الدين البهائي
بحث ودراسة
الطبعة الأولى
شهر العزة 159 بديع
أيلول 2002م
من منشورات دار النشر
البهائيّة في البرازيل
صفحة خالية
إهداء
يهدي المؤلفان هذا الكتاب إلى
الرجال والنساء البواسل
الذين فدوا
أنفسهم في سبيل الدين البهائي في إيران من عام 1844م حتى عام 1997م.
قال
حضرة بهاء الله :
"الحمد
لله الذي بعث من كل قطرة من دماء أوليائه خَلقًا
لا يُحصى
عِدّتهم إلى نفسه وجعلهم مشارق حبّه ومطالع ودّه وهم أيادي الأمر بين الخلق
وهم الذين نصروا الله في كل الاعصار وقاموا على ما أراد الله على شأن ما اضطربوا
من الملوك وسطوتهم وما منعهم عن الحق صليل سيوفهم وصهيل خيولهم قد نطقوا بأعلى
النداء بين الأرض والسماء ودعوا الكل إلى مولى الورى ومالك الآخرة والأولى ورب
العرش والثرى…".
(من
كتاب نار ونور)
صفحة خالية
فهرس المحتويات
|
المحتويـــــات |
الصفحة |
||
|
1- |
مقدمة الطبعة الإنجليزية الثانية |
9 |
|
|
2- |
مقدمة الطبعة الإنجليزية الأولى |
11 |
|
|
3- |
مقدمة المترجم |
13 |
|
|
4- |
الحواشي والتوضيحات |
16 |
|
|
5- |
المقدمة |
19 |
|
|
6- |
الفصل الأول - الخلفية التاريخية |
25 |
|
|
7- |
الفصل الثاني – البابيّة |
32 |
|
|
8- |
الفصل الثالث – حضرة بهاء الله |
61 |
|
|
9- |
الفصل الرابع – استمرارية التوجيه والهداية |
90 |
|
|
10- |
الفصل الخامس – التعاليم الرئيسية |
123 |
|
|
11- |
الفصل السادس – الله والرسل والجنس البشري |
157 |
|
|
12- |
الفصل السابع – النظام العالمي لحضرة بهاء الله |
193 |
|
|
13- |
الفصل الثامن – الإدارة والأحكام والقوانين |
214 |
|
|
14- |
الفصل التاسع – الجامعة البهائية |
243 |
|
|
15- |
الفصل العاشر – على أعتاب قرن جديد |
270 |
|
|
16- |
الخاتمة – تحديات النجاح |
300 |
|
|
17- |
ملحق – إدوارد كرانفيل براون |
326 |
|
|
18- |
مقتطفات من آثار حضرة بهاء الله العربية |
333 |
|
صفحة خالية
مقدمة الطبعة الإنجليزية الثانية
قد
يكون الدين البهائي فريدًا من بين الأديان المعاصرة والحركات الاجتماعية فيما
يتعلق بتفاؤله الشديد حول مستقبل الجنس البشري. لقد وضع هذا الدين ثقة بين أتباعه بأن القدرات الإيجابية الموروثة
في الروح الإنساني قادرة على التغلب على جميع العقبات التي تعترض توحيد شعوب
العالم في مجتمع تسوده العدالة والسلام. إنَّ الطبعة الأولى من هذا
الكتـاب (الدين البهائي -
بحث ودراسة) قدمت للقارئ تلك العناصر الرئيسية لهذه النظرة العالمية وأسبابها.
إنّ التطورات
التي حدثت خلال الثلاث عشرة سنة بعد صدور هذا الكتاب لأول مرة عام 1984م أعطت وزنًا
للتفاسير البهائية فيما يتعلق بأحداث التاريخ. إنّ التغييرات المتسارعة التي
يشهدها المجتمع الإنساني التي
تؤثر في
مشاعر البشر ونحن نقترب من نهاية القرن العشرين هي في الواقع تغييرات غير مسبوقة
ولا يمكن مقاومتها. فهذه الأحداث مثل الانهيار المفاجئ للنظام الشيوعي وما صاحبه
من الحد من سباق التسلح النووي وتبني ودعم اتفاقية التجارة الحرة في أمريكا
الشمالية وتوسعة السوق الأوربية المشتركة وبروز قدرة مجلس الأمن الدولي التابع
للأمم المتحدة للعمل ضد العدوان وبداية سلسلة جادة من عملية السلام في الشرق
الأوسط، كلها تهدف إلى التأكيد على
الاعتقاد
بأنه مهما يخبئ لنا المستقبـل، فإنَّ التعاون المشترك
والاعتماد المتبادل لشعوب العالم وأممه أصبحت اليوم حقيقة ماثلة للعيان.
بالطبع إنه من الصعب جدًا فصل الأحداث
الإيجابية عن تلك السلبية التي وقعت خلال العقود الأخيرة. فالقرن الحالي شهد مذابح
جماعية للجنس البشري بشكل واسع لم يسبق له مثيل ودمارًا للبيئة يصعب حصره وترديًا
في الحياة الروحية والأخلاقية إلى دركات ستقود إلى ظلمات لم يكن بمثلها من قبل. ومع كل ذلك فقد رافق هذه
الأحداث المؤلمة تقدم كبير في العلم والمعرفة وتطور واسع في مصادر جديدة لتحقيق
رفاهية الجنس البشري
ورخاءه ونمو منظم للمؤسسات الديمقراطية في شتى أنحاء المعمورة. إنَّ هذا التقارب المتزايد بين تصوّر حضرة بهاء الله السماوية
للمستقبل ومجريات الأمور في العالم قد
دعانا إلى إعداد طبعة ثانية معدلة وحديثة ومزيدة توخيًا للفائدة.
إنَّ عملنا هذا قد منحنا فرصة
تصحيح الأخطاء وما سقط سهوًا وما غفل عنا ذكره في الطبعة الأولى. كما نأمل بأن نكون قد وفقنا في المحافظة
على التوازن بين الموضوعية والالتزام اللذين ميزا الطبعة الأولى وحازا على تقدير
قرائنا الأعزاء.
ندين بشكر خاص للسيدة تيري
كاسيدي ولزملائها العاملين في مؤسسة الطبع والنشر البهائية الأمريكية Bahá'í Publishing Trust لما قدموه من مساعدة مهنية قيّمة. كما نقدم خالص تقديرنا
لزوجتينا جوديث وإليزابيث
اللتين منحتانا الدعم المعنوي لهذا العمل وأعمال أخرى خلال سنوات عدة.
دوغلاس
مارتن
وليام
هاتشر
لاندك
- سويسرا
الأول
من شهر تموز (يوليو) عام 1997م.
مقدمة
الطبعة الإنجليزية الأولى
بناء على تشجيع المحفل
الروحاني المركزي في كندا قامت مجموعة من الطلبة والباحثين عام 1974 بتأسيس مؤسسـة لدعم دراسة منهجية
ومنظمة للدين البهائي على المستوى الجامعي. فازدهرت المجموعة في أعمالها التي أعدت
فيها محاضرات وسلسلة من النشرات إلى جانب تنظيم المؤتمرات. واليوم تعتز مؤسسة
الدراسات البهائية ومقرها الرئيسي في أوتاوا
بكندا بوجود عدَّة فروع منتسبة إليها في مختلف أقطار العالم.
ومع تنامي هذه المؤسسة فقد
أدركنا أنَّ المراجع المتوفرة حاليًا ليست
كافية لتلبية الحاجة إلى كتاب دراسي تستند إليه مواد الدراسة لطلاب المرحلة
الجامعية الأولى. ولهذا كانت النتيجة صدور هذا الكتاب. وللمؤسسة منا كل الشكر
والتقدير على طرحها هذه المبادرة التي
تحولت إلى مشروع كهذا وعلى دعمها المتواصل لنا لإخراجه.
كما نود أنْ نقدم خالص شكرنا للسيد/ تود
لوسن من معهد الدراسات الإسلامية في جامعة مك كيل McGill University الذي راجع الفصل الأول - الخلفية التاريخية- وأيضًا شكرنا للسيدة
براونلي توماس التي ساهمت بخبرتها المهنية المتخصصة في مجال التحرير وما يتعلق به
من أمور فنية وثمَّ
تقديرنا للسيدة ماريون فنلي من
جامعة
لافال التي تكرمت بترجمة المصطلحات الفارسية والعربية. كما نعرب عن شكرنا أيضًا
للسيد/ لاري بكنل والسيدة بتي فشر من مؤسسة النشر والتوزيع البهائية في أمريكا
للمساعدات الجمة والمتعددة التي منحانا إياها كما أننا مدينان للسيدة سوزان ليونز
على الجهود التي بذلتها في مراجعة مخطوطة الكتاب خلال مراحل متعددة.
وأخيرًا نقدم خالص شكرنا
للعديد من الأصدقاء البهائيين الذين شجعونا على الشروع بهذا العمل وعلى الأخص
زوجتينا العزيزتين اللتين لولا تفهّمهما
ودعمهمـا لنا لما أنجزنا هذا الكتاب.
دوغلاس
مارتن
وليام
هاتشر
تورنتو – كندا
8 تموز (يوليو) 1984م
مقدمة
المترجم
في الفصل التاسع من الكتاب ينصب الحديث عن الجامعة البهائية
وطبيعتها ومفهومها وميزاتها والدور الذي قامت به
الجامعات البهائيّة في شتّى أنحاء العالم من أجل ترسيخ دعائم الأخوّة والمحبة
والوحدة بين كافة أفراد الجنس. أمّا الفصل العاشر فيتحدث عن الأنشطة والإنجازات
البهائيّة التي كان لها أثر ملموس ومسموع على كافة الأصعدة سواء كانت داخل الجامعة
البهائيّة أو خارجها والتي وقعت خلال العشر سنوات الأخيرة من القرن العشرين. وأخيرًا
ينهي المؤلفان كتابهما بالحديث عن التحديات التي تواجه الجامعة البهائيّة
والبهائيين في العالم اليوم لكي يواجهوا المستقبل. ويتساءل المؤلفان هل تستطيع هذه
الجامعة أن تحافظ على وحدتها وقوتها خلال السنوات القادمة مع دخول أفراد من مختلف
الطبقات والأعراق والثقافات إليها؟ وهل البشرية مستعدة لتقبل نداء هذا الدين؟ وهل
آن الأوان لقبول هذه الدعوة باعتبارها البديل النموذجي من بين كافة الأنظمة
السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية السائدة اليوم والقادرة على سد
احتياجات الجنس البشري؟ إن الإجابة ستكون عندك أيها القارئ.
وما يسبغ
على هذا الكتاب أهمية خاصة أنه كتب بأسلوب موضوعي وحيادي ومتّزن وأن جميع الوقائع
والمفاهيم مدعومة بمستندات ونصوص جاءت من أقلام مؤسسي الدين البهائي ومن كتب
ومراجع منشورة كما تم ذكر أسماء جميع هذه المراجع على هامش صفحات الكتاب.
وفي
الختام أشعر بأنه من الواجب علي أن أقدم الشكر الجزيل والتقدير لكل من ساهم في
إعداد وطباعة ومراجعة الترجمة على عدة مراحل. وأود أن أخص بالشكر والتقدير
والعرفان الأخوات الأعزاء: فرح آشنائي ومنى سيساني ونسرين جابري على الجهود التي
بذلوها في
مراجعة
الترجمة ومطابقتها مع الأصل الإنجليزي أما السيِّد مصطفى صبري فقد كان له دور كبير في
المراجعة اللغوية والنحوية لكافة فصول الكتاب وإبداء ملاحظاته القيّمة التي أخذت بعين الاعتبار فَلَهُ كلُّ الشكر والعرفان.
أما شكري الخاص فهو مقدم
للسيدة الفاضلة ندى سلمانبور لمساعدتي على فهم العديد من الجمل الإنجليزية المُعْضِلَة والمصطلحات الغربية. ولا يفوتني في الختام إلاّ أن أُثني وأُقدّر ما قامت به زوجتي العزيزة من دعم غير محدود ومساعدة
مستمرة وهيأت لي الجو المناسب لأتمّم
هذا العمل. فَلَها مني كل محبة وتقدير.
عبد
الحسين فكري
شباط
(فبراير) عام 2000
الحواشي والتوضيحات
ملاحظات المترجم :
1- جميع الآثار التي نزلت من قلم حضرة الباب وحضرة بهاء الله وحضرة عبد
البهاء كانت إمّا باللغة الفارسيّة أو العربيّة وقد تمت ترجمة بعض الآثار
الفارسيّة لهم إلى اللغة العربيّة. ولكي يميّز القارئ الأصل العربي عن غيره فقد
طبع النص العربي بالخط العريض.
2- هناك بعض
آثار لحضرة عبد البهاء لم استطع إيجاد الأصل العربي أو الفارسي لها ولهذا ترجمت من
النص الإنجليزي مباشرة وقد أضيفت بعدها عبارة (مترجم عن الإنجليزيّة).
3- جاءت آثار
حضرة شوقي أفندي وليّ أمر الدين البهائي بالفارسيّة والعربيّة والإنجليزيّة
وغالبيّة النصوص التي جاءت في الكتاب هي من أصول إنجليزيّة، وقد قمت بترجمتها إلى العربيّة مع ذكر اسم الأثر
الإنجليزي في الهامش. علمًا بأنَّ غالبية آثار حضرة شوقي أفندي لم تترجم إلى اللغة
العربيّة. إنَّ أثره الوحيد الذي ترجم إلى العربيّة وفي متناول اليد حتى الآن هو
كتاب God Passes By الذي صدر بعنوان "كتاب القرن
البديع" ترجمة الدكتور محمد العزاوي (من منشورات دار النشر البهائيّة في
البرازيل– نيسان 1986) ويشار إلى هذا المصدر بالاسم العربي فقط.
4- لقد تكررت
الإشارة إلى كتاب "منتخباتي" والمقصود منه كتاب " منتخباتي از آثار
حضرت بهاء الله " وهو عبارة عن مقتطفات من آثار حضرة بهاء الله الفارسيّة
والعربيّة التي ترجمها حضرة شوقي أفندي إلى اللغة الإنجليزية وصدرت تحت عنوان Gleanings from the Writings of Bahá'u'lláh
واختصارًا للعنوان يشار إلى
هذا المصدر بكلمة "منتخباتي".
5- تجدر
الإشارة إلى أنَّ آثار حضرة شوقي أفندي التي
كتبت أصلاً باللغة الإنجليزية والمذكورة في الكتاب هي كالآتي:
|
النظام العالمي لحضرة بهاء الله |
The World Order of Bahá'u'lláh |
|
الإدارة البهائية |
Bahá'í Adminstration |
|
قد أتى اليوم الموعود |
The Promised Day Is Come |
|
الدور البهائي |
The Dispensation of Bahá'u'lláh |
|
ظهور العدل الإﻟﻬﻲ |
The Advent of Divine Justice |
|
الكشف عن الحضارة العالمية |
The Unfoldment of World Civilization |
|
كتاب القرن البديع |
God Passes By |
وكما ذكر، فإنَّ الكتاب الأخير هو الوحيد الذي
ترجم وصدر باللغة العربية حتى الآن. ونظرًا
لأن المراجع المذكورة أصلها
بالإنجليزية فقد جاء اسم الكتاب بالإنجليزية في الحواشي والتوضيحات.
6- هناك
مراجع أجنبية كثيرة أشير
إليها في الكتاب ولكنها غير مترجمة إلى اللغة العربية وقد ذكرت أسماء هذه المراجع
باللغة الأجنبية مع ترجمة عنوان المرجع باللغة العربية أحيانا ووضعه بين قوسين.
يعتبر الدين البهائي أحدث الأديان المستقلة
العالمية. فمنذ دعوته السرية في إيران
خلال منتصف القرن التاسع عشر استطاع هذا الدين أنْ ينتشر فعليًا في جميع بقاع العالم وأنْ يؤسس مؤسساته الإدارية في أكثر من مائتي دولة وإقليم
مستقل وقد احتضنه العديد من الناس من خلفيات ثقافية وجنسية واجتماعية ودينية
مختلفة.
هذا الدين هو دين مميـز،
وتعتمد تعاليمه أساسًا على تلك التي أتى بها حضرة بهاء الله. إنَّه ليس مذهبا أو حركة تجديدية
أو فرقة منشعبة من دين آخر أو نظامًا
فلسفيًا كما أنَّ الدين البهائي ليس محاولة
لإيجاد دين جديد بواسطة التوفيق بين تعاليم وأحكام الديانات الأخرى. يقول العالم أرنولد تويني:
"البهائية دين مستقل في مصاف الإسلام والمسيحية
والديانات العالمية الأخرى المعترف بها. كما إنها ليست فرقة منشعبة من دين آخر. إنها دين
مستقل بحد ذاته وله وضع الأديان الأخرى المعترف بها" ([1]).
يتناول
هذا الكتاب دراسة مجموعة واسعة وكبيرة من التعاليم البهائية. في بداية الأمر يكون
مفيدًا أن نتذكر بأن الهدف الرئيسي
للدين البهائي هو وحدة الجنس البشر. وأنَّ الرسالة الأساسية التي أتى
بها حضرة بهاء الله تقول بأن الوقت قد حان لتوحيد البشرية في عائلة عالمية واحدة
وأكدَّ بأنَّ الله سبحانه وتعالى قد حرك
قوى تاريخية تعمل على إيجاد وعي عالمي بأن قاطبة الجنس البشري هو في الواقع واحد
ومتحد وأنَّه نوع مميز وشريف. يعتقد
البهائيون بأن دينهم له دور هام ليلعبه في هذه العملية التاريخية التي سوف تؤدي
إلى ظهور وبروز حضارة عالمية.
وبعيدًا عن هذه الرؤية
المثيرة، فإنَّ الدين البهائي يحظى بأهمية
خاصة لدى الطلبة الذين يدرسون تاريخ الأديان. والسبب في ذلك يرجع إلى أن جميع
حوادثه ووقائعه متوفرة وثابتة ويمكن الحصول عليها. إنَّهُ من الصعب بل من المستحيل أن نعرف بالضبط القوى المحركة
التي أدت إلى ظهور وولادة وتطور الأديان السماوية السابقة المعروفة. إنَّ شرح طبيعة تعاليم بوذا
والحوادث التي صاحبت حياة السيد المسيح والعصر الذي عاش فيه زردشت وطبيعة نفوذه
وحتى إثبات الوجود التاريخي "لكرشنا"
جميعها تبدو مشاكل غير محلولة. أما حياة سيدنا محمد عليه السلام وشخصيته فتبدو أكثر يسرًا في الحصول عليها
ومع ذلك هناك تضادات واختلافات كثيرة في العديد من الحوادث الهامة لحياته.
يعتبر إدوارد كرانفل براون
أحد أوائل المؤرخين الغربيين الذين أبدوا
اهتماما لدراسة التاريخ البهائي وهو مستشرق معروف من جامعة كمبردج. وكانت وجهة
نظره في أنَّ هذا الدين المغمور آنذاك
استطاع
أنْ يوفر فرصة فريدة لإجراء
دراسة مستفيضة كيف أنَّ دينًا جديدًا مستقلاً يأتي
إلى حيز الوجود حيث قال:
"هنا يمكن لطالب دراسة
الأديان أن يفكر مليًا بأولئك الذين
ارتقوا مع مرور الوقت إلى رتبة الأبطال بل إلى مرتبة أنصاف الآلهة ولم تفسدهم الأوهام
والخرافات ويمكن للطالب أن
يتحقق بواسطة شاهد مستقل حول ظاهرة الهيجان الغريب من الحماس والإيمان والتقوى
والبسالة الفذَّة وحتى التعصب الديني حيث
ارتبطت جميعها وتشابهت مع حوادث القرون الأولى من تاريخ الجنس البشري. كما أنَّ الطالب قادر على أنْ يشهد ميلاد دين يستطيع أنْ يشق طريقه بين الأديان
الكبيرة في العالم وهو أمر ليس بالمحال"([2]).
وأشار إلى ذلك أيضًا أحد
المراقبين المعاصرين من خارج الجامعة البهائية حيث قال:
"إنَّ الحركة البابية والبهائية تعطي مؤرخي الأديان
مصادر قيمة لدراسة أصلها
وتطورها بصورة لا توجد في أي دين آخر وهناك سببان لذلك، الأول: إن الدين البهائي هو أحدث الأديان لأن سائر الأديان الأخرى بدأت
منذ مئات أو آلاف السنين. ومن بين ما يسمى بالأديان العالمية الرئيسية الحية الأحد
عشر فإنَّ الدين الإسلامي الذي ظهر في
القرن السابع الميلادي وديانة السيخ التي ظهرت في القرن السادس عشر الميلادي فقط
يتجاوز عمرها بضع مئات من السنين وباقي الأديان مثل: الهندوسية والبوذية واليانية والطاوية
والكونفوشسية والشنتو
والزردشتية
واليهودية والمسيحية فيرجع تاريخ نشأتها إلى آلاف السنين. أما الدين البهائي فقد
نشأ في منتصف القرن الماضي (عام 1844م) ووصل إلى آخر مرحلة من مراحل تطوره
التكويني عام 1963م ويكون الوقت الحاضر مناسبًا لدراسة هذا التطور. ولهذا فإن
الدين البهائي هـو دين العصر الحديث وبالطبع أكثر قابلية للدراسة والفهـم عن
الأديان القديمة([3])".
ومنذ زمن قريب كان اضطهاد
البهائيين الإيرانيين في إيران بواسطة الحكومة الإسلامية سببًا في جذب انتباه
الأوساط الدولية. ونظرًا لأنَّ هذا الاضطهاد كان لسبب ديني بحت فإنَّ الاهتمام انصب على الدين
البهائي نفسه. وما تناقلته الأوساط الغربية ووسائل الإعلام كان يدور حول عقيدة
الفرد البهائي واختلافه عن الإسلام والأحداث التاريخية السابقة التي أدت إلى نشوب
الحوادث الأخيرة.
إنَّ الكتاب الذي بين أيديكم يغطي
في محتواه على أربعة جوانب رئيسية للدراسة هي:
1- تاريخ
الديانتين البابية والبهائية.
2- التعاليم
البهائية الرئيسية.
3- طبيعة المؤسسات البهائية.
4- تطور الجامعة البهائية.
وتتطرق خاتمة الكتاب إلى بعض
التحديات الجديدة التي تواجه
الدين
الفتي نتيجة لما تمتع به من نجاح باهر خلال ما يربو على المائة والخمسين سنة من
نموه وتطوره.
إنَّ دراسة أي دين يحتاج إلى
تحديات خاصة. وخلافًا لغالبية الظواهر العلمية ودراساتها فإنَّ الدين
يحاول درك وفهم الإنسان نفسه. ولا يحتاج الدين إلى انتباه فحسب بل إلى تكريس
وتعهد. ولهذا السبب هناك الكثير من مفكري الأديان أصروا على أنَّ هناك تناقضًا كبيرًا بين
الدين والعلم وأنَّ
عالم الدين هو أبعـد وأعلى بكثير من عالم العلوم واكتشافاته.
وهنا يأتي الدين البهائي
ليساعد الذين تعهدوا بدراسته. إنَّ أحد تعاليم حضرة بهاء الله يقضي بأنَّ العقل هو أعظم هبة إلهية للجنس البشري. ويسلِّم البهائيون بأنَّ العقل يجب
أن يستخدم في جميع الظواهر الطبيعية
بما فيه الظواهر الروحانية وأن الأداة المستخدمة لذلك هي النظريات العلمية. أكدَّ لنا حضرة عبد البهاء الابن
الأرشد لحضرة بهاء الله والمفسر المعين لتعاليم وأحكام والده بأن:
"يجب أن يكون الدين
مطابقًا للعلم والعقل وإن
خالفهم فهو أوهام لأنَّ العلم حقيقة وإذا كان موضوع ديني مخالفـًا للعلم والعقل
فهـو وهم. العلـم الحقيقي بمثابة نور وما خالفه ظلام([4])".
ولهذا فإنَّ طالب الدراسات البهائية سيجد
أمامه موضوعًا للبحث والاستقصاء مفتوحًا إلى أبعد الحدود. أما ما غمض منه فإنَّه يخضع
لمحدودية إدراك الإنسان شأنه شأن ما غمض عليه في عالم الطبيعة. وبمعنى آخر،
فإن تلك الغوامض لا تعني وجود تناقض بين العلم والعقل في
عالم الطبيعة. إن وجود القليل الشعائر الدينية في الدين
البهائي وغياب رجال الدين والكهنوت الذين يدعون العلم والمعرفة وذوي سلطات معينة جعلا من الوصول
والحصول على الآثار المقدسة لرموز الدين البهائي سهلة وميسرة.
وبرغم ذلك فإن دراسة الدين لا
تعتبر جزءًا من علم الأحاثة
(البليونتولوجيا) إنه
فحص واستقصاء في ظاهرة حية بحيث يجب فهمه جيدًا وإلى أبعد حدود ممكنة، وذلك ليس
بواسطة العقل فحسب وإنما بواسطة القلب أيضًا إنْ أردنا الوصول إلى فهم وإدراك
واضح. إنَّ الدين البهائي أصبح اليوم
يمثل عقيدة راسخة في قلوب عدة ملايين من البشر، عقيدة تمثل أهم عنصر في حياة
الإنسان وبها آمن عدة ألوف من البشر ويتحملون اليوم صنوف الاضطهاد والموت في سبيله.
إنَّ مؤلفي هذا الكتاب حاولا
إيجاد موازنة بين احتياجات العقل والقلب التي يواجهها عادة دارسو الأديان.
الخلفية
التاريخية
إنَّ التأكيد على أنَّ هناك دينًا مستقلاً عن باقي
الأديان لا يعني أنَّ
هذا الدين قد بدأ من فراغ. فقد ظهرت البوذية من الهندوسية التقليدية وبعد أن عبرت
البوذية جبال الهمالايا أخذت شكلها الكامل كدين مستقل وقُدِّرَ لها أن تكون قوة ثقافية
رئيسية في الصين واليابان وأراضي جنوب شرق آسيا. وبالمثل فقد بدأ السيد المسيح
وأتباعه دعوتهم في ظل الدعوة اليهودية، ولمدة قرنين اعتبرت الشعوب المجاورة لها إنَّها
دعوة تجديدية متفرعة عن الديانة الأم. لم تعرف المسيحية ديانة مستقلة بكتابها
المقدس وما لها من أحكام ومؤسسات وشعائر دينية إلا عندما بدأت في جذب أعداد كبيرة
من الناس من العديد من أجناس وأعراق غير سامية في أطراف البحر الأبيض المتوسط.
نشأ الدين البهائي من الإسلام
مثلما نشأت المسيحية من عقيدة اليهود حول ظهور المسيح. وعليه تكون البهائية قد
حققت الاعتقاد الإسلامي بمجيء اليوم الآخر. وعلى هذا السياق فإنَّ الدين البهائي
مستقل تمامًا عن دين نشأته. وهذا ما أكده أخيرًا واعترف به أحد كبار علماء الإسلام
وهو العالم الجليل سيد محمد حسين طباطبائي
حيث قال صراحة:
"الفرقة
البابيّة والبهائيّة... يجب على أن لا تعتبر بأي حال فرق منشعبة من الشيعة".
وأيضًا:
"حتى المسلمون السّنة أقروا بعدم وجود ارتباط بينهم
وبين الدين البهائي([5])". وفي عام 1925م أصدرت المحكمة
الشرعية في ببا بمصر الحكم التالي: "إنَّ البهائية دين جديد قائم
بذاته له عقائد وأصول وأحكام خاصة تغاير وتناقض عقائد وأصول وأحكام الدين الإسلامي
تناقضًا تامًا، فلا يقال للبهائي مسلم ولا العكس كما لا يقال للبوذي أو البرهمي أو
المسيحي مسلم ولا العكس([6])".
ظهر
هذا الدين الجديد أولاً في بلاد فارس ذات الغالبية الإسلامية ومن ثم انتشر بين
المناطق الإسلامية المجاورة التابعة للإمبراطورية العثمانية والروسية ووصل إلى
شمال الهند. وعلى الرغم من أنَّ
بعض المؤمنين الأوائل كانوا من خلفيات يهودية ومسيحية وزردشتية ولكن غالبيتهم
كانوا من المسلمين وكانت أفكارهم الدينية مستوحاة من القرآن. وقد اهتموا أصلاً في
أفكار ومعتقدات الدين الجديد الخاصة بتحقيق النبوات والبشارات القرآنية وتفسير
التعاليم الإسلامية. وقد أعتبر علماء الدين المسلمون أتباع هذه الدعوة الجديدة
مرتدين ومارقين على الإسلام([7])
نظرًا للخلفية الإسلامية
للدين البهائي فإنَّه من المهم أن نبدأ دراستنا بالأخذ بعين الاعتبار الأصل الإسلامي
الذي نشأ منه الدين البهائي. هذا الأمر هام لسبب آخر وهو أن الإسلام يتطابق مع
مفهوم التاريخ الديني والعلاقة بين الأديان واللتين تعتبران أساس التعاليم
البهائية. وربما يكون الدين البهائي
فريدًا في ذلك حيث أنَّه يقبل دون قيد أو شرط حقيقة وسماوية الأديان العظيمة
الأخرى. يعتقد البهائيون بأنَّ سيدنا إبراهيم وموسى وزردشت وبوذا والمسيح ومحمدًا
هم جميعًا رسل مبعوثون من جانب إله
واحد. فتعاليم ومبادئ هؤلاء الأنبياء والمرسلين هي بمثابة الطريق للخلاص والنجاة
التي تساهم في إصلاح وتعديل شئون لعالم لأنَّ
الإنسان كما يقول حضرة بهاء الله "قد خلق من أجل إصلاح العالم" ولكن
ما يعتقده البهائيون هو أنَّ الهداية الإلهية خلال فترات مختلفة من تاريخ الجنس
البشري هي هداية متدرجة ومستمرة. إنَّ
كل رسالة سماوية جاءت أكمل وأشمل عن سابقتها وكل واحدة تمهد الطريق للأخرى. ومن
هذا المنظور يعتبر الإسلام وكآخر الأديان السابقة المرجع التاريخي الأقرب
للبهائية. وليس بالعجب أن نلاحظ أنَّ الكتب والمؤلفات البهائية مليئة بالاصطلاحات
والمفاهيم القرآنية.
إنَّ فهم بعض العقائد والأفكار
الإسلامية لها أهميتها الخاصة نحو فهم واضح للدين البهائي. وكما يعتقد المسلمون
فإنَّ البهائيين يؤمنون([8])
أيضًا
بأنَّ هناك إلهًا واحدًا لا شريك له وهو عظيم في ذاته ومقدس عن الإدراك وقد أظهر
مشيئته للبشرية من خلال إرساله للأنبياء والمرسلين الذين يسمّون عند البهائيين بمظاهر
أمر الله. فهدف
مظهر أمر الله هو توفير الهداية الكاملة ليس للنمو الروحي للفرد المؤمن فحسب بل
لإعادة تشكيل المجتمع الإنساني أيضًا. هناك فرق واضح بين الإسلام والبهائية في هذا
السياق. فبينما يقر الإسلام بشرعة اليهودية
والمسيحية فقط من بين الأديان الموجودة اليوم، فإنَّ البهائية تقول بأنَّ جميع
الأديان هي جزء لا يتجزأ من خطة إلهية واحدة ومحكمة. يقول حضرة بهاء الله في هذا
الخصوص:
"لا شك بأنَّ جميع الأحزاب متوجهة
إلى الأفق الأعلى وعاملون بأمر الحق ونظرًا لمقتضيات العصر اختلفت الأوامر
والأحكام ولكن الكل نزل من عند الله (1)".
وجانب آخر في الإسلام كان له
تأثيره في نمو الدين الجديد واستوجب رد فعل من جموع المسلمين. فقد انقسم الإسلام
إلى فرق ومذاهب مختلفة مثل سابقتها المسيحية. ومن أهمها مذهب الشيعة الذي يؤمن
أصحابه بأنَّ رغبة الرسول محمد عليه السلام كانت بأن تورث الزعامة الروحية
والدنيوية إلى المخلصين والمؤمنين من أتباعه. هؤلاء المختارون هـــم "الأئمة" أو "الزعماء" وإنهم معصومون
عصمة تامة في قيامهم بالمسئوليات الملقاة على عاتقهم. إلا إنَّ غالبية المسلمين
رفضوا هذا الأمر انطلاقًا من إيمانهم بأنَّ
سنّة رسول الله (ص) فيها الهداية الكافية وعليه أطلق على الذين سلكوا هذا الطريق
"بالسنة".
وعلى الرغم من أنَّ المسلمين السنة يزيد عددهم عن الشيعة اليوم ويصفهم علماء الغرب
بالأرثودكس لأنَّهم خرجوا عن إجماع الشيعة ولكن للشيعة تقاليدهم القديمة التي
يراعونها وهو ما كان موضوع دراسة جادة ومستمرة من جانب العلماء غير المسلمين([9]).
في عام 661 ميلادي أي بعد مرور تسع وعشرين
سنة على وفاة الرسول محمد عليه السلام انتقلت الخلافة الإسلامية إلى خلافة وراثية
لمجموعة من العائلات الحاكمة ولو إنَّها
نظريًا كانت بالانتخاب ولكن في الواقع كانت تمثل سيطرة لمجموعة من العشائر القوية. فكان
أول سلالتين من السلالات السنية الحاكمة الأمويين والعباسيين الذين رأوا في
"الإمام" تحديًا لشرعيتهم فكان أنْ قتل الأئمة الواحد تلو الآخر
ابتداءً بالحسن والحسين عليهما السلام
أحفاد الرسول محمد عليه السلام. هؤلاء
الأئمة أو الذين هم من نسل الرسول الكريم اعتبرهم الشيعة في وقت ما شهداء وقديسين.
وبالرغم من أنَّ الشيعة قد نشأت بين
القبائل العربية، ولكن نفوذها الكبير كان في بلاد فارس. ومنذ البداية كان المؤمنون
الجدد للإسلام من أهل الفرس تشدهم فكرة الأمامية كمرجع إلهي تم تعيينه. وعلى عكس ما
كان العرب عليه، فقد كان للفرس حكومة وراثية يحكمها ملك اعتبروه معينًا من جانب
الحق تبارك وتعالى وإنَّ
الإخلاص والولاء الذي كان موجّهًا للحاكم آنذاك قد تحول بمرور الزمن إلى
أحفاد
الرسول وخلفائه المعينين. وبعد عدة قرون من الضيق والشدة قاساها الشيعة على يد
خلفاء السنة تمّكنت الإمامية
أخيرًا من الانتصار في بلاد فارس ببروز
من خلال حكم الصفوية القوى في القرن السادس عشر الميلادي(1).
ومنذ ذلك الوقت انتهت سلالة الأئمة
الأطهار. ومما يميز الشيعة الإيرانيين اعتقادهم بأنَّه في عام 873 ميلادي اختفى
الإمام الثاني عشر، وهو ما زال طفلاً، في مخبأ هربًا من مصير أسلافه. ويسود
الاعتقاد بأنَّه سيظهر في "آخر الزمان" ويبّشر الناس بظهور العدل في العالم.
هذا الاعتقاد "باليوم الآخر" له مفهوم مشابه لدى المسيحيين فيما يتعلق
برجوع المسيح وبعودة مايتريا بوذا "بوذا المصلح العالمي" الذي وعد
بظهوره بوذا ماهايانا. ومن بين الألقاب الأخرى التي لقب بها المسلمون الموعود
"الإمام الغائب" و"المهدي" وقائم آل محمد (أي الذي سيظهر من
عترة النبي محمد عليه السلام).
بعد تسع وستين سنة من غيبة
الإمام الغائب أو الإمام الثاني عشر قيل أنَّه اتصل بأتباعه بواسطة مجموعة من مندوبيه. هؤلاء الوسطاء أو المندوبون
أخذوا لقب "الباب" لأنَّهم كانوا الطريق الوحيد للإمام الغائب. وحتى عام
941 ميلادية كان هناك أربعة منهم وعندما توفى الباب الأخير لم يعيَّن من سيخلفه.
إنَّ إحجام الإمام الغائب أو الباب الأخير عن تسمية خليفة
له دفع بالشيعة إلى ترك الأمر بيد الله المقتدر القدير الذي سيبعث في الميقات
المحدد
رسولاً أو رسلاً من جانبه وسيكون أحدهم هذا الإمام المهدي أو القائم الموعود الذي طال
انتظاره والذي سيكون سبيل الهداية الإﻟﻬﻴﺔ المباشرة
للعالم البشري. إنَّه
اعتقاد توجهت به الأنظار إلى البابية والبهائية التي ظهرت في منتصف القرن التاسع
عشر.
الفصل
الثاني
البابية
شهدت السنوات الأولى من القرن التاسع عشر
فترة ترقب فيها العالمان الإسلامي والمسيحي عودة المسيح المنتظر. ففي بلاد فارس
ظهر عالمان دينيان مرموقان هما الشيخ أحمد
الأحسائي وتلميذه وخليفته السيد كاظم الرشتي حيث قاما بنشر أفكار ومفاهيم ابتعدت
بشكل كبير عن عقيدة الشيعة الإمامية التقليدية. وإلى جانب تفسيرهما القرآن
الكريم بأسلوب مجازي أكثر
منه لفظيًا فقد أعلنا أنَّ عودة الإمام المهدي المنتظر والمنصوص عليه أصبحت وشيكة
الحدوث وعرف تلاميذهما "بالشيخيين". اجتذبت أفكارهما جموعًا غفيرة من الناس وأشاعت
جوًا من الترقب شبيه بمجموعة معاصرة من المسيحيين مثل أتباع ميلر في أوربا وأمريكا
الذين كانوا في نفس الزمن بانتظار رجوع المسيح بكل شوق وشغف.
قبل وفاة السيد كاظم الرشتي عام 1843م دعا
تلاميذه ومريديه إلى الانتشار والبحث عن الموعود المنتظر الذي سيظهر قريبًا. وكان
يشير في أحاديثه إلى أن سنة الظهور طبقًا للتقويم الإسلامي هي 1260 هجرية أي
بالضبط بعد ألف سنة شمسية كاملة من اختفاء الإمام الغائب.
أما بالنسبة لأحد زعماء
الشيخية وهو الملا حسين فإنَّ هذا البحث قد انتهى في مدينة شيراز في بلاد فارس يوم
23 من شهر مايو (أيار) عام 1844م عندما قابل شابًا يدعى سيد علي محمد (سيد لقب
يطلق على من هم من نسل الرسول محمد عليه السلام) وهو الذي أعلن أنَّه الشخص
الموعود الذي ينتظره الشيخيون. هذه الدعوة ذكرت في كتاب مطوَّل سمِّي "بقيوم الأسماء"
والذي نزل من قلمه المبارك في تلك الليلة الميمونة واعتبر بعد ذلك من صلب العقيدة
البابية. ففي كتاب قيوم الأسماء يُعَرِّف سيد علي محمد نفسه بالرسول
السماوي وأنَّه في مصاف الأنبياء والرسل السابقين مثـل سيدنا المسيح ومحمد والذين
سبقوهما. وفي آثاره الكتابية اللاحقة أشار إلى نفسه بالباب وهو لقب تعارف عليه
المسلمون. ويبدو واضحًا من الكلمة أنَّه اختار لنفسه هذا اللقب من أجل هدف روحاني
يختلف تمامًا عن المعني الذي ارتبط به في السابق(1).
إنَّ
جاذبية شخصية حضرة الباب والقوى المتدفقة منه وقدرته
الخارقة
على تفسير أكثر آيات القرآن الكريم صعوبة جعلت الملا حسين يعلن إيمانه به وأصبـح بذلك
أول المؤمنين بالدين البابي. وفي خلال عدة أسابيع آمن بحضرة الباب سبعة عشر شخصًا
باحثًا عن الحقيقية باعتبار أنَّ حضرته هو الموعود المنتظر وقد سمِّي هؤلاء
المؤمنون الأوائل الثمانية عشر بحروف الحي وقام بإرسالهم إلى مناطق إيران المختلفة
لتبشير الناس بطلوع وظهور يوم الله المشار إليه في القرآن الكريم وفي الكتب
المقدسة السماوية السابقة.
أمَّا
السيد علي محمد الذي عرف في التاريخ "بالباب" فقد ولد في مدينة شيراز في
العشرين من شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1819م من عائلة تمارس التجارة. أمَّا والداه فقد كانا من
العترة النبوية الشريفة. توفي والده عندما كان حضرته طفلاً ومن ثمَّ ترعرع في بيت
خاله الحاج ميرزا سيد علي الذي أصبح فيما بعد أحد أكثر أتباع حضرة الباب إيمانًا
ورسوخًا ووفاءً واستشهد في سبيله وأعتبر من
الشهداء الأوائل للدين الجديد. إنَّ جميع الشواهد دلت على أنَّ حضرة الباب في
طفولته كان طفلاً غير عادي وعلى الرغم من أنَّه تلقى المبادئ الأساسية في القراءة
والكتابة التي كانت مختصة بفئة معينة من الإيرانيين آنذاك ومحرومة منها غالبية
الشعب، ولكنه كان حكيمًا بالفطرة
وعليمًا مما آثار إعجاب مدرسيه وأصحابه. وبالإضافة إلى هذه الميزات والخصائص كان
شخصًا روحانيًا عميقًا. ففي طفولته كان يقضى أوقاتًا طويلة في الدعاء والتأمل، ففي
إحدى المناسبات اعترض عليه مدرسه قائلاً: إنَّه غير مطلوب من طفل مثلك أن يقضي كل هذا الوقت في
الدعاء والتأمل، فرد
عليه حضرة الباب بأنَّه كان في منزل "جده" العظيم الذي يسعى أن يحاكيه في عمله. وهذه إشارة
إلى
الرسول
محمد عليه السلام وهو أسلوب في القول يتبعه أولئك الذين ينتسبون إلى السلالة
النبوية الشريفة(1).
ترك
حضرة الباب المدرسة قبل أن
يكمل الثلاثة عشر ربيعًا وفى سن الخامسة عشرة انضم إلى تجارة خاله في
شيراز وبعد فترة قصيرة أرسل إلى بوشهر ليدير تجارة العائلة هناك. وبممارسته
التجارة اكتسب صيتًا جيدًا في الأمانة والقدرة. وقد استمر في تأملاته وأدعيته وقام بكتابة بعضها. وفي
ربيع عام 1841م غادر بوشهر لزيارة عدة مدن إسلامية ضمَّت أضرحة للأئمة الذين استشهدوا. ففي
أثناء زيارته لمدينة كربلاء التقى
حضرة الباب بالسيد كاظم الرشتي الذي رحب به بكل احترام وتقدير وقابله بكل شغف
وحماس مما أثار إعجاب تلاميذه. مكث حضرة الباب مدة من الزمن مع تلاميذ السيد كاظم،
ثمَّ رجع إلى إيران ليتزوج خديجه بكم بنت أحد تجار شيراز ومن أقربائه البعيدين.
وبعد أقل من سنتين أعلن دعوته في
شيراز للملا حسين بشروئي.
كانت
المرحلة القادمة مرحلة إعلان دعوة الدين الجديد بشكل علني. بدأت هذه المرحلة مع سفر
وزيارة حضرة الباب لمركز الحج في العالم الإسلامي وهما مكة المكرمة والمدينة
المنورة في شبه الجزيرة العربية. وفي يوم الجمعة الموافق للعشرين من ديسمبر (كانون
الثاني) عام 1844م كان حضرة الباب واقفًا أمام البيت الحرام
وواضعًا
يده على حلقة باب الكعبة الشريفة أشرف
وأقدس مكان للمسلمين في العالم
ومعلنًا بشكل علني:"إني أنا القائم الذي كنتم به تنتظرون". كما
كتب رسالة أو "توقيعًا" خاصًا إلى شريف مكة حامي الديار المقدسة يعلن
فيها دعوته. في
كلتا الحالتين لم تجد دعوة الباب أذنًا صاغية بين أهل السنة على الرغم من أنَّه
كان يعامل بكل أدب واحترام. ودون أي عائق عاد حضرة الباب بحرًا إلى بلاد فارس وبدأ
حروف الحي في نشر دعوته التي أثارت رجال الدين وعامة الناس.
بالنسبة
لرجال الدين الشيعة فإنَّ
دعوة حضرة الباب لم تكن دعوة للخروج عن الدين فحسب بل كانت تهديدًا مباشرًا لأصول
الإسلام. أما المسلمون السَّنة فإنَّ
الرسول محمدًا عليه السلام هو "خاتم
النبيين" وبالتالي فهو آخر المرسلين
للجنس البشري حتى "يوم القيامة" وإنَّ الإسلام ظلَّ سليمًا ولم ينتقص أو يحرف
منه شيء لأنَّ القرآن الكريم يمثل
الوديعة القيمة التي جاء بها الرسول محمد عليه السلام. من هذا المنطلق أكد علماء
المسلمين بأنَّ الإسلام يحتوي على كل ما
يحتاجه العالم البشري حتى يوم الحساب ولا يمكن لأي ظهور سماوي جديد أن يأتي أو أن
يكون ممكنًا مجيئه.
ولهذا
فإنَّ دعوة حضرة الباب كانت تحديًا لأساس النظام الديني في إيران. ذلك التحدي الذي أصاب صلب
معتقد المذهب الشيعي الأوسع انتشارًا في بلاد فارس. ولقرون عدة سيطر المذهب الشيعي
على جميع شئون الناس متمثلاً في شخص الإمام الغائب الذي يعتبر ظهوره علامة من
علامات يوم القيامة. وفي
الواقع كان هناك حديث متداول بأنَّ الملوك هم أمناء الإمام
الغائب. ولهذا قام علماء الدين في شتى أنحاء بلاد فارس بالتصدي بكل عنف وقسوة
لدعوة حضرة الباب
منذ
بداية سماعهم لها واشتدت هذه المعارضة ضراوة عندما أشار حضرة الباب إلى الجهل
والفساد المتفشي في أوساط رجال الدين الذين اعتبرهم الباب عائقًا رئيسيًا أمام
تقدم وازدهار الشعب الفارسي.
إنَّ معارضة رجال الدين تعدت
التنديد اللساني من فوق المنابر. ففي القرن التاسع عشر كان لرجال الدين الشيعة في
إيران سلطة ونفوذ يعادل سلطة ونفوذ الشاه نفسه. فالكثير من مقتضيات الحياة اليومية
تمَّ تنظيمها تبعًا للأحكام والتعاليم الإسلامية وتحت إشراف المجتهدين
والروحانيين. ونظريًا كانت أحكام المحاكم الدينية تعتمد على دعم الحكومة المدنية
من أجل تنفيذها ولكن في الواقع
كان لرجال الدين الشيعة مصادر خاصة بهم تستخدم لتنفيذ أحكامهم. يقول أحد رجال
الفكر المعاصر حول وضع بلاد فارس الذي كان سائدًا آنذاك عندما أعلن حضرة الباب
دعوته:
"خلال حكم آل قاجار
لاحظنا وجود مجتهدين وبالأخص في مدينتي إصفهان
وتبريز محاطين بما يمكن أن
نسميه رجال حماية خصوصيين. بداية كانت المجموعة تضم قطاع طرق ولصوصًا أكثر من رجال دين. كان هؤلاء
القطاع واللصوص يمثلون في الأصل "الأخوة الشجعان" وهم أشبه
بمجموعة "الفتوة" في الأناضول والمناطق العربية التي كانت تعمل على دعم
القوى الدينية التي تتحدى الدولة وتقوم بتنفيذ الفتاوي، وفي المقابل
سمح لهؤلاء الأشخاص بالنهب والسرقة والالتجاء إلى المساجد ومساكن رجال الدين عندما
كانوا يطاردون ويهددون"(1).
عمل
هؤلاء الرجال المسلحون الخصوصيون كرأس حربة لقوة تفوق مصدر القوة المتاحة لرجال
الدين. وعندما يعلنون بأنَّ
أعداءهم كفرة ومرتدون يقوم رجال الدين بتشكيل مجموعة أو عصابة مكونة من أفراد متعصبين
دينيًا وجهله جاءوا من المدن والقرى فيقتحمون الشوارع للدفاع عما يسمونه بالدين
الحق. وقد شعرت الدولة كرارًا ومرارًا بقدرة هذه المجموعات المسلحة وشعرت هذه
المجموعات الهرطقية أيضًا بقوتها ونفوذها.
وعلى
الرغم من الأخطار المحدقة المتزايدة لهؤلاء المرتزقة، فقد شهدت الفترة من عام 1845
حتى 1847 تزايدًا كبيرًا في أعداد الذين سموا أنفسهم بالبابيين أو أتباع حضرة
الباب. وفي الواقع كان عدد كبير من أتباع حضرة الباب من رجال
الدين وكان أحدهم مؤمنًا جديدًا وشخصية بارزة وذا نفوذ شديد اسمه سيد يحيى دارابي
الذي لقب فيما بعد "بالوحيد" وعندما ألقي القبض على حضرة الباب وحبس في
منزله بأمر من حاكم شيراز وبتحريض من علماء المسلمين أرسل له جناب وحيد ليستجوب
حضرته بالنيابة عن محمد شاه قاجار حاكم فارس آنذاك الذي وصل إلى سمعه أنباء عن الدعوة
الجديدة وأراد أن يحصل على معلومات موثقة
عنها. وليس غريبًا أن
يؤمن جناب وحيد بأمر حضرة الباب ولهذا أمر الشاه بإرسال حضرته فورًا إلى العاصمة
طهران وتحت الحراسة وأن
يعامل كضيف شرف. وسبق لحضرة الباب أن
أفصح عن رغبته في مقابلة الشاه
لشرح دعوته له.
ولم
يتحقق له ذلك مع الأسف، ذلك لأنَّ
محمد شاه قاجار كان شخصًا ضعيفًا ومتذبذبًا أخذت عوارض المرض الذي قضى عليه فيما
بعد تظهر عليه. وفوق ذلك كان رئيس الوزراء
(الصدر الأعظم) الحاج
ميرزا
آقاسي مسيطرًا عليه تمامًا ويعتبر هذا الأخير أحد أغرب الشخصيات في التاريخ
الإيراني(1). كان الحاج ميرزا آقاسي
مدرس الشاه في طفولته ويثق به الشاه تمامًا. وخوفًا من أنَّ لقاء الشاه مع حضرة الباب
قد يقلل من نفوذه وتأثيره أمر رئيس الوزراء بأن ينقل حضرة الباب تحت
الحراسة المشددة إلى قلعة ماه كو التي تقع في منطقة أذربيجان الشمالية وعلى حدود
روسيا. وقد علل ميرزا آقاسي عمله هذا للشاه بقوله بأنَّ قدوم حضرة الباب للعاصمة
قد يؤدي إلى وقوع صدام بين أتباعه
ورجال الدين المتعصبين وقد يتطور ذلك إلى هيجان عام وهو أمر عادي في ذلك الوقت(2).
وعلى
أي حال كان - الصدر الأعظم الذي جاء من منطقة أذربيجان أصلاً - متأكدًا بأنَّ سكان تلك المنطقة، وهم من
الأكراد المتوحشين القاطنين في الجبال سوف لن يتجاوبوا أو يقبلوا أمر حضرة الباب.
ولكن الحقيقة أثبتت العكس، فالدعوة البابية انتشرت في منطقة أذربيجان وقام مأمور
قلعة ماه كو والمسئولون الآخرون بإلقاء سلاحهم نتيجة لحسن معاملة السجناء
وإخلاصهم. وفي محاولة أخيرة للميرزا آقاسي
لكي يحد من هذا الأمر الذي اعتبره تهديدًا متزايدًا له أرسل حضرة الباب إلى قلعة
بعيدة أخرى تدعي "چهريق". ولكن العملية تكررت وآمن بحضرة الباب مسئول
القلعة وهو كردي اسمه يحيى خان وأصبح
من عشاقه.
أدرك
الحاج ميرزا آقاسي أنَّ
الأيام الأخيرة لشاه إيران باتت وشيكة وأخذ
الخوف يحيط به من عداء المجموعات المؤثرة في بلاد فارس نتيجة لفساد حكمه وسوء
تدبيره لشؤون البلاد ولهذا أخذ
يداهن ويقترب من رجال الدين وذوي النفوذ الذين اعترضوا بشدة على الدعوة البابية
وكانوا يطالبون بإدانة رسمية لهذه الحركة الجديدة. وبناء على طلب هذه الفئة
الأخيرة قام رئيس الوزراء الحاج ميرزا آقاسي بإرسال حضرة الباب إلى مدينة تبريز
لكي يحاكم أمام مجموعة من كبار رجال الدين.
جرت
هذه المحاكمة في صيف عام 1848م وثبت بكل المقاييس أنَّها محاكمة سخيفة وبلا معنى
كان هدفها الوحيد واضحًا وهو إذلال وإهانة حضرة الباب(1) انتهت جلسة المحاكمة باتخاذ قرار
بالعقوبة
الجسدية
وأخيرًا تم ضرب حضرة الباب بالفلقة على قدميه. هذه العقوبة كان لها نتائج غير متوقعة،
فقد استطاع حضرة الباب أن
يتصل بالشخص الغربي الوحيد الذي ترك مذكرات حول لقائه بحضرته. ففي أثناء ضربه
بالفلقة وجه أحد رجال الدين لكمة إلى وجه حضرة الباب وطلب من أحد الأطباء الإنجليز
وهو الدكتور وليام كورمك أن
يقوم بمعالجته وقد ذكر هذا الطبيب ما يلي في شرح لقائه مع حضرة الباب:
"كان الباب شخصًا لطيفًا جدًا ورقيقًا
في مظهره، أمَّا قصر قامته فلا تشوبه
شائبة بالنسبة للإيرانيين وكان في صوته رنة ناعمة جذبتني إليه… في الحقيقة فإنَّ
شكله وسلوكه يشدان الشخص إليه. بالنسبة لعقيدته لم اسمع شيئًا منه شخصيًا ولكن يقال
بأنَّ ما ينادي به من فكر في
ديانته يتقارب والمسيحية… وبالتأكيد ليس في ديانته تعصب كالذي يحمله
المسلم والمسيحي ولا هناك تقييد لحرية المرأة كالذي نراه عند المسلمين…([10])".
وعندما كان حضرة الباب طريح
السجن عانى أتباعه شتى أنواع التعذيب
والويلات من زمرة من المجرمين والغوغائيين يحركهم رجال الدين الشيعة. مما أدى
بالبابيين إلى اللجوء إلى الدفاع عن النفس. ففي الإسلام وعلى عكس المسيحية -هناك
سوء فهم كبير بالنسبة لمفهوم الجهاد الذي يسمح باستخدام القوة والسلاح لمعاقبة
الكفرة والمشركين. إنَّ الجهاد يسمح للمسلمين أيضًا
بالدفاع عن أنفسهم عندما يهاجمون ولكنه يمنع أي نوع من الحرب الهجومية ضد أهل
الكتاب (أي اتباع دين سماوي آخر ويقصد بهم عادة اليهود
والنصارى).
في هذا الجو الإسلامي رأى البابيون أنَّهم
محقون بالدفاع عن أنفسهم وعن عائلاتهم من هجوم رجال الدين. وكان البعض يعتقد أنَّ الباب قد يقوم بشرح موضوع
الجهاد ويبين أفكاره في هذا الخصوص.
ولكنه
لم يتم ذلك فقد شرح حضرة الباب في كتابه "قيوم الأسماء" المبادىء الأساسية
للمفهوم القرآني للجهاد ودعا أتباعه
إلى إتباع ما هو دارج في المجتمع
حول هذا الأمر. وقد اشترط حضرة الباب بأن
يكون الجهاد مشروطًا بموافقته ولكن هذه الموافقة لم تمنح رغم تزايد اضطهاد وتعذيب
البابيين بواسطة رجال الدين الشيعة.
هذه
القيود أثبتت بأنَّها الخطوة الأولى نحو تغيير تدريجي لمفهوم الجهاد في الإسلام
الذي يعتبر من المبادئ والأحكام الرئيسية في الدين الإسلامي. وعندما نزل البيان،
وهو كتاب حضرة الباب المقدس الذي يحتوي على أحكامه وتعاليمه، لم يذكر فيه حكم
الجهاد ولهذا ترك البابيون أحرارًا في الدفاع عن أنفسهم عندما كانوا يهاجمون، إلا إنَّهم منعوا عن تبليغ وإعلان
دعوة الباب باستعمال السيف. قد سمح الرسول الكريم محمد عليه السلام أتباعه باستعمال السيف والجهاد
نظرًا للأوضاع الهمجية التي كانت سائدة في شبه الجزيرة العربية آنذاك. قال حضرة
الباب بأنَّ حماية وانتصار أمره سيكون
بيد الله العلي القدير.
وبينما
كان حضرة الباب مسجونًا وقيد المحاكمة في شمال إيران استمر عدد أتباعه في الازدياد والنمو في
المناطق الأخرى من إيران. وفي الوقت الذي أعلن فيه دعوته العلنية في تبريز اجتمع
عدد كبير من قادة البابيين في قرية بدشت. ذلك الاجتماع الذي كان له الأثر الكبير
في تطور ونمو الدعوة البابية. وقد شاركت في هذا الاجتماع
واحدة من أهم السيدات البابيات الشهيرات المعروفة بقرّة العين والملقبة في التاريخ
البهائي بالطاهرة.
ولدت
قرّة العين (الطاهرة) من عائلة من العلماء ورجال الدين وعرفت فيما بعد على أنَّها واحدة من أشهر الشعراء الموهوبين في بلاد فارس. ولمعرفة أهمية
هذا الحدث فإنَّه من الأهمية أن
نعرف مدى عزلة نساء إيران آنذاك ومقدار الحظر الذي كان مفروضًا عليهن. ومن خلال نفوذ عمها وابن عم لها، وكانا من أتباع الشيخ أحمد الأحسائي، استطاعت
الطاهرة أن تتصل ببعض البابيين
الأوائل. وعلى الرغم من إنَّها لم تلتق بحضرة الباب إلاَّ أنَّها راسلته وأعلنت عن
إيمانها ثمَّ ضمها إلى حروف الحي.
من
الأسباب الرئيسية التي
دعت إلى عقد اجتماع بدشت هو البحث في كيفية إنقاذ حضرة الباب من سجنه في قلعة
چهريق. ومع هذا فإنَّ
جو الاجتماع تغير إلى جو شاحن بشكل غير متوقع حيث فسرت حضرة الطاهرة بصورة جريئة
بعض تعاليم حضرة الباب. فالبعض من
البابيين اعتبروا دعوة حضرة الباب دعوة تجديدية للدين والبعض الآخر التبس عليهم معنى ولفظ كلمة
"الباب". فقامت
الطاهرة بشرح وتوضيح رسالة ومهمة الباب بصورة مسهبة طبقًا لما أعلنه الباب نفسه في
ليلة إعلان دعوته للملا حسين. فقد أعلن أنَّه
الإمام المهدي المنتظر وقائم آل محمد الموعود. وعلى هذا فإنَّه رسول سماوي ومؤسس لدورة
دينية مستقلة جديدة. وكما حرر المسيحيون الأوائل أنفسهم من تعاليم وأحكام التوراة
دعي البابيون إلى عدم التقييد بأحكام الشريعة الإسلامية لأنَّ هناك تعاليم اجتماعية
جديدة أتى بها حضرة الباب وعلى البابيين أن
يتوجهوا إليها للهداية.
ومما
جعل اجتماع بدشت أكثر
إثارة ودهشة ظهور الطاهرة في إحدى الجلسات دون حجاب بعكس ما كان سائدًا في المجتمع
الإسلامي آنذاك. إنَّ عملها هذا وأعمالاً أخرى
شبيهة بها كان امتحانًا صعبًا للبابيين المتحفظين وأثارت حفيظة المسلمين
المتعصبين. فقام رجال الدين بنشر إشاعات
كاذبة حول البابيين منها أنَّهم
كفرة وعندهم إباحية جنسية واشتراك في الملكية وكان هدف رجال الدين تشويه الحقيقة
وتصوير الدعوة البابية على إنَّها حركة معادية للسلوك الحسن والنظام العام(1).
وفي شهر سبتمبر (أيلول) من عام
1848م توفي محمد شاه قاجار متأثرًا
بأمراضه المتعددة مما أدى إلى زيادة في عدم الاستقرار فتدهورت الأوضاع السياسية
وتم تعيين من سيخلفه(2). أما
الحاج
ميرزا
آغاسي فقد عزله أعداؤه السياسيون، واستغل رجال الدين هذه الفوضى
والهرج فشددوا من خصومتهم للبابيين ونظموا حملات لضربهم أينما كانوا.
وفي مقاطعة مازندران وجدت مجموعة
من البابييين يقدر عددهم بثلاثمائة شخص ويقودهم الملا حسين وأحد أتباع حضرة الباب المشهورين
المسمى بالقدوس (وهو الذي رافق الباب في حجه إلى مكة المكرمة) وجدت نفسها محاصرة
في قلعة صغيرة قامت بترميمها على عجل وتقع بالقرب من قبر أحد مشاهير الإسلام يسمى
بالشيخ طبرسي. قام هؤلاء البابيون بكل حماس
وشغف بالانتشار في مازندران معلنين أنَّ
القائم الموعود قد ظهر ودعوا جميع المؤمنين إلى النهوض والسير على نهجه، أما رجال الدين المحليون فقد
نددوا بهذه الدعوة واعتبروا المؤمنين بها منشقين ومرتدين وقاموا بإثارة أهالي عدة
قرى للهجوم على البابيين. وعندما احتمى البابيون بالسياج الذي أقاموه داخل قلعة
الشيخ طبرسي اتهم رجال الدين البابيين بأنَّهم
سبب الفوضى التي سادت بلاد فارس في ذلك الوقت مع أنَّ هذه الفوضى كان سببـها
الأصلي رجال الدين لاتهامهم البابيين بالارتداد والكفر. وفي جو مشحون بالصراع حول
السلطة بين ورثة محمد شاه قاجار كان هذا الاتهام بمثابة الشرارة التي أشعلت الوضع.
خلف الحاج ميرزا آقاسي رجل قوي قاس ومريب وهو الميرزا تقي خان فأصبح الصدر الأعظم
لإيران وقرر أن يقمع الحركة البابية ويقتلعها من جذورها فقام بإرسال قوة مسلحة
لدعم وتعزيز مجهودات رجال الدين والموالين لهم.
تحول حصار قلعة الشيخ طبرسي إلى خزي وعار
لمعارضي حضرة
الباب.
وخلال عام واحد تم إرسال آلاف من الجنود لقتال وقمع عدة مئات من البابيين الذين
كانوا يدافعون عن القلعة إلاَّ أنَّهم
جميعًا هزموا شر هزيمة. وأخيرًا وفي موقع عسكري صغير محاصر كان قد استشهد فيه عدد
كبير من أفراده ومنهم الملا حسين
وعد المهاجمون المجموعة بالإفراج عنهم إذا استسلموا وقد أقسموا على القرآن الكريم في
ذلك. وما أن خرج البابيون من هذا الموقع
حتى ألقي القبض عليهم حيث قتل
العديد منهم وآخرون عذبوا حتى الموت ومن تبقى أُسِر وبيع كالرقيق. أما جناب
القدوس فقد سلِّم ليد أحد رجال الدين الكبار في تلك المنطقة فقادوه في الشوارع
والطرقات وشوّهوا جسمه ثمَّ قتلوه.
وأحداث أخرى مشابهة وقعت في مدينتين أخريين هما
نيريز وزنجان. ففي هاتين المدينتين جاءت
قوات مسلحة تابعة لأمراء قاجار لدعم ومؤازرة الهمج الرعاع الذين حركهم واستفزهم
رجال الدين الشيعة ضد
البابييـن وقرروا استئصال وإبادة جميع أتباع الدين الجديد. وفي مدينة نيريز كان يتزعم
البابيين شخصية بارزة هو جناب وحيد ومع مكانته الدينية لم يخفف ذلك من سخط السلطات
المحلية ومن هجوم الناس الغوغائي. وفي مذبحة عقب الاستيلاء على قلعة كان البابيون
قد التجأوا إليها وحوصروا فيها استشهد جناب وحيد. وفي مدينة زنجان كان الحال مثل
قلعة الشيخ طبرسي فقد خدع المحاصرون البابيين ووعدوهم بالسلام والأخوة وكتبوا ذلك على نسخة من
القرآن الكريم إلاَّ أنَّهم غدروا بهم وقتلوهم عن بكرة
أبيهم بعد خروجهم من مواقعهم.
وبالرغم
من بعض المحاولات الواضحة التي قامت بها السلطات الدينية والسياسية للتستر على هذه
الملاحم الثلاث مع البابيين وهي
معركة
قلعة الشيخ طبرسي وحوادث نيريز ووقائع زنجان فقد كان هناك ناجون من كل معركة أو
حادثة استطاعوا أن
يشهدوا على كل ما حدث. فالنسخ
المكتوبة لهذه الروايات تشكل المصدر الرئيسي للكتاب التاريخي الذي كتبه وأعده نبيل زرندي المعروف بالنبيل الأعظم بعد
عدة سنوات(1).
وبرزت
في أنحاء مختلفة من إيران مشاهد عنف عديدة يغذيها تحريض رجال الدين على أنَّ البابيين مرتدون وساندهم
كثير من السلطات المحلية في اعتداءاتهم. ولم
يحمهم وضعهم الاجتماعي. وفي العاصمة طهران، وفي نفس الوقت الذي وقعت فيه حوادث
زنجان تقريبًا صدر الحكم بإعدام سبعة من الشخصيات المرموقة من كبار التجار ومن
الأوساط العلمية عندما رفضوا إنكار دينهم، فقتلوا بشكل بشع ومرعب. ومما يدل على وحشية الناس
الذين قاموا بهذا العمل أنَّ من بين الشهداء شخص يدعى الميرزا قربان علي قد عرف
بالزهد والتقوى الشديدين وعمل مرشدًا روحيًا خاصًا للعائلة المالكة ولأعضاء
الحكومة(2).
إنَّ
معظم المسئولية في هذه الأعمال الوحشية لا تقع على عاتق رجال الدين وحدهم وإنَّما
على رئيس الوزراء الجديد الميرزا تقي خان أيضًا. أمَّا الشاه الجديد ناصر الدين
شاه فكان عمره لا يتجاوز السادسة عشرة،
ولهذا كان زمام السلطة بيـد رئيس الوزراء أو الصدر الأعظم.
وكان
هذا الأخير على رأس مجموعة قامت بنصب الشاه الجديد بعد منافسة حادة على السلطة بين
شخصين من العائلة المالكة. وقد
استنتج رئيس الوزراء الجديد بأنَّ
ضمان استمراره في الحكم وثبات المنطقة واستقرارها يقتضي قمع الدعوة البابية ولهذا
شارك في الأعمال الوحشية ضد البابيين في قلعة الشيخ طبرسي وفي نيريز وزنجان وفي
قتل شهداء طهران السبعة الذين عرفوا بهذا الاسم. والآن يريد ضرب الدعوة في مهدها.
وبينما
كان الحصار قائمًا في زنجان أمر الميرزا تقي خان حاكم منطقة أذربيجان بأن ينقل حضرة الباب إلى مدينة
تبريز وهناك يعدم أمام الملأ(1) لم
يكن للميرزا تقي خان أية صلاحية لإصدار مثل هذا الأمر ولم يستشر باقي أعضاء
الحكومة في هذا الخصوص ولهذا السبب لـم يستجب حاكم أذربيجان الذي كان يكن كل احترام
وتقدير لحضرة الباب لهذا الأمر. وأخيرًا
اضطر الميرزا تقي خان إلى إرسال أخيه الميرزا حسن خان لتنفيذ هذه المأمورية. فقد أخذ الباب بعجالة إلى تبريز وقرر
كبار المجتهدين وعلماء الدين أن
يتعاملوا مع الموضوع فيحكموا عليه
من منظور ديني أكثر منه مدني. وكما توقع الميرزا تقي خان
كان رجال الدين على أتم استعداد لإصدار فتوى بقتل حضرة الباب بتهمة الارتداد. وفي
اليوم التاسع من شهر تموز
(يوليو) من عام 1850م تمَّ الإعداد لتنفيذ هذا العمل الشنيع وسط حشد مزدحم من
آلاف
الناس الذين تجمعوا فوق أسطح المنازل وعلى النوافذ في ساحة عامة وما وقع بعد ذلك
كان حدثًا مذهلاً وغير عادي.
قيد
حضرة الباب بالحبل ومعه أحد أتباعه
على جدار أحد الثكنات العسكرية وجاء فوج من الجنود الأرمن المسيحيين يصل عددهم إلى750
شخصًا واصطفوا ليشكلوا فرقة مكلفة بإطلاق النار على حضرة الباب. أما قائد الفوج ويقال له سام
خان فقد كان مترددًا في تنفيذ هذا الحكم لأنَّه كان خائفًا من نزول السخط الإلهي
عليه. حينئذ قال له حضرة الباب: "اعمل بما أُمرت به وإن كانت نيتك صادقة فإنَّ الله العلي القدير قادر على
إزالة حيرتك وارتباكك"(1).
رأى العديد من شهود العيان ما
حدث بأم أعينهم(2) فقد اصطف الفوج وأطلق 750 رصاصة وتصاعد الدخان
الكثيف الصادر من فوهة البنادق وتحوّلت الساحة إلى ظلام. وعندما انقشع الدخان شاهد
الجمهور أمرًا غريبًا. فقد شاهدوا أنيس الباب
واقفًا بجوار الحائط دون أذى أما حضرة الباب فكان غائبًا عن الأنظار. أما الحبال
التي ربطا بها فقد كانت ممزقة تمامًا. وبدأ
بحث محموم عن حضرة الباب فوجدوه سليمًا داخل الغرفة التي شغلها الليلة الماضية
هادئًا ومنشغلاً في إنزال آخر كلماتـه وإعطاء توجيهاته إلى كاتب وحيه.
هاج
الجمهور من هذا المشهد وماج، أما
قائد الفوج الأرمني فقد رفض الاستمرار في هذا العمل ووجد الميرزا حسن خان نفسه
أمام احتمال أن ينقلب الناس الذين آمنوا
بحضرة الباب في السابق ثمَّ
ارتدوا
عنه فيؤمنوا به مرة أخرى، نظرًا لمعجزة الباب أثناء إطلاق النار عليه للمرة الأولى
واعتبار ذلك معجزة سماوية. ومن
ثمَّ اصطف فوج آخر مكون من جنود مسلمين وجيء بحضرة الباب ورفيقه مرةً أخرى وقُيِّدا على الحائط ثمَّ
أطلق وابل من الرصاص عليهما. وفي هذه المرة
مزقت الطلقات جسدي السجينين. أما
آخر كلمات حضرة الباب إلى الجمهور فكانت: "أيها الجيل الملتوي، لو آمنتم بي لاحتذى كل واحد
منكم حذو هذا الشاب الذي هو أعظم منكم شأنًا
لأقبل راضيًا مختارًا على التضحية بنفسه في سبيلي وسيأتي اليوم الذي فيه تؤمنون
بي، وعند ذاك لن أكون معكم"([11]).
إنَّ
الظروف غير العادية التي أحاطت باستشهاد حضرة الباب أثارت موجة جديدة من الاهتمام
الواسع في تعاليمه. فرواية استشهاده انتشرت كالنار في الهشيم ليس بين أهل إيران
فحسب بل بين السياسيين والتجار والعسكريين والصحفيين الذين كانوا يشكلون جالية أوربية
كبيرة في بلاد فارس آنذاك. إنَّ
كلمات قنصل فرنسا الرسمي السيد نيكولاس تبيّن مدى تأثير هذه الفاجعة على جمهور
الناس الغربيين المثقفين:
"إنَّ ذلك المثل الرائع الذي قدمه الباب
للإنسانية لتتأمله لهو من أعظم
الأمثلة الرائعة على الشجاعة ودليل يثير الإعجاب على المحبة التي حملها بطلنا
لمواطنيه. لقد ضحى بنفسه من أجل
الإنسانية ووهب لها جسده وروحه، وفي
سبيلها عانى الحرمان والهوان والسباب والعذاب والشهادة. وقد وقع بدمه ميثاق الإخاء
العالمي ودفع حياته
كما
فعل السيد المسيح من قبل، عربونًا
لعهد الوفاق والعدل والمحبة القادم"(1).
كان
استشهاد الباب بالنسبة للجامعة البابية وما تبعه من إبادة لزعماء الدين ورموزه بما
فيهم غالبية حروف الحي بمثابة ريح عاتية ومدمرة. حيث فقد البابيون القيادة
اللازمة، قيادة لم تكن لتتحمل الاضطهاد الشديد فحسب بل وللحفاظ على سمو الأخلاق
العالية التي نادى بها حضرة الباب.
كان
البابيون يؤكدون دومًا بأنَّ
اهتمامهم الرئيسي هو الإعلان عن التعاليم الاجتماعية والروحانية الجديدة التي جاء
بها الباب. وفي الوقت نفسه ونظرًا لأنَّ أفكارهم الدينية كانت من
خلفية إسلامية فقد كانوا يعتقدون بأنَّ لهم حق الدفاع عن النفس وعن
عائلاتهم شريطة أن
لا يبادروا بالعدوان حفاظًا على قيمهم الدينية. وعندما تم القضاء على الرموز التي
كانت تقود الجامعة البابية بهذه الأعمال الوحشية التي قام بها الميرزا تقي خان فقد
كان متوقعًا أن العناصر المترددة بين
البابيين قد تغدو عاجزة عن الحفاظ على الانضباط الأصيل.
وهذا
ما حصل بالفعل ففي يوم 15 آب (أغسطس) عام 1850 ميلادي قام شابان بابيان غلبت
عليهما المعاناة التي شاهداها وأصيبا باليأس نتيجة موقف السلطات فقاما بإطلاق
النار على الشاه فأصيب الشاه بجروح طفيفة ونجا من الحادثة لأنَّ البندقية التي استعملت
كانت محشوة بالبارود الخاص بصيد الطيور. إلا أنَّ هذه الحادثة أثارت من حولها
موجة من العنف أقوى وأشد
من قبل، فبدأ عصر إرهاب جديد.
ترك
الكابتن ألفرد فون كوفر وهو ملحق عسكري
نمساوي مذكرات حول هذه الفترة. كان
مصدومًا ومتأثرًا بشدة من الأعمال الوحشية التي شاهدها بنفسه ولهذا قدم استقالته
من منصبه وكتب بعد ذلك مقالاً نشر في جريدة "فينس" وفيما يلي نصه:
"اتبعني
يا صديقي وأنتم يا من تدّعون بأنكم تتحلون بالأخلاق
الأوروبية الرفيعة. تعالوا معي لتشاهدوا
البؤساء الذين فقئت أعينهم ثمَّ أجبروا على أن يأكلوا آذانهم المبتورة في مشهد
التعذيب ذاته دون ملح ولا توابل! والذين انتزع الجلادون أسنانهم وضروسهم بوحشية
والذين لم ينلهـم شيء كبير من الأذى سوى أن حطمت المطارق جماجمهم العارية بكل
بساطة. هلمّوا هلمّوا إلى حيث تضاء
الأسواق بالضحايا البؤساء لأنَّ الناس شقوا ثقوبًا في صدور الضحايا وأكتافهم عن
اليمين وعن الشمال ووضعوا في الجروح شموعًا مشتعلة. ولقد شاهدت بعضهم يسحبون في
السوق مصفدين بالأغلال تتقدمهم إحدى الفرق العسكرية وكانت الشمـوع قد احترقت
وتوغلت حتى أخذ شحم الجروح يدخن كالمصباح إذا انطفأ حديثًا. وليس من النادر أن تتفتق عبقرية أهل الشرق عن
ألوان جديدة من التعذيب. من
ذلك مثلاً أنهم يسلخون قدمي البابي ويغمسون جروحه في الزيت المغلي ويدقون فيها
حدوة حصان ويرغمونه على الجري فلا تصدر من الضحية آهة ولا زفرة. بل تتحمل حواسه
المفقودة ذلك العذاب في صمت مظلـم والآن يجب عليه أن يجري ولا يستطيع الجسم أن
يتحمل ما يتحمله الروح فيسقط. ألا
فارحموه واضربوه الضربة القاضية وخلّصوه من آلامه! ولكن لا! الجلاد يهوي بالسوط
وكان علي أن أشاهد ذلك وإذا بالضحية المتحملة مائة ضعف من العذاب تركض من جديد كل
هذا
مجرد
بداية للنهاية. أما النهاية نفسها فهي أن الجلادين يصلبون الأجساد المكوية الممزقة
رأسًا على عقب على جذوع الأشجار عند ذلك تتاح الفرصة لأي إيراني يحب أن يجعل تلك
الأجساد المعلقة النبيلة هدفًا لإظهار براعته في التصويب على قدر ما يحب ويشتهي
وعلى مسافة معينة ليست بالقريبة جدًا ولقد رأيت أجسادًا مزقتها مائة وخمسون رصاصة
تقريبًا"(1).
من
أشهر ضحايا الاضطهاد الجديد شاعرة تسمى "الطاهرة" والتي كانت
مسجونة بالمنزل لمدة من الزمن. ومما قامت به هذه المرأة هو إزالة قيود المرأة التي
كانت شديدة في ذلك الزمن على اعتبار أنَّ تحرير المرأة من تعاليم حضرة الباب ومن
مزايا العصر الجديد. وعلى الرغم من صدور
حكم الموت عليها وعلمها بذلك قالت للسجان: "يمكنك قتلي في أي وقت
تشاء ولكنك لا تستطيع وقف تحرير المرأة".
وبذلك انتهـى ما يسميه
البهائيون "بالدورة البابية" وهي المرحلة الأولى من التاريخ البهائي. وفي
ذلك الوقت كانت البلاد تعيش في فترة تكتسحها عواصف التغيير الاجتماعي الشامل. أما أعداء حضرة الباب فقد
اتهموا حضرته بأنَّه يخطط لاكتساب قوة سياسية، والبعض
روج
بأنَّه كان قادرًا على أن يكون زعيمًا للبلاد. إنَّ القدرات غير العادية لأتباعه
الصناديد، وظهور تجاوب الناس لرسالة دينية جديدة والفساد والشقاق الحزبي الذي كان
متفشيًا بين القيادات الدينية والمدنية، والفترة المؤقتة التي سادت فيها الفوضى
المدنية أثناء مرض محمد شاه قاجار ومن ثمَّ موته. كل ذلك أدى إلى إيجاد وضع كان
يمكن لحضرة الباب أن يستفيد منه عندما عرضت عليه المساعدة والتي كان في أمسّ الحاجة إليها.
في أواخر عام 1846م عرض الحاكم العام لإصفهان منوجهر خان، والذي كان يعتبر واحدًا من
أقوى الشخصيات في إيران، عرض
على حضرة الباب وضع كامل قواته العسكرية وثروة ضخمة تحت إمرته لكي يقوم بالهجوم
على مدينة طهران ويحارب رجال الدين والشاه، وهو عمل يمكن تبريره في نظر الشيعة. إنَّ المبدأ الرئيسي الذي يحكم
الملكية في بلاد فارس هو أنَّ الشاه في الأصل نائب للأمام المهدي المنتظر، ولأنَّ الادعاء الأساسي لحضرة الباب بأنَّه
هو تلك السلطة الروحية التي طال انتظارها، ونظرًا لأنَّ بعض العقول والنفوس المنيرة
في بلاد فارس قبلت دعوته وآمنت به فكان من المفروض أمانة أن يقوم محمد شاه وناصر
الدين شاه قاجار بدراسة تعاليم حضرة الباب والاستماع إلى دعوته بكل دقة واحترام. والسبب في تجاهلهم كل ذلك كان
تدخل زعماء السياسة والدين انطلاقًا من خشيتهم بأنَّ حضرة الباب قد يهدد مكانتهم
وسلطتهم ويعمل على تقويضها.
وبرفض
حضرة الباب استعمال القوة حيال تلك الأمور، حتى لو كلفه ذلك حياته، فقد قدم يقينًا
مقنعًا على ميزة رسالته السلمية السمحة واتكاله الكامل على القوى الروحية التي
أشار إليها منذ بداية دعوته
على
أنَّها العون الوحيد له.
ترى
ما هي هذه التعاليم التي أثارت زوبعة من العنف والعدوان والتي تحمل من أجلها حضرة
الباب والألوف من غيره شتى أنواع المحن والآلام وفدوا جميعًا أرواحهم في سبيله؟ إنَّ الإجابة على ذلك ليس بالأمر
البسيط. ونظرًا لأن دعوة حضرة الباب كانت مرتبطة بصورة خاصة بمعتقدات الشيعة
ومفاهيمهم الفقهية فإنَّ العقلية الغربية تجد صعوبة في فهم العديد من الأمور التي
قام حضرة الباب بطرحها في كتاباته.
وفي
الواقع إنَّ من أهم الأسباب التي بها نجح حضرته في إبلاغ كلمته لبعض علماء الدين
البارزين وإلى مجموعة من طلاب العلم والمعرفة هو إحاطته الكاملة لأعمق وأدق
المواضيع الإسلامية الفقهية الخاصة بالنبوات والعقيدة المثيرة للجدل.
لقد بدا لمستمعيه أمرًا غير عادي في أنَّ شابًا تلقى تعليمًا ابتدائيًا
بسيطًا قياسًا بطبقة المفكرين في إيران أن
يكون بكل بساطة قادرًا على الإجابة عن أسئلة العلماء الاجلاء الذين قضوا حياتهم في هذا المجال
وأسسوا مكانتهم العامة منها. إن
المذكرات التاريخية الأولية للبابيين تشير إلى تفاصيل هذه الوقائع وشرحها وتبين
أثر ذلك على المستمعين. أما بالنسبة للقارئ من أوروبا
أو أمريكا الشمالية فإنَّ هذه المواضيع تكون له مبهمة وغير واضحة.
وعلى
الرغم من براعة حضرة الباب وتفوقه فإنَّه لم يشجع أتباعه من العلماء ورجال الدين وطلاب
المعرفة على كسب هذه العلوم. ويمكن تفهم سبب ذلك من دراسة للأبحاث التي قام بها
المستشرق البريطاني إدوارد براون حول فقه الشيعة. لقد وصف إدوارد براون الأبحاث
والتفاسير والمواضيع والملاحظات التي قام بها علماء الدين
من أجل النهضة الثقافية في القرن
التاسع عشر في إيران بأنَّها "سخيفة" ولا قيمة لها. وأنَّ وضع العلماء
الحاليين وضع "يرثى له". كما
شاركه وأيّده في الرأي أحد المفكرين المسلمين البارزين آنذاك وهو الشيخ محمد عبده
حيث قال براون عنه:
"الشيخ
محمد عبده هو مفتي مصر الأعظم ورئيس جامعة الأزهر وربما أكثر المفكرين تنويرًا ومُحبًّا
للغة العربية وآدابها، ولم يشهد العالم الإسلامي في العصر الحديث شخصا فذًّا مثله.
هذا الشخص كان يقول بأنَّ جميع هذه المواد والمواضيع يجب أن تحرق لأنَّها فقط تشغل
الأرفف وتحمل الحشرات وتمنع من نشر العلوم الصحيحة. هذه كانت وجهة نظر أحد كبار
علماء الإسلام ولهذا يجب أن لا نتردد في قبول ذلك..."([12]).
عبّر
حضرة الباب عن هذا الرأي مرارًا. وفي كتابه "البيان" تصور اليوم الذي
فيه تتخلص بلاد فارس من تبديد الثروات وتظهر الطاقات الفكرية للشعب بعد خلاصهم من
الخرافات. كما تحدّث عن العصر القادم الذي تظهر فيه مجالات جديدة من العلوم
والمعارف والذي فيه تكون المعرفة حتـى عنـد الشبـاب متفوقة على العلوم التي كانت
معاصرة في زمنه([13]).
أمّا
التعاليم الاجتماعية لحضرة الباب فكانت أكثر إثارة للاهتمام
من مواضيع الألوهية المركزة
والتي هي من الاختلافات الهامة بين المسيحية والإسلام. إنَّ الإسلام يرّكز على أنَّ
الدين هو وسيلة لتنظيم المجتمع. وقد تصور القرآن الكريم تأسيس مجتمع إسلامي كامل
واتخذ الرسول محمد عليه السلام أول خطوة عندما قام بتأسيس أول دولة إسلامية في
المدينة المنورة. ولهذا ليس عجيبًا أن يبدأ التقويم المسيحي مع ميلاد المسيح ويبدأ
التقويم الإسلامي اعتبارًا من هجرة الرسول الأعظم وتأسيس الدولة الإسلامية في
المدينة المنورة. وبعيدًا عن مبدأ "ما لقيصر لقيصر وما لله لله" فإنَّ
التعاليم الإسلامية تحتوي على مجموعة كبيرة من التوجيهات الأخلاقية الخاصة بطريقة
إدارة الدولة للشئون الإنسانية. والمسلمون
الشيعة كانوا يتوقعون أنَّ الإمام المهدي عندما يظهر يقوم بفتح الطريق لنجاة البشر
ويؤكد على مفهوم "دعوة الجنس البشري إلى الصلاح والتقوى".
من
هذا المنطلق والمفهوم الإسلامي يجب فهم رسالة حضرة الباب. إنَّ عقول وقلوب الذين
خاطبهم آنذاك كانت مغلقة، وفي عالم فكري محدود لا يختلف كثيرًا عن القرون الوسطى
بل كانت في ظلام وعزلة ولكنها مؤمنة بالقضاء والقدر([14]).
إن الأسلوب الذي اتخذه حضرة الباب للقضاء على هذه المشكلة هو إيجاد مفهوم المجتمع
الجديد القادر على الاحتفاظ على عناصر كبيرة من الأصول الثقافية والدينية السائدة
والمتعارف عليها لدى أتباع حضرة الباب، والتي أثبتت الأحداث أنَّها قادرة على
إبراز حركة جديدة وقوية. دعا حضرة الباب
شاه
إيران والشعب الإيراني إلى أتباعه في تأسيس هذا المجتمع الجديد. ففي خلال فترة دعوته القصيرة
جاء بسلسلة من الأحكام الخاصة بالسلوك العام وأيضًا لحفظ السلام والنظام العام
ولتوجيه الأنشطة الاقتصادية ووضع نظامًا لمؤسسات اجتماعية مثل الزواج والطلاق
والميراث، ووضّح العلاقة بين الجامعة البابية والأمم الأخرى. وأيضًا جاء بالدعاء والمناجاة
والمبادئ الأخلاقية والتوجيه المعنوي لأفراده المؤمنين. هذه المبادئ والأحكام وصفها
أحد المؤرخين البهائيين بأنَّها كانت عمدًا صارمة ومعقدة وشديدة هدفها إحداث صدع في المعتقدات
الإسلامية للمؤمنين من أجل إعدادهم ليلعبوا دورًا هامًا في تاريخ الجنس البشري.
هذا
الأمر كان الموضوع الذي ذكر في كل فصل من كتاب البيان وكان يهدف إلى إيجاد التغيير
الروحاني والاجتماعي لبلاد فارس. أعلن
حضرة الباب أنَّ الهدف الأساسي لدعوته هو الإعداد لظهور مبعوث سماوي عالمي وأشار
إلى هذا الموعود بأنه "من يظهره الله". يعتبر حضرة الباب رسولاً سماويًا
مستقلاً في حد ذاته وعلى مصاف الأنبياء والمرسلين العظام مثل موسى وعيسى ومحمد ومبشرًا
بالذي ينتظره جميع أديان العالم. إنَّ كلمة "باب" لها مفهوم أعظم فـي
الظهور الجديـد من مفهومهـا في الإسلام. إنَّ حضرة الباب كان
"البوابة" أو "الباب" لظهور مظهر إلهي تنتشر دعوته
في شتى بقاع الأرض.
هناك
فقرات متعددة من كتاب البيان وكتابات أخرى لحضرة الباب تتحدث بإسهاب عن هذا الموضوع الرئيسي. هذه الفقرات تبيّن بوضوح بأنَّ
حضرة الباب رأى في دورة دعوته أنَّها فترة انتقالية بحتة. وعندما يظهر الشخص
الموعود فإنَّه سوف يأتي بالتعاليم الخاصة
بالعصر
القادم وهو الذي سيقرر الأمور التي يجب أن تنسخ من الدورة البابية:
"إنَّ
ألف آية من آيات البيان لا تعادل آية واحدة نازلة من "من
يظهره الله"… اليوم البيان في مرحلة البذرة
وفي بداية ظهور "من
يظهره الله" وإنَّ تجلّيه الكامل سيصبح واضحًا… وإنَّ البيان يأخذ جلاله من "من يظهر الله"([15]).
لم
يشر حضرة الباب في أحاديثه إلى ميقات ظهور الموعود المنتظر ولكنه أشار بأنَّ ذلك
قريب الوقوع وقد بشَّرَ كثير من أتباعه
أنَّهم سوف يشاهدون من يظهره
الله بأمّ أعينهم وأنَّهم سيفتخرون
بخدمته. أشار كتاب البيان وبعض الكتابات الأخرى إلى اصطلاح مرموز وهو "سنة
التسع" و" سنة التاسع عشر"، وفوق ذلك أعلن حضرة الباب بأنَّه
لا يمكن لأي شخص أن يدعي زورًا بأنَّه "من يظهر الله" وينجح في دعوته. كما
أمر أتباعه بعدم اعتراض أي شخص يدعي هذا المقام بل أن يجنحوا إلى السلم حتى يتم
الله إرادته. فمثلاً كتب حضرته إلى جناب "وحيد" الصحابي الجليل والمخلص ما
يلي: