسيحيّ عودة السّيّد المسيح "في مجد أبيه" ولشيعة الإسلام رجعة الإمام الحسين، ولأهل السّنة نزول "الرّوح" [عيسى المسيح]، وللزّرادشتيّين شاه بهرام الموعود، وللهندوس تجسيد كريشنا، وللبوذيّين بوذا الخامس.

 

        أمّا اسمه فقد جمع بين اسم الإمام الحسين، أعظم خلفاء محمّد رسول الله وألمع "نجم" في "الإكليل" المذكور في رؤيا يوحنّا، واسم الإمام عليّ أمير المؤمنين وثاني الشّاهدين اللّذين مجّدهما يوحنّا في رؤياه.  أمّا اسمه الرّسميّ فهو بهاء الله، وهو اسم نصّ عليه البيان الفارسيّ بصفة خاصّة، ويعني مجد الله ونوره وسناءه.  أمّا ألقابه فهي "ملك الملوك" و "ربّ الأرباب"


و"الاسم الأعظم" و"جمال القدم" و"القلم الأعلى" و"الاسم المكنون" و"الكنز المخزون" و"من يظهره الله" و"نور الأنوار" و"الأفق الأعلى" و"البحر الأعظم" و"سماء الرّفعة" و"الأصل القديم" و"القيّوم" و"نيّر الآفاق" و"النّبأ العظيم" و"مكلّم الطّور" و"ممتحن الحقائق" و"مظلوم العالم" و"مقصود الأمم" و"ربّ الميثاق" و"سدرة المنتهى" وهو ينحدر من صلب إبراهيم (أبي المؤمنين) عن زوجته قتّورة، كما ينتمي إلى زرادشت ويزدجرد آخر ملوك بني ساسان.  أضف إلى ذلك أنّه من سلالة يسّي وينتسب إلى أسرة من أعرق أسر مازندران وأشهرها عن طريق والده ميرزا عباس المعروف بميرزا بزرگ وهو رجل نبيل كان على اتّصال وثيق بالدّوائر الوزاريّة في بلاط فتح علي شاه.

 

        إليه أشار إشعياء أعظم أنبياء بني إسرائيل، بأنّه "مجد الرّبّ" و "الأب الأبديّ" و"رئيس السّلام" و"العجيب" و"المشير" و"القضيب الخارج من جذع يسّي" و"الغصن النّابت من أصوله" الّذي "يجلس على كرسّي داود" و"بقوّة يأتي وذراعه تحكم له" و"يقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض" و"يضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه" و"يجمع منفّيي إسرائيل ويضمّ مشتّتي يهوذا من أربعة أطراف الأرض".  وبه تغنّى داود في مزاميره واصفًا إيّاه ﺒ"ربّ الجنود"  و"ملك المجد"، وإليه أشار حجي ﺒ"مشتهى كلّ الأمم"، وزكريّا ﺒ"الغصن النّابت من أصوله"، وهو الّذي "يبني هيكل الرّب" ومجّده زكريّا بقوله: "ويكون الرّبّ ملكًا على كلّ الأرض".  وإلى يومه أشار يوئيل وصفنيا كلاهما ﺒ"يوم يهوه" ووصف الأخير يومه بأنّه "يومُ سُخط، يوم ضيق وشدّة، يوم خراب ودمار، يوم ظلام وقتام، يوم سحاب وضباب، يوم بوق وهتاف على المدن المحصّنة وعلى الشّرف الرّفيعة".  ومجّد حزقيال ودانيال يومه بأنّه "يوم الرّبّ"، وملاخي بأنّه "يوم الرّبّ، اليوم العظيم والمخُوف" حينما "تشرق شمس البرّ والشّفاء في أجنحتها"، وحكم دانيال لقدومه بأنّه نهاية "رجسة الخراب".

 

        وإلى دورته أشارت كلّ الكتب الزّرادشتيّة المقدّسة ووصفتها بأنّها


الدّورة الّتي تثبت فيها الشّمس شهرًا كاملاً.  وإليه تنصرف إشارة زرادشت في حديثه المأثور حين قال إنّه لا بدّ أن تنقضي ثلاثة آلاف سنه من الصّراع والنّضال قبل أن يأتي شاه بهرام مخلّص العالم، وينتصر على أهرمن، ويفتتح عصر البركة والسّلام.

 

        وهو وحده الّذي عنته النّبوءة إلى جوتاما بوذا([33]) حين قال: "بوذا يدعى ميتريا، بوذا الأخوّة العالميّة" يأتي في تمام الوقت ويكشف عن "مجده الفائق بلا حدود".  وإليه أشار بهاجافاد جيتا([34]) كتاب الهندوس المقدّس، بأنّه "الرّوح الأعظم" و"الظّهور العاشر" و"المظهر الطّاهر لكريشنا".

 

        وإليه أشار السّيد المسيح ﺒ"رئيس هذا العالم" "المعزّي" الّذي "يبكت العالم على خطيّة وعلى برّ وعلى دينونة" و"روح الحقّ يرشدكم إلى جميع الحقّ".  والّذي "لا يتكلّم من نفسه بل كلّ ما يسمع يتكلّم به ويخبركم بأمور آتية" و"صاحب الكرم" و"ابن الإنسان يأتي في مجد أبيه" و"آتيًا على سحاب السّماء بقوّة ومجد كبير" من حوله "جميع الملائكة القدّيسين" وقدّام عرشه تجتمع "جميع الشّعوب" وإليه أشار صاحب الرّؤيا ﺒ"مجد الله" و"الألف والياء" و"البداية والنّهاية"، "الأوّل والآخر"، وجعل ظهوره "الويل الثّالث" ومجّد شربعته ووصفها بأنّها "سماء جديدة وأرض جديدة"، "مسكن الله مع النّاس"، "المدينة المقدّسة"، "أورشليم الجديدة نازلة من السّماء من عند الله مهيّأة  كالعروس مزيّنة لرجلها".  وإلى يومه أشار السّيّد المسيح نفسه بأنّه "التّجديد، متى يجلس ابن الإنسان على كرسيّ مجده" وإلى ساعة مجيئه أشار بولس الرّسول بأنّها "البوق الأخير" و"بوق الله" بينما أشار إليها بطرس الرّسول ﺒ"يوم الرّبّ الّذي به تنحلّ السّموات ملتهبة والعناصر محترقة تذوب".  ووصف يومه ﺒ"أوقات الفرج" و"أزمنة ردّ كلّ شيء الّتي تكلّم عنها الله بفم جميع أنبيائه المقّدسين منذ الدّهر".


وإليه أشار القرآن الكريم ﺒ"النّبأ العظيم" وأعلن أنّ يومه هو يوم "يأتيهم الله في ظلل من الغمام" يوم "جاء ربّك والملك صفًّا صفًّا" و"يوم يقوم الرّوح والملائكة صفًّا" وفي سورة وصفت بأنّها "قلب الفرقان"، أخبر أنّ مجيئه هو مجيء الرّسول "الثّالث" الّذي يبعث لتعزيز الرّسولين اللّذين سبقاه.  وعلى يومه أثنى ثناءً عاطرًا ووصفه ﺒ"اليوم العظيم"و"اليوم الآخر" و"يوم الله" و"يوم الدّين" و"يوم الحساب" و"يوم التّغابن" و"يوم الفصل" و"يوم الحسرة" و"يوم التّلاق"  "يوم يقضي الأمر" ويوم"نفخ فيه (أي في الصّور) أخرى فإذا هم قيام ينظرون"، و"يوم يقوم النّاس لربّ العالمين" ويوم "عنت الوجوه للحيّ القيّوم" ويوم "ترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمّر مرّ السّحاب" ويوم "اقترب للنّاس حسابهم" ويوم "الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين" ويوم "صعق من في السّموات ومن في الأرض إلاّ من شاء الله" ويوم "تذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت وتضع كلّ ذات حمل حملها" ويوم "أشرقت الأرض بنور ربّها ووضع الكتاب، وجيء بالنّبيّين والشّهداء وقضى بينهم بالحقّ وهم لا يظلمون".

 

        وشبّه رسول الله كماله ومجده، كما يشهد حضرة بهاء الله نفسه "بالبدر ليلة أربعة عشرة".  وحدّد الإمام عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين مقامه، حسب الشّهادة السّابقة، بأنّه "مكلّم موسى من الشّجرة على الطّور".  ولطبيعة رسالته الفائقة شهد الإمام الحسين، كما صرّح حضرة بهاء الله أيضًا، بأنّها "ظهور من أرسل رسول الله".

 

        وعنه كتب مبشّر الدّورة البابيّة الشّيخ أحمد الأحسائي فتنبّأ بالأحداث الّتي سوف تقع "بين سنة السّتين [1260هـ] والسّابعة والسّتين [1267هـ]".  وأكّد حتميّة ظهوره حين كتب ما سبق أن ذكرناه "لا بدّ لهذا الأمر من مقرّ ولكلّ نبإٍ مستقرّ لا يحسن الجواب بالتّعيين وستعلمنّ نبأه بعد حين".

 

        كما كتب السّيّد كاظم الرّشتي، تلميذ الشّيخ أحمد وخليفته: "لا بدّ أن يُقتل القائم.  وحين يُقتل يبلغ العالم سنّ الثّامنة عشرة" وفي شرحه للقصيدة


اللاميّة أشارة لاسم "البهاء".  وفضلاً عن ذلك فقد ألقى لتلاميذه في أخريات أيّامه بيانًا عميق المغزى قال فيه: "الحقّ أقول لكم بعد القائم يأتي القيّوم، وحين يأفل نجم الأوّل تشرق شمس جمال الحسين وتضيء الأرض كلّها، هنالك تتجلّى الأسرار وتنكشف المكنونات الّتي تحدّث عنها الشّيخ أحمد...  إنّ إدراك يوم الأيّام هذا لهو إدراك المجد المتوّج للأجيال الماضية، والعمل الطّيّب في ذلك العصر يعدل عبادة القرون والدّهور".

 

        أمّا حضرة الباب فقد مجّده تمجيدًا لا يقلّ دلالة فوصفه "بساذج الوجود" و"بقيّة الله" و"السّيّد الأكبر" و"النّور المهيمن الحمراء" و"مالك الغيب والشّهود" و"**غاية الدّورات السّابقة، بما في ذلك دورة القائم".  وكان يميّزه رسميًّا بأنّه "من يظهره الله" و"الأفق  الأبهى" حيث عاش هو نفسه.  ونصّ على لقبه نصًّا خاصًّا ومجّد "نظمه" في أشهر كتبه وهو البيان الفارسيّ،  وصرّح باسمه حين أشار إليه بقوله: "**ابن عليّ مرشد صدق للبشر" وكثيرًا ما حدّد موعد ظهوره شفاهًا وكتابة بصورة لا يرقى إليها الشّكّ، وحذّر أتباعه من الاحتجاب عنه و"بالواحد البيانيّة فإنّ ذلك الواحد خلق عنده".  وفضلاً عن ذلك أعلن أنّه هو نفسه "أوّل العابدين وأوّل السّاجدين" وأنّه خشع له "**من قبل أن تخلق كينونات الخلق" وأنه "لايشار بإشارتي ولا بما ذكر في البيان" وأنّ "*نطفة ظهوره في عامها الأوّل أقوى من كلّ البيان".  وبوضوح أكّد أنّه "قد أخذ عهد ولايته عن كلّ شيء قبل أن يأخد عهد ولايته هو".  واعترف بلا تحفّظ أنّه ما هو إلا "حرف من ذلك الكتاب المبين وقطرة من ذلك البحر العظيم" وأنّ ظهوره "*ورقة من أوراق أشجار جنّته"، "وأنّ كلّ ما رفع البيان" لم يكن إلاّ خاتمًا في إصبعه وأنّه هو نفسه "خاتم في يديّ من يظهره الله...  يقلّب كيف يشاء لما يشاء بما يشاء".  ويخاطبه بصراحة بأنّه "قد فديت بكلّي لك ورضيت السّبّ في سبيلك وما تمنّيت إلاّ القتل في محبّتك".  وأخيرًا تنبّأ بكلّ وضوح بأنّ "*البيان في مقام النّطفة اليوم، وآخر كمال البيان أوّل ظهور من يظهره الله".  "من أوّل ذلك الأمر إلى قبل أن يكمل تسع كينونات الخلق لن يظهر لأنّ كلّ ما قد  رأيت من النّطفة إلى ما كسوناه


لحمًا.  ثم اصبر حتّى تشهد خلقًا آخر.  هنالك قل فتبارك الله أحسن الخالقين". 

 

        وهذه شهادة حضرة بهاء الله المؤيّدة والدّالّة على طبيعة ظهوره العظيم عظمة لا تحيط بها الأفهام، الفائقة تفوّقًا لا ندركه العقول قال: "ظهر من طاف حوله نقطة البيان [حضرة الباب]" وأكّد ذلك مرّة أخرى فقال: "*لو أصبح اليوم كلّ من السّموات والأرض في عداد الحروف البيانيّة الّذين هم أعظم وأكبر من الحروف الفرقانيّة عشرة آلاف مرتبة وتوقّفوا عن قبول الأمر أقلّ من آن لعدّوا عند الله من المعرضين، وأدخلوا في عداد حروف النّفي".  وأشار إلى نفسه في كتاب الإيقان: "*إنّ سلطان الهويّة ذلك قادر على أن يقبض روح كلّ البيان وخلقه بحرف من بدائع كلماته، وأن يهب لهم جميعًا بحرف واحد حياة بديعة خالدة، وأن يبعثهم من قبور النّفس والهوى ويحشرهم".  وفضلاً عن ذلك وصف يومه بأنّه "سلطان الأيّام" و"يوم الله" الّذي هو "بمثابة النّور لظلمة الأيّام" و"النّهار الّذي لا يعقبه ليل" "الرّبيع الّذي لن يعقبه خريف" وهو "بمثابة البصر للقرون والأعصار".  وهو اليوم الّذي به "بشّر كلّ نبيّ وناح كلّ رسول حبًّا" لظهوره و"**الّذي تمنّته كلّ القبائل والأمم" يوم "امتحن الله كلّ النّبيّين والمرسلين ثمّ الّذين هم كانوا خلف سرادق العصمة وفسطاط العظمة وخباء العزّة".  وبالإضافة إلى ذلك قال: "**قد انتهت الظّهورات إلى هذا الظّهور الأعظم، به بلغت غايتها ومنتهاها" وقال مرّة أخرى: "*لم يقف أحد من المظاهر السّابقين على كيفيّة هذا الظّهور بتمامه إلاّ على قدر مقدور".  وأشار إلى مقامه بقوله: "لولاه لما أرسل رسول وما نزّل كتاب".

 

        وأخيرًا، وليس آخرًا، إليك ما قاله حضرة عبد البهاء في طبيعة ظهور والده الفائق: "*تمضي القرون  وتنتهي الدّهور وتنقضي آلاف الأعصار حتّى تطلع شمس الحقيقة في برج الأسد وتسطع من دارة الحمل".  وقال مرّة أخرى: "*إنّ الأولياء السّابقين لينصعقون حين يتصّورون دور الجمال المبارك، ويتمنّون دقيقة واحدة منه".  وبعبارة عميقة الدّلالة قال: "أمّا


المظاهر المقدّسة الّتي تأتي من بعد في ظلل من الغمام من حيث الاستفاضة هم في ظلّ جمال القدم، ومن حيث الإفاضة يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد".  وأخيرًا إليك هذا الشّرح الّذي يبيّن بوضوح العلاقة بين ظهور حضرة بهاء الله، وظهور حضرة الباب "**كان ظهور النّقطة الأولى سطوع الشّمس من برج الحمل وأمّا الآن فقد طلعت ولاحت شمس الحقيقة، الجمال المبارك، من برج الأسد وذلك يعني أنّ هذا الكور المبارك مزيّن بأنوار ساطعة من شمس الحقيقة في برج الأسد الّذي له أشدّ شعاع وحرارة وظهور".

 

        والواقع أنّ محاولة استقصاء كلّ ما ورد من الإشارات والبشارات بظهور حضرة بهاء الله أمر مستحيل.  ولقد شهد قلم حضرة بهاء الله بذلك فقال: "*إنّ كلّ الكتب والصّحف المقدّسة قد تنبّأت مجيء هذا الظّهور الأعظم وأعلنت عنه على الملأ ولا يستطيع أحد أن يحصي تمامًا الآيات المدوّنة في كتب العصور السّابقة الّتي بشّرت بهذا الفضل الأعظم وهذه العناية الفائقة".

 

        وختامًا لهذا العرض لا بدّ لي أن أقرّر أنّ ظهور حضرة بهاء الله يعطّل كلّ الظّهورات السّابقة بلا قيد ولا شرط، ويؤمن بجميع الحقائق الخالدة الّتي تكتنزها إيمانًا لا مساومة فيه، وتعترف بسماويّة أصحابها وأصلهم الإلهيّ اعترافًا راسخًا ثابتًا، ويرعى قداسة كتبها المعتمدة، ويبرأ من كلّ نيّة في الحطّ من شأن مؤسّسيها أو تحقير المثل الرّوحية العليا الّتي لقّنوها، ويوضّح وظائف هذه الظّهورات ويربط بينها، ويؤكّد من جديد غرضها الأساسيّ المشترك الثّابت، ويوفّق بين مطالبها وعقائدها المتعارضة في الظّاهر، ويبادر فيعترف لها شاكرًا لإسهامها المتوالي في سبيل التّفتّح التّدريجيّ لظهور إلهيّ واحد.  ولا يتردّد لحظة واحدة في الإقرار بأنّه هو نفسه ليس سوى حلقة أخرى في سلسلة الظّهورات الدّائمة التّقدّم.  وهو يذيّل تعاليم هذه الظّهورات بالشّرائع والأحكام الّتي تتماشى مع الضّرورات الملحّة والقابليّة النّامية للمجتمع السّريع التّطوّر الدّائم التّغير.  كما يعلن عن استعداده وقدرته على أن يصهر ويوحّد الفرق المتناحرة والطّوائف المتنافرة الّتي تفكّكت إليها هذه


الظّهورات السّابقة ليخلق منها أخوّة عالمية عاملة بمقتضى نظام عالميّ شامل –وفي نطاق– يوحّد العالم ويفتديه.

 

        هذا الظّهور الّذي هو وعد ومجد متوّج للعصور الماضية والقرون الخالية، وكمال لكلّ رسالات كور آدم الإلهيّ النّبويّ ومؤسّس دورة لا تقّل عن ألف سنة وفاتح لكور يمتدّ إلى ما لا يقل عن خمسة آلاف قرن، ومشير إلى انتهاء عهد النّبوّات والوعود وابتداء عهد تحقيق النّبوّات والوفاء بالوعود، العهد الّذي لا يفوقه عهد آخر في طول ولاية مؤسّسه ولا في خصوبة رسالته وبهائها، لم يولد كما لاحظنا من قبل في مكان آخر غير تلك الزّنزانة المظلمة والحفرة الكريهة الّتي كانت يومًا ما مخزنًا لمياه حمّام عام بطهران.  كان حضرة بهاء الله مغمورًا في غياهبها الكئيبة يتنفّس هواءها المنتن ويخدّر جوّها الرّطب حواسّه وتقيّد السّلاسل قدميه، وتثقل الأغلال عنقه، ويحيط به المجرمون والقتلة والسّفاكون، ويرهقه إدراكه لشناعة الوصمة الّتي لطّخت صيت أمره المحبوب، وتؤلمه معرفته بالشّدائد القاسية والمحن الّتي داهمت أبطاله وأقطابه، والأخطار الجسيمة الّتي تواجه البقيّة الباقية من أتباعه.  في تلك السّاعة العصيبة، وفي تلك الظّروف المخيفة هبط عليه "الرّوح الأعظم" كما يسمّيه.  وهو الّذي رمز له في دورة زرادشت بالنّار المقدّسة، وفي دورة موسى بالشّجرة المشتعلة، وفي دورة عيسى بالحمامة، وفي دورة محمّد بجبريل، هبط الرّوح الأعظم عليه وتمثّل لروحه المرهق على هيئة "حوريّة".

 

        وفي مغرب حياته كتب يستعيد ذكرى بوادر هذا التّجلي الإلهيّ على روحه فقال: "*وفي ذات ليلة أصغيت إلى هذه الكلمة العليا في عالم الرّؤيا من جميع الجهات: إنّا ننصرك بك وبقلمك.  لا تحزن عمّا ورد عليك ولا تخف إنّك من الآمنين.  سوف يبعث الله كنوز الأرض، وهم رجال ينصرونك بك وباسمك الّذي به أحيا الله أفئدة العارفين".  وفي موضع آخر وصف بإيجاز تأثير القوّة المتدفّقة للنّداء الإلهيّ على كيانه كلّه، تجربة تذكّرنا بطيف الله الّذي خرَّ له موسى صعقًا، وصوت جبريل الّذي لاذ منه محمّد ببيته فَرِقًا


وطلب إلى زوجته خديجة أن تدثّره وتزمّله.  قال في بيانه الخالد: "*وبالرّغم من أنّ النّوم كان عزيز المنال من وطأة السّلاسل والرّوائح المنتنة حين كنت رهين سجن أرض الطّاء [ طهران] إلاّ أنّني كنت في هجعاتي اليسيرة أحسّ كأن شيئًا ما يتدفّق من أعلى رأسي، وينحدر على صدري كأنّه النّهر العظيم ينحدر من قلّة جبل باذخ رفيع إلى الأرض فتلتهب جميع الأعضاء لذلك.  في ذلك الحين كان اللّسان يرتّل ما لا يقوى أحدٌ على الإصغاء إليه".

 

        وفي سورة الهيكل يصف تلك اللّحظات الهائلة الّتي أعلنت له فيها الحوريّة الرّامزة "للرّوح الأعظم" رسالته لعالم الإنشاء فيقول: "فلمّا رأيت نفسي على قطب البلاء سمعت الصّوت الأبدع الأحلى من فوق رأسي.  فلمّا توجّهت شاهدت حوريّة ذكر اسم ربّي معلّقة في الهواء أمام الرّأس، ورأيت أنّها مستبشرة في نفسها كأنّ طراز الرّضوان يظهر من وجهها ونضرة الرّحمن من خدّها.  وكانت تنطق بين السّموات والأرض بنداءٍ تنجذب فيه الأفئدة والعقول، وتبشّر كلّ الجوارح من ظاهري وباطني ببشارة استبشرت بها نفسي وعباد مكرمون.  وأشارت بإصبعها إلى رأسي وخاطبت من في السّموات والأرض:  تالله هذا لمحبوب العالمين ولكن أنتم لا تفقهون.  هذا جمال الله بينكم وسلطانه فيكم إن كنتم تعرفون.  وهذا سرّ الله وكنزه، وأمر الله وعزّه لمن في ملكوت الأمر والخلق إن كنتم تعقلون".

 

        وفي لوحه لعدوّه ناصر الدّين شاه، الّذي نزل في أوج إعلان رسالته، وردت هذه الفقرة الّتي تلقي ضوءًا أسطع على قدسيّة دعوته وأصلها الإلهيّ: "يا سلطان! إنّي كنت كأحدٍ من العباد وراقدًا على المهاد، مرّت عليّ نسائم السّبحان وعلّمني علم ما كان.  ليس هذا من عندي بل من لدن عزيزٍ عليم، وأمرني بالنّداء بين الأرض والسّماء، وبذلك ورد عليّ ما تذرّفت به عيون العارفين...  هذا ورقة حرّكتها أرياح مشيئة ربّك العزيز الحميد...  قد جاء أمره المبرم  وأنطقني بذكره بين العالمين.  إنّي لم أكن إلاّ كالميت تلقاء أمره قلّبتني يد إرادة ربّك الرّحمن الرّحيم".  وفي لوح آخر يؤكّد ذلك فيقول مناجيًا: "إنّ الأمر ليس بيدي بل بيدك.  ولم يكن زمام الاختيار في قبضتي بل في قبضتك واقتدارك" ومرّة أخرى يقول: "وكلّما أصمت من بدائع ذكرك


ينطقني الرّوح من سمائك وأرضك.  وكلّما أسكن يهتزّ بما يهبّ عن يمين مشيئتك وإرادتك وأجد نفسي كورقة الّتي تحرّكها أرياح قضائك". 

 

        تلك هي ظروف إشراق شمس الحقيقة بمدينة طهران الّتي مجّدها حضرة الباب "بالأرض المقدّسة" لما انفردت به من الامتياز النّادر، ولقّبها حضرة بهاء الله ﺒ"أم العالم" و"أفق النّور" و"مشرق آيات ربّك" و"مطلع فرح العالمين".  وكانت أولى إشراقات هذا البهاء الفائق في مدينة شيراز، كما وصفنا من قبل، وعلا هذا النّيّر في أفق سياه چال بطهران، لتنسكب أشعّته بعد عشر سنوات على بغداد مبدّدة السّحب والغيوم الّتي حجبت بهاءه بعد إشراقه مباشرة في تلك البؤرة الوبيلة.  ولقد قدّر لهذا البهاء أن يبلغ السّمت والزّوال في مدينة أدرنة القصيّة، وأن يغرب آخر الأمر بجوار عكّاء مدينة السّجن.

 

        وبالضّرورة كانت عمليّة إشراق هذا الظّهور الباهر بطيئة متدرّجة، فلم يبح المظهر الإلهيّ لأحد من أصحابه أو من أهل بيته بطبيعة الرّسالة الّتي تلقّاها بمجرد أن تلقّى بشائرها، ولا بعد أن تلقّى بشائرها مباشرة، بل لقد انقضت فترة لا تقلّ عن عشر سنوات قبل أن تستطيع مكنوناتها البعيدة المدى أن تنكشف حتّى لأقرب المقرّبين.  وهي فترة من الاختمار الرّوحي كان حامل تلك الرّسالة الجسيمة ينتظر فيها بقلق تلك السّاعة الّتي يستطيع فيها أن يلقي العبء عن نفسه المبهورة الجيّاشة بالقوى الفيّاضة الّتي أطلقها الظّهور الإلهيّ الجديد.  وكلّ ما فعله، في أثناء هذه الفترة الّتي سبق بها التّقدير الإلهيّ، هو أنّه كان يشير من طرف خفيّ ويلوّح بلغة مستورة في الألواح والمناجاة والتّفاسير والرّسالات الّتي فاض بها قلمه، إلى أنّ وعد حضرة الباب قد تحقّق وأنّه هو المختار لتحقيقه، وفطن بعض زملائه الأصحاب الممتازين بنفاذ بصيرتهم وصلتهم الشّخصية به وإخلاصهم لشخصه إلى تألّق المجد المستور الّذي غمر روحه، وودّوا لو باحوا بسرّه وأذاعوه طولاً وعرضًا لولا أنّه كان ينهاهم عن ذلك.


الفصل السّابع

 

نفي حضرة بهاء الله إلى العراق

 

        حدثت محاولة اغتيال ناصر الدّين شاه، كما أسلفنا في فصل سابق، في الثّامن والعشرين من شوّال 1268هـ، الموافق للخامس عشر من آب 1852م.  واعتقل حضرة بهاء الله بعد ذلك مباشرة في نياوران وسيق بصورة مهينة إلى طهران حيث زجّ به في سياه چال ليقضي فيه ما لا يقلّ عن أربعة أشهر، دخلت خلالها سنة التّسع (1269هـ) الّتي تنبّأ بها حضرة الباب بعبارات مشرقة، وأشار إليها الشّيخ أحمد الأحسائي بقوله "بعد حين"، فصبّت في كيان العالم بأسره إمكانيّات لم يكن يحلم بها.  وبعد انقضاء شهرين من تلك السّنة أُطلق سراح حضرة بهاء الله بعد أن تحقّق الهدف المقصود من سجنه، وانطلق بعد شهر آخر إلى بغداد ليخطو أولى خطوات النّفي المؤبّد الّذي انتقل به، على مرّ السّنين والأعوام، إلى أدرنة في القسم الأوروبّي من تركيّا، وانتهى بحبسه في عكّاء أربعة وعشرين عامًا.

 

        أمّا وقد تزوّد أثر ذلك الحلم القويّ بما ينبغي لرسالته الإلهيّة من قوّة وسلطان فإنّ خلاصه من فترة سجن حقّقت غايتها لم يعد أمرًا محتومًا فحسب بل وضرورة ملحّة عاجلة.  ذلك لأنّه لو طالت مدّة هذا السّجن لما استطاع الاضطلاع بمهمّاته الّتي كُلّف بها أخيرًا.  والواقع أنّه لم تعد تعوزه الوسائل الّتي يتمّ بها خلاصة من تلك القيود المعطّلة، فقد تدخّل الأمير دولجوروكي السّفير الرّوسي تدخّلاً حازمًا، ولم يترك بابًا إلاّ طرقه ليقيم الدّليل على براءة حضرة بهاء الله.  هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى اعترف الشّيخ علي التّرشيزي الملقّب بعظيم، اعترافًا علنيًّا في سياه چال أمام حاجب الدّولة وترجمان السّفير الرّوسيّ وممثّل الحكومة باشتراكه في الجريمة، وبراءة


حضرة بهاء الله منها.  ومن ناحية ثالثة شهدت له المحاكم المختصّة شهادة ناصعة.  كما بذل إخوته وأخواته وذوو قرباه جهودهم المتّصلة لإثبات براءته.  كلّ هذه الجهود تضافرت على تخليص حضرة بهاء الله من براثن العدوّ اللّدود، ولا بدّ من الاعتراف بتدخّل عامل خفيّ فاعل آخر، ألا وهو المصير الدّامي الّذي لقيه عدد كبير من زملائه الأصحاب الّذين عانوا معه آلام السّجن.  ولقد روى النّبيل بحقّ: " كانت الدّماء الّتي سُفكت أثناء تلك السّنة العصيبة في طهران من جانب تلك الجماعة الّتي سُجن معها حضرة بهاء الله، فداء لحضرته من يد العدوّ الّذي كان يجاهد في عرقلة مساعيه لبلوغ الهدف الّذي قدّره الله له".

 

        وإزاء هذه الشّهادات الدّامغة على براءة حضرة بهاء الله من الاشتراك في الجريمة لم يجد الصّدر الأعظم مفرًّا من أن يحصل، بعد لأيٍ، على موافقة مولاه على إطلاق سراح السّجين.  وأرسل رسوله الحاج علي إلى سياه چال لكي يبلّغ حضرة بهاء الله النّبأ.  ولكنّ الدّماء غلت في عروق الرّسول غضبًا للمنظر الّذي شهده عند وصوله، ولعن سيّده الّذي عامل رجلاً له هذه المنزلة الرّفيعة وهذه السّمعة الطّاهرة هذه المعاملة المخزية، وبادر بأن خلع عباءته وقدّمها لحضرة بهاء الله راجيًا أن يتستّر بها أمام الوزير ومستشاريه، ولكنّ حضرة بهاء الله رفض ذلك رفضًا باتًّا، وفضّل أن يظهر أمام رجال حكومة الشّاه بملابس السّجن.

 

        وما كاد يدخل عليهم حتّى خاطبه الصّدر الأعظم قائلاً:  "لو أنّك اتّبعت ما نصحتُك به وقطعت صلتك بدين السّيّد الباب لما لحقت بك هذه الآلام والإهانات" فأجابه حضرة بهاء الله قائلاً: "**ولو أنّك اتّبعت ما نصحتُك به لما بلغت أمور المملكة إلى هذا الحدّ من الاضطراب".  فتذكّر ميرزا آقا خان عندئذ الحديث الّذي دار بينهما عندما استشهد حضرة الباب.  فقد أنذره حضرة بهاء الله بأنّ "النّار الّتي اشتعلت سوف تندلع وتنتشر أكثر فأكثر" فسأله الوزير "وبماذا تنصح الآن؟" فأجابه حضرة بهاء الله على الفور "**مُر ولاة


الأمور أن يحقنوا دماء الأبرياء، ويكفّوا أيديهم عن نهب ممتلكاتهم، وهتك أعراض نسائهم، وإيذاء أبنائهم" فعمل الصّدر الأعظم بالنّصيحة في اليوم نفسه، ولكنّ الحوادث التّالية أثبتت أنّ تأثيرها كان وقتيًّا ولا قيمة له.

 

        وقد شاءت الحكمة الإلهيّة المعصومة أن يكون ما تمتّع به حضرة بهاء الله من سلام وهدوء، بعد سجنه المحزن القاسي، قصير الأمد جدًّا.  فما كاد يعود إلى أهله وذوي قرباه حتّى صدر إليه فرمان من ناصر الدّين شاه أن يغادر إيران في ظرف شهر، وتُرك له حريّة اختيار منفاه.

 

        وما كاد السّفير الرّوسي يسمع بفرمان الشّاه حتّى عبّر عن رغبته في أن يشمل حضرة بهاء الله بحماية حكومته، وعرض أن يقدّم كلّ التّسهيلات اللاّزمة لسفره إلى روسيا ولكنّ حضرة بهاء الله رفض هذه الدّعوة التّلقائيّة، وفضّل أن يتّبع وحي فطرته المعصومة، ويقيم في الأراضي التّركيّة بمدينة بغداد.  وبعد سنوات كتب في لوحه إلى قيصر روسيا نيقولاويج([35]) إسكندر الثّاني:  "قد نصرني أحد سفرائك إذ كنت في سجن الطّاء (طهران) تحت السّلاسل والأغلال.  بذلك كتب الله لك مقامًا لم يحط به علم أحد إلاّ هو.  إيّاك أن تبدّل هذا المقام العظيم".  وهذه شهادة من قلمه أشدّ بيانًا:  "**في الأيّام الّتي سجن فيها هذا المظلوم بذل وزير الحكومة الفخيمة [روسيا] أيّده الله تبارك وتعالى قصارى جهده ليخلّصني.  وقد أُذن بإطلاق سراحي عدّة مرات.  إلاّ أنّ بعض علماء المدينة كانوا يحولون دون تنفيذه.  وأخيرًا نجوت بفضل جهود صاحب السّعادة الوزير واهتمامه...  ولقد حماني حضرة الإمبراطور الأعظم أيّده الله تبارك وتعالى لوجه الله وكان من شأن هذه الحماية ازدياد غلّ الجاهلين وبغضائهم".

 

        كان فرمان الشّاه يعني نفي حضرة بهاء الله من البلاد الإيرانيّة فورًا.  فافتتح فصلاً جديدًا مجيدًا في تاريخ القرن البهائيّ الأوّل.  ولو نظرنا إلى هذا


الفرمان في أبعاده الصّحيحة لاعترفنا بابتداء فترة من أعظم الفترات في تاريخ العالم الدّينيّ وأحفلها بالأحداث، وهو يقترن ببداية ولاية لا تقلّ فترتها عن أربعين سنة وهي فترة فريدة لا شبيه لها ولا مثيل في تاريخ البشر الدّينيّ على الإطلاق بفضل قوّتها الخلاّقة وطاقتها المطهّرة وتأثيراتها الشّافية وطريقتها الّتي لا تقهر والّتي عملت فيها القوى الّتي أطلقها لتوجيه العالم وتشكيله، وتشير هذه الفترة إلى الحلقة الأولى من سلسلة النّفي المتكرّر الّذي دام أربعين سنة ولم ينتهِ إلاّ بموت من استهدفه هذا الفرمان الجائر.  أمّا وقد أطلق هذا الفرمان عمليّة متدرّجة من التّطوّر والتّفتّح، بدأت أوّل ما بدأت بإقامة حضرة بهاء الله فترة من الزّمن في معقل الشّيعة الحصين وجعلته يتّصل بأعظم أقطابهم وأشهر أعلامهم اتّصالاً شخصيًّا، ثم جعلته، في مرحلة تالية، يواجه في عاصمة الخلافة [العثمانيّة] رجالات الدّنيا والدّين ورجال الدّولة ومندوبي سلطان تركيّا الّذي كان يُعتبر أقدر قطب في العالم الإسلاميّ قاطبة، وأخيرًا حملته إلى شواطئ الأرض المقدّسة.  فتحقّقت بذلك نبوءات الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد، ونفّذ الميثاق المبرم في الأحاديث الشّريفة المنسوبة إلى رسول الله وخلفائه الأئمّة، وبدأت عودة بني إسرائيل إلى مهد دينهم العتيق، وهو العودة الّتي طال انتظارهم لها.  ويمكن أن يُقال إنّ هذا الفرمان بدأ آخر مرحلة وأخصبها من مراحل حياة حضرة بهاء الله الأربع، فقد تميّزت السّنوات السّبع والعشرون الأولى منها بالتّمتّع البريء بكلّ الامتيازات الّتي وفّرتها الثّروة وشرف المحتد، كما تميّزت بالاهتمام بمصالح الفقراء والمرضى والبؤساء.  تلتها المرحلة الثّانية وقوامها تسع سنوات من التّلمذة النّشيطة المثاليّة على حضرة الباب، والقيام على خدمة أمره، تلاها أخيرًا سجن دام أربعة أشهر وهي المرحلة الثّالثة المليئة بالخطر القاتل والأحزان المريرة، وإن خلّدها على الزّمن ما حدث في أواخرها من الانطلاق المفاجئ لقوى الإلهام الجسيم في هيمنته، الجبّار في تطويره لأعماق النّفس.

 

        إنّ رحيل حضرة بهاء الله الإجباريّ العاجل عن وطنه بصحبة نفر قليل من ذوي قرباه يُعيد إلى الأذهان، من بعض الوجوه، الهجرة العاجلة الّتي


قامت بها العائلة المقدّسة إلى مصر وهجرة محمّد رسول الله المباغتة من مكّة إلى المدينة بعد إعلانه لرسالته الإلهيّة، وخروج موسى وأخيه وأتباعه من مسقط رأسهم تلبيةً للنّداء الإلهيّ، ولكن فوق كلّ شيء يُعيد إلى الذّاكرة نفي إبراهيم من أور الكلدانيّين إلى الأرض الموعودة.  فذلك النّفي الّذي أغدق المواهب الهائلة على كثير من الشّعوب والأمم والأديان يعتبر أقرب مثل تاريخيّ للمواهب المقبلة للجنس البشريّ بأسره كنتيجة مباشرة لنفي من يعتبر ظهوره زهرة الظّهورات المرجوّة وثمرتها المشتهاة.

 

        ذلك ما أكّده حضرة عبد البهاء بعد أن عدّد في "المفاوضات" النّتائج البعيدة الأثر لنفي إبراهيم.  إذ كتب تلك العبارات ذات الدّلالة العظيمة:  "*فإذا كانت هجرة إبراهيم من أور إلى حلب [سوريّا] قد أنتجت هذه النّتائج، فماذا تكون نتائج هجرة حضرة بهاء الله من طهران إلى بغداد ثمّ إلى الآستانة وروميلّي [أدرنة] ومنها إلى الأرض المقدّسة؟".

 

        في غرّة ربيع الثّاني 1269هـ (الموافق 12 كانون الثّاني 1853م) أي بعد تسعة أشهر من عودته من كربلاء رحل حضرة بهاء الله مع بعض أفراد أسرته إلى بغداد يحرسهم ضابط من حرس الشّاه ومندوب من السّفارة الرّوسيّة.  وقد دامت الرّحلة ثلاثة أشهر.  وكانت زوجته نوّاب الطّاهرة الّتي لقّبها ﺒ"الورقة العُليا" من بين من شاطره النّفي، ولقد أظهرت خلال أربعين سنة تقريبًا من التّقوى والثّبات والإخلاص وسموّ الرّوح ما جعلها تفوز من قلم مولاها بذلك الثّناء الفريد الّذي تكشّف بعد صعوده.  فقد جعلها "صاحبة له في كلّ عالم من عوالمه".  كما كان من بين المنفيّين الّذين يودّعون وطنهم الوداع الأخير ابنه البالغ من العمر تسع سنوات.  وهو الّذي لقّب فيما بعد ﺒ"الغصن الأعظم"، والّذي قُدّر له أن يصبح مركز الميثاق والمبيّن المختار لتعاليم والده، وأخته ذات السّبع سنوات وهي الّتي عرفت فيما بعد بنفس لقب أمّها الزّهراء، والّتي ميّزتها خدماتها حتّى بلغت السّادسة والثّمانين، كما ميّزها نسبها المجيد بامتياز جعلها تتبوّأ مكانة بطلة الدّورة البهائيّة البارزة.  كما


صحبه في هذه الرّحلة أخوان: أوّلهما ميرزا موسى المعروف عادة بآقاي كليم، وكان العون القيّم الثّابت وأقدر إخوته وأخواته وأبرزهم، كما كان "ثاني اثنين عليمين بأصول الدّين" حسب شهادة حضرة بهاء الله.  أمّا الأخ الثّاني فكان ميرزا محمّد قلي الأخ غير الشّقيق الّذي ظلّ مخلصًا ثابتًا على الدّين الّذي اعتنقه حتّى النّهاية رغم تقصير بعض ذوي قرباه.

 

        بدأت الرّحلة في أعماق شتاء قارس البرد بصورة غير عاديّة وساقت جماعة المنفيّين الصّغيرة الّتي لم تكن مستعدّة استعدادًا كافيًا إلى جبال إيران الغربيّة المغطّاة بالثّلوج.  وبالرّغم من أنّ الرّحلة كانت طويلة محفوفة بالأهوال والمخاطر إلاّ أنها خلت من الحوادث المهمّة اللّهم إلاّ الحفاوة البالغة الّتي استقبلهم بها حياة قلي خان حاكم كرند حين أقاموا بها إقامة قصيرة.  وكان حاكم كرند من طائفة اﻟ"عَلِيُّ اللّهِيَّة" ولقد أظهر له حضرة بهاء الله مقابل حفاوته من الرّأفة ما كان له أجمل الوقع في نفوس أهل القرية جميعًا. فاستمرّوا يكرّمون الجماعة حتّى بعد مغادرتهم كرند في طريقهم إلى بغداد، الأمر الّذي جعلهم يُعرفون بأنّهم بابيّون.

 

        ولقد فصّل حضرة بهاء الله القول في الأهوال والبلايا الّتي لقيها في سياه چال، والمتاعب الّتي عاناها في تلك "الرّحلة المرهقة" فقال في مناجاة له في ذلك الحين:  "*إلهي وسيّدي ورجائي...  خلقتَ ذرّة التّراب هذه بقدرتك الكاملة وربّيته بأياديك المبسوطة...  قدّرت له يا إلهي من الرّزايا والبلايا ما لا يقدر على وصفه لسان، ولا تسعه صفحات الألواح، إنّ العنق الّذي عوّدتَهُ ملمس الحرير قد قيّدتَهُ آخر الأمر بأغلالٍ غليظةٍ والبدن الّذي نعّمته بلباس الدّمقس والدّيباج أخضعتَهُ في النّهاية لذلّ الحبس، قلّدَني قضاؤك قلائد لا تُحدّ، وطوّقني أطواقًا لا تُفكّ، وانقضت سنون تنهمر عليّ فيها البلايا كشآبيب الرّحمة...  فكم من ليلة حرمتني السّلاسل والأغلال فيها الرّاحة، وكم من يوم عزّتني فيه السّكينة بما اقترفت أيدي النّاس وألسنتهم وحرّموا على هذا العبد حينًا الخبز والماء اللّذين قدّرتهما برحمتك الواسعة لوحش الفلاة


وآذوني بما لم يؤذوا به من أعرض عن أمرك.  وأخيرًا نزل حكم القضاء وصدر الأمر بإخراج هذا العبد من إيران تصحبه جماعة من العباد الضّغفاء والأطفال الأبرياء في ذلك الحين الّذي اشتدّ فيه البرد حتّى لم يستطع الإنسان أن يتكلّم، وكثرت فيه الثّلوج والجليد حتّى لم تعد هناك قدرة على الحركة".

 

        وأخيرًا في الثّامن والعشرين من جمادى الثّانية 1269هـ (الموافق للثّامن من نيسان 1853م) وصل حضرة بهاء الله إلى بغداد عاصمة ولاية العراق التّركيّة.  وبعد أيّام انتقل إلى ضاحية الكاظمين على بعد ثلاثة أميال شمال المدينة.  وهي ضاحية يقطنها الإيرانيّون بصفة خاصة، وفيها مقام الإمامين الكاظمين السّابع والتّاسع من أئمّة الشّيعة.  وبُعيد وصوله زاره ممثل حكومة الشّاه المقيم في بغداد واقترح عليه أن يقيم في بغداد العتيقة نظرًا لكثرة الوافدين على مزار الكاظمين.  وقد حاز هذا الاقتراح قبوله.  وبعد شهر، أي في أواخر رجب، استأجر منزل الحاج مُلاّ علي مدد في حيّ عتيق من أحياء بغداد، وانتقل إليه هو وأسرته.

 

        في هذه المدينة الّتي وصفتها الأحاديث الإسلامية بــ"ظهر الكوفة" ولُقّبت قرونًا عديدة بــ"دار السّلام" وخلّدها حضرة بهاء الله بلقب "مدينة الله"، أقام إلى أن نفي إلى الآستانة إقامة دائمة باستثناء سنتين اعتكف فيهما في جبال كردستان، وباستثناء زياراته الّتي كان يقوم بها بين الحين والآخر للنّجف وكربلاء والكاظمين.  إلى هذه المدينة أشار القرآن الكريم بــ"دار السّلام" الّتي "يدعو" إليها الله، وبقوله:  "لهم دار السّلام عند ربّهم...  يوم يحشرهم جميعًا"، ومنها انطلقت القوّة والمجد والسّناء موجةً بعد موجة، فأخصبت من جديد ذلك الدّين المتهالك من حيث لا يحتسب، وانتشلته من وهدة الغموض والنّسيان.  ومنها فاضت ليل نهار وبقوّة متزايدة أولى فيوضات الظّهور الّذي قُدّر له أن يفوق ظهور حضرة الباب في مداه وقوته الدّافعة وضخامة كتبه وتنوّعها.  وفي أفقها انطلقت أشعة شمس الحقيقة الّتي حجبت مجدها المشرق، لمدّة عشر سنوات طوال، سحب الكراهية والحسد والمقت


والبغضاء.  وفيها ضُربت أوّل مرّة خيمة "ربّ الجنود" الموعود، ووضع أساس ملكوت "الآب" المأمول من قديم الزّمان.  ومنها انطلقت بواكير بشارة رسالة الخلاص الّتي تشير إلى انتهاء "رجسة الخراب" كما تنبّأ دانيال بعد انقضاء "الألف والمائتين والتّسعين يومًا (1290هـ)" إنّ "بيت الله الأعظم" الّذي هو "موطئ قدميه" و"عرش لاستقرار هيكل القِدَم" و"قِبْلَة الأمم" و"مصباح الفلاح بين الأرض والسّماء" و"آية ذكره لمن في السّموات والأرضين" و"علم" ملكه و"المقام الّذي يطوف حوله ملأ عارفون" هذا البيت الّذي تضمّن "طرازه الّذي منه استضاء من في الأكوان" قد تأسّس نهائيًّا بين جدرانه وثبتت قداسته إلى الأبد.  وعليه أُسبغ الشّرف الرّفيع الّذي جعله مركزًا للحجّ لا يسبقه سوى مدينة عكّاء "سجنه الأعظم" وقِبلة أهل البهاء الّتي يقوم بها مقامه الأقدس.  ولقد أسبغ عليها هذا الشّرف الرّفيع للقداسة الّتي جاءتها من أنّها هي "المنظر الأكبر" و"المقر الأطهر".  وفيها مدّت المائدة الإلهيّة وجلس حولها رجال الدّين والدّنيا وأهل السّنّة والشّيعة والأكراد والعرب والإيرانيّون والأمراء والأشراف والفلاّحون والدّراويش، وازداد عددهم من القريب والبعيد.  وتناول كلّ منهم على قدر حاجته واستعداده من هذا القوت الإلهيّ الّذي مكّنهم، على مرّ الزّمان، من أن ينشروا في الخارج أمر المنعم الوهّاب، ويضخّموا صفوف أتباعه، وينشروا آثاره طولاً وعرضًا، ويوسّعوا نطاق الإعجاب به، ويضعوا الأساس الرّاسخ لنظم دينه في المستقبل.  وأخيرًا أمام الطّوائف المختلفة الّتي سكنت فيها بدأت أولى مراحل التّفتّح التّدريجيّ للظّهور الجديد، ودوّنت أولى الفيوضات المنهمرة من قلم صاحبه المُلهَم، وشرّعت أولى مبادئ عقيدته المتبلورة على مهل وفُهمت أولى مكوّنات مقامه الجبّار، وشُنّت من الدّاخل أولى الهجمات الّتي كانت ترمي إلى استئصال شأفة دينه، وسُجّلت أولى انتصاراته على الأعداء الّذين برزوا من بين صفوفه، وبدأت أولى الرّحلات للتّشرّف بمحضره المنير.

 

        والواقع أنّ هذا النّفي المؤبّد الّذي قدّرته العناية الإلهيّة على حامل هذه الرّسالة النّفيسة لم يُظهر، ولم يكن بإمكانه أن يُظهر الإمكانيّات الكامنة فيه


بغتةً أو بسرعة.  بل إنّ العمليّة الّتي تجلّت بها لأعين النّاس بركاته غير المتوقّعة كانت بطيئة بصورة مؤلمة.  وقد تميّزت، كما تميّز تاريخ دينه منذ البداية إلى يومنا هذا، بالأزمات الّتي كانت تهدّد في بعض الأحيان تفتّح هذا الدّين، بل وتهدّد بتقويض كلّ الآمال الّتي ولّدها تقدّمه.

 

        ولقد رانت أزمة من هذه الأزمات على السّنوات الأولى من إقامته بالعراق، أي في المرحلة الافتتاحية لنفيه المؤبّد، فهدّدت، وهي في عنفوان شدّتها، بتمزيق أوصال دينه الجديد، ودكّ أسسه الأولى.  فأسبغت بذلك على هذه السّنوات الأولى دلالة خاصة، وعلى خلاف ما سبق كانت أزمة داخليّة تسبّبت فيها أعمال من كانوا يُعتبرون من زمرة إخوانه الأصحاب وأطماعهم وحماقاتهم.

 

        كان أعداء الدّين الخارجيّون من أهل الدّنيا والدّين مسؤولين بصفة خاصّة عمّا عاناه الدّين من إهانات ونكسات.  ولكنّهم اليوم أُخلدوا إلى الرّاحة والهدوء النّسبيّ، وقلّت لديهم شهوة الانتقام الّتي كانت في يوم من الأيّام ظامئة لا ترتوي.  وذلك نتيجة لسيول الدّماء الّتي فاضت من قبل.  وفضلاً عن ذلك خيّم شعور يشبه الإنهاك واليأس على بعض الأعداء الألدّاء الّذين كانوا من الفطنة بحيث أدركوا أنّ جوهر الدّين ظلّ سليمًا، وأنّ روحه لم يمت رغم أنه ترنّح تحت الضّربات الوجيعة الّتي كالوها له.  أضف إلى ذلك أنّ الأوامر الّتي أصدرها الصّدر الأعظم لحكّام المقاطعات كان لها أثرها لدى السّلطات المحلّيّة فانصرفت عن صبّ جام غضبها على رأس عدوّها البغيض وأقلعت عن الإسراف في القسوة.

 

        كان من نتيجة ذلك أن هدأت الحال نسبيًّا لفترة وجيزة، قطعتها في مرحلة متأخّرة موجة أخرى من الاضطهاد تعاون فيها سلطان تركيّا ووزراؤه والمحافل السّنّية من جهة والشّاه ورجال الشّيعة في إيران والعراق من جهة أخرى في محاولة للقضاء على الدّين وكلّ ما يرمز له قضاءً تامًّا وفي أثناء هذا الهدوء النّسبيّ أخذت بوادر الأزمة الدّاخلية الّتي أشرنا إليها تظهر وتتّضح.


وبالرّغم من أنها بدت لأعين النّاس قليلة الأهمّيّة إلاّ أنّها أثبتت، وهي تسرع إلى ذروتها، أنّها فريدة في خطورتها وجسامتها ذلك لأنّها قلّلت من القوّة العدديّة للجامعة النّاشئة، وهدّدت وحدتها، وآذت هيبتها ونالت من كرامتها، ولطّخت مجدها فترة ليست بالقصيرة.

 

        أخذت هذه الأزمة تغلي بعد استشهاد حضرة الباب مباشرة، واستحكمت خلال الأشهر الّتي انسحبت فيها يد حضرة بهاء الله المشرفة نتيجة لسجنه في سياه چال بطهران، ثم تفاقم خطبها على أثر نفيه العاجل من إيران، وأخذت ملامحها المزعجة تبرز أثناء السّنوات الأولى من إقامته في بغداد، واستجمعت قواها المدمّرة أثناء اعتكافه بجبال كردستان سنتين كاملتين.  وبالرّغم من أنّها هدأت بعض الوقت بعد عودته من السّليمانيّة، بفضل التّأثيرات الرّفيعة الّتي ظهرت تمهيدًا لإعلان رسالته، إلاّ أنّها انفجرت فيما بعد بقوّة أعظم، وبلغ خطرها غايته القصوى في أدرنة.  غير أنّ القوى القهّارة الّتي انطلقت بإعلان تلك الرّسالة للجنس البشريّ كافّة كالت لها الضّربة القاضية.

 

        كان قطبها ميرزا يحيى الجبان الغرّير وهو من كان قد رشّحه حضرة الباب ليخلفه والّذي أشرنا إلى بعض خصاله في الصّفحات السّابقة.  وكان الوغد الأسود القلب الّذي غرّر بذلك الرّجل الرّخو المختال وسيطر عليه بمهارة فائقة وإصرار شديد رجلٌ يدعى السّيّد محمّد من أهالي إصفهان اشتهر بالطّموح الشّديد والعناد الأعمى والحسد الأكّال.  وإليه أشار حضرة بهاء الله فيما بعد في الكتاب الأقدس بأنّه هو الّذي أغوى ميرزا يحيى، ووصفه في أحد ألواحه بأنّه "**جوهر الفتنة ورأس الحسد".  أمّا حضرة عبد البهاء فقد وصف صلة الرّجلين بأنّها صلة "*الرّضيع بثدي أمّه المحبوب".  اضطرّ هذا الرّجل إلى ترك الدّراسة بالمدرسة الصّدريّة بإصفهان فغادرها نادمًا خجلاً، إلى كربلاء، وهناك التحق بصفوف أتباع حضرة الباب، ولكنّه أظهر بعد استشهاده من علامات التّذبذب ما فضح سطحيّة إيمانه وكشف عن ضعف


عقيدته.  وكانت زيارة حضرة بهاء الله الأولى لكربلاء وما لقيه من احترام وتقدير سافر، وما أظهره له بعض الممتازين من أصحاب السّيد كاظم وتلاميذه السّابقين من محبّة وإعجاب سببًا في إثارة الحسد والبغضاء في صدر هذا المتآمر الأهوج.  ولم يكن صبر حضرة بهاء الله عليه واحتماله إيّاه يزيده إلاّ تماديًا.  أمّا أعوانه الضّالّون وأدواته الطّيعة الّتي استخدمها لتنفيذ خططه الشّيطانيّة فكانوا عددًا غير قليل من البابيّين الّذين أصبحوا عرضة، وهم حائرون خائبون لا قائد لهم، لأن ينخدعوا به ويمضوا معه في طريق يناقض معتقدات قائدهم الرّاحل ونصائحه على خطّ مستقيم.

 

        والواقع أن فلول تلك الجامعة المقهورة المغلوبة غرقت في بحار اليأس القاتل الّذي بلبل أفكارهم وأضعف روحهم وزعزع إيمانهم وولاءهم، ذلك لأنّ حضرة الباب لم يعد بينهم، ونائبه يلتمس المهرب الأمين في جبال مازندران أو يتخفّى في ملابس الدّراويش تارةً وملابس الأعراب تارةً أخرى، ويهيم من بلد إلى آخر، وحضرة بهاء الله يُزجّ به في غياهب السّجن ثم يُنفى من وطنه، وزهرة الدّين تذبل وتذوي في ساحات المذابح الّتي بدت بلا نهاية، فلا عجب، وقد بلغت بهم الحال هذا المبلغ، إن لم يعودوا يعتمدون على ذي سلطان ونفوذ يبدّد تشاؤمهم أو يحلّ مشاكلهم أو يعيّن لهم واجباتهم والتزاماتهم.

 

        وقد لخّص النّبيل مشاعره نحو الحال السّائدة أثناء رحلته الّتي قام بها آنذاك في إقليم خراسان مشهد الانتصارات الأولى الباهرة الّتي أحرزها الدّين المشرق، فكتب في تاريخه يقول:  "أوشكت نار الله أن تخمد في كلّ مكان، ولم أستطع أن ألمح أيّ أثر للحرارة في أيّ موضع" أمّا في قزوين فقد انقسمت البقيّة الباقية من الجامعة إلى أربع شيع متناحرة تفتك بها الخرافات والخزعبلات.  ولمّا جاء حضرة بهاء الله إلى بغداد، الّتي رأت الشّواهد المشرقة على همّة الطّاهرة العظيمة، لم يجد من بين مواطنيه المقيمين بها إلا بابيًّا واحدًا.  ولم يكن بالكاظمين الّتي يسكنها الإيرانيّون بصفة خاصة، إلا


حفنة من بني وطنه يقرّون بإيمانهم بحضرة الباب في خوف وغموض.

 

        نعم، لقد تدهورت خلقيّة هذه الجامعة المضعضعة تدهورًا كبيرًا، وقلّ عددهم بصورة محزنة.  ولقد بلغ بهم "العناد والحمق" مبلغًا جعل حضرة بهاء الله يصمّم بعد خروجه من السّجن على "*القيام بكمال الهمّة على تهذيب هؤلاء النّفوس".

 

        وعلى حين تدهورت خلقيّة أتباع حضرة الباب الخلّص وتضاعفت الشّواهد على البلبلة الّتي أصابتهم، كان المفسدون يتربّصون هادفين إلى الاستفادة من سوء الأوضاع لمصلحتهم الشّخصيّة.  فازدادوا جرأة على جرأة، أمّا ميرزا يحيى الّذي ادّعى أنّه خليفة الباب واغترّ بألقابه الرّنانة كـ"المرآة الأزليّة"، و"صبح الأزل" و"اسم الأزل"، وغرّرت به مكائد السّيّد محمّد الّذي ارتفع به إلى مقام أوّل "شهود" البيان، فقد أخذ يسلك سلوكًا يحطّ من هيبة الدّين بصورة مباشرة، ويُعرّض أمنه في المستقبل للأخطار بشكلٍ خطير.

 

        أمّا الأوّل [ميرزا يحيى] فقد صدمه استشهاد حضرة الباب صدمة أطارت صوابه وزعزعت إيمانه، وأحذ يهيم على وجهه فترة من الزّمن في جبال مازندران متخفيًّا في ملابس الدّراويش، وعرّض إيمان رفاقه المؤمنين من أهل نور –الّذين اعتنقوا الدّين بهمّة حضرة بهاء الله– لامتحانات بلغ من شدّتها أن تزعزت عقيدة بعضهم، كما تمادى بعضهم الآخر إلى حدّ الانضمام إلى صفوف العدوّ.  ثم تقدّم إلى رشت، واختفى في إقليم جيلان إلى أن رحل إلى كرمانشاه حيث عمل عند صانع أكفان يدعى عبد الله القزويني مبالغة منه في التّستّر، وأصبح بائعًا لبضاعة هذا الصّانع.  وحين مرّ حضرة بهاء الله بهذه المدينة في طريقه إلى بغداد أبدى ميرزا يحيى رغبته في أن يعيش قريبًا منه، ولكن في منزل ينفرد فيه ليمارس شيئًا من التّجارة سرًّا.  ونجح في أن يحصل منه على مبلغ من المال اشترى به عدّة بالات من القطن.  وقصد بغداد في زيّ الأعراب عن طريق مندلي.  فلمّا بلغها أقام في شارع الفحّامين الواقع في أحد الأحياء الخربة، وأخذ يمارس مهنته الجديدة، ولبس عمامة وأطلق على نفسه


اسم الحاج علي لاس فروش.  وفي تلك الأثناء أقام السّيّد محمّد في كربلاء، وانهمك مع ميرزا يحيى في إشعال نار الفتن وإزعاج المنفيّين ومن التفّ حولهم.

 

        فلا عجب أن فاضت من قلم حضرة بهاء الله، الّذي لم يكن قادرًا حتّى ذلك الحين على أن يبوح بما يتلجلج في صدره، هذه الكلمات المحذّرة من ناحية والمطمئنة من ناحية أخرى في وقت أخذت فيه الظّلال تتكاثف من حول قال:  "*أقبلت أيّام الامتحان وتلاطمت بحار الافتتان بما عاث أعلام الشّكّ فسادًا في كلّ مكان، وقادوا النّاس إلى الضّلال المبين...  فإيّاكم أن يبذر نعيق جنود النّفي بذور الشّكّ بينكم.  وإيّاكم أن تغفلوا عن الحقّ المبين.  فلقد حدث هذا النّزاع في كلّ دورة إلاّ أنّ الله سوف يقيم دينه ويتمّ نوره ولو كره المضلّلون...  ترقّبوا أمر الله في كلّ يوم...  كلٌّ أسرى قبضته فأنّى يؤفكون.  لا تحسبوا أمر الله شيئًا يُرضي به كلّ امرئ نزواته.  ولقد ادّعى بعض النّاس هذه الدّعوى الآن في أماكن مختلفة.  ولقد آن الأوان ليهلك كلّ واحد من هؤلاء، لا بل ليصبح غير مذكور كالتّراب".

 

          في هذه الظروف العصيبة مال حضرة بهاء الله إلى أن يختصّ ميرزا آقا جان "أوّل المؤمنين" به والملقّب فيما بعد بـ"خادم الله"، برشح من مجد مقامه الّذي لم ينكشف لأحد بعد.  وكان ميرزا آقا جان شابًّا بابيًّا مخلصًا، هاجر من كاشان بعد أن رأى حضرة الباب في منامه، وبعد أن قرأ بعض آثار حضرة بهاء الله، وسافر إلى العراق آملاً في أن يفوز بمحضره ومنذ ذلك الحين واظب على خدمته أربعين سنة.  وكان يؤدّي ثلاث خدمات: كتابة الوحي والمرافقة والخدمة.  وقد روى ميرزا آقا جان للنّبيل بعد أن أدرك محضر حضرة بهاء الله بقليل ما وقع له في محضر محبوبه الّذي كان ضيفًا على الحاج ميرزا حسن حكيم باشي بكربلاء.  وكانت أوّل ليلة لحضرته بكربلاء، ليلة لا تنسى قال: "كنّا في الصّيف.  وكان من عادة حضرة بهاء الله أن يقضي الأمسيات وينام على سطح المنزل...  وحين أوى إلى فراشه في


تلك اللّيلة استلقيت غير بعيد عنه لآخذ قسطًا من الرّاحة تنفيذًا لأمره.  وما كدت أقوم...  لأصلّي في إحدى زوايا السّطح حتّى رأيت هيكله المبارك ينهض من فراشه ويقبل نحوي.  فلما بلغني قال  (**أأنت الآخر يقظان؟) ثم أخذ يذرع السّطح جيئة وذهابًا وهو يرتّل المناجاة.  كيف أصف لك حلاوة الصّوت والمناجاة! كان كلّما خطا خطوة أو رتّل آية تراءت لي آلاف من بحار الأنوار تتلاطم، وتكشّفت لعيني آلاف من العوالم البهيّة تتلألأ وأشرقت عليّ آلاف من الشّموس.  وأخذ يتمشّى ويرتّل المناجاة في ضوء القمر.  وكلّما اقترب منّي توقّف وقال بنبرة تجلّ عن وصف كلّ واصف: (**اسمع يا ولدي!  قسمًا بالله الحقّ الأحد! ليرتفعنّ هذا الأمر.  فلا تسمع للغو أهل البيان الّذين يحرّفون معنى كلّ كلمة) وأخذ يتمشّى ويرتّل ويخاطبني بهذه العبارة حتّى لاحت تباشير الفجر...  فأنزلت فراشه إلى غرفته.  ولمّا انتهيت من إعداد الشّاي صرفني من محضره".

 

        هذه الثّقة الّتي اكتسبها ميرزا آقا جان عن طريق اتّصاله المباشر المفاجئ بروح الظّهور الجديد وعبقريّته الموجّهة حرّكت روحه من الأعماق، وهو الرّوح الّذي اشتعل من قبل بالمحبّة الفائقة الّتي ولّدها إدراكه لتفوّق مولاه الجديد على كلّ زملائه الأصحاب في العراق وإيران.  وسرعان ما فطن ميرزا يحيى وشريكه المتآمر السّيّد محمّد إلى هذا الحبّ الّذي غلّف كيانه كلّه، والّذي لم يكن في الإمكان أن يُكبت أو يُحتجب.  أضِف إلى ذلك أنّ الظّروف الّتي لابست نزول لوح "كلّ الطّعام" –أثناء هذه الفترة– زادت الحال المتأزّمة سوءًا على سوء.  فقد رغب الحاج ميرزا كمال الدّين النّراقي البابيّ الممتاز في مكانته وثقافته إلى ميرزا يحيى أن يفسّر له الآية القرآنية "كلّ الطّعام كان حلاًّ لبني إسرائيل" فقبل ميرزا يحيى على مضض.  وكتب تفسيرًا سطحيًّا عاجزًا أساء الحاج ميرزا كمال الدّين وأفقده الثّقة في صاحبه.  ثمّ اتجه إلى حضرة بهاء الله وكرّر طلبه فشُرّف بلوح طابق فيه حضرة بهاء الله بين إسرائيل وبنيه وبين حضرة الباب وأتباعه.  فسُرّ سرورًا بالغًا بلطف إشاراته وجمال عباراته وتساند بحثه واستدلالاته.  ولولا وقوف حضرة بهاء الله في وجهه


لأعلن للملأ آنذاك أنّ صاحبه هو سرّ الله المكنون.

 

        وإلى تلك الشّواهد الدّالة على الإجلال المتزايد لحضرة بهاء الله، والتّعلّق الشّديد بشخصه أضيفت أسباب أخرى لثوران الحزازات المكبوتة الّتي ملأت بها هيبته الرّفيعة صدور حسّاده وأعدائه، من ذلك اتّساع دائرة معارفه والمعجبين به بصورة مطّردة، والصّلات الودّيّة الّتي قامت بينه وبين رجال الدّولة بمن فيهم حاكم المدينة، والإجلال التّلقائيّ الّذي أبداه نحوه أكثر من مرّة رجال كانوا من أنبغ أصحاب السّيّد كاظم [الرّشتي]، والاستياء الشّديد الّذي ولّده تستّر ميرزا يحيى، وتواتر الرّوايات الأكيدة حول خلقه وكفاءته، والأمارات الدّالّة على ازدياد استقلال حضرة بهاء الله وحكمته الفطريّة وهيمنته الكامنة وقدرته على الزّعامة.  وقد تضافر كلّ ذلك على توسيع شقّة الخلاف والجفاء الّتي جاهد السّيّد محمّد اللّئيم الماكر في إيجادها وإحداثها.

 

        ولم يعد من العسير على العين أن تلمح مقاومة خفيّة غايتها شلّ كلّ مجهود يبذله حضرة بهاء الله، أو أيّ تدبير يدبّره حتّى يستردّ للجامعة البائسة هيبتها وحقوقها المسلوبة، وتفشّت بينها تلميحات وتلويحات هدفها بذر الشّكوك والظّنون، وإظهار حضرة بهاء الله بمظهر المغتصب الهادم لشريعة حضرة الباب ودينه.  واخذت آثاره وشروحه وتفاسيره ومناجاته تتعرّض للغمز واللّمز والنّقد والتّجريح المستور وإساءة الفهم.  بل لقد بلغ الأمر أن دُبّرت محاولة للاعتداء على حياته لولا أنّها فشلت.

 

        والآن طفحت كأس حضرة بهاء الله بالأحزان، ولم تفد كلّ الجهود الّتي بذلها لإنقاذ الحال من التّدهور والانحلال.  ولقد تضاعفت آلامه بشكل ملحوظ حتّى أنّ آثاره في هذه الفترة الكئيبة تلقي ضوءًا ساطعًا على الحزن الّذي ملأه والخطورة الّتي آلت إليها الأمور.  قال في بعض مناجاته إنّ "الشّدائد بكلّها أحاطتني...  والأعداء بأجمعها أرادتني...  والهموم بأعظمها أخذتني" وأشهد الله على أحزانه وآلامه وعلى عجزه وفقره والذّلّة الّتي مسّته.  وفي لوح آخر أقسم أن "**عبراتي منعتني عن ذكر محامدك ونعوتك" وقال


في فقرة أخرى "**ارتفع ضجيجي على شأن ذهلت كلّ ثاكلة عمّا أحزنها وأبكاها".  وقال في لوح مريم:  "*محا ما لحقني من ظلم ما  لحق اسمي الأوّل [حضرة الباب] من لوح الوجود...  يا مريم إنّا وردنا عراق العرب من أرض الطّاء [طهران] بعد بلاءٍ لا يعدّ ولا يحصى.  وابتلينا بغلّ الأحبّاء من بعد غلّ الأعداء وبعده الله يعلم ما ورد عليَ".  وقال مرّة أخرى: "** لقد تحمّلت من البلايا والرّزايا ما لا يقدر عليه أحد".  وفي لوح "كلّ الطّعام" شهد بأنّه "تموّجت عليّ أبحر الحزن الّتي لن يقدر أحد أن يشرب قطرة منها.  وحزنت بشأن تكاد الرّوح أن تفارق من جسمي".  وفي اللّوح نفسه وصف حاله بقوله:  "أن يا كمال! اسمع نداء تلك النّملة الذّليلة المطرودة الّتي خفي في وكره ويريد أن يخرج من بينكم ويغيب عنكم بما اكتسبت أيدي النّاس وكان الله شهيدًا بيني وبين عباده".  وقال مرّة أخرى " "فآه آه!...  لنسيت كلّ ما شهدتُ من أوّل يوم الّذي شربتُ لبن المصفّى من ثدي أمّي إلى حينئذ بما اكتسبت أيدي النّاس".  وأرخى العنان لقلبه الحزين الموجع في القصيدة الورقائيّة، الّتي كتبها أثناء اعتكافه بجبال كردستان تمجيدًا للحوريّة الّتي ترمز لروح الله والّتي هبطت عليه آنذاك، فقال:

 

        فطوفان نوح عند نوحي كأدمعي                             وإيقاد نيران الخليل كلوعتي

        وحزنــــي مــا يعقـــــوب بــثّ أقلّـــــــــــــــــه                      وكلّ بِلى أيوب بعـض بليّتي([36])

 

        وفي إحدى مناجاته قال: أي ربّ فأفرغ عليّ صبرًا فانصرني على القوم الفاسقين" وفي كتاب الإيقان وصف شدّة الحسد الّذي أخذ يكشّر عن أنيابه آنذاك فقال:  "*وبالرّغم من أنّ رائحة الحسد تهبّ في هذه الأيّام...  إلاّ أنّه منذ أوّل تأسيس هذا العالم...  إلى يومنا هذا لم يظهر ولن يظهر مثل هذا الغلّ والحسد والبغضاء".  وفي لوح آخر قال: "**انقطعتُ عمّا سوى


الله عامين أو نحوهما.  وأغمضتُ عيني إلاّ عنه لعلّ تخمد نار البغضاء وتقلّ حرارة الحسد".

 

        ولقد شهد ميرزا آقا جان بأنّ "الجمال المبارك أظهر من الحزن ما ارتجفت له أطرافي" وروى أيضًا ما نقله النّبيل في تاريخه من أنّه رأى حضرة بهاء الله قبيل اعتكافه يخرج من بيته فجأة بين الفجر والشّروق وعلى رأسه قلنسوة النّوم، وعلى وجهه علائم غضب لم يرَ آقا جان مثلها من قبل، وقال في غضب وهو يمشي: "** هؤلاء هم الّذين عبدوا الأصنام وسجدوا للعجل منذ ثلاثة آلاف سنة، وهم اليوم لا يصلحون لأفضل من هذا.  أيّة علاقة يمكن أن تقوم بينهم وبين وجه ذي الجلال؟!  وأيّ صلة يمكن أن تربطهم بالمثل الأعلى لكلّ ما هو محبوب".  قال ميرزا آقا جان: "وقفت جامدًا بلا حراك كالشّجرة الميتة، وكدت أصعق من وقع كلماته الشّديدة.  ثم قال حضرته أخيرًا: "مُرهم أن يتلوا قوله (هل من مفرج غير الله؟ قل سبحان الله! هو الله.  كلّ عباد له وكلّ بأمره قائمون).  مُرهم أن يقولوها خمسمائة مرّة بل ألف مرّة آناء الله وأطراف النّهار في اليقظة والمنام.  لعلّ وجه ذي الجلال يتجلّى لعيونهم، وتتنزّل عليهم رشحات من النّور".  وبلغني فيما بعد أنّه تلا هذا الدّعاء والحزن مرتسم على وجهه...  وكثيرًا ما كان يقـــول في تلك الأيّام:  (أقمنا زمانًا بين هؤلاء القوم ولم نجد منهم أيّ استجابة ولو طفيفة).  وكثيرًا ما كان يشير إلى تغيّبه عنّا، إلاّ أنّ أحدًا منا لم يكن يفهم مقصده".

 

        وأخيرًا فطن حضرة بهاء الله إلى الأمور الّتي ستقع، حسب قوله في كتاب الإيقان، فقرّر أن يعتكف قبل حدوثها.  وقد أكّد في الكتاب نفسه أنّه "*لم يكن لي من قصد إلاّ أن لا أكون محلاًّ لاختلاف الأحباب أو مصدرًا لتقلّب الأصحاب أو سببًا لضرّ أحد أو علّة لحزن قلب".  وفي نفس الفقرة أكّد بقوّة أنّه "*لم يكن في فكري رجوع بعد المهاجرة، ولا رجاء في العودة بعد المسافرة".

 

        وفجأة ودون أن يخطر أحدًا حتّى من أهل بيته، رحل في الثّاني عشر


من رجب 1270ﻫ الموافق للعاشر من نيسان 1854م يصحبه خادم مسلم يدعى أبو القاسم الهمداني أعطاه  مبلغًا من المال وأوصاه أن يتّجر فيه لنفسه إلاّ أنّ اللّصوص هاجموا الخادم وقتلوه فيما بعد.  وبقي حضرة بهاء الله وحيدًا فريدًا في فيافي كردستان.  وهو إقليم عُرف أهله الأشّداء ذوو البأس بعدائهم التّقليديّ للإيرانيّين لأنّهم يعتبرونهم مارقين عن الإسلام، فضلاً عن اختلافهم عنهم في المظهر والعرق واللّغة.

 

        هام حضرة بهاء الله في الفيافي والقفار، وارتدى خرقة الزّهّاد السّالكين الخشنة مكتفيًا بكشكول وغيار واحد من الملابس.  وتسمّى باسم "الدّرويش محمّد" وأوى فترة من الزّمن إلى جبل سرﮔـلو، وهو جبل بعيد عن العمران حتّى أنّ الفلاّحين في هذه النّواحي لم يكونوا يزورونه إلاّ مرّتين في السّنة وقت البذر ووقت الحصاد.  واعتكف على قمة هذا الجبل وحيدًا فريدًا في مسكن خشن صنع من الحجارة كان الفلاّحون يلوذون به إذا اكفهرّ الجوّ.  وفي بعض الأحيان كان يأوي إلى كهف كثيرًا ما أشار إليه في ألواحه إلى الشّيخ عبد الرّحمن الشّهير وألواحه إلى مريم إحدى قريباته.  وفي لوحه إلى مريم يصف وحدته القاسية المريرة: "*اخترت الهجرة وحيدًا فريدًا، وهمت على وجهي في الفيافي على شأن ناح الكلّ على غربتي، ونزفت كلّ الأشياء دمًا على كربتي.  آنست طيور الصّحراء وجالست وحوش العراء".  ويشير في كتاب الإيقان إلى تلك الأيّام فيقول: "*جرت العبرات من عيوني كالعيون، وسالت بحور الدّم من قلبي.  فكم من ليالٍ لم أجد قوتًا، وكم من أيّام لم أجد للجسد راحة...  كنت مشغولاً بنفسي نابذًا ورائي العالم وما فيه".

 

        وفي كلّ الابتهالات الّتي أنزلها وهو غريق في تعبّده وتبتّله أيّام اعتكافه، وفي كلّ الأدعية والمناجاة الّتي تدفّقت من روحه الحزين نثرًا وشعرًا بالفارسيّة والعربيّة، وفي كلّ ما كان يرتّله لنفسه في الأسحار وسبحات الله مجّد أسماء خالقه الحسنى، وأثنى على أسرار ظهوره ومجدها، وتغنّى بالحوريّة الّتي ترمز إلى روح الله المتجلّي عليه، وتأمّل وحدته وانقطاعه


وشدائده الماضية والقادمة، وأسهب القول في ضلال جيله وخيانة أصحابه والتواء أعدائه، وجدّد عزمه على النّهوض بل وبذل النّفس إذا اقتضى الأمر، لتوطيد دعائم أمره، ونبّه على الشّروط اللاّزمة لكلّ باحث عن الحقيقة.  وفي تفطّنه إلى مصيره استعاد إلى الأذهان مأساة الإمام الحسين في كربلاء وحال حضرة محمّد في مكّة، وعذاب السّيد المسيح على يد اليهود، ومحنة حضرة موسى على يد فرعون وآله، وكرب حضرة يوسف في الجبّ الّذي ألقاه فيه إخوته الخونة.  كانت هذه هي الفيوضات الأولى الملتهبة لروح كانت تجاهد في أن تضع حملها في عزلة نفيه الاختياريّ (وممّا يؤسف له أن الأجيال القادمة حرمت الكثير منها).  ويمكن أن تعتبر هي ولوح "كلّ الطّعام" وقصيدة "رشح العماء" النّازلة في طهران بواكير القلم الأعلى، والبشير السّاعي بين يدي كتاب الإيقان والكلمات المكنونة والوديان السّبعة، وهي الكتب الخالدة الّتي زادت من خصوبة آثاره في السّنوات الّتي سبقت إعلان ظهوره في بغداد، ومهّدت الطّريق، أثناء إعلانه التّاريخيّ، لازدهار عبقريّته الإلهيّة المطرّزة بطراز الألواح القويّة الصّادرة إلى الملوك وحكّام الجنس البشريّ، ثمّ يسّرت لظهوره أن يؤتي أكله آخر الأمر بنزول شرائع دورته وأحكامها في السّجن الأعظم بعكّاء.

 

        ظلّ حضرة بهاء الله معتكفًا على ذلك الجبل حتّى سعى إليه شيخ يقيم بالسّليمانية وله بعض الممتلكات في تلك النّواحي، وقد دفع الشّيخ إلى هذه الزّيارة رؤيا رأى فيها محمّدًا رسول الله يوجّهه إليه.  وبعد هذه الزّيارة بقليل، زاره الشّيخ إسماعيل قطب الطّريقة الخالديّة في السّليمانيّة، وبعد إلحاح شديد من جانب الشّيخ إسماعيل قبل حضرة بهاء الله أن يقيم في المدينة.  وفي تلك الأثناء عرف أصحابه في بغداد مقرّه، فأرسلوا إليه الشّيخ سلطان حما آقاي كليم يلتمس منه أن يعود.  ووصل رسولهم إلى السّليمانيّة بينما كان حضرة بهاء الله مقيمًا في إحدى خلوات تكيّة مولانا خالد.  وروى الشّيخ سلطان للنّبيل: "وجدت مخالطيه ومعاشريه، من أستاذهم إلى أصغر المريدين، متعلّقين بحضرة بهاء الله، هائمين بحبّه، شغوفين بمحضره فلا يمكنهم الصّبر


على مفارقته ولا احتمال البعد عنه.  وكنت على يقين من أنّني لو أخبرتهم بما جئت من أجله لما تردّدوا في قتلي".

 

        ويروي الشّيخ سلطان أنّ الشّيخ عثمان شيخ الطّريقة النّقشبنديّة وقطبها، والشّيخ عبد الرّحمن شيخ الطّريقة القادريّة وقطبها، والشّيخ إسماعيل شيخ الطّريقة الخالديّة وقطبها اتّصلوا بحضرة بهاء الله بعد وصوله إلى كردستان بقليل فأسر قلوبهم وتفوّق عليهم تفوّقًا كاملاً، أمّا أوّل هؤلاء وهو [الشّيخ عثمان] فكان سلطان تركيّا وحاشيته من جملة أتباعه.  أمّا الثّاني [الشّيخ عبد الرّحمن] فكان يسيطر بسلطان على ما لا يقلّ عن مئة ألف من الأتباع المخلصين، وهو الّذي نزل لوح "الوديان الأربعة" فيما بعد إجابة عن سؤاله.  بينما كان الثّالث [الشيخ إسماعيل] يقع في نفوس مريديه موقع الشّيخ خالد مؤسّس الطّريقة.

 

        وحينما وصل حضرة بهاء الله إلى السّليمانيّة لم يحسب أحد أنّه على شيء من العلم أو الحكمة نظرًا لما التزمه في بادئ الأمر من الصّمت الشّديد وما توخّاه من التّحفّظ البالغ.  وحدث أنّ أحد التّلاميذ الّذين يقومون على خدمته أطلع أساتذة تلك التّكيّة ومريديها على شيء من كتابته البارعة.  فأثار ذلك الفضول عند أساتذة تلك التّكيّة ومريديها، وعمدوا إلى التّقرّب إليه واختبار درجة علمه ومدى معرفته بتلك العلوم المتداولة بينهم.  وكان هذا المركز العلميّ مشهورًا بأوقافه الشّاسعة، وتكاياه العديدة، وصلته بصلاح الدّين الأيوبي وسلالته.  وفيه تخرّج كثير من نوابغ أهل السّنّة ونشروا علومهم وأفكارهم.  فزار حضرة بهاء الله وفد منه يرأسه الشّيخ إسماعيل، ويتألّف من أفقه العلماء وأنبغ الطّلاب، ولمّا وجدوه على استعداد للإجابة عن أيّ سؤال لهم طلبوا إليه أن يوضّح لهم، في عدة جلسات، الفقرات الغامضة من كتاب الفتوحات المكّيّة لمحيي الدّين ابن عربي الشّهير.  فكان جواب حضرة بهاء الله للوفد المثقّف "**يشهد الله أنّني لم أرَ قط الكتاب الّذي تذكرونه، إلاّ أنّني أعتبر ما تريدونه منّي أمرًا يسهل تحقيقه بقوّة الله" فأمر أحدهم أن يقرأ


عليه كلّ يوم صفحة من ذلك الكتاب.  فوضّح غوامضه وحلّ معضلاته بما أغرقهم في الإعجاب.  ولم يقنع بهذا بل زاد عليه بأن بيّن لهم عقليّة مؤلّفه، وفصّل لهم مذهبه، وأماط اللّثام عن غايته وكان في بعض الأحيان يذهب إلى أبعد من هذا وذاك فيناقش صحّة بعض الآراء الواردة في الكتاب، ويقدّم لهم عرضًا صحيحًا للقضايا الّتي أسيء فهمها، ويدعم هذا العرض بالشّواهد الدّامغة والبراهين المقنعة.

 

        دهشوا لنفاذ بصيرته وعمق فهمه، فاختاروا شيئًا اعتبروه دليلاً أخيرًا وحاسمًا على قدرته الفذّة وعرفانه الفريد الّذي تجلّى لهم الآن بوضوح.  فقالوا وهم يبتغون المزيد من فضله: "لم يستطع أيّ متصوف ولا حكيم ولا عالم أن يعارض تائيّة ابن الفارض الكبرى حتّى الآن.  وإنّا لنرجو أن تنظم لنا قصيدة من نفس الوزن والقافية".  فاستجاب لهم حضرة بهاء الله وأملى عليهم ما لا يقلّ عن ألفي بيت من نفس الوزن والقافية.  ثم انتخب منها مائة وسبعة وعشرين بيتًا أذن لهم في حفظها.  أمّا بقيّة الأبيات فقد اعتبرها سابقة لأوانها ولا تتّفق مع احتياجات أهل العصر.  وهذه الأبيات المائة والسّبعة والعشرون، المعروفة بـ"القصيدة الورقائيّة" مألوفة لدى أتباعه النّاطقين بالعربيّة وهي منتشرة بينهم انتشارًا واسعًا.

 

        وقد بلغ إعابهم بهذا الدّليل على حكمة حضرة بهاء الله وعبقريّته أنّهم اجمعوا على أنّ لكلّ بيت من القصيدة قوّة وجمالاً يفوقان كلّ ما احتوته قصيدتا ذلك الشّاعر العظيم الصّغرى والكبرى معًا.

 

        إنّ هذه القصّة الّتي كانت أبرز الحوادث الّتي وقعت خلال سنتي غياب حضرة بهاء الله عن بغداد، أثارت لدى عدد متزايد من العلماء والفقهاء والمشايخ والأقطاب والأمراء الّذين احتشدوا في مدارس السّليمانيّة وكركوك الفقهيّة اهتمامًا عظيمًا، فأخذوا يتتبّعون نشاطه يومًا بيوم.  ففتح لهم آفاقًا جديدة بالكثير من أحاديثه وألواحه، وحلّ لهم المشكلات الّتي كانت تؤرّقهم، وكشف لهم عمّا لم يفطنوا إليه من المعاني الخفيّة الغامضة في كتابات


المفسرين والشّعراء وأهل الكلام، وأزال الخلاف الظّاهري بين مطالب الكثير من الأبحاث والقصائد والمقالات.  ولقد بلغ من إجلالهم له أن اعتبره بعضهم من "رجال الغيب"، و"قطب الكون" بينما ظنّ قوم آخرون أنّه بارع في علوم الكيمياء والتّنجيم، وذهب عدد لا يستهان به من المعجبين إلى أنّ مقامه لا يقلّ عن مقام الأنبياء بحال من الأحوال.  ومهما يكن من أمر، فقد أجمع على إجلاله كلّ من عرفه من الأكراد والعرب والعجم سواء منهم العالم والجاهل، الرّفيع والوضيع، الشّباب والكهول.  كما أحبّه عدد ليس بالقليل منهم حبًّا عميقًا وأعجبوا به إعجابًا أصيلاً، كلّ ذلك رغم بعض التّصريحات والتّأكيدات الّتي جرت على لسانه تنويهًا بمقامه، والّتي لو تحرّك بها لسان غيره من بني جنسه لأثار من الغضب ما يعرّض حياته للخطر.  فلا عجب أن قال حضرة بهاء الله في لوح مريم عن فترة اعتكافه إنّها كانت "*أعظم حجّة وأتمّ وأقوم برهان" على صدق ظهوره.  وبهذا شهد حضرة عبد البهاء فقال: "**انجذبت كردستان من محبّته في مدّة وجيزة وفي أثناء تلك الفترة كان حضرة بهاء الله يعيش عيشة الكفاف، ويلبس ملابس الفقراء والمحتاجين، ويأكل طعام البؤساء والمساكين.  إلا أنّ هالة الجلال كانت تحيط به كالشّمس في رائعة النّهار.  وكان يلقى الإجلال والتّكريم في كلّ مكان".

 

        وبينما كان أساس عظمة حضرة بهاء الله المقبلة يوضع في أرض غريبة وبين قوم غرباء كانت حال البابيّين تسير من سيّئ إلى أسوأ.  فقد فرح المفسدون وجرّأهم اعتكافه الطّويل المفاجئ وانسحابه عن مرسح جهاده وانهمكوا هم وأعوانهم الضّالون في توسيع نطاق نشاطهم البغيض.  وكان ميرزا يحيى معتكفًا في داره معظم الوقت، يكاتب سرًّا أولئك الّذين وثق بهم من البابيّين ليشنّ حملة يجرّد بها حضرة بهاء الله من كلّ فضل أو مزيّة.  وخوفًا من أن يخرج عليه خصم قويّ أرسل ميرزا محمّد المازندراني، أحد أعوانه، إلى آذربيجان بهدف محدّد عاجل وهو أن يغتال "الدّيّان" "مكمن لئالئ العلم الإلهيّ" والّذي لقّبه ميرزا يحيى بـ"أبي الشّرور" وكنّاه بـ"الطّاغوت" على حين شرّفه حضرة الباب بلقب "الحرف الثّالث المؤمن بمن


يظهره الله".  ومن فرط حماقته أغرى ميرزا آقا جا بأن يسافر إلى نور ويتحيّن الفرصة المواتية فيغتال الشّاه.  بل لقد بلغت به الوقاحة والتّبجّح أن ارتكب فاحشة شنعاء، وأذن للسّيّد محمّد أن يكرّرها من بعده.  وقد وصف حضرة بهاء الله تلك الفعلة الشّنعاء بأنّها "خيانة عظمى" جرّت العار على حضرة الباب، "*وأخذ الحزن جميع الأقطار".  كما أمر باغتيال ابن عمّ حضرة الباب، ميرزا علي أكبر.  وكان من أعظم المعجبين بالدّيّان.  فكان اغتياله ظلمًا دليلاً جديدًا على جسامة جرائمه.  أمّا السّيّد محمّد الّذي أطلق له مولاه ميرزا يحيى العنان، فقد أكّد النّبيل الّذي كان معه آنذاك في كربلاء أنّه أحاط نفسه بشرذمة ممّن لا أخلاق لهم.  وأذن لهم، بل وشجّعهم، على أن يختطفوا ليلاً عمائم أغنياء الزّوار المجتمعين في كربلاء، وأن يسرقوا أحذيتهم، ويسلبوا مقام الإمام الحسين ويجرّدوه من دواوينه وقناديله، وأن يستولوا على أواني الشّرب من المشارب العامّة.  وكان ذلك الانحطاط الّذي تردّى فيه من يزعمون الانتماء إلى البابيّة مدعاة لأن يتذكّر النّبيل الزّهد والترّفع اللّذين امتاز بهما أصحاب المُلاّ حسين حين ألقوا بالذّهب والفضّة والفيروز على قارعة الطّريق في ازدراء إطاعة لأمر قائدهم، ولأن يتذكّر مسلك وحيد حين أمر ألاّ يتناول أحد شيئًا من الكنوز الثّمينة الّتي احتواها منزله الفاخر في يزد قبل أن ينهبه العوام، ومسلك الحجّة حين حرّم على أصحابه المشرفين على الهلاك جوعًا أن يمسّوا شيئًا من أموال الآخرين حتّى ولو كان ذلك للإبقاء على حياتهم.

 

        ولقد بلغ من جرأة هؤلاء البابيّين المنحطّين الضّالّين ووقاحتهم أن زعم ما لا يقلّ عن خمسة وعشرين منهم، حسب تأكيد حضرة عبد البهاء، أنّه هو الموعود الّذي تنبّأ به حضرة الباب.  كما بلغ من خيبتهم أنّهم لم يكونوا يجسرون على الظّهور علانية أمام الملأ لأنّ الأكراد والعجم كانوا يستهزئون بهم وبدينهم وينهالون عليهم سبًّا وسخرية إذا صادفوهم في الطّريق.  فلا عجب أن وصف حضرة بهاء الله الحال الّتي وجد هؤلاء عليها عند عودته إلى بغداد بقوله: "*ما شاهدنا إلاّ عددًا قليلاً من الخاملين الّذين لا روح لهم،


بل إنهم كانوا مفقودين ميّتين.  لم يكن هناك ذكر لأمر الله.  ولم نشهد قلبًا واحدًا عامرًا به".  ولقد بلغ من حزنه بعد عودته أنّه رفض أن يغادر بيته زمنًا ليس بالقصير.  ولم يكن يغادره إلاّ ليزور الكاظمين أو ليجتمع بين الحين والآخر بقليل من أصحابه في هذه المدينة أو في بغداد.

 

        نعم، إن الحال المحزنة الّتي تدهورت وتطوّرت أثناء غيابة سنتين حتّمت أن يعود.  وقد بيّن ذلك في كتاب الإيقان بقوله: "*وأخيرًا صبرنا إلى أن صدر حكم الرّجوع من مصدر الأمر، ولم يكن هناك بدّ من التّسليم له".  ويروي النّبيل في تاريخه أنّ حضرة بهاء الله أكّد ذلك للشّيخ سلطان فقال: "**والله الّذي لا إله إلاّ هو! لولا أنّني أدرك أنّ أمر النّقطة الأولى يوشك أن يمحى، وأنّ هذه الدّماء الّتي سالت في سبيل الله تكاد تذهب سدًى لما رضيت قط أن أرجع إلى أهل البيان، ولتركتهم وما يعبدون من أصنام صوّروها بخيالهم تصويرًا".

 

        أضف إلى ذلك أنّ ميرزا يحيى ألحّ في الكتابة إليه بضرورة العودة، وخاصّة بعد أن رأى رأي العين ما جرّه تصريفه الأخرق لأمور الدّين.  ولم تكن توسّلات ذوي قرباه وأصدقائه بأقلّ إلحاحًا، ولا سيّما توسّلات ابنه حضرة عبد البهاء ذي الاثني عشر ربيعًا.  فقد حزّت الوحدة والحزن في نفسه بحيث أقسم في سياق حديث أورده النّبيل أنّه شابَ في صباه.

 

        فلمّا عزم حضرة بهاء الله على أن ينهي فترة اعتكافه ودّع شيوخ السّليمانيّة الّذين أصبحوا آنذاك من أعظم المعجبين به، وأخلص المحبّين له، كما ثبت من مسلكهم فيما بعد.  ورجع على مهل مع الشّيخ سلطان إلى بغداد "**على شاطئ نهر البلايا" ولقد أكّد حضرة بهاء الله لرفيقه في السّفر أنّ أيّام اعتكافه هذه "**هي أيّام السّلام والهدوء الوحيدة" الّتي قدّر له أن يتمتّع بها "**والّتي لن تكون من نصيبي من بعد ذلك أبدًا".

 

        وفي اليوم الثّاني عشر من رجب 1272هـ (الموافق للتّاسع عشر من آذار 1856م) وصل إلى بغداد أي بعد سنتين قمريّتين كاملتين قضاهما في كردستان.


الفصل الثّامن

 

نفي حضرة بهاء الله إلى العراق (تتمّة)

 

        إنّ عودة حضرة بهاء الله من السّليمانيّة إلى بغداد تشير إلى تحوّل على جانب عظيم من الأهمّيّة بالنّسبة لتاريخ القرن البهائيّ الأوّل.  فقد أخذت أحوال الدّين ترتقي بعد أن هبطت إلى أدنى المستويات، ثمّ قدّر لها أن تستمرّ في الرّقيّ والارتفاع بقوّة لتصل إلى قمّة عالية جديدة، ترتبط هذه المرّة بإعلان دعوته عشيّة نفيه إلى الآستانة.  نعم، بعودته إلى بغداد أخذت الأمور تستقرّ استقرارًا لم تشهده من قبل، ذلك لأنّ الدّين لم يكن باستطاعته أن يَدَّعي، من قبل، أنّ له مركزًا ثابتًا يتّجه إليه أتباعه، أو يلتمسون منه الهداية، أو يستمدّون منه الإلهام المستمرّ، اللّهم إلاّ في سنواته الثّلاث الأولى.  وبعدها قضى حضرة الباب ما لا يقلّ عن نصف عهده القصير سجينًا في أقاصي البلاد، منقطعًا بالضّرورة عن الغالبيّة العظمى من أتباعه.  أمّا الفترة الّتي تلت استشهاده مباشرة فقد تميّزت باضطراب كان أدعى للأسف من عزلته النّاتجة عن حبسه الاضطراريّ.  وحتّى حين لاح الظّهور الّذي تنبّأ به فإنّه لم يشفعه إعلان مباشر يمكّن الجامعة الموزّعة من الالتفاف من جديد حول مخلّصهم الموعود.  وقد ساعد على إطالة الاضطراب والفوضى الّتي مرّت بها جامعة البابيّين تستّر ميرزا يحيى الرّأس الّذي عيّن مؤقتًا حتّى يصل بهم إلى ظهور الموعود.  كما ساعد عليها غياب حضرة بهاء الله عن موطنه لمدّة تسعة أشهر في زيارة لكربلاء، وسجنه في سياه چال بعد ذلك بسرعة.  ونفيه إلى العراق، ثم اعتكافه في كردستان.

 

        ومهما تفاوتت نظرات البابيّين لمقام حضرة بهاء الله، فقد وجدوا أنفسهم آخر الأمر قادرين على أن يركّزوا آمالهم وأعمالهم حول رجل يؤمنون


بقدرته على تأمين سلامة الدّين.  وقد تمّ هذا على الرّغم من أنّ حضرة بهاء الله لم يكن يودّ أن يبوح بسرّ مقامه.  ومنذ ذلك الحين استقرّت أمور الدّين بعودتها إلى نصابها، ودورانها حول مركزها الثّابت.  وأصبح هذا الاستقرار من ملامح أمور الدّين البارزة الّتي لم يحرم منها بعد ذلك ابدًا بصورة أو بأخرى.

 

        وقد لاحظنا، من قبل، أنّ دين حضرة الباب أشرف على الخمود نتيجة لتلك الضّربات الهائلة المتلاحقة الّتي تلقّاها.  كما أنّ الظّهور الجبّار الّذي تجلّى على حضرة بهاء الله في سياه چال لم ينتج على الفور نتائج محسوسة تثبّت أقدام الجامعة الّتي كادت تنهار.  أضف إلى ذلك أنّ نفيه المفاجئ كان ضربة أخرى للجامعة الّتي تعلّمت أن تعتمد عليه.  وكان احتجاب ميرزا يحيى وتستّره وخموله معجّلاً لعمليّة التّدهور والانحطاط الّتي بدأت من قبل.  كما بدا أنّ اعتكاف حضرة بهاء الله في كردستان قد قضى عليها بالانحلال النّهائي.

 

        إلاّ أنّ الجزر الّذي انحسرت أمواجه بصورة مخيفة أخذ الآن ينقلب إلى مدّ يشرف على الفيضان، ويحمل معه بركات نفيسة تبشّر بإعلان الظّهور الّذي تجلّى على حضرة بهاء الله سرًّا.

 

        وربّما لم يكن من المبالغة أن نقول إنّ الجامعة البهائيّة تحت اسم الجامعة البابيّة وبصورتها قد ولدت فعلاً.  وأخذت تتشكّل، وإن كان مؤسّسها يظهر ويجاهد في ثياب أحد أصحاب حضرة الباب المتفوّقين على مدى هذه السّنوات السّبع الّتي تمتدّ بين استئنافه جهوده وإعلانه دعوته، وهي السّنوات الّتي نوجّه إليها اهتمامنا الآن.  على مدى هذه السّنوات السّبع اطّرد اضمحلال نفوذ من كان مرشّحًا لقيادة البابيّين وأفول نجمه أمام إشراق نيّر قائدها الفعليّ ومنقذها الحقيقيّ.  وعلى مداها نضجت بواكير ذلك المنفيّ المزوّد بإمكانيّات لا حصر لها، وأوشكت على الحصاد.  وهي فترة تدخل التّاريخ على أنّها الفترة الّتي استعادت خلالها الجامعة نفوذها واستردّت هيبتها بعد أن خلقت


خلقًا جديدًا، وصلحت خلقيّتها صلاحًا كاملاً، ورسخ لديها الاعتراف بمن استردّ لها حقوقها وأقالها من عثرتها رسوخًا حماسيًّا بالغًا، وازدادت فيها كتاباتها وآدابها ثراء وخصوبة، وسجّلت فيها الجامعة انتصاراتها الجديدة على اعدائها الجدد.

 

        أخذت هيبة المؤمنين، وبخاصّة هيبة حضرة بهاء الله، تعلو الآن باطّراد منذ ابتدائها في كردستان.  وما كاد حضرة بهاء الله يتولّى زمام الأمور الّتي تنحّى عنها من قبل حتّى أخذت جماهير المعجبين المخلصين الّذين تركهم في السّليمانيّة يفدون على بغداد وألسنتهم تلهج باسم "الدّرويش محمّد"، وأقدامهم تقودهم إلى بيت ميرزا موسى البابيّ.  فدهش رجال الدّين في المدينة، من أمثال ابن الآلوسي مفتي بغداد الشّهير والشّيخ عبد السّلام والشّيخ عبد القادر والسّيد الدّاودي، لمنظر هؤلاء الأكراد من علماء الصّوفية من أتباع الطّريقة القادريّة والخالديّة وهم يتزاحمون بالمناكب على بيت حضرة بهاء الله.  وحداهم التّنافس العنصريّ والمذهبيّ إلى أن يفوزوا بمحضره هم الآخرون.  فلمّا ظفروا منه بالإجابات الكافية الشّافية عن أسئلتهم العديدة انخرطوا هم أيضًا في سلك المعجبين المقرّبين.  ولقد أثار إقرار هؤلاء الأفذاذ بالسّمات العالية الّتي تميز بها مسلك حضرة بهاء الله وخلقه اهتمام جمهور غفير من المشاهدين الأقلّ مركزًا، وأطلق ألسنتهم فيما بعد بمدحه والثّناء عليه.  وكان منهم الشّعراء والمتصوّفون والنّابهون، المقيمون منهم والزّائرون، وأخذ رجال الدّولة، وعلى رأسهم عبد الله باشا ونائبه محمود آقا والمُلاّ علي مردان الكرديّ المعروف لدى هذه الدّوائر الإداريّة، يتّصلون به شيئًا بعد شيء، وضربوا بسهمهم الوافر في إذاعة شهرته المسرعة في الانتشار.  أضف إلى ذلك أنّ الإيرانيّين النّابهين المقيمين ببغداد والزّائرين للمقامات المقدّسة بها لم يستطيعوا أن يظلّوا جامدين أمام سحر شخصيّته، كما انجذب إلى دائرة معارفه وأصدقائه المتوسّعة باستمرار بعض الأمراء الّذين تجري في عروقهم الدّماء الملكيّة من أمثال نائب الإيالَة وشجاع الدّولة وسيف الدّولة، وزين لعابدين خان فخر الدّولة.


        أمّا هؤلاء الّذين كانوا يسخرون من أصحاب حضرة بهاء الله وذوي قرباه ويسبّونهم سرًّا وعلانية، أثناء غيابه عامين عن بغداد، فقد سكت معظمهم، وتظاهر عدد ليس بالقليل منهم باحترامه وإجلاله، بل لقد ادّعى بعضهم أنّهم أنصاره وأولياؤه، بينما اعترف آخرون بمشاركتهم إيّاه في عقائده وانضمّوا فعلاً إلى صفوف الجامعة الّتي تنتمي إليه.  بل لقد بلغ من ردّ الفعل أن افتخر أحدهم بأنّه قد فطن إلى دين حضرة الباب واعتنقه منذ سنة 1250هـ، أي قبل إعلان حضرة الباب لأمره بعشر سنوات!

 

        وهكذا لم تمضِ على عودة حضرة بهاء الله من السّليمانيّة سوى أعوام قليلة حتّى انقلبت الآية تمامًا.  وأصبح منزل "سليمان الغنّام" الّذي انتقلت إليه أسرته قبيل رجوعه من كردستان كعبة القصّاد والزّوار والحجّاج من الأكراد والعجم والعرب والأتراك، المسلمين منهم واليهود والمسيحيّين.  كما أصبح ملاذًا أمينًا يلوذ به كلّ من ظلمهم ممثّلو الحكومة الإيرانيّة أملاً في الانتصاف لهم ممّا لحقهم من الأذى والظّلم.  وكان منزل "سليمان الغنّام" هذا يعرف آنذاك بمنزل موسى البابيّ، ولكنّه عرف رسميًّا فيما بعد بـ"البيت الأعظم".  وهو منزل متوسّط يقع في حيّ الكرخ على مقربة من الضّفة الغربيّة لنهر دجلة.

 

        وفي الوقت نفسه أخذت أفواج البابيّين الإيرانيّين تطغى على أمواج الزّائرين المتدفّقين على أبوابه الكريمة، يحدوهم الأمل في الفوز بمحضره المنير.  فإذا عادوا إلى وطنهم مزوّدين بالشّهادات الخطّيّة والشّفهية الدّالّة على نهضة الدّين القويّة وتقدّمه المتزايد لم يعجزوا عن توسيع دائرة الدّين الّذي ولد من جديد.  وكان من بين الزّائرين والأصحاب المؤمنين الّذين فازوا بلقائه ولمحوا سناء جلاله وأذاعوا تأثير اتّصالهم بروحه أربعة من أبناء خؤولة حضرة الباب وخاله الحاج ميرزا سيّد محمّد، وإحدى حفيدات فتح علي شاه، وكانت من المعجبات المتحمّسات بالطّاهرة، وفازت بلقب "ورقة الرّضوان"، والمُلاّ محمّد القائني العلاّمة الملقّب بـ"النّبيل الأكبر"، والمُلاّ صادق الخراساني المشهور الملقّب بـ"اسم الله الأصدق"، وهو الّذي اضطهد مع


القدّوس في شيراز  اضطهادًا شنيعًا، والمُلاّ باقر أحد حروف الحيّ، والسّيد أسد الله الملقّب بـ"الدّيّان"، وفضيلة السّيّد جواد الكربلائي، وميرزا محمّد حسن وميرزا محمّد حسين الملقّبان فيما بعد بـ"سلطان الشّهداء" و"محبوب الشّهداء" وميرزا محمّد علي النّهري، الّذي تزوّج حضرة عبد البهاء ابنته فيما بعد، والسّيد إسماعيل الزّواري، والحاج الشّيخ محمّد الّذي لقبّه حضرة الباب بـ"النّبيل"، وميرزا آقاي منير الأديب الملقّب بـ"اسم الله المنيب"، والحاج محمّد تقي الّذي قاسى كثيرًا فلقّب بـ"أيّوب"، وملاّ زين العابدين الملقّب بـ"زين المقرّبين"، وكان من أفاضل المجتهدين.  أمّا المُلاّ محمّد الزّرندي، الملقّب بـ"النّبيل الأعظم" والّذي يمكن أن يعدّ بحقّ شاعر حضرة بهاء الله المدّاح ومؤرّخة وصحابيّه النّابه، فقد التحق بالمنفيّين وأخذ يقوم بسلسلة رحلاته الطّويلة المضنية إلى إيران لترويج أمر محبوبه.

 

        لا، بل إنّ هؤلاء الّذين بلغت بهم الحماقة والوقاحة إلى حدّ انتحال امتيازات "من يظهره الله" ومقامه سواء في بغداد أو كربلاء أو قم أو كاشان أو تبريز أو طهران، اضطروا بالسّليقة إلى التماس المثول بين يديه حيث اعترفوا بخطاياهم وطلبوا الصّفح والغفران.  أمّا المهاجرون الّذين أضناهم الخوف الدّائم من الاضطهاد فقد أخذوا –على مر الأيّام– يلتمسون هم وأزواجهم وأولادهم، الأمن النّسبيّ الّذي يكفله لهم قربهم ممّن أصبح مناط أمر الجامعة المضطربة وقطب رحاها.  وأخذ كبار المنفيّين من العجم يجلسون عند قدميه، غير مبالين بما يمليه عليهم الاعتدال والحذر أمام نفوذ حضرة بهاء الله الصّاعد، ولا مكترثين لكرامتهم وعزّتهم ليرتشف كلّ واحد منهم من حكمته وروحه على قدر كفايته واستعداده.  بل لقد حاول بعض قصار النّظر من ذوي الطّموح، أمثال عبّاس ميرزا ابن محمّد شاه، والوزير نظام وميرزا ملكم خان وغيرهم من عملاء الحكومات الأجنبيّة، أن يفوزا بمعونته ومؤازرته لخططهم ومشروعاتهم، الأمر الّذي رفضه حضرة بهاء الله رفضًا قاطعًا.  بل إنّ الكولونيل السّير أرنولد بَرُّوز كِمبل([37]) القنصل العام للحكومة الإنجليزيّة في


بغداد آنذاك بدأ يدرك المركز الّذي شغله حضرة بهاء الله فدخل معه في مراسلات ودّيّة باد