الأيّام
التّسعة
صفحة خالية
الأيّام التّسعة
إعداد
الدّكتور شوقي مرعي
رضوان ١٤٤ بديع
نيسان ١٩٨٧
من منشورات دار النّشر البهائيّة فِي البرازيل
EDITORA
BAHA'I BRASIL
Rua
Engenheiro Gama Lobo 267 Vila Isabel
20.551
مقدّمة
إنّ الأيّام التّسعة التي يحتفل بها البهائيّون فِي كلّ عام لهي أيّام وأعياد مباركة
حدّدت فِي النّصوص المقدّسة، ويمجّدها الاحبّاء ويعتبرونها مصدر فيض ملكوتيّ
وتأييد سماويّ وموضع عبرة وتذكرة لهم عَلَى ممرّ الأعوام.
ونظرًا
لكثرة الألواح والنّصوص المباركة والأذكار
الخاصّة والمعلومات التّاريخيّة الغزيرة المرتبطة بهذه الأيّام المباركة والموجودة
فِي طيّات الكتب المتعدّدة والمنتشرة بلغات مختلفة، فقد جمع غيض من فيض تلك النّصوص
والآثار والبيانات المقدّسة والحوادث التّاريخيّة فِي كتاب واحد هو الأوّل من نوعه
باللّغة العربية عَلَى غرار الكتاب المنشور باللّغة الفارسيّة سنة ١٠٣بديع،
وذلك تسهيلاً لأمر تنظيم هذه المناسبات الرّوحانيّة وتبجيلها كما ينبغي ويليق،
وتوقّعًا للحصول عَلَى ما يرجى منها
من فيض روحي وانتعاش وجداني.
والفضل
فِي إصدار هذا الكتاب يعود للحبيب
الرّوحاني الدّكتور شوقي مرعي الذي بذل جهدًا خاصًّا فِي جمع موادّه وترجمتها
وترتيبها عاونه فِي ذلك لجنة مختصّة من الاحبّاء أيّده الله وإيّاهم عَلَى نشر
كلمته المقدّسة بين العالمين.
هذا
ونلفت نظر القارئ الكريم إلى
أنّ ما أدرج من النصوص العربيّة المباركة فِي الكتاب متميّزة بتحريك حروفها، وأما ما نقل عَنْ الفارسية أو الإنجليزية من النّصوص المباركة إلى العربيّة فقد طبعت دون وضع
الحركات عَلَى حروفها، كذلك الموضوعات التّاريخيّة والبيانات الأخرى عربيّة كَانَتْ
أم معرّبة فقد طبعت أيضًا دون
تحريك.
وتجدر
الإشارة أخيرًا إلى أنّه قد أضيف إلى الكتاب فصل خاصّ بمناسبة
صعود حضرة عبد البهآء أوردت فيه النّصوص المباركة والبيانات والتّواريخ المتعلّقة
بالاحتفال لذكرى صعوده الذي يعتبر يومًا
مخصوصًا دون أن يكون محرّمًا شأن الأيّام التّسعة المقدّسة، إلا أن إحياء ذكراه فِي كلّ عام ضروريّ بناء عَلَى توجيهات حضرة وليّ أمر الله المباركة.
النّاشر
النّصوص المباركة التي تقرّر الأيّام التّسعة
تفضّل
حضرة بهاء الله بقوله الأعزّ الأعلى:
"... قَدِ انْتَهَتِ الأَعيادُ إِلى العِيدَينِ الأَعْظَمَيْنِ، أَمَّا الأَوَّلُ أَيَّامٌ فيها تَجَلّى
الرَّحْمَنُ عَلَى مَنْ فِي الإِمْكَانِ بأَسْمآئِهِ
الحُسْنَى وَصِفَاتِه العُليَا، وَالآخَرُ يَوْمٌ فيهِ بَعَثْنا مَنْ بَشَّرَ النَّاسَ بِهَذَا
الاسْمِ الَّذِي بِهِ قامَتِ
الأَمْوَاتُ وَحُشِر مَنْ فِي السَّمَوَاتِ والأَرَضِينَ، وَالآخَرَيْن
فِي يَوْمَيْنِ كَذَلِك قُضِيَ الأَمْرُ مِنْ
لَدُنْ آمِرٍ عَلِيمٍ، طُوبَى لِمَنْ فَازَ بِاليَوْمِ الأَوَّلِ مِنْ شَهْرِ البَهآء الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ لِهَذَا
الاسْمِ العَظِيمِ، طُوبَى لِمَنْ يُظْهِرُ فِيهِ نِعْمَةَ اللهِ عَلَى نَفْسِهِ
إِنَّه مِمَّنْ أَظْهَرَ
شُكْرَ اللهِ بِفِعْلِهِ المُدِلِّ عَلَى فَضْلِهِ الَّذي أَحَاطَ العَالَمينَ، قُلْ إِنَّهُ لَصَدْرُ
الشُّهُورِ وَمَبْدَئُهَا وَفِيه تَمُرُّ نَفْحَةُ الحَيَوةِ عَلَى المُمْكِناتِ طُوبَى
لِمَنْ أَدْرَكَهُ بالرَّوْحِ وَالرَّيْحانِ نَشْهَدُ أَنَّه مِنَ الفَائِزِينَ، قُلْ
إِنَّ الْعِيدَ الأَعْظَمَ لَسُلطَانُ
الأَعْيَادِ اذْكُرُوا يا قَوْمِ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُم إِذْ كُنْتُمْ رُقَدآءَ أَيْقَظَكُمْ مِنْ نَسَمَاتِ الوَحْي وَعَرَّفَكُم
سَبِيلَهُ الوَاضِحَ المُسْتَقِيمَ".
"يَا قَلَمَ الأَعْلَى قُلْ يَا
مَلأَ الإِنشآءِ قَدْ كَتَبْنَا عَلَيْكُمُ
الصِّيَامَ أَيَّامًا
مَعْدُودَاتٍ
وَجَعَلْنَا النَّيرُوزَ عِيدًا لَكُمْ بَعْدَ إِكْمالِها كَذلكَ أَضآئَتْ شَمْسُ البَيَانِ مِنْ أُفُقِ الكِتَابِ مِنْ لَدُنْ
مالِكِ المَبْدَءِ وَالمآبِ".
وجَاءَ فِي لوح مبارك لحضرة عبد البهاء قوله جلّ ثناؤه:
"في أيّام السّنة هناك تسعة أيّام فِي الحقيقة العمل فيها
غير جائز، بعضها وفقًا للنّصوص الإِلهيّة والبعض الآخر يقاس بها، يوما الأوَّل
والثّاني من شهر محرّم والأيّام الثّلاثة من عيد الرّضوان واليوم السّبعون بعد النّيروز
و يوم النّيروز و اليَوم الثّامن والعشرون من شهر شعبان واليوم الخامس من شهر جُمادى
الأولى... إنّ هذه الأيّام التّسعة لا يجوز فيها الاشتغال بالمهن والتّجارة والزّراعة
وأيضًا العمل فِي مهام المناصب والوظائف الحكوميّة".
وفي لوح آخر لحضرة عبد البهاء قوله عزّ بيانه:
"أمّا تواريخ هذا الظّهور الأعظم بعضها شمسيّ وبعضها قمريّ.
عيد الرّضوان وعيد النّيروز وليلة الصّعود شمسيّة ولكنّ العيدين المباركين بصريح
الكتاب توأمان ولا يتحقّق هذا إلا بالحساب القمريّ وفي أيّام حضرة بهاءالله
المباركة كان عيد بعثة حضرة الأعلى وذكرى استشهاده يحييان بالحساب القمريّ غير أنه
لم يصرّح بهما فِي الكتاب الأقدس".
من تواقيع حضرة وليّ أمر الله قوله الأحلى:
"تسألون
بخصوص الخبّازين والقصّابين وأصحاب مثل هذه المهن التي تنحصر بين الأحباء فِي بعض
المناطق عمّا إذا كان هنالك أيّ استثناء لهم فِي هذه الأيّام المحرّمة المتبرّكة
للاشتغال فتفضّل حضرته قائلاً أن اكتب أنّ كسر الحدود بأيّ وجه من الوجوه غير جائز
والاستثناء غير مقبول وغير محبوب والإهمال والتّهاون فِي هذه الأمور سيُؤدّي إلى
مزيد من جرأَة أعداء أمر الله وتجاسرهم".
"يجب عَلَى الموظّفين الإداريّين والأطفال الذين يذهبون
إلى مدارس غير بهائية أن يسعوا سعيًا حثيثًا للحصول عَلَى إجازة وإعفائهم من العمل
فِي هذه الأيّام، وفي حالة عدم القبول وعدم حصولهم عليها فيجب الطّاعة
والانقياد".
* "إنّ الاشتغال بالأمور فِي اللّيل والنّهار كليهما محرّم تحريمًا
قاطعًا".
* "إنّ
وحدة العمل فِي هذه الأمور الحيويّة هامّ مثل أهميّة رعاية التّعطيل فِي الأيّام
المحرّمة وإنّها لمسؤوليّة المحفل الرّوحاني المركزيّ أن يذكّر ويحثّ الأحبّاء بإخلاص
فِي أن يقوموا باتّباع هذه القوانين والأوامر الأمريّة وإنّ اجبار تنفيذها لا يسبّب
كسرًا لحدود الدّولة وقوانينها".
* "بخصوص بيع الشّاي والمرطّبات فِي السّينما الّتي يملكها غير
البهائيّين فإنّ هؤلاء الأحبّاء الذين استأجروا من مالك السّينما القاعة لبيع
أنواع المرطّبات يجب أن يبذلوا كل همّة ليحصلوا عَلَى الاذن للإغلاق فِي التّعطيلات
البهائيّة. وفي حالة وجود مالك أو شريك غير بهائيّ يرفض منح هذا الإذن فليس هناك
طريق آخر غير الطّاعة.
والحالة تكون مختلفة مع المخبز الذي يمتلكه أحد الأحبّاء ففي هذه
الحالة ليس هناك مبرّر عَلَى الإطلاق لأن لا يغلق ويعطّل أيّام التّعطيلات البهائيّة
لأنّه يوجد دائمًا خبّازون غير بهائيّين يمكن للعموم الشّراء منهم".
* "بالنسبة لسئوالك المتعلّق بالتّقيّد بأيّام العطل البهائيّة
فإنّ اليوم البهائيّ يبتدئ من الغروب وينتهي إلى الغروب لذلك تعتبر اللّيلة التي
تسبق النّهار الواجب تعطيله ضمن ذلك النّهار وبناء عليه يمتنع العمل فِي هذه
الفترة كلّها".
* "أما
المحافل واللّجان والمؤسّسات الأمريّة فِي أيّام الأعياد والأحزان فإنّ تعطيلها
أحسن وأولى ولكنّ القرار القطعيّ والنهائيّ بهذا الخصوص يرجع لبيت العدل العموميّ".
لائحة بمواعيد الأَيَّام التّسعة
۱- ميلاد حضرة الأعلى: أوّل محرم سنة
١٢٣٥ﻫـ
الموافق ﻟ٢٠ تشرين الأوّل (أكتوبر) سنة
١٨١٩م
٢- ميلاد حضرة بهاء الله: الثّاني من محرم سنة
١٢٣٣ﻫـ
الموافق ﻟ١٢ تشرين الثّاني (نوفمبر) سنة
١٨١٧م
٣- إعلان دعوة حضرة الأعلى: ٥ جُمادى
الأولى سنة ١٢٦٠ﻫـ
الموافق ﻟ٢٣ أيار(مايو) سنة
١٨٤٤م
(موافق لذكرى ميلاد حضرة عبد البهاء).
٤- استشهاد حضرة الأعلى: ٢٨ شعبان
سنة ١٢٦٦هـ
الموافق ﻟ ٩ تمّوز
(يوليو) سنة ١٨٥٠م
٥- أوّل
عيد الرّضوان: ٣ ذو القعدة سنة ١٢٧٩هـ
الموافق ﻟ
٢١ نيسان(إبريل) سنة ١٨٦٣م
٦- التّاسع
من عيد الرّضوان: ١١ ذو القعدة سنة ١٢٧٩هـ
الموافق ﻟ ٢٩
نيسان(إبريل) سنة ١٨٦٣م
٧- الثّاني
عشر من عيد الرّضوان: ١٤ ذو القعدة سنة
١٢٧٩هـ
الموافق لـ٢ أيّار (مايو)
سنة ١٨٦٣م
٨- عيد النّيروز هو عيد رأس السّنة البهائيّة
وعيد انتهآء الصّيام ٢١ آذار من كلّ عام.
٩- صعود
حضرة بهاء الله: ٢ ذو القعدة سنة ١٣٠٩هـ
الموافق لـ٢٩ أيّار(مايو)
سنة ١٨٩٢م
صعود حضرة عبد البهآء
يحيي البهائيّون فِي جميع أنحاء العالم ذكرى صعود حضرة عبد
البهآء ليلة الثّامن والعشرين من شهر تشرين الثّاني وطبقًا لما ورد فِي بيانات
حضرة وليّ أمر الله يعتبر هذا اليوم من الأيّام المخصوصة التي تحيي ذكراه فِي كلّ
عام، إلا أنّ العمل فيه ليس محرّمًا كالمناسبات التّسعة الواردة شرحها وتاريخها طيّ
هذا الكتاب، بناءً عَلَى ذلك خصّص فصل مستقلّ لذكرى صعود حضرة عبد البهآء فِي آخر
الكتاب.
ملحوظة:
١- يحتفل الأحبّاء فِي الأيّام التّسعة المتبرّكة
وفقًا للتّاريخ الشّمسيّ فِي جميع أنحاء العالم ما عدا بعض بلدان الشّرق حيث يحيون
عيد ميلاد حضرة بهاء الله وعيد ميلاد حضرة الأعلى وعيد إعلان دعوته وذكرى استشهاده
بالتّاريخ القمريّ.
٢- سيحيي العالم البهائيّ بأسره فِي المستقبل هذه
الاحتفالات موحّدًا طبقًا للتّقويم الشّمسيّ ما عدا الأوّل والثّاني من المحرّم
وهما عيدا ميلاد حضرة بهاء الله وحضرة الباب لأنّهما يوم واحد عند الله طبقًا لما
أكّده حضرة بهاء الله.
٣- اليوم البهائي يبدأ من الغروب إلى الغروب.
٤- بناء عَلَى توقيع مبارك صدر من قلم حضرة وليّ
أمر الله لقد حدّد ساعة الاحتفال فِي المناسبات الواردة اعلاه كما يلي:
* عيد بعثة حضرة الباب: ساعتان
واحدى عشر دقيقة بعد الغروب.
* اليوم الأوّل من عيد الرّضوان:
السّاعة الثّالثة من بعد الظّهر.
* ذكرى استشهاد حضرة الباب: مقارن
الظهر.
* ذكرى صعود حضرة بهاء الله:
السّاعة الثّالثة صباحًا.
* ذكرى صعود حضرة عبد البهاء:
السّاعة الواحدة والدّقيقة الثّلاثون بعد منتصف اللّيل.
* وفي سائر الايّام المباركة
يحتفل فِي الوقت الذي يراه الأحبّاء مناسبًا.
بعض النّصوص المباركة بخصوص
ميلاد حضرة الأعلى:
تفضّل حضرة بهاء الله بقوله
الأعزّ الأعلى:
"الميلاد المبارك وقع فِي شهر
المحرّم وبذلك رفعه الله بالحقّ وجعله من الأعياد للعباد".
"إنّ ولادة الأقدس الأبهى
فِي أوّل فجر الثّاني من محرّم، واليوم الأوّل هو ميلاد المبشّر وكلا اليومين
يعتبران يومًا واحدًا عند الله".
" إذا وقع عيد المولود أو
البعثة فِي أيّام الصّيام فإنّ حكم الصّوم فِي هذا اليوم مرفوع".
وتفضل حضرة عبد البهاء بقوله
الأحلى:
" بخصوص يومي المَوْلد
فإنّهما كما جَاءَ فِي النّص اليوم الأوّل والثّاني من محرم".
صفحة خالية
الفصل الأوّل
ميلاد حضرة الأعلى
صفحة خالية
مقتطف من مناجاة حضرة الباب
"أَيْ رَبِّ أَنْتَ أَنْشَأْتَنِي بِفَضْلِكَ فِي مِثْلِ
هَذِهِ اللَّيْلَةِ وأَنَا ذَا عَلَى جَبَلٍ وَحْدَهُ، سُبْحَانَكَ لَكَ الحَمْدُ
بِمَا أَنْتَ تُحِبُّ فِي مَلَكُوتِ السَّمَواتِ والأَرْضِ، وَلَكَ المُلْكُ فِي غَياهِبِ
مَلَكُوتِ الأَمْرِ وَالخَلْقِ، أَيْ رَبِّ قَدْ خَلَقْتَنِي بِفَضْلِكَ
وَحَفِظْتَنِي فِي ظُلُماتِ البُطُونِ بِمَنِّكَ وَرَزَقْتَنِي بِدَمِ الحَيَوَانِ
بِلُطْفِكَ ثُمَّ لَمَّا صَوَّرْتَنِي بِأَحْسَنِ صُورَةٍ مِنْ فَضْلِكَ
وَأَتْمَمْتَ خَلْقِي بِأَحْسَنِ صُنْعٍ مِنْ عِنْدِكَ وَنَفَخْتَ مِنْ رُوحِكَ
فِي جَسَدِي بِمُنْتَهَى رَحْمَتِكَ وَظُهُورِ فَرْدَانِيَّتِكَ، هُنَالِكَ قَدْ
أَخْرَجْتَنِي مِنْ عَالَمِ البُطونِ إِلى عَالَمِ الظُّهُورِ عُرْيانًا ما كُنْتُ
أَعْلَمُ شِيْئًا وَلا أَسْتَطِيعُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ رزَقْتَنِي بِلُطْفِكَ مِنْ
لَبَنٍ طَرِيٍّ وَرَبَّيْتَنِي فِي أَيْدِي الأُمَّهَاتِ وَالآبآءِ بِلُطْفٍ
جَلِيٍّ حَتَّى عَلَّمْتَنِي مَوَاقِعَ الأَمْرِ مِنْ فَضْلِكَ وَعَرَّفْتَنِي
مِنْهَاجَ الدِّينِ مِنْ كِتَابِكَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ إِلَى مُنْتَهَى حَدِّ البُلُوغِ
أَشْهَدْتَنِي ذِكْرَكَ المَمْنُوعَ وَأَصْعَدْتَنِي إِلَى مَقامٍ مَعْلُومٍ وَرَبَّيْتَنِي هُنالِكَ بِلَطَائِفِ
صُنْعِكَ وَرَزَقْتَنِي عَلَى تِلْكَ الأَرْضِ بِأَكْرَمِ آلائِكَ حَتَّى قُضِيَ
ما قَضَيْتَ فِي كِتَابِكَ، قَدْ أَصْعَدْتَنِي بَفَضْلِكَ إِلَى أَعْلَى رَوْضَة
القُدْسِ وَأَنْزَلْتَنِي بِمَنِّكَ عَلَى حَظِيرةِ الأُنْسِ حَتَّى اسْتَدْرَكْتُ
فِيهِ
مِنْ ظُهُوراتِ رَحْمَانِيَّتِكَ وَشُئُونَاتِ
فَرْدَانِيَّتِكَ وَتَجَلِّياتِ كِبْريائِيَّتِكَ وَبِدَايَاتِ أَحَدِيَّتِكَ
وَنِهَايَاتِ قَيُّومِيَّتِكَ وَآياتِ وَاحِدِيَّتِكَ وَعَلامَاتِ سُبُّوحِيَّتِكَ
وَمَقَامَاتِ قُدُّوسِيَّتِكَ ومَا لا يُحِيطُ بِعِلْمِ أَحَدٍ دُونَكَ..."
من مناجاة حضرة الباب
"سُبْحَانَكَ
اللَّهُمَّ إِنَّكّ أَنْتَ علاَّمُ
الغُيُوبِ، قَدِّرْ لَنا مِنَ الخَيْرِ ما قَدْ أَحاطَ بهِ عِلْمُكَ. فَإِنَّكَ
أَنْتَ المَلِكُ العَزِيزُ المَحْبُوبُ. سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ إَنَّا كُنَّا
يَومَئِذٍ مِنْ فَضْلِكَ سائِلِينَ، وإِنَّا كُنَّا يَومَئِذٍ عَلَى رَبَّنَا
مُتَوَكِّلِينَ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ قَدِّرْ لَنَا مِنَ الخَيْرِ ما يُغْنِينَا عَنْ دُونِكَ فَإِنَّكَ أَنْتَ رَبُّ
العَالَمينَ، رَبِّ اجْزِ الَّذِينَ هُمْ يَصْبرُونَ فِي أَيَّامِكَ وَأَثْبِتْ
أَفْئِدَتَهُمْ عَلَى صِرَاطِ حَقٍّ قَويمٍ، وَقَدِّرِ اللَّهُمَّ لَهُمْ مِنَ الخَيْرِ
ما يُدْخِلُهُم فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَى
بُيوتِ الَّتِي آمَنَتْ أَهْلُها بَرَكاتِ السَّماءِ عِنْدكَ فَإِنَّكَ أَنْتَ
خَيْرُ المُنْزِلِينَ، وَأَرْسِلِ اللَّهُمَّ جُنُودًا لِيَنْصُرُنَّ عِبادَكَ المُؤْمِنِينَ،
إِنَّكَ تُبْدِعُ كَيْفَ تَشآءُ بِأَمْرِكَ وإِنَّكَ أَنْتَ المَلِكُ المُبْدِعُ
الحَكِيمُ، قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشآءُ مِنْ
عِبادِه وَهُوَ الخَلاقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ العَزِيزُ المُبْدِعُ الحَكِيمُ.
لَهُ الأَسْماءُ الحُسْنَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَما بَيْنَهُما كُلٌّ
بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون. يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي
السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَكُلٌّ إِلَيهِ يَنْقَلِبُونَ".
"سُبْحَانَكَ
رَبِّ يا مَحْبُوبِي ثَبِّتْنِي عَلَى أَمْرِك ثُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ ما
نَقَضُوا مِيثاقَكَ وَما اتَّبَعُوا أَصْنَامَ ظُنُونِهِمْ. ثُمَّ اجْعَلْ لِي
مَقْعَدَ صِدْقٍ عِنْدَكَ وَهَبْنِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً أَلْحِقْنِي
بِعِبادِكَ الَّذِينَ لا خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. أَيْ رَبِّ لا
تَدَعْنِي بِنَفْسِي وَلا تَجْعَلْنِي مَحْرُومًا عَنْ
عِرْفانِ مَظْهَرِ نَفْسِكَ. وَلا تَكْتُبْنِي مِنَ
الَّذِينَ هُمْ غَفَلُوا عَنْ لِقائِكَ. وَاجْعَلْنِي يا إِلهِي مِنَ الَّذِينَ
هُمْ إِلَى جَمَالِكَ يَنْظُرُونَ وَمِنْهُ يَسْتَلِذُّونَ، بِحَيْثُ لَمْ
يُبَدِّلُوا آنًا مِنْهُ بِمَلَكُوتِ مُلْكِ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَبِكُلِّ ما كَانَ
وَمَا يَكُونُ، أَيْ رَبِّ فَارْحَمْنِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ الَّتِي أَخَذَتِ الغَفْلَةُ
كُلَّ سُكَّانِ أَرْضِكَ. ثُمَّ ارْزُقْنِي يا إِلهِي خَيْرَ ما عِنْدَكَ وإِنَّكَ
أَنْتَ المُقْتَدِرُ العَزِيزُ الكَرِيمُ الغَفُورُ. وَلا تَجْعَلَنِي يا إِلهِي
مِنَ الَّذِينَ هُمْ بِالأُذُنِ صَمَّاءُ وَبِالعَيْنِ عَميآءُ وبِالِلِّسَانِ
بَكْمآءُ وَبِالقَلبِ هُمْ لا يَفْقَهُونَ، أَي رَبِّ خَلِّصْنِي مِنْ نارِ الجَهْلِ
وَالهَوَى ثُمَّ أَدْخِلْنِي فِي جِوارِ رَحْمَتِكَ الكُبْرَى. ثُمَّ أَنْزِلْ
عَلَيَّ ما قَدَّرْتَه لأَصْفِيائِكَ وإِنَّكَ أَنْتَ المُقْتدرُ عَلَى ما تَشآء
وَإِنَّكَ أَنْتَ المُهَيْمِنُ الْقَيُّوم".
بِسْمِ المَوْلُودِ الَّذِيْ جَعَلَهُ اللهُ مُبَشِّرًا
لاسْمِهِ العَزِيزِ الْوَدُودِ
لَوْحٌ
مِنْ لَدُنَّا إِلَى لَيْلَةٍ فِيهَا لاَحَتِ السَّمَواتُ وَالأَرْضُ مِنْ نَيِّرٍ
بِهِ أَنَارَ مَنْ فِي الْعَالَمِينَ، طُوبَى لَكِ بِمَا وُلِدَ فِيكِ يَوْمُ
اللهِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ مِصْبَاحَ الْفَلاَحِ لأَهْلِ مَدَائِنِ الأَسْمَاءِ وَأَقْدَاحَ
النَّجَاحِ لِمَنْ فِي مَيَادِينِ البَقَآءِ وَمَطْلِعَ الْفَرَحِ وَالابْتِهَاجِ
لِمَنْ فِي الإِنْشآءِ، تَعَالى الله فَاطِرُ السَّمَآءِ الَّذِي أَنْطَقَهُ
بِهَذَا الاسْمِ الَّذِي بِهِ خُرِقَتْ حُجُبَاتُ الْمَوْهُوْمِ وَسُبُحَاتُ الظُّنُونِ
وَأَشْرَقَ اسْمُ الْقَيُّومِ مِنْ أُفُقِ اليَقِينِ، وَفِيهِ فُكَّ خَتْمُ
رَحِيقِ الْحَيَوَانِ وفُتِحَ بَابُ الْعِلْمِ وَالْبَيَانِ لِمَنْ فِي الإِمْكَانِ
وَسَرَتْ نَسَمَةُ الرَّحْمَنِ عَلَى الْبُلْدَانِ، حَبَّذَا ذَاكَ الْحِيْنُ الّذِي
فِيهِ ظَهَرَ كَنْزُ اللهِ الْمُقْتَدِرِ العَلِيْمِ الْحَكِيمِ، أَنْ يَا مَلأَ الأَرْضِ
وَالسَّمَآءِ إِنَّهَا الْلَيْلَةُ الأُولى قَدْ جَعَلَهَا اللهُ آيَةً لِلَّيْلَةِ الأُخْرى الَّتِيْ فِيْها
وُلِدَ مَنْ لاَ يُعْرَفُ بِالأَذْكَارِ وَلاَ يُوصَفُ
بِالأَوْصَافِ، طُوبَى لِمَنْ تَفَكَّرَ فِيهِمَا إِنَّهُ يَرَى الظِّاهِرَ طِبْقَ
البَاطِنِ وَيَطَّلِعُ بِأَسْرَارِ اللهِ فِي هَذَا الظُّهُورِ الَّذِي بِهِ ارْتَعَدَتْ
أَرْكَانُ الشِّرْكِ وَانْصَعَقَتْ أَصْنَامُ الأَوْهَامِ وَارْتَفَعَتْ رَايَةُ إِنَّهُ
لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمُقْتَدِرُ الْمُتَعَالِي الْوَاحِدُ الْفَرْدُ الْمُهَيْمِنُ
الْعَزِيزُ الْمَنِيعُ، وَفِيهَا هَبَّتْ رَائِحَةُ الْوِصَالِ وَفُتِحَتْ
أَبْوَابُ الْلِقآءِ فِي الْمَآلِ وَنَطَقَتْ الأَشْيَاءُ الْمُلْكُ للهِ مَالِكِ الأَسْمَاءِ
الَّذِي أَتَى بِسُلْطَانٍ أَحَاطَ الْعَالَمِينَ، وَفِيهَا تَهَلَّلَ الْمَلأُ الأَعْلَى
رَبَّهُمُ الْعَلِيَّ الأَبْهَى وَسَبَّحَتْ حَقَائِقُ الأَسْمَآءِ مَالِكَ الآخِرَةِ
وَالأُولَى بِهَذَا الظُّهُورِ الَّذِي بِهِ طَارَتِ الجِبَالُ إِلَى وَجْهِ الْمَحْبُوبِ
وَتَحَرَّكَتِ الأَوْرَاقُ مِنْ أَرْيَاحِ الاشْتِيَاقِ وَنَادَتِ الأَشْجَارُ مِنْ
جَذْبِ نِدَآءِ المُخْتَارِ وَاهْتَزَّ العَالَمُ شَوْقًا لِلِقَآءِ مَالِكِ الْقِدَمِ
وَبُدِعَتِ الأَشْيَاءُ مِنَ الكَلِمَةِ الْمَخْزُونَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ بَهَذَا الاسْمِ
العَظِيمِ أَنْ يَا لَيْلَةَ الْوَهَّابِ قَدْ نَرَى فِيكِ أُمَّ الْكِتَابِ أَإِنَّهُ
مَوْلُودٌ أَمْ كِتَابٌ لا وَنَفْسِي كُلُّ ذَلِكَ فِي مَقَام الأَسْمَآءِ قَدْ
جَعَلَهُ اللهُ مُقَدِّسًا عَنْهَا، بِهِ ظَهَرَ الْغَيْبُ الْمَكْنُونُ وَالسِّرُّ
المَخْزُونُ لاَ وَعَمْرِيْ كُلُّ ذَلِكَ يُذْكَرُ فِي مَقَامِ الصِّفَاتِ وَإِنَّهُ لَسُلْطَانُهَا بِهِ ظَهَرَ
مَظَاهِرُ لاَ قَبْلَ إِلهٍ إلاَّ اللهُ طُوبَى لِلْمُوقِنِينَ، إِذًا انْصَعَقَ الْقَلَمُ
الأَعْلَى وَيَقُوْلُ يَا مَنْ لاَ تُذْكَرُ بِالأَسْمَاءِ فَاعْفُ عَنِّي
بِسُلْطَانِكَ الْمُهَيْمِنِ عَلَى الأَرْضِ وَالسَّمَآءِ، لأَنّي خُلِقْتُ
بِإِبْدَاعِكَ كَيْفَ أَقْدِرُ أَنْ أَذْكُرَ مَا لاَ يُذْكَرُ بَالإِبْدَاعِ،
مَعَ ذَلِكَ وَعِزَّتِكَ لَوْ أَذْكُرُ مَا أَلْهَمْتَنِيْ لَيَنْعَدِمَنَّ المُمْكِنَاتُ
مِنَ الفَرَحِ وَالابْتِهَاجِ
فَكَيْفَ تَمَوُّجَاتُ بَحْرِ بَيَانِكَ فِي هَذَا الْمَقَامِ الأَسْنَى وَالْمَقَرِّ
الأَعْلَى الأَقْصَى، أَيْ رَبِّ فَاعْفُ هَذَا الْقَلَمَ الأَبْكَمَ عَنْ ذِكْرِ
هَذَا الْمَقَامِ الأَعْظَمِ ثُمَّ
ارْحَمْنِيْ يِا
مِالِكِيْ وَسُلْطَانِي وَتَجَاوَزَ عَنّي بِمَا اجْتَرَحْتُ بَيْنَ يَدَيْكَ
إِنَّكَ أَنْتَ الْمُعْطِي الْمُقْتَدِرُ الْغَفُورُ الْكَرِيمُ.
مقتطف من لوح «رؤيا» الذي نزّل من قلم حضرة بهاء الله
فِي ميلاد حضرة الأعلى:
"... قَدْ تَصَادَفَ هَذَا الذِّكرُ يَومًا فِيه
وُلِدَ مُبَشِّري الَّذِي نَطَقَ بِذِكري وَسُلطَاني وَأَخْبَرَ النَّاسَ
بِسَمَاءِ مَشِيَّتِي وَبَحْرِ إِرَادَتِي وَشَمْسِ ظُهُورِي، وَعَزَّزْنِاهُ
بِيَوْمٍ آخَر الَّذِي فِيه ظَهَرَ الغَيْبُ المَكٍنُونُ وَالسِّرُّ المَخزُونُ
والرَّمزُ المَصُون الَّذِي بِهِ أَخَذَ الاضْطِرَابُ سُكَّانَ مَلَكُوتِ الأَسْمَآءِ وَانصَعَقَ مَنْ فِي الأَرْضِ وَالسَّمَآءِ إِلاَّ
مِنْ أَنقَذْنَاهُ بِسُلْطانٍ مِنْ عِندِنَا وَقُدْرَةٍ مِنْ لَدُنَّا وَأَنا الْمُقْتَدِرُ
عَلَى ما أَشَاءُ لا إَلَهَ إِلاَّ أَنَا العَلِيمُ الحَكِيمُ، طُوبَى لِمَنْ
وَجَدَ عَرْفَ اللهِ فِي هَذَا اليَومِ الَّذِي كانَ مَطْلِعَ الظُّهُورِ
وَمَشْرِقَ اسْمِي الغَفُورِ وفِيه فاحَتِ النَّفْحَةُ وَسَرَتِ النَّسَمَةُ
وَأَخَذَ جَذْبُ الظُّهُورِ مَنْ فِي الْقُبُورِ وَنَادَى الطُّورُ المُلْكُ للهِ الْمُقْتَدِرِ
المُتَعالِي العَلِيمِ الخَبِيرِ، وفِيهِ فازَ كُلُّ قاصدٍ بِالمَقْصُودِ وَكُلُّ
عَارِفٍ بِالمَعْرُوفِ وَكُلُّ سَالِكٍ بِصِرَاطِهِ المُسْتَقِيمِ، سُبْحَانَكَ يا
إِلَهِي بَارِكْ عَلَى أَحِبَّائِكَ ثُمَّ أَنزِل عَلَيْهِم مِنْ سَمَآءِ عَطَائِكَ
مَا يَجْعَلُهُم مُنْقَطِعِينَ عَن دُونِكَ ومُتَوَجِّهِينَ إِلَى الأُفُقِ الَّذِي
مِنْهُ أَشْرَقَتْ شَمْسُ فَضْلِكَ وَقَدِّرْ يا إِلَهِي ما يَنفَعُهُم فِي
الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِنَّكَ أَنْتَ الْمُقْتَدِر المُتَعالي المُعطي البَاذِلُ
الغَنِيُّ الكَريمُ".
ولادة حضرة الباب ونشأته
أمّا
الباب فاسمه السّيّد علي محمّد وولد فِي مدينة شيراز سنة
١٢٣٥ هجريّة فِي أوّل المحرّم من بيت مشهور بالشّرف
والانتماء إلى الرّسول وكان تاريخ ميلاده مطابقًا للحديث المرويّ عَنْ الإمام عليّ
(إنّي أصغر من ربّي بسنتين)، وأعلن دعوته بعد أن بلغ من العمر خمسة وعشرين سنة
وأربعة أشهر وأربعة أيام، وتوفّي والده وهو طفل وكان والده من نسل النّبي r وهو السّيّد محمد رضا ومشهورًا
فِي جميع إقليم فارس بالتّقوى والفضل وذا احترام عظيم من الجميع،
وكان والداه كلاهما من الأشراف ولهما مكانة واحترام من الجميع، وكفله خاله الحاج
الميرزا سيد علي أحد الشّهداء فِي الأمر وسلّمه إلى معلم يدعى الشّيخ عابد، ولو أنّ
الباب كان غير ميّال للدّرس إلا أنّه أطاع رغبة خاله، وكان الشّيخ عابد المعروف
عند تلامذته بـ "شيخُنا" رجلاً صالحًا متفقّهًا، وكان تلميذًا لكلّ من
الشّيخ أحمد والسّيّد كاظم ومما
حكاه قال: (ذات يوم سألت الباب أن يقرأ فاتحة القرآن بسم الله الرّحمن الرّحيم فلم
يقبل قراءتها إلا إذا عرف معناها، فتظاهرت بأنّي لا أعرف المعنى فأجابني "أنا
أعرف معنى هذه الكلمات" واستأذن منّي أن يشرحها لي وتكلّم فِي ذلك بطلاوة
ومعرفة أدهشتني، وفسّر الله والرّحمن الرّحيم بكيفيّة لم أكن أعرفها مِنْ قَبْلُ ولا
سمعتها، وكَانَتْ حلاوة عباراته لا تزال ماثلة فِي مخيّلتي، فشعرت باضطراري أن أرجعه إلى خاله وأن أوصيه
بتلك الوديعة الَّتِي عهد بها إليّ قائلاً له: (إني أشعر أنّي لست مستحقًّا أن
أعلّم مثل هذا الطّفل الفذّ) وكنت رأيت خاله عَلَى انفراد فِي مكتبه فقلت له: (إنّي
أعيده إليك وأعهد بِهِ إلى يقظتك وحمايتك ولا يمكن معاملته كطفل عاديّ، لأنّي
أشاهد فيه قوّة عجيبة ممّا لا تظهر إلا من صاحب الزّمان وحده، فالواجب عليك أن
تحيطه بكلّ عنايتك ومحبّتك فاحفظه فِي منزلك لأنّه الحق أقول لك لا يحتاج
إلى
معلّمين مثلي). ولكنّ خاله أمره بالرّجوع إلى الدّرس ووبّخه قائلاً: (ألم أنصحك أن
تتّبع مثال أقرانك وأن تلتزم جانب السّكون وتستمع إلى كلّ كلمة يقولها لك معلّمك).
وبناء عَلَى ذلك عاد ولكنّ روحه لم تقف فِي سبيل إفاضة ما لديها من العلم اللّدنيّ
بل كَانَتْ تظهر عليه يومًا فيومًا علائم الحكمة الفائقة الحدّ والخارجة عَنْ حدود
البشريّة حتى اضطرّ أخيرًا خاله إلى سحبه من المدرسة وإشراكه معه فِي التّجارة،
وفيها أظهر نجابة وعظمة وقوّة لا يصل إليها إلا القليل، وبعد بضع سنين تزوّج بأخت
الميرزا سيد حسن والميرزا أبي القاسم وولد له ابن يدعى أحمد توفّي سنة
١٢٥٩، وهي السّنة السّابقة لإظهار الدّعوة وكان يقول:
(إلهي إلهي لو أعطيتَ لإبراهيمك ألف إسماعيل لفديتهم فرادى وجمعًا فِي سبيل محبتك،
فيا محبوب قلبي إنّ فداء أحمد الَّذِي قدّمه عبدك علي محمد فداء عَلَى مذبح محبتك
لَنْ يكفي لإطفاء اشتعال شوقه المتأجّج فِي قلبه حتى يفدي قلبه تحت قدمك ويقع جسمه
ضحيّة لأقسى أنواع الظّلم فِي سبيلك وحتّى يكون صدره هدفًا لآلاف السّهام فِي
مرضاتك وبذلك يسكن اضطراب روحه، إلهي هذا هو مرغوبي، فاجعل اللّهم فداء ابني
ووحيدي مقبولاً عندك ومقدّمة لفداء نفسي وكينونتي فِي سبيل مرضاتك، وامنحني فضل
سفك دمي وفداء حياتي فِي سبيلك، واجعله يروي وينبت بذور دينك واشمله بقوّتك السّماويّة
حتى ينمو ذلك البذر الجديد فِي قلوب الرجال وينتعش ويعظم إلى أن يصير شجرة كبيرة
وتجتمع وتستظلُّ الأمم والأقوام تحت ظلها
فأجب يا إلهي دعائي وأتمم لي مراد قلبي إِنَّك أَنْتَ القويّ الكريم).
وكان السّيّد كاظم عَلَى تمام العلم
باقتراب السّاعة التي يظهر فيها الموعود، وبالحجبات الّتي تمنع الباحثين من تفهّم
ومعرفة جمال الظّهور المستور، وقد بذل جهده تدريجيًّا بالحكمة فِي إزالة تلك الحجب
والعقبات التي تقف فِي سبيل كنز الله المستور، وكان دائمًا يشير إلى
أتباعه:
(بأنّ الموعود الذي تنتظرونه لا يأتي من جابلقا ولا من جابرسا بل هو موجود فِي
وسطكم وترونه بأعينكم ولكنّكم لا تعرفونه). وكان يقول لتلاميذه عَنْ علائم الظهور:
(بأنّه من نسلٍ شريفٍ من سلالة رسول الله من سبط
هاشم، وهو حديث السّنّ وعلمه لدنّيّ وليس مستفادًا من تعاليم الشّيخ أحمد بل من
الله، وإنّ علمي لم يكن إلا كقطرة بالنسبة إلى بحر علمه واجتهادي إلا كالنّقطة من
التّراب أمام عجائب فضله وقدرته، ولا يوجد قياس بينهما فأين الثّرى من الثّريّا،
وإنه لمتوسط القامة ولا يشرب الدّخان وعلى غاية من الاستقامة والصّلاح والتّقوى).
وكان البعض من التّلاميذ يظنون أن السّيّد هو الموعود رغم صدور هذِهِ التّعليمات
منه، وظنّوا أنّ جميع العلائم تنطبق عليه، وأخذ أتباعه فِي ذكر هذَا الاعتقاد
علانية فانتهره السّيّد وغضب عليه وكان عَلَى وشك طرده من جملة الأتباع المخلصين
ولكن التّلميذ المذكور رجاه أن يصفح عنه بعد توبته.
وممّا حكاه لي الشّيخ حسن الزّنوزي أنّه
كَانَ يعتقد مثل هذَا الاعتقاد وكان يطلب من الله دائمًا أن يخلّصه من هذَا الوهم
إذا كَانَ اعتقاده غير صحيح وقال: (كنت اضطربت من هذَا الأمر لدرجة أنّي لم آكل
ولم أنم جملة أيام، وكنت أصرف
الوقت
دائمًا فِي خدمة السّيّد كاظم الَّذِي كُنْتَ دائم التّعلّق بِهِ، وذات يوم فِي
الفجر أيقظني الملاّ نوروز أحد أتباعه وأمرني بولهٍ أن أقوم وأتبعه، فقمت وذهبنا
سويًّا إِلَى منزل السّيّد كاظم حيث وجدناه مرتديًا عباءة ومستعدًّا للذّهاب معنا
قائلاً: "قَدْ حضر شخص جليل القدر وواجب علينا زيارته نحن الإثنين" وكان
الفجر قَدْ انبثق ونحن نسير فِي شوارع كربلاء ووصلنا إلى منزلٍ كَانَ شاب واقفًا عَلَى بابه
كأنه ينتظر مقابلتنا، وهو يلبس عمّة خضراء ويظهر عَلَى محيّاه الخشوع واللّطف
الَّذِي لا أقدر أن أصفه، وتقدّم نحونا ببطء وعانق السّيّد بكلّ محبّة، وكان شغفه
ولطفه
فِي
معانقة السّيّد لا يقلّ عَنْ احترام السّيّد له احترامًا عميقًا، وقد قابل أشواق
واحترام الشّاب المتكرّرة بالتزام السّكوت وإحناء الرّأس، وسرعان ما أخذنا إلى
غرفةٍ عُليا مزيّنة بالزّهور ومعطّرة
بأروج الطّيب وأمرنا بالجلوس، وكان السّرور
قَدْ شملنا بدرجة أنّنا لم نكن نشعر بالمقاعد الَّتِي جلسنا عليها وشاهدنا كوبًا
من فضّة موضوعًا فِي وسط الحجرة وسرعان ما ملأه مضيفنا وناوله للسّيّد كاظم
قائلاً: "وسقاهم ربّهم شرابًا طهورًا" فأمسك السّيّد الكأس من يده
وانتهله وامتلأ هيكله بسرور فائق عَنْ الحدّ. وأنا أيضًا أعطاني كوبًا من ذلك
المشروب ولم يخاطبني بأيّ كلمة، وكلّما دار من الحديث كَانَ خاصًّا بالآية القرآنيّة
السّابقة، ثُمَّ بعد هنيهة قام مضيفنا وودّعنا لغاية عتبة باب المنزل، وأنا كدت
أذوب من التّعجّب ولم أقدر أن أعبّر عَنْ شدّة إكرامه وترحيبه وجلال هيكله وجمال
ذلك الوجه، وكم كَانَتْ دهشتي إذ رأيت أستاذي قَدْ نهل ذلك المشروب بدون أدنى تردّد
من الكأس الفضّيّ، مع أن استعمال هَذَا المعدن محرّم حسب قواعد الإسلام، ولم
يمكنني أن أعلّل سبب شدّة احترام السّيّد وإجلاله لذلك الشّاب احترامًا لا يسدى حتّى
لمقام سيّد الشّهداء، وبعد ثلاثة أيّام رأيت ذلك الشّاب جالسًا وسط حلقة تلاميذ
السّيّد كاظم قريبًا من العتبة وكان يستمع للدّرس بأدب ووقار، وبمجرّد أن وقعت
عينه عَلَى ذلك الشّاب سكت عَنْ الدرس فترجّاه أحد تلاميذه أَن يستمرّ فأجاب
قائلاً: "ماذا أقول لكم زيادة عَنْ ذلك" ولفت وجهه نحو شخص الباب ثُمَّ
قال: "إنّ الحق أظهر من شعاع الشّمس الواقع عَلَى هذَا الذّيل" وفي
الحين لاحظتُ أن أشعّة الشّمس كَانَتْ واقعة فِي حجر هذَا الشب الَّذِي زرناه أخيرًا
فأجابه السّائل: "ولماذا لا تكشف لنا عَنْ اسمه أو تظهر لنا شخصه" فأشار
السّيّد إلى حنجرته بأصبعه، يعني أنّه لو كشف ذلك لتعرضا للقتل فِي الحال، وقد زاد
ذلك حيرتي وسمعت من أستاذي مرارًا بأنّ ضلال
هذَا
الجيل كَانَ بدرجة أنّه لو أشار بإصبعه إلى الموعود وقال: "هذَا هو محبوب
قلبي وقلبكم" لأنكروه وما قبلوه، وقد رأيت بنفسي ذلك السيد يشير بإصبعه إلى حجر ذلك الشّاب، ومع
ذلك لم يفقه أحد المعنى المقصود من الإشارة، وأمّا أنا فكنت مقتنعًا بأنّ السّيّد
لا يمكن أن يكون هو الموعود، ولكنّ بعض السّرّ المستسرّ أصبح يحوم حول هذَا الشّاب
الغريب الجذّاب، وكثيرًا ما أردت أن أتجاسر بالتّقدم نحو السّيّد لسؤاله عَنْ كشف
هذَا السر، ولكنّ هيبته كَانَتْ تحول دون ذلك وكثيرًا ما كُنْتَ أسمعه يقول يَا
شيخ حسن: "افرح لأن اسمك حسن فابتداؤك حسن وانتهاؤك حسن وإنّك تشرفت بلقاء
الشّيخ أحمد وتقابلت معي وفي المستقبل سيكون لك فرح عظيم لأنك سترى ما لا عين رأت
ولا أذن سمعت ولا خطر عَلَى قلب بشر".
وكنت كثيرًا ما أشعر باشتياق لمقابلة هذَا
الشّاب الهاشميّ لأكشف سرّه، وكنت أرقبه يصلّي فِي مشهد الإمام الحسين وهو مستغرق
فِي مناجاته حتّى كأنّه غير شاعر بمن حوله وكَانَتْ الدّموع تذرف من عينيه وتنحدر
من فمه كلمات لا تزيد عنها الآيات فِي الحسن والقوّة والشّرف، وتتردّد فِي فمه
كثيرًا عبارات "يَا إلهي ومحبوب قلبي" حتّى إنَّ المصلّين كانوا كثيرًا ما
يقطعون صلواتهم ويستمعون لآيات الرّحمة
والخشوع الَّتِي تظهر من فم ذلك الشّاب، وكانوا مثله يذرفون الدّموع مدرارًا ويتعلّمون
منه كيفيّة العبادة الحقّة، وكان هذَا الشّاب يعود بسكون بعد إتمام صلوته إلى
منزله بدون أن يمرّ عَلَى عتبة المقام وبدون أن يتكلّم مع الَّذِين حوله، وقد رأيت
ضرورة مخاطبته وكنت كلّما حاولت الاقتراب منه أجد قوّة تحجزني عنه ممّا لا أقدر أن
أصفها، وبالبحث عنه علمت أنّه قاطن فِي شيراز وأنّه يشتغل بالتّجارة وأنّه لم يكن
من طائفة علماء الدّين، وأنّه هو وأخواله وأقاربه من المعجبين بالشّيخ أحمد والسّيّد
كاظم، وسمعت بعد ذلك أنّه مسافر إلى
النّجف
فِي طريقه إلى شيراز وكان قَد أشعل قلبي وذكراه لا تغيب عَنْ مخيّلتي وكَانَتْ روحي
متعلّقة بِهِ....".
أوصاف
حضرة الباب وشمائله من المصادر المتعددة
"...إنّ الباب ترك شيراز إلى بوشهر
وهو فِي سنّ السّابعة عشرة، ومكث هناك خمس سنوات مشتغلاً بالتّجارة وفي تِلْكَ
المدّة كسب احترام جميع التّجّار الَّذِينَ تعامل معهم بصداقته وتقواه، وكان دائم
الالتفات إلى واجباته الدّينيّة
وكان يصرف مبلغًا كبيرًا فِي الصّدقة وذات مرة أعطى لجار فقير ٧٠
تومان".
"إنّ الباب كَانَ دائم التأمّل كثير
الصّمت مع أنّ هيكله الجميل ونور محيّاه وسكون ذاته كَانَ يجذب أنظار مواطنيه، ومع
صغره كَانَتْ المسائل الدّينيّة تجذبه بقوّة. وفي سنّ التّاسعة عشرة كتب أوّل كتاب
له وهو الرّسالة الفقهيّة وأظهر فِيهَا تقواه ونفحة إسلاميّة بشرّته بمستقبلٍ باهر".
"إنّ الباب كَانَ يتباحث مع العلماء
فِي المجالس ويستمع لروايات الزوّار الَّذِينَ يحضرون فِي تِلْكَ المدينة التّجاريّة،
وكانوا يعدّونه من أبناء الطّريقة الَّتِي كَانَتْ محترمة فِي تِلْكَ
البلاد".
"...إنّ الباب كَانَ وسيم الطّلعة
حليمًا مهابًا ساكنًا زائد الفصاحة والبلاغة سريع الكتابة".
"إنّ الباب كَانَ يختلي بنفسه ليشتغل
دائمًا بالعبادة ببساطة متناهية وحلاوة جاذبة، وكَانَتْ هذِهِ المواهب قَدْ نسبت
إلى حداثة سنّه وكمال طلعته، وانجذب حوله كثيرون من المتنوّرين الَّذِينَ كانوا
يستمعون لعلومه ومعارفه ويسرّون من فصاحته، وكان أصدقاؤه يؤكّدون أنه لم يفتح فاه
إلا بما حرَّك أعماق القلوب، وكان يسرّ المتديّنين المتمسّكين
لشّدة
احترامه للرّسول والأئمّة وأصحابهم فِي كلّ عبارته، وفي الوقت نفسه كَانَ فِي
أحاديثه الخاصّة يبهج أرواح المستمعين إليه ويحدث فيهم اشتعالاً ولم يجدوا فِي
أحاديثه غضاضة بل سرورًا حتّى فيما لم يكونوا يتحمّلونه لأنّها كَانَتْ تفتح
أمامهم آفاقًا لا نهاية لها وأبوابًا متنوّعة ويكتشف الكثير من الأسرار بطريقة مغطّاة
بغطآء رقيق يسهل بِهِ تصديق أهالي تِلْكَ البلاد".
الفصل
الثاني
ميلاد
حضرة بهاء الله
صفحة
خالية
مقتطف من لوح "الرّؤيا"
"طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ عَرْفَ اللهِ فِي هَذَا اليَومِ
الَّذِي كانَ مَطْلِعَ الظُّهُورِ وَمَشْرِقَ اسْمِي الغَفُورِ، وفِيه فاحَتِ النَّفْحَةُ
وَسَرَتِ النَّسَمَةُ وَأَخَذَ جَذْبُ الظُّهُورِ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَنَادَى الطُّورُ
المُلْكُ للهِ الْمُقْتَدِرِ المُتَعالِي العَلِيمِ
الخَبِيرِ، وفِيهِ فازَ كُلُّ قاصدٍ بِالمَقْصُودِ وَكُلُّ عَارِفٍ بِالمَعْرُوفِ
وَكُلُّ سَالِكٍ بِصِرَاطِهِ المُسْتَقِيمِ، سُبْحَانَكَ يا إِلَهِي بَارِكْ عَلَى
أَحِبَّائِكَ ثُمَّ أَنزِل عَلَيْهِم مِنْ سَمَاءِ عَطَائِكَ مَا يَجْعَلُهُم
مُنْقَطِعِينَ عَن دُونِكَ ومُتَوَجِّهِينَ إِلَى الأُفُقِ الَّذِي مِنْهُ
أَشْرَقَتْ شَمْسُ فَضْلِكَ، وَقَدِّرْ يا إِلَهِي ما يَنفَعُهُم فِي الدُّنْيَا
وَالآخِرَةِ، إِنَّكَ أَنْتَ الْمُقْتَدِر المُتَعالي المُعطي البَاذِلُ الغَنِيُّ
الكَريمُ".
الأَقْدَسُ الأَمْنَعُ الأَعْظَم
قَدْ
جَاءَ عِيْدُ الْمَوْلُودِ وَاسْتَقَرَّ عَلَى الْعَرْشِ جَمَالُ اللهِ الْمُقْتَدِرِ
الْعَزِيزِ الْوَدُودِ، طُوبَى لِمَنْ حَضَرَ فِي هَذَا الْيَوْمِ لَدَى الْوَجْهِ
وَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ طَرْفُ اللهِ الْمُهَيْمِنِ الْقَيُّومِ، قُلْ إِنَّا
أَخَذْنَا الْعِيْدَ فِي السِّجْنِ
الأَعْظَمِ بَعْدَ الَّذِي قَامَ عَلَيْنَا الْمُلُوكُ، لا
تَمْنَعُنَا سَطْوَةُ كُلِّ ظَالِمٍ وَلاَ تَضْطَرِبُنَا جُنُوْدُ الْمُلْكِ، هَذَا
مَا شَهِدَ بِهِ الرَّحْمَنُ فِي هَذَا الْمَقَامِ الْمَحْمُوْدِ، قُلْ هَلْ
تَضْطَرِبُ كَيْنُوْنَةُ الاطْمِئْنَانِ مِنْ ضَوضَاءِ الإِمْكَانِ، لاَ
وَجَمَالِهِ الْمُشْرِقِ عَلَى مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، هَذِهِ سَطْوَةُ اللهِ
قَدْ أَحَاطَتْ كُلَّ الأَشْيَاءِ وَهَذِهِ قُدْرَتُهُ الْمُهَيْمِنَةُ عَلَى
كُلِّ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، تَمَسَّكُوا بِحَبْلِ الاقْتِدَارِ ثُمَّ اذْكُرُوا
رَبَّكُمُ الْمُخْتَارَ فِي هَذَا الْفَجْرِ الَّذِي بِهِ أَضَاءَ كُلُّ غَيْبٍ
مَكْنُوْنٍ، كَذَلِكَ نَطَقَ لِسَانُ الْقِدَم فِي هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ
فُكَّ الرَّحِيْقُ الْمَخْتُومُ، إِيَّاكُمْ أَنْ تَضْطَرِبَكُمْ أَوْهَامُ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ أَوْ تَمْنَعَكُمُ الظُّنُونُ عَنْ هَذَا الصِّرَاطِ الْمَمْدُوْدِ.
يَا
أَهْلَ الْبَهَاءِ طِيرُوا بِقَوَادِمِ الاْنْقِطَاعِ فِي هَوآءِ مَحَبَّةِ
رَبِّكُمُ الرَّحْمَنِ ثُمَّ انْصُرُوهُ بِمَا نَزَلَ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ، إِيَّاكُمْ
أَنْ تُجَادِلُوا مَعَ أَحَدٍ مِنَ الْعِبَادِ، أَنِ اظْهَرُوا بِعَرْفِ اللهِ
وَبَيَانِهِ بِهِمَا يَتَوَجَّهُ كُلُّ الْوُجُوهِ، إِنَّ الَّذِينَ غَفَلُوا الْيَوْمَ
أُوْلَئِكَ فِي سُكْرِ الهَوَى وَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ، طُوبَى لِمَنْ تَوَجَّه
إِلَى مَطْلِعِ آيَاتِ رَبِّهِ بِخُضُوعٍ وَأَنَابَ، إِنَّكَ أَنْتَ قُمْ بَيْنَ الْعِبَادِ
ثُمَّ ذَكِّرْهُمْ بِمَا نَزَلَ فِي كِتَابِ رَبِّهِم الْعَزِيزِ الْمُخْتَارِ، قُلِ
اتَّقُوا اللهَ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَوْهَامَ الَّذِينَ تَعَقَّبُوا كُلَّ فَاجِرٍ
مُرْتَابٍ. أَنْ أَقْبِلُوْا بِقُلُوبٍ نَوْرآءَ إِلَى شَطْرِ عَرْشِ رَبِّكُمْ
مَالِكِ الأَسْمَاءِ إَنَّهُ يُؤَيِّدُكُمْ بِالحَقِّ لاَ إِلهَ إَلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ
الْمَنَّانُ، هَلْ تُسْرِعُوْنَ إِلَى الْغَدِيْرِ وَالْبَحْرُ الأَعْظَمُ أَمَامَ
وُجُوهِكُمْ تَوَجَّهُوا وَلاَ تَتَّبِعُوا كُلَّ مُشْرِكٍ مَكَّارٍ، كَذَلِكَ
دَلَعَ دِيْكُ الْبَقَاءِ عَلَى أَفْنَانِ سِدْرَتِنَا الْمُنْتَهَى، تَاللهِ
بِنَغْمَةٍ مِنْهَا اسْتُجْذِبَ الْمَلأُ الأَعْلى ثُمَّ سُكَّانُ مَدَائِنِ الأَسْمَاءِ
ثُمَّ الَّذِينَ
يَطُوفُونَ حَوْلَ الْعَرْشِ فِي الْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ،
كَذَلِكَ هَطَلَتْ أَمْطَارُ الْبَيَانِ مِنْ سَمَاءِ مَشِيْئَةِ رَبِّكُمُ الرَّحْمَنِ،
أَنْ أَقْبِلُوا يَا قَوْمِ
وَلاَ تَتَّبِعُوا الَّذِينَ جَادَلُوا بِآيَاتِ اللهِ إِذْ نَزَلَتْ وَكَفَرُوا
بِرَبِّهِمِ الرَّحْمَنِ إِذْ أَتَى بِالحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ.
هُوَ الله
أَنْ يَا مَعْشَرَ
الْعُشَّاقِ تَاللهِ هَذِهِ لَلَيْلَةٌ مَا ظَهَرَ مِثْلُهَا فِي الإِمْكَانِ
وَإِنَّ هَذَا لَفَضْلٌ مِنْ لَدَى اللهِ الْعَزِيْزِ الْمَنَّانِ، وَنَطَقَ
فِيْهَا الرُّوحُ بِنَغْمَةٍ يَهْتَزُّ مِنْهَا حَقَايِقُ الإِنْسَانِ بِأَنْ أَبْشِرُوا
يَا أَهْلَ مَلإِ الأَعْلَى فِي حَقَائقِ الرِّضْوَانِ، ثُمَّ نَادَى اللهُ عَنْ خَلْفِ
سُرَادِقِ القُدْسِ وَالإِحْسَانِ بِأَنَّ هَذِهِ لَلَيْلَةٌ وُلِدَتْ فِيْهَا
حَقِيقَةُ الرَّحْمَنِ وَفِيهَا فُصِّلَت كُلُّ أَمْرٍ أَزَليٍّ مِنْ قَلَمِ السُّبْحَانِ،
إِذَنْ فَـأَبْشِرُوا ثُمَّ اسْتَبْشِروا يَا مَلأَ الْبَيَانِ، وفِيها نادَتِ الْوَرْقَاءُ
عَلَى الأَغْصَانِ وَالأَفْنَانِ بِأَنْ أَبْشِرُوا يَا مَلأَ الرِّضْوَانِ. قُلْ
فِيهَا شُقَّتْ سِتْرُ حُجُبَاتِ الجَلالِ عَلَى الإِيقانِ وغَنَّتْ وَرَنَّتْ
حَمامَةُ الفِرْدَوسِ فِي قُطْبِ الجِنَانِ، إِذَنْ فَأَبْشِرُوا يَا هَيَاكِلَ القُدسِ فِي مَدِينَةِ
الزَّمَانِ، وَفِيهَا تَجَلَّى اللهُ بِكُلِّ اسْمٍ عَظْمَانٍ، ثُمَّ اسْتَوَى
عَلَى كُلِّ قَلبٍ دُرِّيٍّ نَزْهَانٍ، وَأَنْتُم فَأَبْشِرُوا يَا مَلأَ الْبَيَانِ، وَفِيهَا تَمَوَّجَت أَبْحرُ
الغُفْرَانِ وَهَبّتْ نَسَائِمُ الإِحْسَانِ إِذًا فاسْتَبْشِروا يَا أَصْحَابَ
الرَّحْمَنِ فِيهَا غُفِرَ كُلُّ الْعِصْيَانِ مِنْ أَهْلِ الإِمْكَانِ، وَهَذِهِ
بِشَارَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ خُلِقَ فِي سَرَائِرِ الإِمْكَانِ، قُلْ هَذِهِ
لَلَيْلَةٌ قُدِّرَ فِيهَا مَقَادِيرُ الْجُودِ وَالْفَضْلِ فِي صَحَائِفِ
الْعِزِّ وَالإِيقَانِ لِيُرْفَعَ بِذَلِكَ كُلُّ الأَحْزَانِ عَنْ كُلِّ الأَشْيَآءِ
فِي كُلِّ حِيْنٍ وَزَمَانٍ، إِذًا فَـأَبْشِرُوا فِي قُلُوبِكُمْ يَا مَنْ
دَخَلَ فِي مَمَالِكِ الوُجُودِ وَالأَكْوَانِ، إِذًا
يُنَادِي مُنَادِي الرُّوحِ فِي قُطْبِ الْبَقَآءِ مَرْكَزِ الْعُلُوِّ وَالرُّفعَان وَهَذَا مِنْ فَضْلِ اللهِ الْعَزِيْزِ الْمَنَّانِ،
تَاللهِ قَدْ فُتِحَ خَتْمُ إِنَاءِ الْمِسْكِ مِنْ يَدِ الْقُدْرَةِ مِنْ ذِي
شَوْكَةٍ وَسُلْطَانٍ وَإِنَّ هَذَا لَفَضْلٌ مِنَ اللهِ الْعَلِيِّ الْمَنَّانِ، وَأَدَارَ
كَأْسَ خَمْرٍ رُمَّانٍ مِنْ يَدِ يُوسُفِ الأَحَدِيَّةِ بِجَمَالِ السُّبْحَانِ
وَإِنَّ هَذَا لَفَضْلٌ مِنَ اللهِ الْعَلِيِّ الْمَنَّانِ، إذًا فاسْرُعوا وَتَكَأَسوا يا
مَلأَ الإِنْسَانِ مِنْ هَذَا السَّلْسَبِيْلِ الْحَيَوَانِ وإِنَّ هَذَا لَفَضْلٌ
مِنَ اللهِ الْعَليِّ الْمَنّانِ، قُلْ يَا مَلأَ الْعُشَّاقِ قَدْ أَشْرَقَ جَمَالُ
الْمَعْشُوقِ مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ وَقُمْصَانٍ وَإِنَّ هَذَا لَفَضْلٌ مِنَ اللهِ
الْعَلِيِّ الْمَنَّانِ، وَيَا مَعْشَرَ الأَحْبَابِ قَدْ طَلَعَ جَمَالُ
المَحْبُوبِ عَنْ أُفُقِ الْقُدْسِ فَهَلُمُّوا وَتَعَالُوا بِأَرْوَاحِكُمْ يَا
أَصْحَابَ الْبَيَانِ وَإِنَّ هَذَا لَفَضْلٌ مِنَ اللهِ الْعَلِيِّ الْمَنَّانِ، وَقَدْ
ظَهَرَتِ الحُجَّةُ وَالبُرْهَانُ بِمَا قَامَتِ الْقِيَامَةُ بِقِيَامِ اللهِ بِمَظْهَرِ
نَفْسِهِ الْقَدْمَانِ وَإِنَّ هَذَا لَفَضْلٌ مِنَ اللهِ الْعَلِيِّ الْمَنَّانِ،
وَلَجَتِ الأَدْوَارُ وَتَلَجْلَجَتِ الأَكْوَارُ وَتَبَهَّجَتِ الأَنْوَارُ بِمَا
تَجَلَّى اللهُ عَلَى كُلِّ دَوْحَةٍ ذَاتِ أَفْنَانٍ وَإِنَّ هَذَا لَفَضْلٌ مِنَ
اللهِ الْعَلِيِّ الْمَنَّانِ، تَعَالُوا يَا مَلأَ الأَصْفِيَآءِ بِمَا حَضَرَتِ الأَرْوَاحُ
وَنُشِرَتِ
الأَرْيَاحُ وَخُرِقَتِ الأَشْبَاحُ وَرَنَّتْ أَلْسُنُ الْبَقَآءِ عَلَى كُلِّ
شَجَرَةٍ ذَاتِ أَغْصَانٍ وَإِنَّ هَذَا لَفَضْلٌ مِنَ اللهِ الْعَلِيِّ
الْمَنَّانِ، تَاللهِ قَدْ خُرِقَتِ الّحُجُبَاتُ وَحُرِقَتِ السُّبُحَاتُ
وَكُشِفَتِ الدَّلالاتُ وَرُفِعَتِ الإِشَارَاتُ مِنْ ذِي قُدْرَةٍ وَقَدْرَانٍ وَإِنَّ
هَذَا لَفَضْلٌ مِنَ اللهِ الْعَلِيِّ الْمَنَّانِ، سُرُّوا وَأَسِرُّوا
بالْكِتْمَانِ هَذَا الرَّمْزَ الْخَفِيَّ الأَخْفَى الْخَفْيَانَ لِئلّا يَعْرفُوا الأَغْيَارُ مَا تُكَأسُونَ مِنْ هَذِهِ الْخَمْرِ الَّتِي كَانَتْ ذِي
لَذَّةٍ وَجَذْبَانٍ وَإِنَّ هَذَا لَفَضْلٌ مِنَ اللهِ الْعَلِيِّ الْمَنَّانِ. يَا
مَلأَ الْبيَانِ تَاللهِ قَدْ
تَمَّ النِّعْمَةُ وكَمُلَ الرَّحْمَةُ ولاَحَ الْوَجْهُ
بِالرُّوحِ وَالرَّيْحَانِ وَإِنَّ هَذَا لَفَضْلٌ مِنَ اللهِ الْعَلِيِّ
الْمَنَّانِ. أَنِ اشْرَبُوا يَا مَلأَ الأَصْحَابِ وَأَنْ أَبْشِرُوا
مَلأَ الأَحبَابِ مِنْ هَذَا السَّلْسَبِيْلِ الدُّرِّيِّ الشَّعْشَعَانِ وَإِنَّ
هَذَا لَفَضْلٌ مِنَ اللهِ الْعَلِيِّ الْمَنَّانِ.
مقتطفات من ألواح حضرة بهاء الله
"فَياحَبَّذَا
مِنْ هَذِهِ السِّدْرَةِ الَّتِي ارْتَفَعَتْ بِالحَقِّ لِيَسْتَظِلَّ فِي
ظِلِّهَا الْعَالَمِينَ".
"هَذَا
لَهُو الَّذِي أَرْسَلَ مِنَ عِنْدِهِ المُرْسَلِينَ وَجَاءَ مِنَ لَدُنهُ مَعْشرُ
النَّبِيِّينَ".
"وَلَو
يَكُونُ مَشَارِقُ الوَحْي كُلُّها فِي هَذَا الحِينِ الَّذِي فِيه يَنْطِقُ
لِسَانُ العَظَمَةِ وَالكِبْرِيَاءِ وَيَتَوَقَّفْنَ فِي هَذَا الأَمْرِ أَقَلَّ
مِنْ آنٍ لَيَحْبِطُ أَعْمَالُهُم، كَذَلِكَ قُضِيَ الأَمْرُ مِنْ لَدَى الحَقِّ
عَلاَّمُ الغيُّوب... تَاللهِ إِنَّهُ لا يُقَاسُ بِمَا أَتَى وَيَأْتِي، يَشْهَدُ
بِذَلِكَ عِبَادٌ مُقَرَّبُونَ".
"تَاللهِ
قَدْ أَتَى مَنْ كانَ مَخزَونًا فِي أَفْئِدَةِ الأَنْبِيَآءِ وَمَسْطُورًا مِنَ القَلَمِ
الأَعْلَى فِي كُتُبِ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ".
"قُلْ
هَذَا لَهُو الَّذِي لَولاَه ما أُرْسِلَ رَسُولٌ وَمَا نُزِّل كِتَابٌ، يَشْهَدُ
بِذَلِكَ كُلُّ الأَشْيَآءِ".
"هَذَا
لَهُو الَّذِي قَدْ أَخَذَ نُقْطَةُ البَيانِ عَهْدَه فِي ذَرِّ البَيانِ
وَمُحمَّدٌ رَسُولُ اللهِ فِي ذَرِّ الفُرقَانِ وَالرُّوحُ فِي ذَرِّ الإِنْجِيلِ
وَالكَلِيمُ فِي ذَرِّ التَّورَاةِ وَالخَلِيلُ فِي ذَرِّ الأَمرِ إِنْ أَنْتُم
مِنَ العَالِمِينَ".
"وَظَهَرَ
مِنْهُ حُجَّةُ عَلِيٍّ ثُمَّ بُرْهَانُ مُحَمَّدٍ ثُمَّ دَليلُ الرُّوحِ ثُمَّ ما أَتَى بِهِ الكَلِيمُ وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ
قَدْ ظَهَرَ بسُلْطَانٍ ما شَهِدَتْ عَينُ الإِبْدَاعِ شِبْهَهُ وَلاَ عُيُونُ
مَلائكَةِ المُقُرَّبينَ".
"لَولاَهُ
ما اشْتَعَلَتِ النَّارُ فِي سِدْرَةِ السِّينآءِ عَلَى بُقْعَةِ الطُّورِ لِمُوسَى الكَلِيمِ وَمَا جُعِلَ النَّارُ نُورًا
لاسْمِنَا الخَليلِ وَمَا ثَبَتَ أَمْرُ اللهِ بَيْنَ خَلْقِهِ وَما أَشْرَقتْ عنْ
أُفُقِ القُدْسِ شَمْسُ البَقَاءِ باسْمِ رَبِّكُمُ العَلِيِّ الأَعْلَى".
"هَذَا
الغُلامُ الَّذِي فِي حُبِّهِ سُفِكَتْ دِمآءُ النَّبِيِّينَ وَالمُرْسَلِينَ".
"قُلْ
تَاللهِ قَدْ رَقَمَ قَلَمُ الْقُدْسِ مِنْ رَحِيقِ الْمِسْكِ عَلَى جَبِينِي البَيَضَاءِ
بِخَطٍّ أَبْهَى أَنْ يَا مَلأَ الأَرْضِ وَالسَّمَآءِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ المَحْبُوبُ
الَّذِي مَا شَهِدَتْ عَيْنُ الإِبْدَاعِ مِثْلَهُ وَلاَ عَيْنُ الاخْتِرَاعِ
شِبْهَهُ وَإِنَّهُ لَهُوَ الَّذِي قَرَّتْ بِجَمَالِه عَيْنُ اللهِ المَلِكِ العَزِيزِ
الجَمِيلِ".
ولادة
حضرة بهاء الله ونشأته
مقتطفات
من خطابة حضرة عبد البهاء
بتاريخ
٦ حزيران ١٩١٥
ولد حضرة
بهاء الله فِي اليوم الثّاني من شهر محرّم عام ١٢٣٣ هجريّة
فِي طهران وفي محلّة بوّابة شميران... وقد تعلّقت بِهِ والدته تعلّقًا شديدًا بحيث
لم يكن يهدأ روعها من الحيرة فِي أطواره المباركة، فكَانَتْ تقول مثلاً إنّ
هذَا الطفل لا يبكي أبدًا ولا يصدر منه ما يصدر عادة من الأطفال الرّضّع كالعويل
والصّراخ والبكاء والجزع وعدم القرار، وخلاصة القول مضت فترة حتى فطم وكان لوالده
تعلّق عظيم
بِهِ، وكان يدري مدى عظمة الجمال المبارك وعلوّ مناقبه
ومقام مظهريّته المقدّسة، والبرهان عَلَى ذلك أنّه قد شيّد قصرًا ملوكيًّا فِي
قرية تاكور الَّتِي كَانَتْ ملكًا له، وكان الجمال المبارك يقضي معظم فصل الصّيف
فِي ذلك القصر، وكان قد كتب المرحوم الميرزا (أي والد حضرة بهاء الله) فِي موقع من
مواقع ذلك القصر بخطّ يده وبقلم جليّ هذين البيتين (ما معناهما):
عند وصولك إلى عتبة المحبوب قل لبيك
حيث
لا مجال هناك "للسَّلام" أو "لِعَلَيْك"
هَذَا هو وادي العشق فأَوقِفْ خُطاك احترامًا
هَذِهِ
الأرضُ أرضٌ مقدّسة
فاخلع نعليك.
وذات يوم
كان الجمال المبارك يتمشّى وهو فِي السّابعة من عمره، ألقت والدته نظرة شاخصة إلى
قامته الجميلة وقالت إنّها قصيرة شيئًا ما، قال والده لا تدرين مدى استعداده
وقابليّته ودرجة فطانته وذكائه، إنّه شعلة من النّار وفي هذا العمر يمتاز من الشّباب
البالغين، وإن لم تكن قامته طويلة ذلك لا يضرّه شيئًا، مجمل القول نال حضرة بهاء
الله شهرة واسعة وهو طفل بحيث ظهرت فيه آثار المواهب الإلهيّة وأصبح محبوب قلوب
الجميع، إنّ الوزراء الّذين كانوا أعداء والده الألدّاء كانوا يحبّونه ويحترمونه ويراعونه
رعاية مخصوصة، مثلاً كان الحاج الميرزا آقاسي فِي منتهى العداوة مع والده... لكنّه
بالرّغم من ذلك كان يبدي محبّة فائقة للجمال المبارك بحيث جعل النّاس فِي حيرة من أمره قائلين كيف أن هذا الرجل الّذي
يعتبر عدوًّا لوالده يكنّ مثل هذا الاحترام لابنه... ومع أن الجميع كانوا يعلمون
أنّ الجمال المبارك لم يدخل مدرسة ولم يتتلمذ لدى معلّم ولكنّهم جميعًا كانوا
يشهدون عَلَى أنّه لا نظير له فِي العلم والفضل والكمال...
وفي فجر
يوم من الأيّام ذهبت جدّتي إلى دار الميرزا محمّد تقي المجتهد كي تصلّي، قال لها المجتهد بعد الصّلاة أودّ أن أبشّرك بأنّني حلمت البارحة أنّ حضرة القائم
الموعود موجود فِي منزلي ولمّا
أردت أن أدخل منزلي منعني الحارس وقال ليس لأحد أن يدخل الآن فِي المنزل لأنّ حضرة
القائم الموعود هو فِي خلوة مع الجمال المبارك، ثُمَّ سكت هنيهة وهو متفكّر فقال هذا
أمر عجيب كيف حصل للجمال المبارك هذا المقام مع أنّه من بيت الوزارة، فعاد وقال ربّما
للصّلة البعيدة الّتي تربطه بأسرتنا نال هذا الشّرف، وباختصار ذاع هذا الحديث
أطراف منطقة "نور"، فعلّق عليه بعض ذوات الفطنة والذّكاء وقالوا كيف أنه
لم يكن للمجتهد نفسه سبيل للوصول ثمّ لسبب قرابته له حصل للجمال المبارك شرف ذلك
اللّقاء، وبالإجمال كان العظماء والأكابر والعلماء الَّذين لهم معرفة بحضرة بهاء
الله سواء كانوا فِي مازندران أو فِي طهران يشهدون عَلَى عظمة الجمال المبارك
ونبله، وكلّ مسألة هامّة يعرضونها عليه ملتمسين حلاّ لها، وإن أردت أن أشرح تفاصيل
كلّ قضية سيطول بنا الكلام.
ولمّا كان
الجمال المبارك فِي سنّ الخامسة أو السّادسة رأى حلمًا وشرح ما رأى فِي المنام
لوالده فطلب الوالد مفسّرًا للأحلام واستفسر منه عَنْ تفسير ذلك الحلم، وكان رؤيا
الجمال المبارك هو أنّه رأى نفسه فِي حديقة فلاحظ أنّ طيورًا عظيمي الجثّة مهاجمون
عَلَى رأسه ولكنهم ليسوا قادرين عَلَى أذيته، ثُمَّ ذهب إلى البحر فرأى أن تِلْكَ
الطيور وأسماك البحر مجتمعة هاجمة عَلَى رأسه من الهواء والبحر ولكنّهم أيضًا لا
يؤذونه، وبعدما سمع المفسّر شرح الرّؤيا
قال إِن ذلك دليل عَلَى أن هذَا الطفل سوف يصبح مصدر أمر عظيم الأمر الَّذِي له
صلة بالعقل والفكر لأن الرأس مركز العقل والفكر ولذلك جميع رؤساء العالم وأعاظمه
سوف يهجمون عَلَى رأس هَذَا الطفل كهجوم طيور الهواء
وأسماك البحر لكنهم لا يضرّونه شيئًا وهو يتغلّب عَلَى
الجميع وسوف يخضعون له ويظهر عجزهم...
ثناء
حضرة ولي أمر الله وصلاته لحضرة بهاء الله
(مقتطف
من توقيع نوروز ١٠١ بديع)
"وَالصَّلوةُ
وَالثَّناءُ عَلَى أَعْظَمِ نُورٍ سَطَعَ وَلاَحَ مِنْ مَطْلِعِ الإِشْرَاقِ عَلَى
الآفاقِ، جَمالِ القِدَمِ وَالاسْمِ الأَعْظَمِ وَالرَّمْزِ المُنًمْنِم، بَهَاءِ اللهِ الأَفْخَمِ الأَكْرَمِ، حَقِيقَةِ الحَقَائِقِ،
جَوهَرِ الجَواهِرِ، نُورِ الأَنْوَارِ، الاسْمِ المَكْنُونِ وَالسِّرِّ المَصُونِ،
الأَصْلِ القَدِيمِ وَالنَّبَإِ العَظِيمِ، المَظْهَرِ الكُلِّي الإِلَهِي،
مَطَافِ الرُّسُلِ، وَالمَوعُودِ فِي الكُتُبِ وَالصُّحُفِ وَالمَذْكُورِ
بِلِسَانِ النَّبِيِّينَ وَالمُرْسَلِينَ، رَبِّ الجُنُودِ، مُكَلِّمِ الطُّورِ،
بانِي الهَيكَلِ، مُطَهِّرِ العِلَلِ، الجَالِسِ عَلَى كُرْسِيِّ داوُدَ، الأَبِ السَّمَاوِيِّ،
الأَلِفِ وَاليَاءِ، مَلِكِ المُلُوكِ، رَبِّ المَلَكُوتِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ،
صَاحِبِ العَهْدِ، رَبِّ المِيثَاقِ، نَيِّرِ الآفاقِ، الظَّاهِرِ بـاسْمِ القَيُّومِ،
المُلَقَّبِ فِي الكِتَاب المَجِيدِ بِمَنْ يُظْهِرُهُ اللهُ، بَقِيَّةِ اللهِ المُنْتَظَرِ
وَالمَنْظَرِ الأَكْبَرِ لِلْبَشَرِ، مَظْلُوم العَالَمِ وَمُحْيِي الرِّمَمِ
وَرَافِعِ بُنيَانِ الصُّلْحِ الأَعْظَمِ بَيْنَ الأُمَمِ الَّذِي بِظُهُورِه
فُكَّ الرَّحِيقُ المَختُومُ وَامْتَحَنَ اللهُ حَقَائِقَ النَّبِيِّينَ وَالمُرْسَلِين،
وَظَهَرَتِ الطَّامَّةُ الكُبْرَى وَالرَّادِفَةُ العُظْمَى، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ
مَرَّةً أُخْرَى، إِذًا أَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَأَخْرَجَتْ
أَثْقَالَها، تَعَالَى تَعَالَى عِزُّهُ وَبَهَاؤُه وَمَجْدُهُ وَعَلاؤه
وَسَلْطَنَتُهُ وَجَبَرُوتُه وَكِبرِيَاؤُهُ.
وعن ميلاد حضرة بهاء الله اورد المؤرّخ البهائيّ النّبيل
الزّرندي فِي تاريخه ما يلي:
ومن بين الَّذِينَ انتبهوا لفحوى الدذعوة الَّتِي قام بها ذلك المطلع الإلهيّ فِي مدينة يزد الحاج عبد الوهاب، وهو رجل ذو تقوى عظيمة
ومستقيم ويخاف الله وكان يزور الشّيخ أحمد كلّ يوم بصحبة من يدعى عبد الخالق يزدي الَّذِي كَانَ مشهورًا
بنفوذه وعلمه، وفي كثير من الأحيان كَانَ يريد الشيخ أحمد أن يحادث عبد الوهاب سرًّا،
فكان يطلب من عبد الخالق أن يتركه عَلَى انفراد مع تلميذه المحبوب، وكان هذَا التّفضّل المشهود لرجل أمّيّ مثل عبد الوهاب سببًا لدهشة زميله الَّذِي كَانَ يظنّ
نفسه أقدر وأعلم منه، وكان بعد رحيل الشّيخ أحمد من يزد أن اعتكف عبد الوهاب واعتزل الناس فظنّوه قَدْ زهد وتصوّف، فقام عليه الرّؤساء
واتّهموه بأنّه دخيل ويريد أن يسلبهم سلطتهم، وأمّا عبد الوهاب الَّذِي لم يكن
منجذبًا لطريقة التّصوّف فلم يكن له كبير اعتناء بادعاآتهم واحتقر اتّهامهم وامتنع
عَنْ صحبتهم، ولم يكن له من الأصحاب سوى الحاج حسن النّائيني الَّذِي انتخبه كصديق
حميم وأطلعه عَلَى السّرّ الَّذِي أدلى بِهِ إليه سيّده، فلمّا قضى عبد الوهاب
نحبه استمرّ ذلك الصّاحب فِي السبيل الَّذِي أرشده إليه وكان يبشّر كلّ شخص مستعدّ
ببشارة قرب ظهور دين الله.
وقابلت
فِي كاشان الميرزا محمود القمصري الَّذِي كَانَ رجلاً مسنًّا ويبلغ التّسعين من
عمره ومحبوبًا ممّن
يعرفونه وأخبرني بالرّواية الآتية: (أتذكر أنّي كُنْتَ أسمع وأنا صغير وقاطن فِي
كاشان أنّ رجلاً فِي بلدة نائين كَانَ يبشّر النّاس بقرب الظّهور، وكلّ من يسمعه
سواء من العلماء أو الموظّفين أو العوام كَانَ يزهد فِي الدّنيا ويحتقرها، وإذ
كُنْتَ أريد التّحقّق من صدق ذلك سافرت إلى نائين بدون إطلاع إخواني، وهناك تحقّقت
من الرّواية الَّتِي سمعتها عنه، وكَانَتْ طلاقة وجهه تنطق عن
النّور الَّذِي اشتعل فِي روحه وسمعته ذات مرّة – بعد أن
أدّى صلاة الصّبح – يقول: (عن قريب سوف تتبدّل الأرض بالجنّة وستكون بلاد إيران
كعبة القصّاد من جميع أمم العالم ويطوفون حولها). وفي إحدى الأيّام رأيته لفرط
دهشتي فِي الفجر ساجدًا يردّد بإخلاص كلمة الله أكبر كثيرًا، ثُمَّ التفت إليَّ
وقال: (إنّ الَّذِي كُنْتَ أبلغك عنه قَدْ ظهر ففي هَذِهِ السّاعة انبثق نور
الموعود وهو يضيء العالم بأنواره، يَا محمود الحقّ أقول لك إنّك سوف ترى وتشاهد
بعينك يوم الأيّام). فبقيت تِلْكَ الكلمات الَّتِي خاطبني بها ذلك الرجل المقدّس
تدوّي فِي أذني إلى أن جَاءَ اليوم الموعود فِي سنة السّتّين، فكان لي الشّرف أن
أستمع للنّداء الَّذِي ظهر من شيراز، وكنت ويا للأسف بسبب مرضي غير قادر عَلَى الذّهاب إلى تِلْكَ المدينة، وفيما بعد عندما زار الباب صاحب
الظّهور مدينة كاشان ونزل ضيفًا ثلاث ليال فِي منزل الحاج الميرزا جاني لم أكن
أعلم بزيارته، وبذلك منعت من شرف المثول بين يديه، وفيما بعد بينما كُنْتَ أتحادث
مع أصحاب الأمر علمت بتاريخ ميلاد الباب أنّه يقع فِي أول محرّم سنة
١٢٣٥ هـ. ووجدت أن ذلك التاريخ لم يكن مطابقًا للتّاريخ
الَّذِي تكلّم عنه الحاج حسن النّائيني بل كَانَ هناك فرق بمقدار سنتين بين التّاريخين
فأزعجني ذلك الأمر وحيّرني، ولكن بعد ذلك بمدّة قابلت الحاج الميرزا كمال الدّين
النّراقي الَّذِي أخبرني بظهور بهاء الله فِي بغداد وقصّ عليّ بعضًا من القصيدة
الورقائيّة وبعض قطع من الكلمات المكنونة الفارسيّة والعربيّة، فحرّكت أعماق روحي تلاوة هَذِهِ الكلمات القدسيّة وتذكّرت
منها ما يأتي: (يَا ابْنَ الْوُجُوْدِ فُؤَادُكَ مَنْزِلِيْ، قَدِّسْهُ
لِنُزُوْلِيْ، وَرُوْحُكَ مَنْظَرِيْ، طَهِّرْهَا لِظُهُوْرِيْ. يَا ابن الأرض إذا أردتني لا تطلب سواي ولو تنظر إلى
جمالي فأَغمض عينيك عَنْ العالمين لأنّ إرادتي وإرادة غيري كالماء والنّار لا يسكنان فِي قلب واحد). فسألت عَنْ تاريخ ميلاد بهاء الله
فعلمت أنّه سنة ١٢٣٣ هجرية فِي
فجر اليوم الثّاني من المحرم، فتذكّرت إذ ذاك كلام الحاج حسن النّائيني وفي اليوم
الَّذِي ذكّرني فيه سجدت لله قائلاً: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ يَا إلهي أحمدك
عَلَى ما أعلمتني بيومك الموعود فإذا دعوتني إليك الآن فإني أموت راضيًا مطمئنًّا)
وفعلاً توفّي فِي تِلْكَ السنة وهي سنة ١٢٧٤هـ وصعدت إلى
الله روحه الطّيّبة.
من أوصاف طفولة حضرة بهاء الله
جَاءَ فِي
كتاب «بهاء الله والعصر الجديد» ما يلي:
وقد
حكى عبدالبهاء أكبر أولاد بهاءالله لمؤلّف هذا الكتاب فِي إحدى المناسبات
التّفاصيل الآتية عَنْ أوائل أيّام حياة والده فقال ما ترجمته:
"كان
منذ طفولته شفوقًا سخيًّا للغاية، وكان محبًّا للعيشة فِي الأرياف، فكان يقضي أغلب
أوقاته فِي البساتين أو الحقول، وكَانَتْ له قوّة جاذبيّة خارقة يشعر بها الجميع،
فكان النّاس يلتفّون حوله كما كان الوزراء ورجال البلاط يحبّون مجالسته، وكذلك كان
يحبّه الأطفال. ولما بلغ السّن الثّالثة
عشرة أو الرّابعة عشرة اشتهر بدرايته الواسعة وعلمه الغزير، فكان يتكلّم فِي أيّ
موضوع ويحلّ أيّة معضلة تعرض عليه، ويتباحث فِي المجامع مع العلماء، ويفسّر
المسائل الدّينيّة المعضلة، وكان الكلّ ينصتون إليه بكلّ ارتياح.
ولمّا
بلغ سنّ الثّانية والعشرين، توفّي والده، وأرادت الحكومة أن تسند إليه منصب والده
فِي الوزارة، كما هي الحال فِي إيران، ولكنّ بهاءالله لم يقبل ذلك المنصب، وعندئذ
قال رئيس الوزراء: "اتركوه لنفسه فإنّ هذا المنصب لا يليق به، فإنّ له غرضًا
أسمى تحت نظرِه، ولا أقدر
أن أفهمه، ولكنّني مقتنع بأنّ مهمّة سامية قد قدّرت
له، فإنّ أفكاره ليست كأفكارنا، فاتركوه لنفسه".
وفي كتاب «بهاء
الله» تأليف ايادي أمر الله حسن باليوزي جَاءَ ما يلي:
"كَانَ والد حضرة بهاء الله هو الميرزا بزرك الوزير فِي
بلاط الشّاه، وكان بهاء الله فِي طفولته يملك قوى عجيبة خارقة، ففي السّابعة من
عمره وقف أمام الشّاه ليدافع بالنّيابة عَنْ والدِه فِي قضيّة كسب لها موافقة الشّاه،
وكان والده يعلم بأن ابنه ذو صفات عظيمة ولو أنّه لم يكن ليعلم ما كَانَ مقدّرًا
لابنه فِي مستقبل الأيّام، ولقد نشأَ جمال القدم بجوار البلاط وعاش وسط الغنى والرّفاه، ولما توفّي والده عرضت عليه وظيفته ولكنّه لم
يقبلها".
صفحة خالية
الفصل الثالث
إعلان دعوة حضرة الأعلى
صفحة خالية
مقتطفات من كتاب "قيّوم الأَسمآء" (تفسير سورة يوسف)
"أَلحَمْدُ
للهِ الَّذِي نَزَّلَ الكِتَابَ عَلَى عَبْدِهِ بِالحَقِّ لِيَكُونَ لِلعَالَمِينَ
سِرَاجًا وَهَّاجًا".
"إِنَّ
هَذَا لَهُوَ الحَقُّ صِرَاطُ اللهِ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْض فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَهُ
إِلَى اللهِ بِالحَقِّ سَبِيلاً، إِنَّ هَذَا لَهُو الدِّينُ القَيِّمُ وَكَفَى
بِاللهِ وَمَنْ عِنْدَه عِلْمُ الكِتَابِ شَهِيدًا، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الحَقُّ
بِالحَقِّ عَلَى الكَلِمَةِ الأَكْبَرِ مِنَ اللهِ القَدِيمِ قَدْ كَانَ مِنْ
حَوْلِ النَّارِ مَبْعُوثًا، إِنَّ هَذَا لَهُوَ السِّرُّ فِي السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ وَعَلَى الأَمْرِ البَدِيعِ بِأَيْدي اللهِ العَلِيِّ قَدْ كَانَ
بِالحَقِّ فِي أُمِّ الكِتَابِ مَكْتُوبًا".
"يَا
مَلِكَ المُسْلِمِيْنَ فَـانْصُرْ بَعْدَ الكِتَابِ ذِكْرَنَا الأَكْبَرَ
بِالحَقِّ فَإِنَّ اللهَ قَدْ قَدَّرَ لَكَ وَلِلْحَافِّينَ مِنْ حَوْلِكَ فِي
يَومِ القِيَامَةِ عَلَى الصِّرَاطِ مُوقِفًا عَلَى الحَقِّ مَسئُولاً".
"يَا
أَهْلَ الأَرْضِ مَنْ أَطَاعَ ذِكْرَ اللهِ وَكِتَابَهُ هَذَا فَقَدْ أَطَاعَ
اللهَ وَأَوْلِيائَه بِالحَقِّ وَقَدْ كَانَ فِي الآخِرَةِ مِنْ أَهْلِ جَنَّةِ
الرِّضْوَانِ عِنْدَ اللهِ مَكْتُوبًا".
"يَا
مَعْشَرِ العُلَمَآءِ اتَّقُوا اللهَ فِي آرائِكُمْ مِنْ يَومِكُم هَذَا فإنَّ
الذِّكْرَ فِيكُمْ مِنْ عِندِنا قَدْ كَانَ بِالحَقِّ حَاكِمًا وَشَهِيدًا
وَأَعْرِضُوا عَمَّا تَأْخُذُونَ مِنْ غَيْرِ كِتَابِ اللهِ الحَقِّ فَإِنَّ لَكُم
فِي القِيَامَةِ عَلَى الصِّرَاطِ مُوقِفًا عَلَى الحَقِّ قَدْ كَانَ
مَسْؤُولاً".
"وَإِنَّ
الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِبَابِ اللهِ الرَّفِيعِ إِنَّا قَدْ أَعْتَدْنَا
لَهُم بِحُكْمِ اللهِ الحَقِّ عَذابًا أَلِيمًا، وَهُوَ اللهُ كَانَ عَزِيزًا
حَكِيمًا، إِنِّا نَحْنُ قَدْ نَزَّلْنَا عَلَى عَبدِنا هَذَا الكِتابَ مِنْ
عِنْدِ اللهِ بِالحَقِّ".
"يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُم تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَحْدَهُ فـَاتَّبِعُونِي فِي
ذِكْرِ اللهِ الأَكْبَرِ مِنْ رَبِّكُمْ لِيَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ
خَطَايَاكُمْ وَإِنَّ اللهَ قَدْ كَانَ بِالمُؤْمِنِينَ غَفَّارًا رَحِيمًا".
"اتَّقُوا
اللهَ وَلاَ تَقُولُوا فِي ذِكْرِ اللهِ الأَكْبَرِ بِشَيْءٍ مِنْ دُونِ
اللهِ فَإِنَّا نَحْنُ قَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُ عَنْ كُلِّ نَبيٍّ وَأُمَّتِهِ
بِذِكْرِهِ وَمَا نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلاَّ بِذَلِكَ العَهْدِ
القَيِّمِ".
"ولا
تَقُولُوا كَيفَ يُكَلِّمُ عَنِ اللهِ مَنْ كَانَ فِي السِّنِّ عَلَى الحَقِّ
بِالحَقِّ خَمْسةً وَعِشْرونًا، اسْمَعُوا فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرِضِ إِنِّي
عَبْدُ اللهِ أَتَانِي البَيِّنَاتُ مِنْ عِنْدِ بَقِيَّةِ اللهِ المُنْتَظَرِ
أَمَامَكُمْ هَذَا كِتابي قَدْ كَانَ عِنْدَ اللهِ فِي أُمِّ الكِتابِ بِالحَقِّ
عَلَى الحَقِّ مَسطُورًا، وَقَدْ جَعَلَني اللهُ مُبارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ
وَأَوصَانِي بِالصَّلَوةِ وَالصَّبْرِ ما دُمْتُ فِيكُمْ عَلَى الأَرْضِ حَيًّا".
مقتطفات من توقيع حضرة النّقطة الأولى
"الحَمْدُ
للهِ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ المَحْبُوبُ، وَإِنَّمَا البَهَاءُ
مِنَ اللهِ عَزَّ ذِكْرُهُ عَلَى مَنْ يُظْهِرُه اللهُ جَلَّ أَمْرُهُ، وَمَنْ
يُخْلَقُ بِأَمْرِهِ وَلاَ يُرَى فِيهِ إِلاَّ ما قَدْ تَجَلَّى اللهُ لَهُ
بِقَولِهِ، أَلا إِنَّه لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المُهَيْمِنُ القَيُّومُ، وَبَعد
فَقدْ سَمِعتُ كِتابَكَ وَإِنَّ ما فِيهِ جَوهَرُ لَولا فِيهِ ما أَجَبْتُكَ عَلَى
ذلكَ القِرطاسِ ولا حِينَئِذٍ بأَعْلى ما قُدِّرَ فِي الإِبْدَاعِ، فمَا أَعْظَمَ
ذِكْرَ مَنْ قَدْ سَئَلْتَ عَنه، وَإِنَّ ذَلِكَ أَعْلى وأَعَزُّ وأَجَلُّ
وأَمْنَعُ وأَقْدَسُ مِنْ أَنْ يَقْدِرَ الأَفْئِدَةُ بِعِرْفَانِه وَالأَرْوَاحُ
بالسُّجُودِ وَالأَنْفُسُ بِثَنَائِهِ وَالأَجْسَادُ بِذِكْرِ بَهائِهِ، فما
عَظُمَتْ مَسْئَلَتُكَ وَصَغُرَتْ كَيْنُونَتُكَ، هَلِ الشَّمْسُ الَّتِي هِي فِي
مَرَايَا ظُهُورِهِ فِي نُقْطَةِ البَيَانِ يَسْأَلُ عَنِ الشَّمْسِ الَّتِي
تِلْكَ الشُّمُوسُ فِي يَوْمِ ظُهُورِهِ سَجَّادٌ لِطَلْعَتِهَا إِنْ كَانَتْ شُمُوسًا
حَقِيْقِيَّةً، وَإِلاَّ لا يَنْبَغِي لَعُلوِّ قُدْسِهَا وَسُمُوِّ ذِكْرِهَا،
وَلَولاَ كُنْتَ مِنَ الوَاحِدِ الأَوَّل لَجَعَلْتُ لَكَ مِنَ الحَدِّ حَيثُ قَدْ
سَأَلْتَ عَنِ اللهِ الَّذِي قَدْ خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وأَمَاتَكَ وأَحْيَاكَ
وبَعَثَكَ فِي هَيْكَلِكَ...
"فها
أَنَا مُسْتَأْذِنٌ بِجُودِكَ عَنْ جُودِكَ أَنْ تَأْذَنَ بِفُؤادِي أَنْ يَخْطُرَ
بِهِ ذِكْرُ مَنْ تُظْهِرَنَّهُ، وَأَنْ تَجْعَلَنَّهُ وَكُلَّ مالِي وعَلَيَّ مُتَيَّمًا
بِحُبِّهِ عَلَى شَأْنٍ لأَجِدَنَّهُ مُسْتَحِقًّا عَلَى ما أَنْتَ مُقَدَّسٌ
عَنْهُ، إِنْ أَجِدَنَّهُ وَحْدَهُ وَحْدَهُ لَكُنْتُ سَاجِدًا لَه بـاستِحَاقِ
نَفْسِه، إِذْ ذلِكَ سُجُودي لَكَ وَحْدَكَ وَحْدَكَ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ، وَإِنْ
أَجِدَنَّ كُلَّ مِنْ عَلَى الأَرْضِ سَجَّادًا بَيْنَ يَدَيْهِ لا يَكْبُرُ
عَظَمَتَهُ فِي فُؤادِي بِذَلِكَ، إِذْ لَوْ أُشَاهِدَنَّ بِمِثْلِ ما عَلَى
الأَرْضِ بِعَدَدِ كُلِّ شَيْءٍ
وكُلٌّ كانوا لَسَجَّادًا لَه حِينَ ما يَقُولُ إِنَّنِي
أَنا اللهُ لا إِله إِلاَّ أَنَا وَإِنَّ ما دُوني خَلْقِي، قُلْ أَنْ يَا خَلْقِي
إِيَّايَ فـاسْجُدُون، ذَلِكَ مُسْتَحِقٌّ بِهِ ولَم يُغَيِّرْني خَلْقُ كُلِّ
شَيْءٍ عَنْ تَعْظِيمِي إِيّاه وتَكْبِيري عَظَمَتَه".
"وقَدْ
كَتَبْتُ جَوهَرَةً فِي ذِكْرِهِ وَهُوَ أَنَّه لا يُسْتَشَارُ بِإِشَارَتي وَلاَ
بِمَا ذُكِرَ فِي البَيَانِ، بَلَى وَعِزَّتِهِ تِلْكَ الكَلِمَةُ عِنْدَ اللهِ
أَكْبَرُ عَنْ عِبَادِةِ مَا عَلَى الأَرْضِ إذْ جَوْهَرُ كُلِّ العِبَادَةِ
يَنْتَهِي إِلَى ذَلِكَ، فَعَلَى ما قَدْ عَرَفْتَ اللهَ فـاعْرِفْ مَنْ
يُظْهِرُهُ اللهُ، فَإِنَّهُ أَجَلُّ وَأَعْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا
بِدُونِهِ أَوْ مُسْتَشِيرًا بإِشَارَةِ خَلْقِهِ، وإِنَّنِي أَنَا أَوَّلُ عَبْدٍ
قَدْ آمَنْتُ بِهِ وَبآيَاتِه وأَخَذْتُ مِنْ أَبْكَارِ حَدَائِقِ جَنَّةِ
عِرْفَانِهِ حَداَئِقَ كَلِمَاتِهِ، بَلَى وَعِزَّتِهِ هُوَ الحَقُّ لا إِله
إِلاَّ هُوَ كُلٌّ بِأَمْرِه قَائِمُونَ".
"أَلا
إِنَّكَ أَنْتَ لَو أَدْرَكْتَ يَومَ ظُهُورِهِ إِنْ عَرَفْتَهُ بِأَعْلَمِ
عُلَمَاءِ البَيانِ ما عَرَفْتَهُ، وَإِنْ رَأَيْتَهُ وَاقِفًا فِي أَمْرِهِ ثُمَّ
ذَكَرْتَ عَلَيهِ اسْمَ الإِنْسَانِيَّةِ ما أَنْفَيْتَ حُرُوفَ النَّفْي لإِثْبات
مَظْهَرِ الأَحَدِيَّة، ألا إِنَّه جَلَّ ذِكْرُهُ يُعَرِّفُ كُلَّ شَيْءٍ
نَفْسَهُ، وإِنّي أَسْتَحْيِيْ أنْ أَقُولَ يُعَرِّفُ كُلَّ شيءٍ نَفْسَهُ
بِمِثْلِ ما إِنِّي قَدْ عَرَّفْتُ كُلَّ شَيْءٍ نَفْسِي بآياتِي إِذْ كُلُّ ما
تَجِدَنَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلْقٌ له، وَإِنَّ اللهَ أَجَلُّ وَأَعْلَى مِنْ
أَنْ يُعْرَفَ بِخَلْقِهِ بل الخَلْقُ يُعْرَفُ بِهِ، هُوَ الَّذِي إِذَا
يَتَلَجْلَجُ لِسَانُ قُدْسِ أَزَلِيَّتِهِ يَخْلُقُ فِي قَوْلٍ ما يَشآءُ بينْ
نَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ أَوْ صِدِّيقٍ أَو تَقِيٍّ، إِذْ كُلُّ ما قَدْ خُلِقَ
أَدِلاَّءُ مِنْ عِنْدِهِ وَسُفَرآءُ مِنْ لَدُنْهُ، كُلٌّ قَالُوا أَنْ لا إِله
إِلاَّ اللهُ وَانْتَظِرُوا مَنْ يُذَكِّرُكُمُ اللهَ وَجْهُهُ فَإِنَّكُمْ ما
خُلِقْتُمْ إِلاَّ لِلِقَائِهِ وَهُوَ الَّذِي يَخْلُقُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِه، إِيَّاكَ
إِيَّاكَ يَومَ ظُهُورِهِ أَنْ تَحْتَجِبَ بِالوَاحِدِ البَيَانِيَّةِ فَإِنَّ
ذَلِكَ الوَاحدَ
خَلْقٌ
عِنْدَهُ، وَإِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنْ تَحْتَجِبَ بِكَلِمَاتِ ما نُزِّلَتْ فِي
البَيَانِ، فإِنَّهَا كَلِمَاتُ نَفْسِهِ فِي هَيْكَلِ ظُهُورِهِ مِنْ قَبْلُ،
ذَلِكَ شَمْسُ الحَقِيقَةِ وَوِجْهَةُ الأَحَدِيَّة وَطَلْعَةُ الرُّبُوبِيَّةِ
وَكَيْنُونَةُ الأُلُوهِيَّةِ وَإِنِّيَّةُ الأَزَلِيَّةِ لَو يَسْتَقِرُّ عَلَى التُّرابِ
تُنَادِي ذَرَّاتُ التُّرابِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَرْشٌ قَدِ اسْتَوَى الرَّحْمَنُ
عَلَيْهِ، فَمَنْ يَفْتَخِرُ الطِّينُ بِمَحَلِّ عَرْشِهِ بِذَلِكَ الافْتِخَارِ
فَكَيْفَ يَنْبَغِي أُولُو الأَفْكَارِ أَنْ يَفْتَخِرُونَ باللهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ
وَيَسْتَنبئونَ عَنِ اللهِ الوَاحِدِ الظَّهَّارِ، فاشْهَدْ بِعَيْنِ فُؤَادِكَ
ولا تَنْظُر إِلَيهِ إِلاَّ بِعَيْنِه، فإنَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ
يُدْرِكُهُ وَإِلاَّ يَحْتَجِبُ، إِنْ أَرَدْتَ اللهَ ولِقَاءَهُ فَأَرِدْهُ وانْظُرْ
إِلَيْهِ، وَلَكِنْ فـاشْهَدْ بأنَّ لَيْسَ وَرَاءَ اللهِ غَايَةٌ، وَإِنَّ ذَاتَ الأَزَلِ
لَنْ يُرَى، وَإِنَّ ما يُمْكِنُ أَنْ يُرَى وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ إِلَى اللهِ
نَفْسِهِ ذَلِكَ الطَّلْعَةُ الفَرْدَانِيَّةُ والوِجْهَةُ
الصَّمَدَانِيَّةُ."
"فَوَالَّذِي
فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَئَ النَّسَمَةَ لَوْ أَيْقَنْتُ بأَنَّكَ يَومَ ظُهُورِهِ
لا تُؤْمِنُ بِهِ لأَرْفَعْتُ عَنْكَ حُكْمَ الإِيمَانِ فِي ذَلِكَ الظُّهُورِ،
لأَنَّكَ ما خُلِقْتَ إِلاَّ لَه وَلَو عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ النَّصَارَى
يُؤْمِنُ بِهِ لَجَعَلْتُه قُرَّةَ عَينايَ وحَكَمْتُ عَلَيهِ فِي ذَلِكَ الظُّهُورِ
بالإِيمانِ مِنْ دُونِ أَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ إِذْ ذَلِكَ الأَحَدُ
يَومَ ظُهُورِهِ لو يُؤْمِنُ بِهِ يُبَدِّلُ كُلَّ عَوَالِمِهِ بالنُّورِ، وَلَكِنْ
ذَلِكَ المُؤْمِنُ لو يَحْتَجِبُ عَنْهُ يَومَ ظُهُورِهِ يُبَدِّلُ كُلَّ عَوَالِمِهِ
بالنَّارِ، فَوَحَقِّ نَفْسِهِ الَّذِي لاَ حَقَّ عِنْدَ اللهِ كُفْؤُهُ ولا
شِبْهُهُ ولا عِدْلُهُ ولا قَرِينُهُ ولا مِثَالُهُ لَمْ يُؤْمِنْ أَحَدٌ بـِالبَيَانِ
حَقَّ الإِيْمَانِ إلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بِمِثْلِ ما آمَنَ بـِالقُرآنِ حَقَّ الإِيمَانِ
إلاَّ مَنْ آمَنَ بـِالبَيَانِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ ما آمَنَ بِالإِنْجيلِ مِنْ
قَبْلُ حَقَّ الإِيمَانِ إِلاَّ مَنْ آمَنَ بِالقُرْآنِ، وَإِذًا يومَ مَنْ
يُظْهِرُهُ اللهُ كُلُّ مَنْ عَلَى الأَرْضِ عِنْدَهُ سَواءٌ،
فَمَنْ يَجْعَلُه نَبِيًّا كَانَ نَبِيًّا أَوَّلَ الَّذِي
لاَ أَوَّلَ لَهُ إِلَى آخِرِ الَّذِي لا آخِرَ لَه، لأَنَّ ذلك ما قَدْ جَعَلَهُ اللهُ،
وَمَنْ يَجْعَلُهُ وَلِيًّا فذلِكَ كانَ وَلِيًّا فِي كل العَوَالِمِ."
"فَلِتَسْتَعْصِمَنَّ
بِهِ فإِنَّ يَومَه يَومُ الآخِرَةِ بالنَّسْبَةِ إِلَى تِلْكَ الحَيَوةِ الأولى وَلَولا
كانَ كِتَابهُ ما نُزِّلَ ذلِكَ الكِتَابُ، وَلَولا كانَ نَفْسُهُ ما أَظْهَرَني الله،
وإِنَّنِي أَنا إِيَّاهُ وَإِنَّهُ هُوَ إِيَّاي، وإِنَّما المَثَلُ مَثَلُ
الشَّمْسِ لو تَطْلَعُ بما لا نهايةَ إِنَّها هِي شَمْسٌ وَاحِدَةٌ."
"لَعَلَّكَ
فِي ثمانِيَةِ سنةَ يَومَ ظُهُورِهِ تُدْرِكُ لِقَاءَ اللهِ إِنْ لم تُدِرِكْ
أَوَّلَهُ تُدْرِكُ آخِرَهُ."
"وَرُبَّما
يَأْتِيكَ مَنْ أَنْتَ قَدْ سَأَلْتَ عَنْ عُلُوِّ ذِكْرِهِ وَارْتِفَاعِ
أَمْرِهِ، وَإِنَّ مَنْ فِي البَيَانِ يَقْرَأُ تِلْكَ الكَلِمَاتِ وهم لا
يَلْتَفِتُونَ بظُهُورِهِ."
"سُبْحَانَكَ
اللَّهُمَّ فاشْهِدْ عَلَيَّ بأَنِّي بِذَلِكَ الكِتابِ قَدْ أَخَذْتُ عَهْدَ
وِلاَيَةِ من تُظْهِرَنَّه عَنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ عَهْدِ وِلاَيَتِي، وَكَفَى
بِك وبِمَنْ آمَنَ بِآياتِكَ عَلَيَّ شَهِيدًا، وإِنَّكَ أَنْتَ حَسْبِي عَلَيْكَ
تَوَكَّلْتُ وَإِنَّكَ كُنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا، أَنْ يَا ذَلِكَ الحَرْفُ
خُذْ عَهْدَ وِلاَيَتِهِ عَنْ كُلِّ مَنْ يُقِرُّ بالإِيمان عَنْ كُلِّ ما يُحيطُ
بِهِ عِلْمُكَ بِما كُتِبَ بِخَطِّهِ، وإِنَّما إِنِّي قَدْ كَتَبْتُ كُلَّ البَيَانِ
وَإِنَّ مَنْ يَكْتُبُ هَذَا يُقِرُّ بالإِيمَانِ بِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ، فاذًا فـاسْتَعْلِمْ
عَنْ كُلِّ ما يُمْكِنُ ان تَسْتَعْلِمَ لِيُثْبِتَ ذِكْرَهُ فِي الكِتَابِ إِلَى يَومِ
ظُهُورِهِ، فَإِنَّ هَذَا لَهُو العِزُّ الشَّامِخُ المَنِيعُ والفَضْلُ البَاذِخُ
الرَّفِيعُ."
مِنْ مُناجاةٍ لِحَضْرَةِ الأَعْلَى
"يا
إلَهِي أَنْتَ الحَقُّ
لَمْ تَزَلْ، وَمَا سِوَاكَ مُحْتَاجٌ فَقِيرٌ، وأَنا ذا يا إِلهِي انْقَطَعْتُ عَنْ كُلِّ
النَّاسِ بِالتَّوَسُّلِ إِلَى حَبْلِكَ، وأَعْرَضْتُ عَنْ كُلِّ
المَوجُودَاتِ بِالتَّوَجُّهِ إِلى تِلْقاءِ مَدْيَنِ رَحْمَتِكَ، فأَلْهِمْنِي
اللَّهُمَّ ما أَنْتَ عَليهِ مِنَ الفَضْلِ والعَطَاءِ وَالعَظَمَةِ والبَهَاءِ والجَلالِ
وَالكِبْرِياءِ، فَإِنَّي لا أجِدُ دُونَكَ عالِمًا مُقَتَدِرًا،
وَاحْرُسْنِي اللَّهُمَّ بِكُلِّ مَنْعِكَ وَكِفايَتِكَ وجُنُودِ السَّمواتِ وَالأَرضِ،
فَإِنِّي لا أَجِدُ دُونَكَ مُعْتَمَدًا ولا سِوَاكَ مَلجَأً،
وأَنْتَ أَنْتَ اللهُ رَبِّي تَعْلَمُ حاجَتِي وَتَشْهَدُ مَقَامِي، وَأَحاطَ عِلْمُكَ بِمَا
نَزَلَ عَليَّ مِنْ قَضَائِكَ وبَلا الدُّنْيا بإِذْنِكَ جُودًا
وإِكْرَامًا."
"يَا
إلهِي كَمْ مِنْ نِعْمَةٍ تَفَضَّلْتَ بِهَا عَلَيَّ، قُلْ لَكَ عِنْدَهَا
شُكْرِي، وَكَمْ مِنْ بَلِيَّةٍ ابْتَلَيْتَنِي بِهَا، قُلْ لَكَ عِنْدَهَا
صَبْرِي، وَكَمْ مِنْ كَلِمَةِ إِلْهَامٍ أَلْهَمَتْنِي فِي سِرِّي وَلَمْ
أَسْجُدْ بِعَلاَنِيَّتِي لِوَجْهِكَ، وَكَمْ مِنْ كَلِمَةِ سِرٍّ أَيَّدْتَنِي
وَلَمْ أُقْبِلْ بِكُلِّي إِلَيْكَ، فَسُبْحَانَكَ سُبْحَانَكَ أَنْتَ المَعْرُوفُ
الدَّائِمُ وَالمُقْتَدِرُ القَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَا يَا إِلَهي
كُنْتُ ذَا العِصْيَانِ الكُبْرَى وَالسَّيِّئَاتِ العُظْمَى، لَوْ لَمْ
تَرْحَمْنِي وَلَوْ لَمْ تَغْفُرْ لِي فَمَنْ يَغْفُرُ لِي."
"فَلْتُرَاقِبُنَّ
يَوْمَ مَنْ يُظْهِرُهُ
اللهُ فَإِنِّي ما أَغْرَسْتُ شَجَرَةَ البَيَانِ إِلاَّ لِتُعَرِّفَنِي وَإنَّنِي
أَنَا أَوَّلُ سَاجِدٍ لَهُ وَمُؤْمِنٍ بِنَفْسِهِ
فَلا تُضَيِّعُنَّ عِرْفَانَكُمْ فَإِنَّ البَيَانَ مَعَ عُلُوِّهِ يُؤْمِنُ بِمَنْ
يُظْهِرُهُ اللهُ وَإِنَّهُ لأَحَقُّ بِأَنْ
يَكُونَنَّ عَرْشَ الحَقِيْقَةِ مَعَ إِنَّهُ هُوَ إِيَّايَ وَإِنَّنِي أَنَا إِيَّاهُ
وَلَكِنْ لَمَّا رُفِعَتْ شَجَرَةُ البَيَانِ
بِمُنْتَهَى عُلُوِّهَا فَإِذَا نُقْطَتُها تَسْجُدُ للهِ رَبِّهَا فِي هَيْكَلِ مِنْ
يُظْهِرُهُ اللهُ
لَعَلَّكُمْ تُعَظِّمُونَ اللهَ عَلَى مَا
تَسْتَحِقُّ بِهِ نَفْسُهُ فَإِنَّكُمْ قَدْ خُلِقْتُمْ بِنُقْطَةِ البَيَانِ فَلَمَّا
اسْتَسْلَمَتْ لِمَنْ يُظْهِرُهُ
اللهُ تِلْكَ النُّقْطَةُ وَاسْتَرْفَعَتْ بِرِفْعَتِهِ وَاسْتَظْهَرَتْ بِظُهُورِ
عِزَّتِهِ وَاسْتَجْلَلَتْ بِجَلاَلِ وَحْدَانِيَّتِهِ
هَلْ لِمَنْ خُلِقَ بِهَا مِنْ شَأْنٍ يَقُولُ لِمَ أَوْ بِمَ، فَأَنْ يَا كُلَّ شَيْءٍ
فِي البَيَانِ فَلْتَعْرِفُنَّ
حَدَّ أَنْفُسِكُم فَإِنَّ مِثْلَ نُقْطَةِ البَيَانِ يُؤْمِنُ بِمَنْ يُظْهِرُهُ
اللهُ قَبْلَ كُلَّ شَيْءٍ وإِنَّنِي أَنَا
بِذَلِكَ لأَفْتَخِرَنَّ عَلَى مَنْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا
لأَنَّ لا عِزَّ إِلاَّ فِي عِرْفَانِ
اللهِ وَلاَ لِذَّةَ إِلاَّ فِي تَوْحِيدِ اللهِ فَلاَ تَحْتَجِبُنَّ عَنِ اللهِ بَعْدَ
ظُهُورِهِ فَإِنَّ كُلَّ مَا رُفِعَ
البَيَانِ كَخَاتَمٍ فِي يَدِي وَإِنَّنِي أَنَا خَاتَمٌ فِي يَدَيْ مَنْ يُظْهِرُهُ
اللهُ... ".
" رَبَّنا اعْصِمْنا بِفَضْلِكَ
عَمَّا يَكْرَهُ رِضَاكَ، وَهَبْ لَنَا ما أَنْتَ تَسْتَحِقُّ بِهِ، وَزِدْ لَنَا
بِفَضْلِكَ وَبَارِكْ، وَاعْفُ عَنَّا ما اكْتَسَبْنَا، وكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا
وَاصْفَحْ عَنَّا بِجَمِيلِ صَفْحِكَ إِنَّكَ أَنْتَ المُتَعَالِي القَيُّومُ، وَسِعَتْ
رَحْمَتُكَ ما فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَسَبَقَتْ مَغْفِرَتُكَ كُلَّ شَيْءٍ.
وَلَكَ المُلْكُ وَبِيَدِكَ الخَلْقُ وَالأَمْرُ وَفِي يَمِينِكَ كُلُّ شَيْءٍ وَفِي قَبْضَتِكَ
مَقَادِيرُ العَفْوِ، تَعْفُو عَمَّنْ تَشَاءُ مِنْ عِبَادِكَ إِنَّكَ أَنْتَ العَفُوُّ
الوَدُودُ، لاَ يَعْزُبُ
عَنْ عِلْمِكَ مِنْ شَيْءٍ وَلاَ يَخْفَى عَلَيْكَ دُونَ ذلكَ. رَبَّنا اعْصِمْنَا
بِحَوْلِكَ وَأَدْخِلْنَا فِي لُجَّةِ بِدْعِكَ
وَهَبْ لَنَا ما أَنْتَ تَسْتَحِقُّ بِهِ. إِنَّكَ أَنْتَ المَلِكُ الفَضَّالُ المُتَعَالِي
المَودُودُ".
"أَسْتَغْفِرُكَ
اللَّهُمَّ مِنْ كُلِّ
ذِكْرٍ بِغَيْرِ ذِكْرِكَ، وَمَنْ کُلِّ ثَنَآءٍ بِغَيْرِ ثَنَائِكَ، وَمِنْ كُلِّ
لَذَّةٍ بِغَيْرِ لَذَّةِ قُرْبِكَ وَمِنْ كُلِّ رَاحَةٍ
بِغَيْرِ راحَةِ أُنْسِكَ وَمِنْ كُلِّ سُرُورٍ بِغَيرِ سُرُورِ مَحَبَّتِكَ وَرِضَاكَ.
وَمِنْ كُلِّ مَا نُسِبَ إَلَيَّ
بِمَا
نُسِبَ إِلَيْكَ يَا رَبَّ الأَرْبَابِ وَمُقَدِّرَ الأَسْبَابِ وَمُفَتِّحَ الأَبْوَابِ".
"فَأَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ
بِنُورِ وَجْهِكَ العَظِيمِ وَجَلالِ كِبْرِيائِكَ القَدِيمِ وَسُلْطانِ رُبُوبِيَّتِكَ
المَنِيعِ أَنْ تُقَدِّرَ لَنا فِي ذلِكَ الحِينِ
مَواقِعَ الخَيْرِ كُلَّها وَمَعادِنَ الفَضْلِ بِأَسْرِها، إِذِ العَطآءُ لا يَضُرُّكَ
وَالمَوْهِبَةُ لا تُنْقِصُ مِنْ مُلْكِكَ، سُبْحانَكَ رَبِّ إِنَّنِي أَنا فَقيرٌ
وَإِنَّكَ أَنْتَ غَنِيٌّ، وَإِنَّنِي أَنا حَقِيرٌ وَإِنَّكَ أَنْتَ كَبِيرٌ، وَإِنَّنِي أَنا عَاجِزٌ وَإِنَّكَ
أَنْتَ مُقْتَدِرٌ، وَإِنَّنِي أَنا ذَلِيلٌ وَإِنَّكَ أَنْتَ عَزِيزٌ، وَإِنَّنِي
أَنا مُضْطَرٌّ وَإِنَّكَ
أَنْتَ قَديرٌ".
"سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ
فَاغْفِرْ لِي وَلِلَّذِينَ هُمْ قَدْ حَمَلُوا أَمْرَكَ إِنَّكَ أَنْتَ المَلِكُ
الغَفَّارُ الكَرِيمُ، وَأَدْخِلِ اللَّهُمَّ عِبادَكَ الّذِينَ هُمْ يَوْمَئِذٍ
لا يَعْلَمُونَ. وَهُمْ لَوْ عَلِمُوا يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَلا يُنْكِرُونَ
فِي رَحْمَتِكَ، وَأَنْزِلْ
عَلَيْهِمْ مَواقِعَ فَضْلِكَ وَزِدْ عَلَيْهِمْ فِي مَقَاعِدِهِمْ مَا قَدْ قَدَّرْتَ
لِلْمُتَّقِينَ مِنْ عِبَادِكَ، إِنَّكَ أَنْتَ المَلِكُ الوَهَّابُ الكَرِيمُ، وَأَنْزِلِ
اللَّهُمَّ عَلَى بُيوتِ الّتي آمَنَتْ أَهْلُها مَقادِيرَ فَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ
رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ وَفَضْلاً مِنْ لَدُنْكَ إِنَّكَ أَنْتَ خَيْرُ الغَافِرينَ...".
"يَا إِلهِي مَا أَعْرِفُكَ كَمَا أَنْتَ أَهْلُهُ وَلا أَخَافُكَ
كَما أَنا أَهْلُه، فَبِأَيِّ حَالَتِي أَذْكُرُكَ وَبِأَيِّ طَاعَتِي أَتَوَجَّهُ
إِلَيْكَ، خَلَقْتَنِي لا لإِظْهَارِ قُدْرَتِكَ
لأَنَّها بَاهِرةٌ ظاهِرَةٌ وَأَنْتَ اللهُ لَمْ يَزَلْ كَانَ وَلَمْ يَكُ شَيْءٌ
بَلْ قَدْ خَلَقْتَنا بِقُدْرَتِكَ جُودًا لِذِكْرِ أَنْفُسِنا عِنْدَ تَجَلِّي ذِكْرِكَ،
فَيا إِلهي ما أَعْلَمُ مِنْكَ إِلاّ ما أَلْهَمْتَنِي مِنْ مَعْرِفَةِ نَفْسِكَ إِلاّ
العَجْزَ وَالتَّقْصِيرَ، فَهَا أَنَا ذَا يَا إِلهي قَدْ أَقَمْتُ بِكُلِّي إِلَيْكَ
عَمَّا تُريدُ مِنِّي وَأَلْقَيْتُ نَفْسِي لَدَى فَضْلِكَ مُعْتَرِفًا بِأَنَّكَ أَنْتَ
اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ وَحْدَكَ لا
شَريكَ لَكَ وَلَيْسَ
كَمِثْلِكَ
شَيْءٌ كَمَا أَنْتَ تَشْهَدُ لِنَفْسِكَ وَتَسْتَحِقُّهُ".
"يَا إِلهِي أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ كَمَا تُحِبُّ
مِنْ عِبَادِكَ لِنَفْسِكَ، فَتُبْ عَلَيْنا كَمَا أَنْتَ أَهْلُهُ وَاغْفِرْ لِي
وَلأَبَوَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتَ مَحَبَّتِكَ كَمَا يُحِيطُ عِلْمُكَ كَما يَنْبَغِي
لِعِزِّ عَظَمَتِكَ وَجَلالِ قُدْرَتِكَ، فَيا إِلهِي أَنْتَ أَلْهَمْتَنِي دَعْوَتِي
إِلَيْكَ فَلَوْلا أَنْتَ ما أَدْعُوكَ، فَسُبْحانَكَ أَحْمَدُكَ كَمَا أَنْتَ عَرَّفْتَنِي
نَفْسَكَ وَأَسْتَغْفِرُكَ كَمَا أَنَا
قَدْ قَصَّرْتُ عَنْ مَعْرِفَتِكَ وَعَنْ سَبِيلِ سُلُوكِ مَحَبَّتِكَ".
"هَلْ
مِن مُفِّرجٍ غَيرُ
اللهِ قُلْ سُبْحَانَ اللهِ هُوَ اللهُ كلٌّ عِبَادٌ لَهُ وكلٌّ بأمرِهِ قَائِمُونَ."
"يا
إِلهِي تَعْلَمُ أَنَّ مِنْ أَوَّلِ
يَوْمٍ الَّذِي قَدْ خَلَقْتَنِي مِنْ مَاءِ مَحَبَّتِكَ إِلَى أَن قَضَى مِنْ عُمْرِي
خَمْسَ وَعَشَرَ سَنَةً، لَقَدْ كُنْتُ فِي أَرْضِ الَّتِي قَدْ شَهِدَتْ عَلَى خَلْقِي
عَلَيْها ثُمَّ قَدْ أَصْعَدْتَنِي عَلَى جَزِيرَةِ البَحْرِ هُنالِكَ اتَّجَرْتً
بِآلاءِ مَمْلَكَتِكَ وَمَا قَدْ خَصَّصْتَنِي مِنْ جَوَاهِرِ بَدَايِعِ عِنَايَتِكَ
إِلَى أَنْ قَضَى خَمْسَةً هُنَالِكَ قَدْ صَعِدْتُ إِلَى أَرْضِ المُقَدَّسَةِ وَقَدْ
قَضَى عَنِّي حَوْلاً هُنالِكَ، ثُمَّ قَدْ رَجَعْتُ إِلَى أَرْضِ الَّتِي قَدْ شَهِدَتْ
خَلْقِي عَلَيْها وَاسْتَشْهَدَتْ فَوَاضِلَكَ العُلْيَا وَمَوَاهِبَكَ العُظْمَى
هُنَالِكَ، فَلَكَ الحَمْدُ عَلَى كُلِّ آلائِكَ وَلَكَ الشُّكْرُ عَلَى كُلِّ نَعْمَائِكَ،
ثُمَّ قَدْ صَعِدْتُ إِلَى بَيْتِكَ الحَرَامِ فِي حَوْلِ الخَامِسِ بَعْدَ العَشَرِ الثَّانِي وَقَدْ قَضَى عَنِّي
حَوْلاً هُنالِكَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَرْضِ الأُولَى الَّتِي قَدْ شَهِدَتْ خَلْقِي
هُنالِكَ، ثُمَّ قَدْ صَبَرْتُ هُنالِكَ فِي سَبِيلِ مَحَبَّتِكَ وَاسْتَشْهَدْتُ
مَوَارِدَ جُودِكَ وَعِنايَتِكَ إِلَى ما قَدَّرْتَ لِيَ
الصُّعُودَ إِلَيْكَ وَالتَّهاجُرَ لَدَيْكَ،
فَخَرَجْتُ
بِإِذْنِكَ مِنْ هُنالِكَ وَقَدْ قَضَى عَنِّي نِصْفَ حَوْلٍ عَلَى أَرْضِ الصَّادِ
ثُمَّ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ عَلَى جَبَلِ الأَوَّلِ الَّذِي قَدْ نَزَّلْتَ عَلَيَّ فِيهِ
مَا يَنْبَغِي لِجَلالِ قُدْسِ عَطَائِكَ وَعُلُوِّ فَضْلِكَ وَامْتِنانِكَ، ثُمَّ
هذا سَنَةُ الثَّلاثِينَ حَيْثُ لَتَشْهَدَنَّ عَلَيَّ عَلَى ذَلِكَ الجَبَلِ الشَّدِيدِ
وَقَدْ قَضَى حَوْلاً يَا إِلهِي لأَكُونَنَّ عَلَيْها، فَلَكَ الحَمْدُ يا إِلهِي
فِي كُلِّ حِينٍ وَقَبْلَ حِينٍ وَبَعْدَ حِينٍ، وَلَكَ الشُّكْرُ يا رَبِّي فِي كُلِّ
شَأْنٍ وَقَبْلَ شَأْنٍ وَبَعْدَ شَأْنٍ، قَدْ تَمَّتْ آلائُكَ فِي حَقِّي وَكَمُلَتْ
نَعْمَائُكَ فِي شَأْنِي وَمَا شَهِدْتُ فِي حِينٍ إِلاّ كُلَّ فَضْلِكَ وَإِحْسانِكَ
وَجُودِكَ وَامْتِنانِكَ وَكَرَمِكَ وَارْتِفاعِكَ وَسُلْطَانِكَ وَإِعْزَازِكَ وَنُورِكَ
وَإِبْهائِكَ وَمَا يَنْبَغِي لِبِسَاطِ قُدْسِ قَيُّومِيَّتِكَ وَإِجْلالِكَ وَبِساطِ
مَجْدِ دَيْمُومِيَّتِكَ وَارْتِفَاعِكَ."
هُوَ
العَزِيزُ
هَذِهِ
رَوْضَةُ الفِرْدَوْسِ ارْتَفَعَتْ فِيهَا نَغْمَةُ اللهِ المُهَيْمِنِ
القَيّوُمِ، وَفِيهَا اسْتَقَرَّتْ حُورِيَّاتُ الخُلْدِ مَا مَسَّهُنَّ أحَدٌ
إلاّ اللهُ العَزِيزُ القُدُّوسُ، وَفِيهَا تَغَرَّدَ عَنْدَلْيبُ الْبَقآءِ عَلى
أفْنَانِ سِدْرَةِ المُنْتَهَى بِالنَّغْمَةِ الَّتِي تَتَحَيَّرُ مِنهَا
العُقُولُ، وَفِيهَا مَا يُقَرِّبُ الْفُقَرآءَ إلى شَاطِىءِ الْغَنآءِ وَيَهْدِي
النَّاسَ إلى كَلِمَةِ اللهِ وَإنَّ هَذَا لَحَقٌّ مَعْلُومٌ، بِسْمِكَ الْهُو
وإنَّكَ أنْتَ الْهُو يَا هُو، يَا رَاهِبَ الأحَديَّةِ اضْرِبْ عَلى النَّاقُوسِ
بِمَا ظَهَرَ يَوْمُ اللهِ وَاسْتَوى جَمَالُ الْعِزِّ عَلى عَرْشِ قُدْسٍ مُنِيرٍ،
سُبْحَانَكَ يا هُو يَا مَنْ هُوَ هُو يا مَنْ لَيْسَ أحَدٌ إلاَّ هُو. يَا هُودَ
الحُكْمِ اضْرِبْ عَلَى النَّاقُورِ بِاسْمِ اللهِ العَزِيزِ الكَرِيمِ بِمَا
استَقَرَّ هَيْكَلُ القُدْسِ عَلَى كُرْسِيِّ عِزٍّ مَنِيعٍ. سُبْحَانَكَ يَا هُو
يَا مَنْ هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ
هُو. يَا طَلعَةَ البَقَآءِ
اضْرِبْ بِأَنَامِلِ الرُّوحِ عَلَى رَبَابِ قُدْسٍ بَدِيعٍ بِمَا ظَهَرَ جَمَالُ
الهُوِيَّةِ فِي رِدَاءِ حَرِيرٍ لَمِيعٍ، سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا مَنْ هُوَ هُو
يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، يَا مَلَكَ النُّورِ انْفُخْ فِي الصُّورِ
فِي هَذَا الظُّهُورِ بِمَا رَكِبَ حَرْفُ الهَاءِ بِحَرْفِ عِزٍّ قَدِيمٍ.
سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا مَنْ هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، يَا
عَنْدَلِيبَ السَّنَاءِ غَنِّ عَلَى الأَغْصَانِ فِي هَذَا الرِّضْوَانِ عَلَى
اسْمِ الحَبِيبِ بِمَا ظَهَرَ جَمَالُ الوَرْدِ عَنْ خَلْفِ حِجَابٍ غَلِيظٍ،
سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا مَنْ هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، يَا
بُلبُلَ الفِرْدَوْسِ رِنِّ عَلَى الأَفْنَانِ فِي هَذَا الزَّمَنِ البَدِيعِ
بِمَا تَجَلَّى اللهُ عَلَى كُلِّ مَنْ فِي المُلْكِ أَجْمَعِينَ، سُبْحَانَكَ يَا
هُو يَا مَنْ هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، يَا طَيْرَ البَقَاءِ
طِرْ فِي هَذَا الهَوَاءِ بِمَا طَارَ طَيْرُ الوَفَاءِ فِي فَضَاءِ قُربٍ كَرِيمٍ،
سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا مَنْ هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، يَا
أَهْلَ الفِرْدَوسِ غَنُّوا وتَغَنُّوا بِأَحْسَنِ صَوْتٍ مَلِيحٍ بِمَا
ارْتَفَعَتْ نَغْمَةُ اللهِ خَلْفَ سُرَادِقِ قُدْسٍ رَفِيعٍ، سُبْحَانَكَ يَا هُو
يَا مَنْ هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، يَا أَهْلَ المَلَكوتِ
تَرَنَّمُوا عَلَى اسْمِ المَحْبُوبِ بِمَا لاَحَ جَمَالُ الأَمْرِ عَنْ خَلْفِ
الحُجُبَاتِ بِطَرازِ رُوحٍ مُنِيرٍ، سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا مَنْ هُوَ هُو يَا
مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، يَا أَهْلَ مَلَكُوتِ الأَسْمَآءِ زَيِّنُوا
الرَّفَارِفَ الأَقْصَى بِمَا رَكِبَ الاسْمُ الأَعْظَمُ عَلَى سَحَابِ قُدْسٍ
عَظِيمٍ، سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا مَنْ هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ
هُو، يَا أَهْلَ جَبَرُوتِ الصِّفَاتِ فِي أُفُقِ الأَبْهَى اسْتَعِدُّوا
لِلِقَاءِ اللهِ بِمَا هَبَّتْ نَسَمَاتُ القُدْسِ عَنْ مَكْمَنِ الذَّاتِ وَإِنَّ
هَذَا لَفَضْلٌ مُبِينٍ، سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا مَنْ هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ
أَحَدٌ إِلاَّ هُو، يَا رِضْوَانَ الأَحَدِيَّةِ تَبَهَّجْ فِي نَفْسِكَ بِمَا
ظَهَرَ رِضوَانُ اللهِ
العَلِيِّ
المُقْتَدِرِ العَلِيمِ، سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا مَنْ هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ
أَحَدٌ إِلاَّ هُو، يَا سَمَاءَ العِزِّ اشْكُرِي اللهَ فِي ذَاتِكَ بِمَا
ارْتَفَعَتْ سَمَاءُ القُدْسِ فِي هَوَآءِ قَلْبٍ لَطِيفٍ، سُبْحَانَكَ يَا هُو
يَا مَنْ هُوَ هُوَ يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، يَا شَمْسَ المُلْكِ
اكْسِفِي وَجْهَكِ بِمَا أَشْرَقَتْ شَمْسُ البَقَاءِ عَنْ أُفُقِ فَجْرٍ لَمِيعٍ،
سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا مَنْ هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، يَا
أَرْضَ المَعْرِفَةِ ابْلَعِي مَعَارِفَكِ بِمَا انْبَسَطَتْ أَرْضُ المَعْرِفَةِ
فِي نَفْسِ اللهِ المُتَعَالِي العَزِيزِ الكرِيمِ، سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا مَنْ
هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، يَا سِرَاجَ المُلْكِ أَطْفِئْ فِي
نَفْسِكَ بِمَا أضَآءَ سِرَاجُ اللهِ فِي مِشْكاةِ البَقَآءِ، وَاسْتَضَاءَ مِنْهُ
أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ، سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا مَنْ هُوَ هُو يَا
مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، يَا بُحُورَ الأَرْضِ اسْكُنُوا عَنِ الأَمْوَاجِ
فِي أَنْفُسِكُم بِمَا تَمَوَّجَ البَحْرُ الأَحْمَرُ بِأَمْرٍ بَدِيعٍ،
سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا مَنْ هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، يَا
طَاوُوسَ الأَحَدِيَّةِ تَشَهَّقْ فِي أَجَمَةِ اللاَّهُوتِ بِمَا ظَهَرَتْ
نَغْمَةُ اللهِ عَنْ كُلِّ طَرَفٍ قَرِيبٍ، سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا مَنْ هُوَ هُو
يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، يَا دِيكَ الصَّمَدِيَّةِ تَدَلَّعْ فِي
أَجَمَةِ الجَبَرُوتِ بِمَا نَادَى مُنَادِي اللهِ عَنْ كُلِّ شَطْرٍ مَنِيعٍ،
سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا مَنْ هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، يَا
مَلأَ العُشَّاقِ أَبْشِرُوا بِأَرْوَاحِكُم بِمَا تَمَّ الفِرَاقُ وَجَاءَ
المِيثَاقُ وظَهَرَالمَعْشُوقُ بِجَمَالِ عِزٍّ مَنِيعٍ، سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا
مَنْ هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، يَا مَلأَ العِرْفَانِ سُرُّوا
بِذَوَاتِكُم بِما ذَهَبَ الهِجْرَانُ وَجَاءَ الإِيقَانُ وَلاحَ جَمَالُ الغُلامِ
بِطَرازِ القُدْسِ فِي فِرْدَوسِ اسْمٍ مَكِينٍ، سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا مَنْ
هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ يَا إِلهِي
أَسْأَلُكَ بِيَوْمِكَ الَّذِي فِيهِ بَعَثْتَ
كُلَّ الأَيَّامِ وبِآنٍ مِنْهُ أَحْصَيتَ
زَمَنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، سُبْحانَكَ يَا هُو يَا مَنْ هُوَ هُو يَا مَنْ
لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، وَباِسْمِكَ الَّذِي جَعَلْتَهُ سُلْطَانًا فِي
جَبَرُوتِ الأَسْمَاءِ وَحَاكِمًا عَلَى مَنْ فِي السَّموَاتِ وَالأَرَضِينَ،
سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا مِنْ هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، أَنْ
تَجْعَلَ هؤُلاءِ أَغْنِيآءَ عَنْ دُونِكَ وَمُقْبِلِينَ إِلَيْكَ
وَمُنْقَطِعِينَ عَمَّنْ سِوَاكَ وَإِنَّكَ أَنْتَ المُقْتَدِرُ العَزِيزُ
الرَّحِيمُ، سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا مَنْ هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ
هُو، ثُمَّ اجْعَلْهُمْ يَا إِلَهِي مُقِرِّينَ بِوَحْدَانِيَّتِكَ وَمُذْعِنِينَ
بِفَرْدَانيَّتِكَ بِحَيْثُ لا يُشَاهِدُونَ دُونَكَ وَلا يَنظُرُونَ غَيْرَكَ
وَإِنَّكَ أَنْتَ عَلَى ذلِكَ لَمُقْتَدِرٌ قَدِيرٌ، سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا مَنْ
هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، ثُمَّ أَحْدِثْ يَا مَحبُوبِي فِي
قُلُوبِهِمْ حَرَارَةَ حُبِّكَ عَلَى قَدْرٍ يَحْتَرِقُ بِهَا ذِكْرُ غَيْرِكَ
لِيَشْهَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ بِأَنَّكَ لَمْ تَزَلْ كُنْتَ فِي عُلُوِّ البَقَآءِ
وَلَم يَكُنْ مَعَكَ مِنْ شَيْءٍ وَتَكُونُ بِمِثْلِ مَا قَدْ كُنْتَ لا إِلهَ إِلاَّ
أَنْتَ الكَرِيمُ العَظِيمُ، سُبْحَانَكَ يَا هُوَ يَا مَنْ هُوَ هُو يَا مَنْ
لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو، لأَنَّ عِبَادَكَ الَّذِينَ يُرِيدِونَ أَنْ يَرتَقُوا
إِلَى مَعَارِجِ تَوْحِيدِكَ لَو تَستَقِرُّ أَنْفُسُهُم عَلَى ذِكْرِ دُونِكَ
لَنْ يَصْدُقَ عَلَيْهِم حُكْمُ التَّوْحِيدِ وَلَنْ يَثْبُتَ فِي شَأْنِهِم
سِمَةُ التَّفْرِيدِ، سُبْحَانَكَ يَا هُو يَا مَنْ هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ
أَحَدٌ إِلاَّ هُو، فَسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ يَا إِلهِي لَمَّا كانَ الأَمْرُ
كذَلِكَ أَنْزِلْ مِنْ سَحَابِ رَحمَتِكَ مَا يُطَهَّرُ بِهِ أَفئِدَةُ مُحِبِّيكَ
وَيُقَدَّسُ بِهِ قُلُوبُ عَاشِقِيكَ ثُمَّ ارْفَعْهُمْ بِرِفْعَتِكَ ثُمَّ
غَلِّبْهُمْ عَلَى مَنْ عَلَى الأَرْضِ، وَهذَا مَا وَعَدْتَ بِهِ أَحِبَّاءَكَ
بِقَوْلِكَ الحَقِّ: نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي
الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ، سُبْحَانَكَ يَا
هُو يَا مَنْ هُوَ هُو يَا مَنْ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ هُو.
لوح
غلام الخلد
هَذَا
ذِكْرُ مَا ظَهَرَ فِي سَنَةِ السِّتِّينَ فِي أيَّامِ اللهِ المُقْتَدِرِ
المُهَيْمِنِ الْعَزِيزِ العَلِيمِ.
إذًا
قَدْ فُتِحَ أبْوَابُ الفِرْدَوْسِ وَطَلَعَ غُلامُ الْقُدْسِ بِثُعْبَانٍ
مُبِينٍ، فَيَا بُشْرَى هَذا غُلامُ الخُلدِ قَدْ جَاءَ بِمَاءٍ مَعِينٍ، وَعَلَى
وَجْهِهِ نِقَابٌ نُسِجَ مِنْ إِصْبَعِ عِزٍّ قَدِيرٍ، فَيَا بُشْرَى هَذا غُلامُ
الخُلدِ قَدْ جَاءَ باسْمٍ عَظِيمٍ، وَعَلَى رَأسِهِ تَاجُ الجَمَالِ واسْتَضَآءَ
مِنْهُ أهْلُ السَّمَواتِ وَالأرَضِينَ، فَيَا بُشْرَى هَذا غُلامُ الخُلدِ قَدْ
جَاءَ بأمْرٍ عَظِيمٍ، وَعَلى كَتِفِهِ غَدَائِرُ الرُّوحِ كَسَوادِ المِسْكِ
عَلَى لُؤلُؤٍ بِيضٍ مُنِيْرٍ، فَيَا بُشْرَى هَذَا غُلامُ الخُلْدِ قَدْ جَآءَ
بِأمْرٍ مَنِيعٍ، وَعَلَى إصْبَعِهِ اليُمْنَى خَاتَمٌ مِنْ لُؤْلؤٍ قُدْسٍ
حَفِيظٍ، فَيَا بُشْرَى هَذَا غُلامُ الخُلْدِ قَدْ جَآءَ بروحٍ عَظِيمٍ، وَنُقِشَ
فِيهِ مِنْ خَطٍّ أزَلِيٍّ خَفِيٍّ تَاللهِ هَذَا مَلَكٌ كَرِيمٌ إذًا صَاحَتْ
أفْئِدَةُ أهْلِ البَقآءِ، فَيَا بُشْرَى هَذَا غُلامُ الخُلْدِ قَدْ جَآءَ
بِنُورٍ قَدِيمٍ، وَعَلَى شَفَتِهِ اليُمْنَى خَالٌ تَخَلْخَلَتْ مِنْهُ أدْيَانُ
العَارِفِينَ إذًا صَاحَ أهْلُ حِجَابِ اللاّهوتِ، فَيَا بُشْرَى هَذَا غُلامُ
الخُلْدِ قَدْ جَآءَ بِسِرٍّ عَظِيمٍ، وهَذَا مِنْ نُقْطَةٍ فُصِّلَتْ عَنْهَا
عُلُومُ الأوَّليِنَ وَالآخَرِينَ إذًا غَنَّتْ أهْلُ مَقَامِ المَلَكُوتِ، فَيَا
بُشْرَى هَذَا غُلامُ الخُلْدِ قَدْ جَآءَ بِعِلْمٍ عَظِيمٍ، وَهَذَا لفارِسُ
الرُّوحِ فِي حَوْلِ عَيْنٍ سَلْسَبِيلٍ إذًا ضَجَّ أهْلُ سِتْرِ الجَبَرُوتِ،
فَيَا بُشْرَى هَذَا غُلامُ الخُلْدِ قَدْ جَآءَ بِكَشْفٍ عَظِيمٍ، وَنَزَلَ عَنْ
سُرَادِقِ الجَمَالِ حَتَّى وَقَفَ كَالشَّمْسِ فِي قُطْبِ السَّمَآءِ بَجَمَالٍ بِدْعٍ مَنِيعٍ، فَيَا بُشْرَى
هَذَا غُلامُ الخُلْدِ قَدْ جَآءَ بِبِشْرٍ عَظِيمٍ، فَلَّمَا وَقَفَ فِي وَسَطِ
السَّمَآءِ أَشْرَقَ كَالشَّمْسِ فِي قُطْبِ
الزَّوَالِ عَلَى مَرْكَزِ الْجَمَالِ بِاسْمٍ عَظِيمٍ، إذًا نَادى المُنادِ،
فَيَا بُشْرَى هَذَا جَمَالُ الْغَيْبِ قَدْ جَآءَ بِرُوحٍ عَظِيمٍ، وَضَجَّتْ
أَفْئِدَةُ الحُورِيَاتِ فِي الْغُرُفَاتِ بِأَنْ تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ
الْخَالِقِينَ إذًا غَنَّتِ الْوَرْقآءُ، فَيَا بُشْرَى هَذَا غُلامُ الْخُلْدِ
مَا رَأَتْ بِمِثْلِهِ عُيُونُ أَحِدٍ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ
الْفِرْدَوْسِ مَرَّةً أُخْرَى بِمِفْتَاحِ اسْمٍ عَظْيمٍ، فَيَا بُشْرَى هَذَا
غُلامُ الْخُلْدِ قَدْ جَآءَ بِاسْمٍ عَظِيمٍ، وَطَلَعَتْ حُورِيَةُ الْجَمَالِ
كَإشْرَاقِ الشَّمْسِ عَنْ أُفُقِ صُبْحٍ مُبِينٍ، فَيَا بُشْرَى هَذِهِ
حُورِيَّةُ الْبَهَآءِ قَدْ جَاءَتْ بِجَمَالٍ عَظِيمٍ، وَخَرَجَتْ بِطِرَازٍ
تَوَلَّهَتْ عَنْهَا عُقُولُ الْمُقَرَّبِينَ، فَيَا بُشْرَى هَذِهِ حُورِيَّةُ
الْخُلْدِ قَدْ جَآءَتْ بِمِلْحٍ عَظِيمٍ، وَنَزَلَتْ عَنْ غُرُفَاتِ الْبَقَآءِ
ثُمَّ غَنَّتْ عَلَى لَحْنٍ اسْتَجَذَبَتْ عَنْهُ أَفْئِدَةُ الْمُخْلِصِينَ،
فَيَا بُشْرَى هَذَا جَمَالُ الْخُلْدِ قَدْ جَآءَ بِسِرٍّ عَظِيمٍ، وَعُلِّقَتْ
فِي الْهَوَآءِ إذًا أَخْرَجَتْ شَعْرًا مِنْ شَعَرَاتِهَا عَنْ تَحْتِ نِقَابِهَا
الْمُنِيرِ، فَيَا بُشْرَى هَذِهِ حُورِيَّةُ الْخُلْدِ قَدْ جَآءَتْ بِرُوحٍ
بَدِيعٍ، إذًا تَعَطَّرَتْ مِنْ شَعْرِهَا كُلُّ مَنْ فِي الْعَالَمِينَ. ثُمَّ
اصْفَرَّتْ وُجُوهُ الْمُقَدَّسِينَ وَاسْتَدْمَتْ مِنْهَا كَبِدُ الْعَاشِقِينَ،
فَيَا بُشْرَى هَذِهِ حُورِيَّةٌ قَدْ جَآءَتْ بِعِطْرٍ عَظِيمٍ، تَاللهِ مَنْ
يُغْمِضُ عَيْنَاهُ عَنْ جَمَالِهَا عَلَى مَكْرٍ عَظِيمٍ وَتَزْوِيرٍ مُبِينٍ،
فَيَا بُشْرَى هَذَا جَمَالُ الْخُلْدِ قَدْ جَآءَ بِنُورٍ عَظِيمٍ، دَارَتْ
وَأَدَارَتْ فِي حَوْلِهَا خَلْقَ الكَوْنَينِ، فَيَا بُشْرَى هَذِهِ حُورِيَةُ
الْخُلْدِ قَدْ جَآءَتْ بِدَوْرٍ عَظِيمٍ، وَجَآءَتْ حَتَّى قَامَتْ فِي
مُقَابَلَةِ الْغُلامِ بِطِرَازٍ عَجِيبٍ، فَيَا بُشْرَى هَذَا جَمَالُ الْخُلْدِ
قَدْ جَآءَ بِحُسْنٍ عَظِيمٍ، وَبَعْدُ أَخْرَجَتْ عَنْ الْقِنَاعِ كَفَّ
الْخَضِيبِ كَشُعَاعِ الْشَّمْسِ عَلَى وَجْهِ مِرْآةٍ لَطِيفٍ، فَيَا بُشْرَى
هَذَا جَمَالُ الْخُلْدِ قَدْ جَآءَ بِطرْزٍ
عَظِيمٍ، وَأَخَذَتْ طَرَفَ بُرْقَعِ الْغُلامِ
بِأَنَامِلِ يَاقُوتٍ مَنِيعٍ، فَيَا بُشْرَى هَذَا جَمَالُ الْخُلْدِ قَدْ جَآءَ
بِطَرَفٍ عَظِيمٍ، وَكَشَفَتِ الْحِجَابَ عَنْ وَجْهِهِ إذًا تَزَلْزَلَتْ
أَرْكَانُ عَرْشٍ عَظِيمٍ، فَيِا بُشْرَى هَذَا غُلامُ الْخُلْدِ قَدْ جَآءَ
بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ انْعَدَمَتْ الأَرْوَاحُ عَنْ هَيَاكِلِ الْخَلْقِ
أَجْمَعِينَ، فَيَا بُشْرَى هَذَا غُلامُ الْخُلْدِ قَدْ جَآءَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ،
وَشُقَّتْ ثِيَابُ أَهْلِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ هَذَا الْمَنْظَرِ الْمُشْرِقِ
الْقَدِيمِ، فَيَا بُشْرَى هَذَا غُلامُ الْخُلْدِ قَدْ جَاءَ بِنُورٍ عَظِيمٍ،
إذًا ظَهَرَ صَوْتُ الْبَقآءِ عَنْ وَرَآءِ حُجُبَاتِ الْعَمَآءِ بِنِدَآءِ جَذْبٍ
مَلِيحٍ، فَيَا بُشْرَى هَذَا غُلامُ الْخُلْدِ قَدْ جَآءَ بِجَذْبٍ عَظِيمٍ،
وَنَادَى لِسَانُ الْغَيْبِ عَنْ مَكْمَنِ الْقَضَآءِ تَاللهِ هَذَا غُلامٌ مَا فَازَتْ
بِلِقَائِهِ عُيُونُ الأَوَّلِينَ، فَيَا بُشْرَى هَذَا غُلامُ الْخُلْدِ قَدْ
جَآءَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَصَاحَتْ حُورِيَّاتُ الْقُدْسِ عَنْ غُرُفَاتِ عِزٍّ
مَكِينٍ، فَيَا بُشْرَى هَذَا غُلامُ الْخُلْدِ قَدْ جَآءَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ
تَاللهِ هَذَا غُلامٌ يَشْتَاقُ جَمَالَهُ أَهْلُ مَلأ الْعَالِينَ، فَيَا بُشْرَى
هَذَا غُلامُ الْخُلْدِ قَدْ جَآءَ بِأَمْرٍ عَظيِمٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ رَفَعَ
الْغُلامُ رَأْسَهُ إلى مَلأِ الكَرُّوبِينَ، فَيَا بُشْرَى هَذَا غُلامُ
الْخُلْدِ قَدْ جَاءَ بِرُوحٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ إذًا قَامَ
كُلُّ مَنْ فِي السَّمَواتِ بِرُوحٍ جَدِيدٍ، فَيَا بُشْرَى هَذَا غُلامُ
الْخُلْدِ قَدْ جَآءَ بِصُورٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ
بَعْدَ ذَلِكَ تَوَجَّهَ إلَى أَهْلِ الأَرْضِ بِنَظْرَةِ عِزٍّ بَدِيعٍ، فَيَا
بُشْرَى هَذَا غُلامُ الْخُلْدِ قَدْ جَآءَ بِنَظْرَةٍ عَظِيمٍ، وَحُشِرَ كُلُّ
مَنْ فِي الْمُلْكِ عَنْ هَذِهِ الْنَظْرَةِ الْعَجِيبِ، فَيَا بُشْرَى هَذَا
غُلامُ الْخُلْدِ قَدْ جَاءَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ أَشَارَ بِطَرْفِهِ إلَى
مَعْدُودٍ قَلِيلٍ فَرَجَعَ إلَى مَقَامِهِ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ وَهَذَا مِنْ
أَمْرٍ عَظِيمٍ.
في
ليلة المبعث ص جناب حاء عليه بهاء الله الأبهى
الأَقْدَمُ
الأَكْبَرُ الأَعْلَى
قَدْ نَطَقَ اللِّسَانُ بِأَعْلَى البَيَانِ
ونَادَتِ الكَلِمَةُ بِأَعْلَى النِّدَاءِ المُلْكُ للهِ خَالِقِ السَّمَاءِ
ومَالِك الأَسْمَاءِ وَلكِنَّ العِبَادَ أَكثَرَهُمْ مِنَ الغَافِلِينَ قَدْ
أَخَذَتْ تَرَنُّمَاتُ الرَّحْمنِ مَنْ فِي الإِمْكَانِ وَأَحَاطَ عَرْفُ
القَمِيصِ مَمَالِكَ التَّقْدِيسِ وَتَجَلَّى اسْمُ الأَعْظَمُ عَلَى مَنْ فِي
العَالَمِ وَلَكنَّ النَّاسَ فِي حِجَابٍ مُبِينٍ، أَنْ يَا قَلَمَ الأَعْلَى
غَنِّ عَلَى لَحْنِ الكِبْرِياءِ لأَنَّا نَجِدُ عَرْفَ الوِصَالِ بِمَا تَقَرَّبَ
يَوْمُ الَّذِي فِيهِ زُيِّنَ مَلَكُوتُ الأَسْمَاءِ بِطِرَازِ اسْمِنَا العَلِيِّ
الأَعْلَى الَّذِي إِذَا ذُكِرَ لَدَى العَرْشِ غَنَّتِ الحُورِيَّاتُ بِبَدَايعِ النَّغَمَاتِ
وَهَدَرَتِ الوَرْقَاءُ بِبَدَايعِ الأَلْحَانِ وَنَطَقَ لِسَانُ الرَّحْمنِ بِمَا
انْجَذَبَ مِنْهُ أَرْوَاحُ المُرْسَلِينَ ثُمَّ أَرْوَاحُ المُخْلِصِينَ ثُمَّ
أَرْوَاحُ المُقَرَّبِينَ، هَذِهِ لَيْلَةٌ طَلَعَ صُبْحُ القِدَمِ مِنْ أُفُقِ
يَوْمِهَا وَاسْتَضَاءَ العَالَمُ مِنْ أَنوَارِهِ الَّتِي أَشْرَقَتْ مِنْ ذَاكَ
الأُفُقِ المُنِيرِ، قُلْ إِنَّهُ لَيَوْمٌ فِيهِ أَخَذَ اللهُ عَهْدَ مَنْ
يَنْطِقُ بِالحَقِّ إِذْ بَعَثَ مَنْ بَشَّرَ العِبَادَ بِهَذَا النَّبَإِ
العَظِيمِ وَفِيهِ ظَهَرَتْ آيَةُ الأَعْظَمِ نَاطِقًا بهَذَا الاسْمِ العَظِيمِ،
وَانْجَذَبَ فِيهِ المُمْكنَاتُ مِنْ نَفَحَاتِ الآيَاتِ طُوبَى لِمَنْ عَرَفَ
مَوْلاهُ وَكانَ مِنَ الفَائِزيِنَ، قُلْ إِنَّهُ لَقِسْطَاسُ الأَعْظَمِ بَيْنَ
الأُمَمِ وَبِهِ ظَهَرَتِ المَقَاديِرُ مِنْ لَدُنْ عَلِيمٍ حَكِيمٍ، قَدْ
أَسْكَرَ أُولِي الأَلْبَابِ مِنْ رَحيِقِ بَيانِهِ وخَرَقَ الأَحْجَابَ
بِسُلْطَانِ اسْمِيَ المُهَيْمِنِ عَلَى العَالَمِينَ، قَدْ جَعَلَ البَيَانَ
وَرَقَةً لِهَذَا الرِّضوَانِ وَطَرَّزَهَا بِذِكْرِ هَذَا الذِّكْرِ الجَمِيلِ،
قَدْ وَصَّى العِبَادَ أَنْ لا يَمْنَعُوا أَنْفُسَهُم عَنْ مَشْرِقِ القِدَمِ
وَلا يَتَمَسَّكُوا عِنْدَ
ظُهُورِهِ بِمَا عِنْدَهُم مِنَ القِصَصِ
وَالأَمْثَالِ، كذَلِك قُضِيَ الأَمْرُ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ عِنْدِهِ يَشْهَدُ
بِذَلِك مَنْ يَنْطِقُ بِالحَقِّ إِنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا العَزِيزُ
الكَرِيمُ، إِنَّ الَّذِينَ أَعْرَضُوا عَنِ الآخِرِ مَا آمَنُوا بِالأَوَّلِ
هَذَا مَا حَكَمَ بِهِ مَالِكُ العِلَلِ فِي هَذَا الطِّرَازِ القَويِمِ، قُلْ
إِنَّهُ بَشَّرَكُمْ بهَذَا الأَصْلِ وَالَّذِينَ مُنِعُوا بِالفَرْعِ إنَّهُمْ
مِنَ المَيِّتِين، إِنَّ الفَرْعَ هُوَ مَا تَمَسَّكُوا بِهِ القَوْمُ
وَأَعْرَضُوا عَنِ اللهِ المَلِكِ العَزِيزِ الحَمِيدِ، قَدْ عُلِّقَ كُلُّ مَا
نُزِّل بِقَبُولِي وَكُلُّ أَمْرٍ بِهَذَا الأَمْرِ المُبْرَمِ المُبِينِ، لَولا
نَفْسِي مَا تَكلَّمَ بِحَرْفٍ وَمَا أَظْهَرَ نَفْسَهُ بَيْنَ السَّموَاتِ
وَالأَرَضِينَ، قَدْ نَاحَ فِي أَكثَرِ الأَحْيانِ لِغُرْبَتِي وَسِجْنِي
وَبَلائِي يَشْهَدُ بِذَلِكَ مَا نُزِّلَ فِي البَيَانِ إِنْ أَنْتُم مِنَ
العَارِفِينَ، إِنَّ القَوِيَّ مَنِ انْقَطَعَ بِقُوَّةِ اللهِ عَمَّا سِوَاهُ
وَالضَّعِيفَ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الوَجْهِ إِذْ ظَهَرَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، يَا
مَلأَ الأَرْضِ اذْكُرُوا اللهَ فِي هَذَا اليَوْمِ الَّذِي فِيهِ نَطَقَ الرُّوحُ
وَاسْتَعْرَجَتْ حَقَائِقُ الَّذِينَ خُلِقُوا مِنْ كلِمَةِ اللهِ العَزِيزِ
المَنِيعِ، قَدْ قُدِّرَ لِكُلِّ نَفْسٍ أَنْ يَسْتَبشِرَ فِي هَذَا اليَوْمِ
وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ وَيُهَلِّلَ رَبَّهُ وَيَشْكُرَهُ بِهَذَا الفَضْلِ
العَظِيمِ، طُوبَى لِمَنْ فَازَ بِمُرَادِ اللهِ وَوَيْلٌ لِلْغَافِلِينَ، لَمَّا
نُزِّلَ هَذَا اللَّوْحُ فِي هَذَا اللَّيلِ أَحْبَبْنَا أَنْ نُرْسِلَهُ إِلَيْكَ
فَضْلاً مِنْ لَدُنَّا عَلَيْكَ لِتَكُونَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، إِذَا فُزْتَ بِهِ
أَنِ اقْرَأْهُ بَيْنَ الأَحْبَابِ لِيَسمَعُنَّ الكُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ
لِسَانُ العَظَمَةِ ويَكُونُنَّ مِنَ العَامِلِينَ، كذَلِكَ اخْتَصَصْنَاكَ
وَزَيَّنَّاكَ بِمَا زُيِّنَتْ بِهِ هَيَاكِلُ المُخْلِصِينَ الحَمْدُ للهِ ربِّ
العَالَمِينَ.
مقتطفات
من الآثار المباركة حول ليلة المبعث
"...
أَلا إِنَّنِي رُكْنٌ مِنْ الْكَلِمَةِ الأُولَى الَّتِي مَنْ عَرَفَهَا عَرَفَ
كُلَّ حَقٍّ وَيَدْخُلُ فِي كُلِّ خَيْرٍ... لأَنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ كُلَّ
خَيْرٍ أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ فِي طَاعَتِي وَكُلَّ نَارٍ يُحْصِيهَا كِتَابُهُ
فِي مَعْصِيَتِي ... أَنَا النُّقْطَةُ الَّتِي ذُوِّتَ بِهَا مَنْ ذُوِّتْ
وَإِنَّنِي أّنَا وَجْهُ اللهِ الَّذِي لا يَمُوتُ وَنورُه الَّذِي لا
يَفوتُ...".
"حضرة
الباب"
"...
أَنْ يَا قَوْمِ فَاسْمَعُوا نِدَآءَ اللهِ
عَنْ شَجَرَةِ القُصْوى مِنْ هَذَا المَنْظَرِ الدُّرِّيِّ العَلِيِّ الأَبْهَى،
بِأَنَّهُ لا إِلهَ إِلا هُو، وَإِنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ بِاسْمِ عَلِيٍّ
لَسُلْطَانُ المُمْكِنَاتِ وَمَلِيكُ المَوْجُودَاتِ وَكَلِمَةُ اللهِ بَيْنَ
خَلْقِهِ وَكِتَابُ اللهِ بَيْنَ عِبَادِهِ وَقُدْرَةُ اللهِ بَيْنَ
بَرِيَّتِهِ...".
"حضرة
بهاء الله"
"كَبِّرِ
الْلَّهُمَّ يَا إِلَهِي عَلَى النُّقْطَةِ الأَوَّلِيَّةِ وَالسِّرِّ
الأَحَدِيَّةِ وَالْغَيْبِ الْهُوِيَةِ وَمَطْلِعِ الأُلُوهِيَةِ وَمَظْهَرِ
الرُّبُوْبِيَّةِ الَّذِي بِهِ فَصَّلْتَ عِلْمَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ،
وَظَهَرَتْ لآلِئُ عِلْمِكَ الْمَكْمُونِ وَسِرِّ اسْمِكَ المَخْزُوْنِ
وَجَعَلْتَهُ مُبَشِّرًا لِلَّذِي بِاسْمِهِ أُلِّفَ الْكَافُ بِرُكْنِهَا
الْنُّونِ، وَبِهِ ظَهَرَتْ سَلْطَنَتُكَ وَعَظَمَتُكَ وَاقْتِدَارُكَ وَنُزِّلَتْ
آيَاتُكَ وَفُصِّلَتْ أَحْكَامُكَ وَنُشِرَتْ آثَارُكَ وَحُقِّقَتْ كَلِمَتُكَ
وَبُعِثَتْ قُلُوبُ أَصْفِيَائِكَ
وَحُشِرَ مَنْ فِي سَمَائِكَ وَأَرْضِكَ،
الَّذِي سَمَّيْتَهُ بِعَلِيٍّ قَبْلَ نَبِيْلٍ فِي مَلَكُوتِ أَسْمَائِكَ
وَبِرُوحِ الرُّوحِ فِي أَلْوَاحِ قَضائِكَ، وَأَقَمْتَهُ مَقًامَ نَفْسِكَ
وَرَجَعَتْ كُلُّ الأَسْمَاءِ إِلِى اسْمِهِ بِأَمْرِكَ وَقُدْرَتِكَ، وَبِهِ
انْتَهَتْ أَسْمَاؤُكَ وَصِفَاتُكَ وَلَهُ أَسْمَاءُ فِي سُرَادِقِ عِفَّتِكَ وَفِي
عَوَالِمِ غَيْبِكَ وَمَدَائِنِ تَقْدِيْسِكَ".
"إن
أول ظهور شجرة البيان هو بعد مرور ساعتين وإحدى عشرة دقيقة من غروب ليلة الخامس من
شهر جُمادى الأولى سنة 1260".
"حضرة
الباب"
"...
بناء عَلَى ما نصّت به الشّريعة الإلهيّة والأمر المبرم الإلهيّ أنّ اليوم الخامس
من جُمادى الأولى هو يوم بعثة حضرة الأعلى روحي له الفداء، لذا يجب الاحتفال فِي ذلك
اليوم باسم بعثة نيّر الآفاق حضرة الأعلى... ويكون الأحبّاء فِي ذلك اليوم فِي غاية
السّرور والحبور مبشّرين بعضهم بعضًا بالبشارات السّماويّة، إذ إنّ ذلك الوجود
المقدّس كان مُبَشِّرًا بالاسم الأعظم ولا يجوز فِي ذلك اليوم أي فِي الخامس من جُمادى
الأولى غير ذكر بعثة حضرة الأعلى روحي له الفداء. لأنّ ذلك هو النّصّ القاطع فِي الشّريعة
الإلهيّة، أمّا وقوع ولادة هذا العبد فِي هذا
اليوم إنّما هو دليل عَلَى شمول عناية الله وألطافه فِي حقّ عبده هذا، ويجب اعتبار
ذلك اليوم يومًا خاصًّا لبعثة حضرة الأعلى وبداية لطلوع صُبح الحقيقة، ولهذا السّبب يجب
أن يمضي الأحبّاء أوقاتهم بالفرح والسّرور
والابتهاج. هذا هو الحقّ. حذار حذار أن تتجاوزوا عمّا ذُكر لأن ذلك يؤدّي إلى حزن عبد
البهاء الشّديد وتكدُّر
قلبه..."
"حضرة
عبد البهاء"
"كنتم
قد كتبتم بشأن يوم بعثة حضرة الأعلى روحي له الفداء، جاء فِي رسالة سؤال وجواب أنّه
وقع فِي يوم الكمال من شهر العظمة، واستشهاده وقع فِي يوم السّلطان من شهر الرّحمة،
وهذا هو النّص القاطع وليس هناك من أمر يعارض النّصوص القاطعة، وهكذا سيجري فِي المستقبل،
غير أنّه لما كان الأحباء فِي أيّام حضرة بهاء الله المباركة يحتفلون فِي محضره
المقدّس بمناسبة هذين اليومين فِي الخامس من جُمادى الأولى والثّامن والعشرين من
شهر شعبان، وكان الأحباء يحضرون ساحته المقدسة، وكان الجمال المبارك يُبدي سروره بمناسبة يوم
البعثة، وكَانَتْ إمارات الحزن والتأثر بأشدّهما بادية عَلَى شمائله المباركة فِي يوم
الاستشهاد لذلك نحن أيضًا نحتفل الآن بمناسبة هذين اليومين فِي التّاريخ نفسه غير
أن ما هو المنصوص سيجري فِي المستقبل.".
"حضرة
عبدالبهاء"
"...
إنّ لوح الناقوس نزّل فِي اسطنبول بالتماس من جناب آقا محمّد علي إصفهاني عَنْ طريق
حضرة عبد البهاء. وكُتِبَ هذا اللّوح بخطّ جمال القدم
المبارك فِي ليلة الخامس من شهر جُمادى الأولى الّتي هي ليلة بعثة حضرة الأعلى،
فتلاوة هذا اللوح فِي اللّيلة المباركة محبوبٌ ومقبول.".
"حضرة
ولي أمر الله"
إعلان
دعوة حضرة الباب
الخطبة المباركة أُلقيت بمنزل السّيد والسّيدة دريفوس بباريس
مساء 23 أيّار سنة 1913
هو
الله
حيث
أنّ اليوم يوم بعثة حضرة الأعلى
لذا أهنّئكم جميعًا. لقد كان اليوم يومًا أظهر حضرة الباب فِي ليلته أمره المبارك
إلى حضرة باب الباب فِي شيراز. إنّ ظهور حضرة الباب عبارة عَنْ طلوع الصّبح، فكما
أنّ طلوع الصّبح يبشّر بشروق الشّمس
فكذلك كان ظهور حضرة الباب علامة لطلوع شمس البهاء، أي أنّه كان صُبحًا نورانيًّا بحيث نوّر
الآفاق وظهرت تلك الأنوار شيئًا فشيئًا إلى أن تجلّت شمس طلعته المنيرة.
لقد
كان حضرة الباب مبشّرًا بطلوع شمس بهاء الله، وبشّر بظهوره فِي جميع كتبه حتّى إنّه
يتفضّل فِي أوّل كتابه المسمّى ﺑِ
"أحسن القصص" "يا سيدي الأكبر قد فديت بكلّي لك ورضيت السَّبَّ
فِي سبيلك وما تمنّيت إلا القتل فِي محبّتك". لقد كَانَتْ نهاية آمال
حضرة الباب الاستشهاد فِي هذا السّبيل، وقد وضع تاج السّلطنة الأبديّة عَلَى هامته
المباركة بحيث ستُنير
جواهره الزّواهر جميع القرون والعصور. إنّ حضرة الأعلى روحي له الفداء تحمّل صدمات
شديدة، فقد كان فِي بداية الأمر سجينًا فِي بيته فِي شيراز ثمّ بعد ذلك توجّه إلى إصفهان
وأصدر العلماء فيها حكم القتل عليه وأظهروا بذلك منتهى الظّلم والاعتساف، فأرسلت
الحكومة حضرته إلى تبريز وحبسته فِي ماه
كو
ومنها أرسلوه إلى قلعة جهريق ليبقى فيها سجينًا. ولقي حضرته الضّرب الشّديد وتحمّل
أذىً لا يعدّ ولا يحصى وأخيرًا أُعيد
إلى تبريز ورموا عَلَى صدره المبارك آلافًا من الرّصاص لكنّ هذا الاستشهاد زاد
سراجه نورًا وزاد رايته
ارتفاعًا وزاد ظهوره قوّة فانتشر اسمه المبارك فِي الشّرق والغرب إلى يومنا هذا.
وخلاصة
القول لقد ظنّ البعض أنّ المظاهر المقدّسة لا تعلم شيئًا عَنْ حقيقة نفسها حتّى
يوم ظهورها كالزّجاج المحروم من النّور وعندما يشتعل سراج الأمر يتنوّر ذلك الزّجاج
الرّوحانيّ، هذا خطأ لأن المظاهر المقدّسة ممتازة منذ البداية ولهذا يتفضّل حضرة
المسيح "في البدء كان الكلمة". إذن فالمسيح كان مسيحًا منذ البدء وكان
الكلمة "وكان الكلمة عند الله". وظنّ البعض أنّ حضرة المسيح حينما عمّده
يحيى فِي نهر الأردنّ نزل الرّوح القدس عليه وبعث بالرّسالة فِي حين أنّ حضرة
المسيح تفضّل بصريح الإنجيل أنه كان منذ البدء مسيحًا وكذلك يتفضّل حضرة الرسول r "كنت نبيًّا وآدم بين
الماء والطّين"، ويتفضّل الجمال المبارك "كنتُ فِي قدم ذاتي وأزليّة
كينونتي عرفت حبّي فيك خلقتك" فالشّمس شمسٌ دائمًا وإذا أظلمت زمنًا فإنّها
ليست بشمس فالشّمس شمسٌ
بحرارتها وهكذا كَانَتْ المظاهر المقدّسة وستبقى عَلَى ما هي عليه من النّورانيّة،
وإنّهم ما زالوا نورانيّين وحقائق سماويّة ومؤيّدين بالرّوح القدس وكانوا مظاهر
الكمالات الإلهيّة. وما يوم البعثة إلا عبارة عَنْ إعلان الدّعوة.
ومثله
مثل هذه الشّمس فمع أنّ نقاط طلوعها متعدّدة وتطلع كلّ يوم من برج من الأبراج ومن
مطلع من المطالع ولكن لا يجوز القول بأن شمس اليوم شمس حادثة بل إنّها نفس تلك الشّمس
القديمة لكنّ المطالع والمشارق حادثة وجديدة. وخلاصة القول إنّ حضرة الأعلى، روحي
له فداء، بشّر فِي جميع كتبه بظهور حضرة بهاءالله وبأنّ ظهورًا عجيبًا سيظهر فِي "سنة
التّسع" ويحصل كلّ خير فيها ويفوز الجميع بلقاء الله أي سيحصل ظهور ربّ
الجنود وستطلع شمس الحقيقة وستنفخ
روح أبديّة. وهناك بيانات كثيرة كلّها تبشّر
بظهور حضرة بهاء الله، ولهذا عندما أظهر حضرة بهاء الله أمره فِي بغداد فِي يوم
الرّضوان اعترف به جميع البابيّين إلا قليلاً منهم. وقد كَانَتْ قوّة حضرة بهاء
الله وقدرته ظاهرة قبل إظهار أمره وكان جميع النّاس حيارى من شخصيّته الجليلة
وكمالاته وعلمه وفضله وقدرته، ولهذا فقد انتبه الناس – بمجرد إظهار أمره وفي أيّام
قليلة – إلى حقيقة أمره.
ومع
أنّ حضرة بهاءالله كان فِي السّجن لكنّ أمره أحاط الشّرق والغرب وأراد ملكان مستبدّان
أن يمحوا أمره ويطفئا سراجه لكنّه ازداد نورًا، وقد رفع رايته وهو تحت السّلاسل
وسطع نوره وهو فِي غياهب السّجن ولم يستطع جميع أهل الشّرق ملوكهم ومملوكهم أن
يقاوموه، وكلّما ازدادوا منعًا وقتلوا أصحابه ازداد الإقبال فأقبل مائة شخص بدل
شخص واحد مقتول وغلب أمره. وكَانَتْ قدرة حضرة بهاء الله واضحة قبل ظهوره ولم يتشرّف
شخص بمحضره الأنور إلا وأصابته الدّهشة وقد اعترف جميع علماء آسيا وفضلائها قائلين
"إنّ هذا الشخص عظيم لكنّنا نحن لا نستطيع أن نتخلّى عَنْ تقاليدنا أو نترك
ميراث آبائنا وأجدادنا" ولو أنّهم لم يكونوا مؤمنين بحضرته فإنّهم كانوا
يعلمون أنّه شخص عظيم. هذا وإنّ حضرة بهاءالله لم يكن قد دخل مدرسة، ولم يكن له
معلم، وكَانَتْ كلماته كلمات ذاتيّة، وكان الّذين يعرفونه جميعًا يعلمون جيّدًا
بهذه المسألة. ومع كلّ هذا فقد شاهدتم آثاره وسمعتم علومه وكمالاته وشاهدتم حكمته
وفلسفته التي اشتهرت فِي الآفاق، وإنّ تعاليمه روح هذا العصر ويشهد جميع الفلاسفة
بذلك ويقولون أنّ هذه التّعاليم نور للآفاق.
وخلاصة
القول إنّ المظهر الإلهيّ يجب أن يكون نورًا إلهيًّا وتكون نورانيّته من ذاته لا
من غيره كالشّمس نورها منها، أمّا نور القمر وبعض
النّجوم فمن نور الشّمس وهكذا نورانيّة المظاهر المقدّسة
فهي نورانيّة صادرة منهم ولا يمكن أن يقتبسوها من غيرهم فغيرهم يجب أن يكتسب
العلوم منهم ويقتبس الأنوار منهم لا أنّهم يقتبسون من غيرهم.
إنّ
جميع المظاهر الإلهيّة كَانَتْ عَلَى هذا المنوال: إبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد
والباب وبهاءالله لم يدخل أيّ واحد منهم مدرسة إلا أنهم كتبوا كتبًا شهد الكلّ
عَلَى أنّها لا مثيل لها. وقضيّة عدم دخول الباب وبهاءالله المدارس دليل وبرهان
يستدلّ به بعض النّفوس فِي إيران اليوم وفي الّشرق يستدلّون بكتب بهاءالله عَلَى صحّة
دعوته قائلين إنّه لا يستطيع أحد أن تصدر عنه مثل هذه الآيات، ولم يظهر شخص يستطيع
أن يكتب شبهها لأنّ هذه الكتب والآثار صدرت من شخص لم يدخل مدرسة وهي برهان عَلَى صحّة
دعوته. وخلاصة القول هذه الكمالات كَانَتْ كمالات ذاتيّة ولا يمكن أن يكون الأمر
بغير ذلك، فالنّفوس المحتاجة إلى التّعلّم من الآخرين كيف يمكن أن تصبح مظاهر
إلهية؟ فالسّراج المحتاج إلى نور كيف يهب النّور؟ إذًا يجب أن يكون المظهر الإلهي
نفسه جامعًا للكمالات بالفطرة لا بالاكتساب، وأن يكون شجرة مثمرة بذاتها لا ثمرة
اصطناعيّة، هذه هي الشّجرة المباركة التي تظلّل الآفاق وتعطي الثّمار الطّيّبة.
إذًا
فانظروا فِي الآثار والعلوم والكمالات التي ظهرت من حضرة بهاءالله والتي كَانَتْ بقوّة
إلهيّة وتجلّيات رحمانيّة ولقد بشّر حضرة الباب فِي جميع كتبه بظهور تلك الفيوضات
والكمالات الإلهيّة. لذا فأهنّئكم بيوم بعثة حضرة الأعلى، روحي له الفداء، وأرجو
أن يكون هذا العيد السّعيد واليوم الجديد مباركًا عليكم جميعًا وسببًا لسرور
القلوب.
مقتطف
من لوح حضرة عبد البهاء
هو
الله
"يا
أحباء الله إنّ أرض شيراز منسوبة إلى الله الغنيّ المتعال وهي موطن كاشف الأسرار
لمن كان أهلاً لها، ففي تلك البقعة طلع القمر المضيء، ومن ذلك الإقليم لاح الصُّبح المنير، ومن تلك الأرض
المنوّرة رفع مبشّر الجمال المبارك النّدآء الإلهيّ وقرأ عَلَى مسامع الشّرق
والغرب فِي كتاب أحسن القصص بشرى ظهور موعود البيان بأبدع تبيان، فكَانَتْ تلك الدّيار أوّلَ أَرْضٍ ارتفع النّدآء
فيها حيث صاحت نفوس مباركة صيحة: ربنا إنّنا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن
آمنوا بربكم فآمَّنا، الحمد لله إنّ
ذلك الإقليم مضيءٌ الآن بنور العرفان وتلك الأرض منوّرة ببوارق عناية الله، وهناك
نفوس قائمة بالخدمة فِي تلك البقعة ينعتهم المخلصون ويغبطهم أهل الأرض أجمعون
.....".
وقائع
إعلان الدعوة
كما
جاء فِي كتاب "مطالع الأنوار" تاريخ النّبيل الزّرندي
"...
سافر الملاّ حسين ومعه رفيقاه إلى النّجف وكان سفره من كربلاء ليلاً وبعد زيارة
مشهد النّجف واصل سيره إلى بوشهر عَلَى الخليج الفارسيّ، وهناك ابتدأ يسأل عَنْ محبوب
قلبه وفيها استنشق طيب الأنفاس التي عبقت ممّن كان يقطن تلك المدينة مشتغلاً فيها
كتاجرٍ بسيط، وشاهد روائح القدس
التي ملأت أرجاء تلك المدينة من أثر مناجاة المحبوب.
ولكنّه
لم يقدر عَلَى المكث كثيرًا فِي بوشهر، وأحسّ أن شيئًا يجذبه بقوّة إلى الشّمال
نحو شيراز حتّى إذا وصل إليها طلب من رفيقيه
أن يذهبا إلى مسجد إيلخاني وينتظراه هناك إلى أن
يلحقهما، وأخبرهما أنّه سوف يصلّي معهما صلاة المغرب إن شاء الله.
وفي
ذلك اليوم بينما كان الملاّ حسين يتمشّى قبل الغروب ببضع ساعات خارج سور المدينة
إذ بصر فجأة بشاب وضّاح الجبين لابسًا عمامة خضراء قد أقبل عليه وحيّاه بابتسامة
مرحّبًا بوصوله بالسّلامة، وعانق الملاّ حسين بمحبّة وإخلاص كأنّه صديق قديم، وكان
الملاّ قد ظنّه فِي أوّل الأمر أحد تلاميذ السّيّد كاظم وأنّه حضر للتّرحيب به بعد
أن سمع بسفره إلى شيراز.
وممّا
قصّه الميرزا أحمد قزويني الشّهيد
عَلَى المؤمنين ما سمعه من الملاّ حسين مرارًا من كيفيّة مقابلته للباب تلك
المقابلة التّاريخيّة العظمى وتتلخّص فِي الآتي: "إنّ الشّاب الذي قابلني
خارج أبواب شيراز أدهشني بإشارات محبّته وألحّ فِي دعوتي لزيارته لأستريح قليلاً
من وعثاء السّفر، وسألته أن يعفيني من ذلك
لأن رفيقيَّ قد عملا ترتيبًا لنزولي فِي هذه المدينة وهما بانتظار رجوعي، فقال:
(اتركهما لحراسة الله فهو لا شكّ حافظهما). ولمّا تفوه بذلك أمرني باتّباعه، وكنت
قد تأثّرت جدًّا من اللّطف الّذي واجهني به أثناء محادثته ولما تتبّعته ازداد تعجّبي
من هذه المفاجأة ومن حُسنِ ذوقه وحلاوة صوته وكمال
هيئته، ولم تمضِ بُرهة
وجيزة حتى وجدتُ نفسي عند باب منزل ظريف طرق
بابه ففتح له خادمٌ
حبشيّ ولمّا دخل عَلَى العتبة أمرني باتّباعه قائلاً: (ادخلوها بسلام آمنين).
وكَانَتْ تحيّته بقوّة وجلال نفذا إلى أعماق قلبي واستبشرت خيرًا من الفال الحسن
الصّادر من هذه الكلمات الّتي خاطبني بها وأنا واقف عَلَى عتبة باب أوّل منزل
دخلته فِي شيراز تلك المدينة التي سبق أن طفح السّرور عَلَى قلبي من تأثير جوّها
سرورًا لا مزيد عليه، وقلت فِي نفسي لعلّي أصل إلى بغيتي أو تقرّبني هذه الزّيارة
إلى من أبحث عنه وتقصّر عليّ مدّة انتظاري وبحثي
الشّاق، وإذ دخلت المنزل وتبعت مضيفي إلى غرفته شعرت بسرور لا مزيد عليه، وبمجرّد
أن جلسنا أمر بالطّشت والإبريق وأمرني أن أغسل يديّ وقدميّ من وعثاء السّفر
فاستأذنت منه لأغسل فِي الغرفة المجاورة ولكنّه رفض وشرع يصبّ الماء بنفسه عَلَى يديّ،
ثم ناولني مشروبًا لطيفًا وطلب السّماور وجهّز الشّاي بنفسه وناولني منه، وبعد أن
غمرني بلطفه طلبت منه الانصراف وقلت بأن صلاة المغرب قد اقتربت ووعدت أصحابي أن
ألتحق بهم فِي مسجد إيلخاني، فبكلّ احترام وهدوء أجابني: (لا بدّ وأن تكون قد علّقت
عودتك عَلَى مشيّة الله ويظهر أنّه ما أراد ذلك، فلا تخف من خلف الوعد). وكان
بهاؤه واطمئنانه قد أسكتني وقمت فأعدت وضوئي وابتدأت فِي الصّلاة، وأخذ هو أيضًا
يصلّي بجانبي وأثناء الصّلاة ارتاحت نفسي من تحيُّرها من غرابة هذه المقابلة ومن
البحث الذي تعلّقت به وشرعت أثناء الصّلاة أقول: (يا إلهي لم آلُ جهدًا فِي البحث
وللآن لم أوفّق لضالتي المنشودة ورسولك الموعود وإنّ وعدك الحقّ وإنّك لَنْ تخلف
الميعاد).
وكَانَتْ
تلك اللّيلة العشيّة السّابقة عَلَى 5 جُمادى الأول سنة 1260 الموافق ليلة الثّالث
والعشرين من شهر أيّار
1844، وكان مضيفي الشّاب ابتدأ يحادثني بعد المغرب بنصف ساعة وسألني إذ ذاك
قائلاً: (من ذا الذي تعتبره خلفًا للسّيّد كاظم رئيسًا لكم). فأجبته بأن السّيّد
عندما حانت منيّته نصحنا بشدّة أن نترك أوطاننا ونتفرّق فِي كلّ مكان طلبًا
للمحبوب الموعود، ولذلك سافرت إلى إيران وقمت لتنفيذ إرادته وللآن لا أزال مشتغلاً
بالبحث). فسألني: (هل أعطاكم معلّمكم أوصافًا مفصّلة وامتيازات فِي موعودكم) فقلت:
(نعم فإنّه من السّلالة الطّاهرة والعترة النّبويّة ومن ذرّيّة فاطمة وأمّا سنّه
فأكثر من العشرين وأقلّ من الثلاثين، وعنده علم لدنّيّ وهو متوسّط القامة ويمتنع عَنْ
شرب
الدّخان وخالٍ من العيوب والعاهات الجسمانيّة).
فسكت هُنيهة ثمّ قال بصوت جهوريّ:
(انظر هل ترى هذه العلامات فِي شخصي). ثم عدّد العلامات وأظهر أنّها جميعها تنطبق
عليه، فحصلتْ عندي دهشة كبيرة وقلت له فِي أدب: (إنّ الّذي ننتظره هو شخص قدسيّ
ليس فوق قداسته قداسة ويظهر من الأمر ما له قوّة فائقة، وشرائطه وعلائمه عديدة فكم
أشار السّيّد إلى سعة علمه وكم كان يقول: (إن علومي بالنسبة لعلمه كقطرة من بحر ممّا
وهبه الله، وإنّ جميع ما حصّلته لم يكن إلا كذرّة من التّراب فِي مقابلة اتّساع
معارفه والفرق بينهما شاسع). وما كدت أتفوّه بهذه الكلمات حتّى شعرتُ بالخوف والخجل بدرجة لم أتمكّن
من إخفائها، ووبّختُ
ضميري وعزمتُ عَلَى تغيير أسلوبي وتخفيف
حدّتي، وعاهدتُ الله بأنّه لو عاد للموضوع
فإنّي أقول له بكل خضوع: (إذا أردتَ
أن تؤسّس دعوتك فإنّك تخلّصني ولا شكّ من عبء الانتظار والتّوقّف الّذي أثقل كاهلي وأكون
مدينًا لك لهذا الخلاص). وكنت فِي ابتداء طلبي وبحثي قد جعلت أمام عينيّ علامتين
أعرف بهما صحّة دعوى القائم، وهما أوّلاً رسالة ألّفتها تختصّ بالأمور والأحوال
الغامضة والأقوال المتشابهة والتّعاليم الباطنيّة الصّادرة من الشّيخ أحمد والسّيّد
كاظم وصمّمت عَلَى أنّ الذي يحلّ معضلات هذه المسائل اسلّمه زمام أمري، وثانيًا أن
أطلب منه أن يملي عليّ تفسيرًا لسورة يوسف بلغة وطريقة مغايرة للأصول المعروفة فِي
زماننا، ذلك لأنّي سبق أن طلبت من السّيّد تفسيرًا لهذه السّورة فامتنع قائلاً:
(إنّ هذا ليس فِي مقدوري فإنّ الذي يأتي بعدي وهو أعظم مني سيكتب تفسيرًا لها بدون
أن يطلبه أحد، وهذا التّفسير هو أكبر الأدلّة عَلَى رفعة شأنه وعلوّ مقامه وأكبر
شاهد عَلَى صدق دعوته).
وبينما
كُنتُ مشتغلاً بحلّ هذه الأمور فِي
عقلي قال لي مُضيفي مرّة أخرى: (أنعم النّظر
هلاّ يمكن أن يكون الشّخص الذي يعنيه السّيّد
كاظم إنّما هو أنا). فاضطررت
إذ ذاك أن أقدّم له نسخة من الرّسالة التي كَانَتْ معي وسألته: (هل لك أن تقرأ هذا
الكتاب وتتصفّحه بعين الرّضا وتصفح عمّا تجده فيه من ضعفي وتقصيري). فأجابني إلى
طلبي وفتح الكتاب ونظر فِي بعض صفحاته، ثم أغلقه وابتدأ يخاطبني وفي ظرف بضعة
دقائق كشف لي عَنْ جميع الأسرار الّتي فيه وحلّ جميع معضلاته ولما أتمّ ما أردته
فِي برهة قصيرة فسّر لي أيضًا كثيرًا من الحقائق الّتي لم توجد فِي أقوال الأئمّة
ولا فِي كتابات الشّيخ أحمد ولا السّيّد كاظم، وهذه الحقائق الّتي لم أسمعها مِنْ
قَبْلُ كَانَتْ تُتلى بطلاوة مُبهِجة وقوّة فائقة ثم قال لي:
(لو لم تكن ضيفي لكان موقفك خطيرًا ولكنّ الرّحمة الإلهيّة شملتك، فإنّ لله أن
يمتحن عبيده وليس للعبيد أن يمتحنوه بما عندهم من الموازين، ولو كنتُ فرضًا لم
أحلّ لك هذه المعضلات فهل تعتبر الحقيقة المشرقة فِي باطني عاجزة أو تتّهم علمي
بالنّقص، حاشا لله بل ينبغي فِي هذا اليوم لملل الأرض فِي الشّرق والغرب أن يسرعوا
إلى هذه العتبة وعندها ينشدون فضل الرّحمن، وكلُّ من يتردّد فِي ذلك فهو فِي خسران
مبين، أفلا يشهد أهل الأرض أنّ الغرض الأصليّ من خلقهم إنّما هو معرفة الله
وعبادته، إذًا ينبغي لهم أن يقوموا بأنفسهم ويبذلوا الجهد كما قمت أنت ويطلبوا
بالاستقامة والثّبات محبوبهم الموعود). ثم شرع يقول: (والآن وقت إنزال التّفسير
لسورة يوسف). وأخذ قلمه وبسرعة لا تكاد تُصدّق نزّلت سورة المُلك وهو
أوّل باب من تفسيره عَلَى سورة يوسف، وكَانَتْ قوّة تأثير كلماته قد زادتها حلاوة
الصّوت الذي كان يتلوها به، ولم يتوقّف لحظة أثناء تلاوة الآيات التي نزّلت من
قلمه حتّى تمّت السّورة، وكنت جالسًا استمع مأسورًا من سحر صوته وقوّة بيانه،
وأخيرًا قُمتُ وأنا أقدّم رجلاً وأؤخّر
أخرى واستأذنت منه فِي الانصراف، فأمرني بابتسامة بالجلوس قائلاً: (إذا انصرفت
عَلَى هذه الحال فإنّ كلّ من يراك يقول إنّ هذا
الغلام قد فقد رشده). وكَانَتْ السّاعة إذ ذاك اثنين وإحدى عشرة
دقيقة بعد الغروب من اللّيلة الخامسة والسّتين بعد النّوروز أو هي تطابق ليلة
اليوم السّادس من خرداد سنة نهنك، ثم قال لي: (إنّ هذه اللّيلة وهذه السّاعة سيُحتفل بها فِي الأيّام الآتية
كأعظم الأعياد وأهمّها، فاشكر الله الذي أوصلك إلى مرغوب قلبك وأشربك من رحيق
كلامه المختوم، طوبى للّذين هم إليه واصلون).
وفي
السّاعة الثّالثة بعد الغروب أمر مضيفي بتجهيز العشاء، وظهر الخادم الحبشيّ وأحضر
أمامنا أشهى طعام ممّا أبهج جسمي وروحي معًا، وشعرتُ كأنّي أتناول من فواكه الجنّة
وكنت أكبر أخلاق هذا الخادم الذي كأنّ حياته قد تجدّدت من تأثير سيّده ومن ذلك
عرفت معنى الحديث الشريف (أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر عَلَى قلب بشر)
ولو لم يكن عند مضيفي سوى ما قابلني به من الكرم والمحبّة التي أقنعتني أنّها لا
تصدر أبدًا من أيّ مخلوق آخر لكان ذلك شاهدًا كافيًا للدّلالة عَلَى عظمته، ومكثتُ جالسًا مسحورًا من حديثه
ناسيًا الوقت ومن كانوا عَلَى انتظار عودتي، ولم أنتبه من النّشوة التي وقعتُ فيها إلّا عَلَى صوت المؤذّن بغتة
يدعو المؤمنين إلى صلاة الصّبح، وفي تلك اللّيلة شعرت بجميع المسرّات والنّعم الّتي
ذكر الله فِي كتابه أنّه يهبها لأهل الجنّة وأحسست أنّي فِي مكان (لايمسّنا فيه
نصب ولا لغوب) ويصدق عليه قوله تعالى ﴿لا يسمعون فيها لغوًا ولا
تأثيمًا إلا قيلاً سلامًا سلامًا﴾ و ﴿ دعواهم فيها سُبْحَانَكَ
اللّهم وتحيّتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله ربّ العالمين﴾.
وفارقني
النّوم تلك اللّيلة فكنت أُعير
أُذنًا صاغية لنغمات صوته فِي صعودها
وهبوطها أثناء نزول قيّوم الأسماء (وهو تفسير الباب لسورة
يوسف) متلذّذًا من ترنّمات
مناجاته الّتي كان يتلوها فِي صلواته وكان بين كل مناجاة وأخرى يكرّر الآية
﴿ سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام عَلَى المرسلين والحمد لله ربِّ
العالمين﴾.
ثم
التفت إليّ وخاطبني بقوله: (يا من هو أوّل من آمن بي حقًّا إنّني أنا باب الله
وأنت باب الباب، ولا بدّ وأن يؤمن بي ثماني عشرة نفسًا من تلقاء أنفسهم ويعترفون
برسالتي وسينشدني كلّ منهم عَلَى انفراد بدون أن يدعوهم أحد أو ينبّههم إليها،
وعندما يتمّ عددهم يجب انتخاب أحدهم لمرافقتي فِي الحجّ إلى مكّة والمدينة، وهناك
أبلّغ الرّسالة الإلهيّة إلى شريف مكّة ثم أرجع إلى الكوفة وفي مسجد تلك المدينة أُظهر الأمر وعليك الآن أن تكتم
عَنْ أصحابك وعن كلّ شخص آخر وواصل الانقطاع فِي مسجد إيلخاني وواظب عَلَى الدّرس
فيه واحذر أن تُظهِر َمكنون هذا السّرّ من سلوكك أو
هيئتك إلى وقت مفارقتي للحجاز، وسأعيّن لكلّ من الثّماني عشرة نفسًا رسالته ومهمّته
وسأعرّفهم كيفيّة تبليغ كلمة الله وإحياء النّفوس). ولمّا أتمّ هذه الكلمات أمرني
بالانصراف ورافقني إلى الباب وجاءت هذه الرّسالة عليَّ غرّة كالصّاعقة
التي خدّرت جميع قواي وقتًا ما، وكان بهاء إشراقها يخطف الأبصار وأخذتني قوّتها
السّاحرة وحرّكت أعماق قلبي بشدّة الفرح وفرط التّعجّب والدّهشة والخوف، وكان
الحبور هو الغالب عليّ من جميع هذه الإحساسات وكذلك القوّة، فإنّهما أخذا بمجامع
قلبي واستوليا عَلَى هيكلي ولبّي، فكم كُنْتَ أحسّ بالضّعف والإهمال والجبن قبل
ذلك، وما كُنْتَ أقدر عَلَى الكتابة ولا عَلَى المشي وكَانَتْ يداي ورجلاي ترتعشان
عَلَى الدّوام، ولكنّ معرفة أمره بعد ذلك كهربت جسمي وأحسست بوجود قوّة وشجاعة لا
يقدر العالم بأجمعه عَلَى مقاومتها بل لو اجتمع أهل الأرض وما عندهم من قوّة لرأيت
فِي نفسي من الجسارة ما أقاوم به هجومهم وحدي، فكان الوجود أمامي كقبضة
من تراب فِي يدي وكأنّ جبريل قد تجسّد فيّ وهو
ينادي العالمين: (تنبّهوا أيّها
الأقوام فقد انبلج نور الصّباح ولاح الأمر وفُتحت أبواب الرّحمة لتدخلوا
فيها لأنّ الموعود الّذي وعدتم به قد ظهر).
وعلى
هذه الحالة تركتُ
المنزل وعدتُ إلى أخي وابن عمي ورأيتُ الكثيرين من أتباع الشّيخ
أحمد ممّن بلغهم خبر حضوري فِي مسجد إيلخاني أتوا لمقابلتي، وطبقًا لإرادة محبوبي
قمتُ لتنفيذ رغبته ولما رتّبتُ الدّرس اجتمع حولي الكثيرون
وجاء لزيارتي وجهاء وعلماء المدينة وكان الجميع قد أُعجبوا من الرّوح التي كنتُ أُلقي بها الدّرس غير عالمين
بأنّ المنبع الذي صدرت عنه إنّما هو ذلك الموعود الذي ينتظرونه بشغف.
وفي
هذه الأثناء كان الباب يدعوني لزيارته ويرسل لي ذلك الخادم الحبشيّ برسالة المحبّة
والتّرحيب، وكلما زرته كنتُ
أصرف اللّيل بتمامه عنده وأبقى متيقّظًا إلى مطلع الفجر تحتَ أقدامه مبهوتًا من حلاوة
حديثه متناسيًا الدّنيا وما فيها، وكَانَتْ تمرّ تلك السّويعات كالبرق الخاطف ولا
أفارقه إلا فِي الفجر بعد التردّد وكنت كلّ يوم أنتظر المساء بشغف حتّى إذا دنا
الفجر امتلأت حزنًا وأسفًا لفراقه، وقال لي مضيفي ذات ليلة سوف يأتي باكرًا ثلاثة
عشر شخصًا من أصحابك وعليك أن تُظهر
لكلّ منهم محبّتك الزّائدة ولا تتركهم وشأنهم لأنّهم خصصوا حياتهم لطلب المحبوب،
وادعُ الله أن يمكّنهم بمنّه وكرمه عَلَى أن يسيروا باطمئنان فِي هذا الصّراط الذي
هو أحدّ من السّيف وأدقّ من الشّعر ومنهم من هو معدود عند الله من عباده المنتخبين
المخلصين، وآخرون يسلكون طريقًا وسطًا ولا يظهر نصيب الباقين حتى تأتي السّاعة الّتي
يظهر فيها كلّ أمر مكنون، وفي صبيحة ذلك اليوم فِي وقت الفجر عند عودتي من منزل
الباب جاء الملاّ علي
البسطامي فِي مسجد إيلخاني
ومعه باقي أصحابه الّذين أخبرني عنهم الباب، وفي الحال قمتُ لهم بواجب الضّيافة وذاتَ ليلةٍ بعد مرور بضعة أيّام عَلَى وفودهم
كلّمني الملاّ علي نيابة عَنْ باقي أصحابه قائلاً: (إنّك لتعلم عظم ثقتنا فيك وإنّ
طاعتنا لك بدرجة لو تدّعي أنّك القائم الموعود فإنّنا جميعًا لا نتأخّر عَنْ إجابتك،
وطبقًا لأمرك قد تركنا أوطاننا للبحث عَنْ موعودنا المحبوب وإنّك كُنْتَ أوّل قدوة
حسنة لنا وقد تبعنا خطواتك وعزمنا أن لا نتوانى فِي بحثنا حتّى نعثر عَلَى ضالّتنا
المنشودة، ولقد تبعناك إلى هذا المكان ونحن مستعدّون لقبول كلّ من تقبله أملاً فِي
الاستظلال فِي ظلّ حمايته والفوز من المخاطر التي تؤذن بدنوّ السّاعة الأخيرة، وقد
رأينا من ملامح وجهك أنّ الترقّب قد انتهى وأنّ الاضطراب قد زال، ولذلك نرجوك أن
تخبرنا عَنْ سبب ذلك حتّى نتخلّص نحن أيضًا من عبء الانتظار والشّكّ). فأجبتهم
بلطف قائلاً: (إنّ أصحابك ربّما نسبوا هدوئي وسروري إلى الصّيت والشّهرة التي
نلتهما فِي هذه المدينة ولكنّ الحقّ بعيد عَنْ ذلك، فالعالم جميعه بأبّهته وملاذه
لا يثني هذا الحسين البشروئي عَنْ محبوبه ومنذ بداية هذه المهمّة المقدّسة الّتي
نزلت فِي ساحتها أقسمت بأن يكون نصيبي أن أختم حياتي بخاتم دمي، فرحّبت بالولوج
فِي بحر البلايا، فلا أحنّ لأمور هذه الدنيا ولا أبغي إلا رضا المحبوب فلا تنطفىء
هذه النّار المشتعلة فِي قلبي إلا إذا سفك دمي فِي سبيله وإنّكم والحمد لله سترون
ذلك اليوم، فبفضله العميم وبمنّه وكرمه قد فُتحت أبواب رحمته أمام الملاّ
حسين، واتّباعًا لأمره وحكمته قد أمرني بالسّير عَلَى هذا المنهج لإخفاء هذه
الحقيقة). فحرّكت هذه الكلمات روح الملاّ عليّ ورأى بنفسه معناها وألحّ عليّ بعينٍ دامعة أن أكشف له عَنْ حقيقة
ذلك الّذي أبدل الشّكّ باليقين والاضطراب بالاطمئنان وقال: (أقسمك بربّك الرّحمن
أن تهبني نصيبًا من ذلك الرّحيق القدسيّ الّذي تناولته من يد
الرّحمة، ففي ذلك إطفاء للهيب
ظمأي وتهدئة لاضطراب قلبي من ألم الانتظار). فأجبته: (لا تطمح فِي أن تنال منّي هذا
المرغوب وثق به فسوف يسدّد خطواتك ويُهدّأ روع قلبك).
فأسرع
الملاّ عليّ إلى أصحابه وأخبرهم بما دار بينه وبين الملاّ حسين من الحديث وأشعل
فِي قلوبهم الرّغبة فِي البحث، وتفرّقوا للخلوة طالبين بالصّوم والتضرّعات كشف
الحجاب الذي حال بينهم وبين معرفة محبوبهم، وكانوا يقولون فِي مناجاتهم (اللّهم ربّنا
إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، اهدنا الصّراط المستقيم يا ربّنا وإلهنا أظهر لنا ما
وعدتنا عَلَى لسان أنبيائك ورسلك، ولا تخزنا يوم الدّين إنّك لَنْ تخلف الميعاد).
وفي ثالث ليالي الخلوة بينما كان الملاّ علي البسطامي مستغرقًا فِي الصّلاة رأى
رؤيا فظهر أمام عينيه نور تحرّك أمامه فتبعه وهو مأخوذ من بهجته إلى أن أدّاه ذلك
إلى محبوبه الموعود فانتبه فِي تلك السّاعة فِي نصف اللّيل وهو مغتبط فرحًا وفتح
باب مخدعه وأسرع إلى الملاّ حسين وارتمى فِي أحضانه وعانقه الملاّ حسين بغاية
المحبّة قائلاً: (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا
الله). وفي فجر ذلك اليوم ذهب الملاّ حسين يتبعه الملاّ علي إلى منزل الباب
فرأيا ذلك الخادم الحبشيّ واقفًا عَلَى الباب فعرفهما وحيّاهما قائلاً: (قبل الفجر
ذهبت لمقابلة سيّدي فأمرني أن أفتح باب المنزل وأنتظر عَلَى عتبته قائلاً إنّه
سيحضر فِي هذا الصباح باكرًا ضيفان فباسمي رحّب بهما وقل لهما ادخلوها بسلام عَلَى
اسم الله).
وكَانَتْ
مقابلة الملاّ علي مع الباب شبيهة بمقابلة الملاّ حسين ولم تختلف عنها إلّا فِي أنّ المقابلة السّابقة كَانَتْ
تدور حول الحجج والبراهين عَلَى رسالة الباب بينما فِي هذه الدّفعة سادت روح
الخضوع والخشوع التّام
وامتلأت الغرفة بالحياة من أثر تلك القوة السّماوية،
وكأن كلّ شيء فيها ينادي: (قد
انبثق فجر اليوم الجديد وتسلّط الموعود عَلَى قلوب العالمين وبيده كأس الأسرار
ومعين الخلود طوبى للشّاربين). وكذلك وجد كلّ من باقي الاثنيّ عشر من الأصحاب
المرافقين للملاّ علي محبوبه كلّ بدوره وبكامل سعيه وجدّه فرآه البعض فِي الرّؤيا
والبعض الآخر أثناء صلواته، ومنهم من وجده أثناء تأمّلاته مسترشدًا بالإلهام الرّبّاني
الذي ألهمهم لمعرفة قوّة بهائه وتشرّف هؤلاء بحضرة الباب كما تشرف الملاّ علي مِنْ
قَبْلُ وكَانَتْ زيارتهم له مصحوبة بالملاّ حسين ودعوا بحروف الحيّ وكمل منهم سبعة
عشر حرفًا وثبت اسمهم فِي لوح الله المحفوظ بالتّدريج وتعيّنوا رسلاً للباب وأمناء
لدينه وناشرين لنفحاته.
وتكلّم
الباب أثناء محادثته مع الملاّ حسين ذات ليلة قائلاً: (قد أثبتنا سبعة عشر حرفًا
وانضمّوا للواء دين الله ولم يبقَ إلا حرف واحد عَلَى تمام العدد فعلى هؤلاء
الحروف القيام لدعوة الأمر وتأسيس دين الله وسيأتي الحرف الأخير فِي اللّيلة
القادمة ليكمل العدد). ففي اليوم التّالي فِي الغروب بينما كان الباب راجعًا إلى
منزله متبوعًا بالملاّ حسين إذ ظهر شاب عليه غبار السّفر واقترب من الملاّ حسين
وعانقه وسأله إذا كان قد وصل إلى بغيته، فاجتهد الملاّ حسين أن يهدّئ روعه وطلب
منه أن يترقّب ووعد بإرشاده فلم يقبل ذلك الشّاب أن يلتفت إلى نصحه ووجّه نظره إلى
الباب وقال للملاّ حسين: (لماذا تكتم عنّي.
فإنّي أعرفه من هيئته وإن
أشهد فِي سرّي أنّه لا يقدر أحد خلافه فِي الشّرق أو الغرب أن يدّعي أنّه الحقّ).
فدُهِشَ الملاّ حسين من كلماته
واعتذر إليه وطلب منه أن يضبط حواسّه
حتّى يأتي الوقت الّذي
يقدر فيه أن يبوح له بالحقّ وتركه مسرعًا نحو الباب وأخبره بما دار بينه وبين ذلك
الشّاب من المحادثة فأجابه الباب: (لا تدهش من ذلك المسلك فإنّنا كنّا فِي عالم
الرّوح نتحادث مع ذلك الشّاب ونعرفه مِنْ قَبْلُ وكنّا ننتظر قدومه
فاذهب إليه وأحضره أمامنا)
فتذكّر الملاّ حسين حالاً من كلمات
الباب تلك الفقرة (إنّه فِي اليوم الأخير تجوب رجال الغيب فضاء العالم عَلَى أجنحة
الرّوح ويحضرون أمام القائم الموعود ويبتغون منه ذلك السّرّ الذي يحلّ لهم معضلاته
ويزيل متاعبهم). ومع أنّ هؤلاء الأبطال كانوا بعيدين عنه بالجسد إلا أنّهم روحيًّا
كانوا مشغولين بالمناجاة مع محبوبهم ويشاركونه فِي أحاديثه وصحبته، وإلا فكيف يمكن
للشّيخ أحمد والسّيّد كاظم أن يعرفا الباب وكيف تمكّنا من الاطّلاع عَلَى السّرّ
المودع فيه بل كيف يتمكّن الباب نفسه والقدّوس تلميذه المحبوب أن يحصل بينهما ما
دوّناه لولا وجود رابطة سرّيّة تجمع أرواحهما، ألم يشر الباب فِي ابتداء دعوته فِي
أوائل سور قيّوم الأسماء التي هي تفسير سورة يوسف إلى أهمّيّة وجلال بهاء
الله وأمره؟ ألم يكُ قصده فِي بيان الأضرار التي لحقت بيوسف من أخوته وما ظهر منهم
من الغدر والجفاء أن يتنبّأ بما يصيب بهاء الله من أخيه وأقاربه؟ ألم يكُ القدّوس
مستمرًّا ليل نهار وهو محاط بجموع الأعداء من كلّ الجهات وبنيران لا تخبو أوارها
فِي قلعة الشّيخ طبرسي فِي إعداد وتكميل مديحه فِي بهاء الله فِي تفسيره الخالد
لحرف الصّاد من سورة الصّمد الذي يبلغ نحوًا من خمسمائة ألف بيت؟ يشهد بذلك كلّ من
يمعن النّظر فِي آيات وكلمات تفسير قيّوم الأسماء.
وقد
كمل عدد التّلاميذ المُنتخبين
بقبول القدّوس لدعوة الباب واسمه محمّد علي وينتمي من والدته إلى سلالة الإمام
الحسن أكبر أحفاد الرّسول، وكان مولده فِي بارفروش فِي إقليم مازندران وممّا ينقل
عَنْ الّذين حضروا دروس السّيّد كاظم أنّ القدّوس تتلمذ عليه وكان يجلس فِي الصّفّ
الأخير من المجلس ويقوم بعد انتهاء الدّرس قبل غيره، وامتاز عَنْ بقيّة الأصحاب
بالهدوء والسّكينة ودماثة الأخلاق، وكان السّيّد كثيرًا ما يقول إنّ بعض التلاميذ
مع أنّهم يجلسون فِي آخر
الصّفوف ويظهر منهم سكوت تامّ
لهم فِي نظره مقام جليل عَلَى شأن لا يستحقّ بنفسه أن يكون من خدّامهم، وكان
تلاميذه يلاحظون تواضع القدّوس ويعترفون بسموّ وشرف أخلاقه ولكنّهم ما كانوا
يعرفون قصد السّيّد كاظم، ولما وصل القدّوس إلى شيراز واعتنق الأمر كان له من
العمر اثنان وعشرون عامًا. ومع صغر سنّه أظهر شجاعة نادرة وإيمانًا تامًّا لم يصل
إليه أحد خلافه من أتباع مولاه، وكان قد مثّل فِي أدوار حياته واستشهاده المجيد صحّة
الحديث القائل: (من طلبني وجدني ومن تقدّم إليّ شبرًا تقدمت إليه باعًا ومن أحبّني
أحببته ومن أحببته قتلته ومن قتلته فعليّ ديّته).
صفحة
خالية
الفصل الرابع
استشهاد
حضرة الأعلى
صفحة
خالية
"يا
بَقِيَّةَ اللهِ قَدْ فَدَيْتُ بِكُلِّي لَكَ وَرَضِيتُ السَّبَّ فِي سَبِيلِكَ
وَمَا تَمَنَّيْتُ إِلا القَتْلَ فِي مَحَبَّتِكَ وَكَفَى بِاللهِ العَلِّيِ
مُعْتَصِمًا قَدِيمًا وَكَفَى بِاللهِ شَاهِدًا وَوَكِيلاً يَا قُرَّةَ العَينِ
قَدْ أَحْزَنَنِي كَلامُكَ فِي هَذَا الجَوَابِ الأَكْبَرِ وَلا الحُكْمُ إِلا
للهِ وَلا الأَمْرُ إِلا مِنَ اللهِ. وَلَعَمْرِي إِنَّكَ المَحْبُوبُ لَكَ
الحَقُّ وَالخَلْقُ وَلا حَوْلَ إِلا بِاللهِ وِكَفَى بِاللهِ مَوْلاكَ
مُنْتَقِمًا عَلَى الحَقِّ بِالحَقِّ بِاللهِ شَدِيدًا".
"حضرة
الباب"
لَوْحُ
الزِّيَارَةِ
أَلثَّنَاءُ الَّذِي ظَهَرَ مِنْ نَفْسِكَ
الأَعْلَى وَالبَهَاءُ الَّذِي طَلَعَ مِنْ جَمَالِكَ الأَبْهَى عَلَيْكَ يَا
مَظْهَرَ الكِبْرِيَاءِ وَسُلْطَانَ البَقَاءِ وَمَلِيكَ مَنْ فِي الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ.
أَشْهَدُ أَنَّ بِكَ ظَهَرَتْ سَلْطَنَةُ اللهِ وَاقْتِدَارُهُ وعَظَمَةُ اللهِ
وَكِبْرِيَاؤُهُ وَبِكَ أَشْرَقَتْ شُمُوسُ القِدَمِ فِي سَمَاءِ القَضَاءِ
وَطَلَعَ
جَمَالُ الغَيْبِ عَنْ أُفُقِ البَدَاءِ.
وَأَشهَدُ أَنَّ بِحَرَكَةٍ مِنْ قَلَمِكَ ظَهَرَ حُكْمُ الكَافِ وَالنُّونِ
وبَرَزَ سِرُّ اللهِ المَكْنُونُ وَبُدِئَتِ المُمْكِنَاتُ وَبُعِثَتِ
الظُّهورَاتُ. وَأَشهَدُ أَنَّ بِجَمَالِكَ ظَهَرَ جَمَالُ المَعْبُودِ
وَبِوَجْهِكَ لاحَ وَجْهُ المَقْصُودِ وَبِكَلِمَةٍ مِنْ عِنْدِكَ فُصِّلَ بَيْنَ
المُمْكنَاتِ وَصَعِدَ المُخْلِصُونَ إِلَى الذُّرْوَةِ العُلْيَا وَالمُشْرِكونَ
إِلَى الدَّرَكاتِ السُّفْلَى. وَأَشْهَدُ ِبِأَنَّ مَنْ عَرَفَكَ فَقَدْ عَرَفَ
اللهَ وَمَنْ فَازَ بِلَقِائِكَ فَقَدْ فَازَ بِلَقَاءِ اللهِ. فَطُوبَى لِمَنْ
آمَنَ بِكَ وَبِآيَاتِكَ وَخَضَعَ بِسُلْطَانِكَ وَشُرِّفَ بِلِقَائِكَ وَبَلَغَ
بِرِضَائِكَ وَطَافَ فِي حَوْلِكَ وحَضَرَ تِلْقَاءَ عَرْشِكَ، فَوَيْلٌ لِمَنْ
ظَلَمَكَ وَأَنْكَرَكَ وكَفَرَ بِآيَاتِكَ وَجَاحَدَ بِسُلْطَانِكَ وَحَارَبَ بِنَفْسِكَ
وَاسْتَكبَرَ لَدَى وَجْهِكَ وَجَادَلَ بِبُرْهَانِكَ وَفَرَّ مِنْ حُكُومَتِكَ
وَاقْتِدَارِكَ وَكانَ مِنَ المُشْرِكينَ فِي أَلوَاحِ القُدْسِ مِنْ إِصْبَعِ
الأَمْرِ مَكْتُوبًا. فَيَا إِلهِي ومَحْبُوبِي فَأَرْسَلْ إِلَيَّ عَنْ يَمِينِ
رَحْمَتِكَ وَعِنَايَتِكَ نَفَحَاتِ قُدْسِ أَلْطَافِكَ لِتَجْذُبَنِي عَنْ
نَفْسِي وَعَنِ الدُّنْيَا إِلَى شَطْرِ قُرْبِكَ وَلِقَائِكَ. إِنَّكَ أَنْتَ
المُقْتَدِرُ عَلَى مَا تَشَاءُ، وإِنَّكَ كُنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا.
عَلَيْكَ يَا جَمَالَ اللهِ ثَنَاءُ اللهِ وَذِكْرُهُ وبَهَاءُ اللهِ ونُورُهُ.
أَشْهَدُ بِأَنَّ مَا رَأَتْ عَيْنُ الإِبْدَاعِ مَظْلُومًا شِبْهَكَ. كُنْتَ فِي
أَيَّامِكَ فِي غَمَرَاتِ البَلايَا. مَرَّةً كُنْتَ تَحْتَ السَّلاسِلِ
وَالأَغْلاَلِ وَمَرَّةً كُنْتَ تَحْتَ سُيُوفِ الأَعْدَاءِ، ومَعَ كُلِّ ذلِكَ أَمَرْتَ
النَّاسَ بِمَا أُمِرْتَ مِنْ لَدُنْ عَلِيمٍ حَكِيمٍ. رُوحِي لِضُرِّكَ
الفِدَاءُ وَنَفْسِي لِبَلاَئِكَ الفِدَاءُ. أَسْأَلُ اللهَ بِكَ وَبِالَّذِينَ
اسْتَضَاءَتْ وُجُوهُهُم مِنْ أَنوَارِ وَجْهِكَ وَاتَّبَعُوا مَا أُمِرُوا بِهِ
حُبًّا لِنَفْسِكَ أَنْ يَكْشِفَ السُّبُحَاتِ الَّتِي حالَتْ بَيْنَكَ وبَيْنَ
خَلْقِكَ وَيَرْزُقَنِي خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. إِنَّكَ أَنتَ
المُقْتَدِرُ المُتِعَالِي العَزِيزُ الغَفُورُ الرَّحِيمُ،
صَلِّ اللَّهُمَّ يَا إِلهِي عَلى السِّدْرَةِ
وأَوْرَاقِهَا وَأَغْصَانِهَا وَأَفنَانِهَا وَأُصُولِهَا وفُرُوعِهَا بِدَوَامِ
أَسْمَائِكَ الحُسْنَى وَصِفَاتِكَ العُلْيَا. ثُمَّ احْفَظهَا مِنْ شَرِّ
المُعْتَدِينَ وَجُنُودِ الظَّالِمِينَ. إِنَّكَ أَنْتَ المُقْتَدِرُ القَدِيرُ.
صَلَّ اللَّهُمَّ يَا إِلهِي عَلَى عِبَادِكَ الفَائِزِينَ وَإِمَائِكَ
الفَائِزَاتِ، إِنَّكَ أَنْتَ الكَرِيمُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ. لا إِلهَ إِلاَّ
أَنْتَ الغَفُورُ الكرِيمُ.
مقتطفات
من ألواح حضرة بهاء الله
"لا
إِلهَ إِلا هُوَ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَلا شَبِيهَ لَهُ وَلا نِدَّ لَه ولا
ضِدَّ لَه وَلا وَزِيرَ وَلا نَظِيرَ وَلا مِثَالَ لَه، وَإنَّ نُقْطَةَ الأولَى عَهْدُهُ
وَبَهاؤُهُ وَعَظَمَتُهُ وَكِبْرِياؤُهُ ولاهُوتُه وَجَبَروتُهُ وَسُلْطَانُهُ
وَعِزَّتُهُ وَمَلَكُوتُهُ وَاقْتِدَارُهُ وَعِزُّهُ وَشَرَفُهُ وَألْطَافُهُ،
وَبِهِ أَشْرَقَ جَمالُهُ وَظَهَرَ وَجْهُهُ وَطَلَعَ بُرْهَانُهُ وَتَمَّ
دَلِيلُهُ وَكَمُلَتْ حُجَّتُهُ وَلاحَتْ آياتُه وَبِهِ حُشِرَ كُلُّ مَنْ فِي
السَّمَواتِ وَالأرْضِ وَبُعِثَ مَنْ فِي مَلَكُوتِ الأمْرِ وَالخَلْقِ وَبِهِ
هَبَّتْ نَفَحَاتُ القُدْسِ عَلَى العَالَمِينَ".
"إنَّا
نَذْكُرُ فِي هَذَا المَقامِ مُحَمَّدًا قَبْلَ عَلِيٍّ الَّذِيْ امْتَزَجَ
لَحْمُهُ بِلَحْمِ مَوْلاهُ وَدَمُهُ بِدَمِهِ وَجَسَدُهُ بِجَسَدِهِ وَعَظْمُهُ
بِعَظْمِ رَبِّه العَزِيزِ الوَهَّابِ، يَشْهَدُ قَلَمِي الأعْلَى بِأنَّهُ فَازَ
بِمَا لا فَازَ أحَدٌ قَبْلَهُ وَوَرَدَ عَلَيهِ مَا لا سَمِعَتْ شِبْهَهُ
الآذَانُ، عَلَيهِ بَهائي وَبَهاءُ مَلَكُوتِي وَجَبَرُوتِي وَأهْلِ مَدائِنِ
العَدْلِ وَالإنْصَافِ".
مقتطف
من سورة الأحزان المنزلة
من
يراعة حضرة بهاء الله
"...
أُشَاهِدُ بِأَنَّ قَلْبِي اشْتَعَلَ مِنْ نَارِ الأَحْزَانِ بِمَا وَرَدَ عَلَى
جَمَالِ الرَّحْمَنِ مِنْ مَلأ الفُرْقَانِ، كَأَنَّ كُلَّ أَرْكَانِي يَشْتَعِلُ
حِينَئِذٍ بِنَارٍ الَّتِي لَوْ أُلْقِيَ زِمَامُهَا لَتُحْرِقُ كُلَّ مَنْ فِي
الْمُلْكِ وَكَانَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ شَهِيدًا، وَكَذَلِكَ أُشاهِدُ بَأَنْ
يَبْكِيَ عَيْنِي ثُمَّ كُلُّ جَوَارِحِي حَتَّى يَمْطُرَ مِنْ شَعَراتِي
قَطَرَاتُ الدُّمُوعِ بِمَا مَسَّتْهُ البَأسآءُ مِنْ هَؤُلاءِ الأَشْقِيآءِ
الَّذينَ هُمْ قَتَلُوا اللهَ وَمَا عَرَفُوه، وَفِي حِينِ الَّذِي افْتَخَرُوا
بِاسْمٍ مِنْ أَسْمآئِهِ عَلَّقُوه فِي الهَوآءِ وَضَرَبُوا عَلَيْهِ رَصَاصَ
البَغْضَاءِ، فَيَا لَيْتَ مَا خُلِقَ الإبْدَاعُ وَمَا ذُوِّتَ الاختِرَاعُ وَمَا
بُعِثَ نَبِيٌّ وَمَا أُرْسِلَ رَسُولٌ وَمَا حُقِّقَ أَمْرٌ بَيْنَ العِبادِ،
وَمَا ظَهَرَ اسْمُ اللهِ بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمآءِ وَمَا نُزِّلَتْ صَحائِفُ
وَلا كُتُبٌ وَلا زُبُرٌ وَلا أَلْوَاحٌ وَلا رِقَاعٌ، وَمَا ابتُلِيَ جَمَالُ القِدَمِ بَيْنَ
هَؤُلاءِ الأَشْقِيَاءِ وَمَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنَ الَّذِينَ هُمْ كَفَرُوا
بِاللهِ جَهْرَةً وَارْتَكَبُوا مَا لا ارْتَكَبَهُ أَحَدٌ مِنَ العَالَمِينَ
جَمِيعًا، تَاللهِ الحَقِّ يَا عَلِيُّ لَوْ تَنْظُرُ فِي كُلِّ أَرْكَانِي
وَجَوارِحِي وَكَبِدِي وَقَلْبِي وَحَشائِي لَتَجِدُ أَثَرَ رَصَاصٍ الَّذِي
وَرَدَ عَلَى هَيْكَلِ اللهِ، فآهٍ آهٍ إذًا بَقِيَ مُنْزِلُ الآياتِ عَنِ
الإنْزَالِ وَهَذَا البَحْرُ عَن الأَمْوَاجِ وَهَذِهِ السِّدْرَةُ عَنِ
الأَثْمارِ وَهَذِهِ السَّحابُ عَنِ الأَمْطَارِ وَهَذِهِ الشَّمْسُ عَنِ
الأَنْوَارِ وَهَذِهِ السَّمآءُ عَنِ الارْتِفَاعِ، وَكَذَلِكَ كَانَ الأَمْرُ
حِينَئِذٍ مَقْضِيًّا، فَيَا لَيْتَ كُنْتُ فَانِيًا وَمَا وَلَدَتْنِي أُمِي
وَمَا سَمِعْتُ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنَ الَّذِينَ هَمْ عَبَدُوا الأَسْمآءَ
وَقَتَلوا مُنْزِلَها وَخالِقَها وَمُحَقِّقَهَا وَمُرْسِلَها، فَأُفٍّ لَهُمْ
بِما اتَّبَعُوا أنْفُسَهَم وَهَوَيهُمْ وَظَهَرَ مِنْهُم مَا خَرَّتِ الحُورِيَّاتُ
عَنْ غُرُفاتِهِنَّ وَوَضَعَ الرُّوحُ
وَجْهَهُ عَلَى التُّرَابِ بِمَا وَرَدَ عَلَى
رَبِّ الأَرْبَابِ مِنْ هَؤُلاءِ الذِّئابِ، إذًا يَبْكِي كُلُّ شَيْءٍ لِبُكَائِي
لِنَفْسِهِ وَيَضُجُّ كُلُّ الأَشْيآءِ لِضَجِيجي لِفِراقِهِ، قَدْ بَلَغْتُ فِي
الحُزْنِ عَلَى مَقامٍ لَنْ يَخْرُجَ مِنْ فَمِي نَغَماتُ البَقآءِ وَلا عَنْ
قَلْبِي نَفَحاتُ الرَّوحَى، وَلَولا عِصْمَتِي نَفْسِي لانْفَطَرَتْ أَرْكَانِي
وَكُنْتُ مَعْدُومًا..."
مناجاة
صدر من قلم حضرة ولي أمر الله:
هو
الله
يا رَبَّنا الأَعْلَى نَسْأَلُكَ بِحَقِّ
دَمِكَ المَرْشُوشِ عَلَى التُّرابِ بِأَنْ تَجِبَ دُعاءَنَا وَتَحْفَظَنَا فِي
صَوْنِ حِمايَتِكَ وَكَلاءَتِكَ وَتُمْطِرَ عَلَيْنا سَحَابَ جُودِكَ وَإِحْسانِكَ
وَتُؤَيِّدَنا وَتُوَفِّقَنا عَلَى السُّلُوكِ فِي سَبِيلِكَ وَالتَّمَسُّكِ
بِحَبْلِ وَلائِكَ وَإِثْباتِ حُجَّتِكَ وَانْتِشَارِ آثارِكَ وَدَفْعِ شَرِّ
أَعْدَائِكَ وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلاقِكَ وَإِعْلانِ أَمْرِ مَحْبُوبِكَ الأَبْهى
الَّذِي فَدَيْتَ نَفْسَكَ فِي سَبِيلِهِ وَما تَمَنَّيْتَ إِلاَّ القَتْلَ فِي
مَحَبَّتِهِ، أَغِثْنا يا مَحْبُوبَنا الأَعْلَى وَاشْدُدْ أُزُورَنا وَثَبِّتْ
أَقْدَامَنا وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا،
وَأَطْلِقْ أَلْسِنَتَنا بِمَحَامِدِكَ وَنُعُوتِكَ، وَكَلِّلْ أَعْمَالَنَا
وَمَجْهُودَاتِنا بإِكْلِيلِ قَبُولِكَ وَرِضَائِكَ وَاجْعَلْ خَاتِمَةَ حَياتِنا
ما قَدَّرْتَهُ لِلْمُخْلِصِينَ مِنْ بَرِيَّتِكَ وَأَجِرْنا فِي جِوارِ
رَحْمَتِكَ وَأَدْخِلْنا فِي فَضاءِ أَنْوارِ قُرْبِكَ وَاحْشُرْنا مَعَ
المُقَرَّبِينَ مِنْ أَحِبَّتِكَ وَقَدِّرْ لَنَا الوُفُودَ عَلَيْكَ وَرَنِّحْنَا
بِصَهْباءِ لِقَائِكَ وَأَخْلِدْنا فِي حَدَائِقِ قُدْسِكَ وَارْزُقْنَا كُلَّ خَيْرٍ
قَدَّرْتَهُ فِي مَلَكُوتِكَ يا مُغِيثَ العالَمِينَ.
عبد
عتبته شوقي
وقائع
استشهاد حضرة الباب
"وكان
الباب قبل وصول الضّابط بأربعين يومًا إلى جهريق قد جمع أوراقه والألواح الّتي معه
ووضعها مع قلمه ودواته وأختامه وخواتيمه العقيقية فِي صندوق وسلّمها للملاّ باقر أحد حروف
الحيّ، وأعطاه أيضًا خطابًا ليسلّمه للميرزا أحمد كاتب وحيه وفيه وضع
مفتاح الصّندوق وأوصاه بأن يتحفّظ عَلَى الوديعة، وأكّد له قداسة محتوياتها وأن
يخفي الوديعة عَنْ أيّ شخص خلاف الميرزا أحمد، ورحل الملاّ باقر توًّا إلى قزوين
ووصل تلك المدينة بعد ثمانية عشر يومًا وعلم أنّ الميرزا أحمد رحل منها إلى قُم،
فتبعه إليها حالاً ووصلها فِي أواسط شهر شعبان، وكنت فِي قُم مع شخص يُدعى صادق
التّبريزي الّذي أرسل إليه الميرزا أحمد وطلب منه أن يحضرني من زرند، وكنت أقطن
فِي منزل واحد مع الميرزا أحمد الّذي استأجره فِي قسم باغ پنبه، وكان يقطن معنا
فِي تلك الأيّام الشّيخ عظيم والسيّد إسماعيل وكثير من الأصحاب، فأعطى الملاّ باقر
الأمانة إلى الميرزا أحمد وهذا فتحها كطلب الشّيخ عظيم أمامنا، وقد عجبنا إذ رأينا
من بين الأشياء الّتي فِي الصّندوق ملف ورق أزرق من أغلى أنواع النّسيج وأرقّها،
وفيه دبج الباب بخطّ يده البديع من نوع الشّكسته وعلى هيئة مثمّن نحوًا من خمسمائة
آية جميعها عبارة عَنْ اشتقاقات من كلمة بهاء، وكان الملفّ بحالة صيانة تامّة
ونظافة فائقة، يظهر عليه من أوّل نظرة أنّه مطبوع لا مخطوط، وكَانَتْ الكتابة
بغاية الدّقّة، وإذا نظرت من بُعد يظهر عليها كأنّها قطعة من الحبر عَلَى الورق،
وقد أخذنا العجب من هذه القطعة المكتوبة التي لا يقدر أي كاتب أن يأتي بمثلها،
فأعيد الملف إلى مكانه وأعطي للميرزا أحمد وتوجّه به فِي نفس اليوم إلى طهران،
وقبل ارتحاله أخبرنا أنّ كلّ ما يمكنه أن يبوح به هو أن الرّسالة تأمر بتوصيل
الأمانة إلى يد جناب البهاء فِي طهران، أمّا أنا فأمرني الميرزا أحمد أن
أعود إلى زرند
وأقابل والدي الذي كان ينتظرني بشوق.
نفّذ ذلك الضّابط الأوامر التي وصلته من نوّاب حمزه
ميرزا وأوصل الباب إلى تبريز وعامله بمنتهى درجة الاحترام، وأمر الأمير أحد أصحابه
بإعداد منزله للباب وأمره أن يعامله بغاية الإجلال، وبعد مرور ثلاثة أيّام من وصول
الباب جاء أمر جديد من الوزير الكبير للأمير أن يُنفّذ حكم الإعدام عَلَى المسجون
يوم وصول الفرمان إليه، وكذلك عَلَى أيّ شخص يعلن اعتقاده فيه، وأصدر أمره إلى
القوّة التي كَانَتْ تحت رئاسة سام خان الأرمنيّ رئيس فرقة الأرامنة أن تطلق عليه
الرّصاص فِي ساحة العسكريّة فِي تبريز وهي الكائنة فِي وسط المدينة.
وكان الأمير قد أظهر دهشته لحامل الفرمان الميرزا حسن
خان وزير النّظام وأخ الوزير الأكبر وقال له: (كان الأجدر بالأمير أن يأمرني
بإجراء أعمال أهمّ من الّتي يطلبها، فالعمل الذي أوكله إليّ عمل لا يُجريه إلا
الأنذال، فلست أنا ابن زياد ولا ابن سعد حتى يأمرني أن أذبح شخصًا بريئًا من سلالة
رسول الله). فأبلغ الميرزا حسن خان أخاه
برفض الأمير، فأمره أخوه أن يجري بنفسه الفرمان بتمامه حالاً وبدون توان وقال له:
(خلّصنا من هذا الانتظار الّذي ثقل عَلَى قلوبنا وانْهِ هذه المسألة قبل حلول شهر
رمضان حتى نستعدّ للصيام بهدوء البال وبغير اضطراب). وأراد الميرزا حسن خان أن
يوصل هذه التّعليمات الجديدة إلى الأمير ويعلمه بها ولكنّه خاب فِي مسعاه لأنّ
الأمير رفض مقابلته بالكلّيّة مدّعيًا المرض، فلم يعبأ برفض الأمير وأصدر أوامره
أن يُنقل الباب مع حاشيته من المنزل الذي يقطنه إلى إحدى غرف المعسكر، وأمر سام
خان أن يُرسل عشرة من رجاله ليحرسوا مدخل الغرفة التي حُبس فيها، ونُزعت منه العمامة
والحزام وهما علامتا الشّرف والنّسبة، وأخذوه مع السّيّد حسين كاتب وحيه إلى غرفة
أخرى أُعدّت لحبسه،
وكَانَتْ هي نذير السّاعة الأخيرة التي كان دائمًا يتمنّاها،
وقد ظهر فِي مدينة تبريز فِي ذلك اليوم هياج واضطراب شديد وجاءت الطّامة الكبرى
التي تظهر يوم القيامة حسب اعتقاد الناس، فلم تشهد تلك المدينة مطلقًا يومًا
عبوسًا قمطريرًا أخذ فيه الاضطراب جميع الأهالي مثل ذلك اليوم الذي أُحضِرَ فيه
الباب إلى مكان استشهاده، وإذ اقترب الباب من ساحة المعسكر ظهر فجأة شاب اخترق الزّحام
مقتحمًا كلّ الصعاب والمخاطر التي تواجه مثل هذا العمل، وكان وجهه شاحبًا وهو حافي
القدمين وأشعث الشّعر، وإذ كان ينهج من التّعب وهو منتهك القوى رمى نفسه عَلَى أقدام
الباب وأمسك بطرف ردائه وتضرّع إليه بحرقة قائلاً: (لا تبعدني عنك يا سيّدي أينما
ذهبت فاجعلني أتبعك). فقال له الباب: (يا محمّد علي قُم وتأكّد أنّك ستكون معي
وغدًا ستشاهد ما يقضي به الله). وكذلك هجم اثنان من الأتباع وأكدّا له طاعتهما
وتعلّقهما به، فقُبض عَلَى هذين الشّخصين ومعهما محمّد علي الزنوزي ووضع الجميع
فِي غرفة واحدة مع الباب والسّيّد حسين.
وسمعتُ السّيّد حسين يقرّر الآتي: "في تلك اللّيلة
أضاء وجه الباب فرحًا وتهلّل سرورًا لم يُشاهد عليه من قبل، وكان يتكلّم معنا
بالفرح والانبساط غير مبالٍ بالعاصفة التي أُثيرت حوله، واختفى الحزن الذي كان يُثقل
عليه، ويظهر أنّ أثقاله قد ذابت أمام اليقين بالنّصر الآتي، وقال لنا: (باكرًا
سيكون يوم استشهادي فمن منكم يقوم الآن وبيديه يُنهي حياتي، فإنّي أفضّل أن أذُبح
بيد حبيب بدلاً من العدو). فانهمرت الدّموع من أعيننا عندما سمعنا ذلك الطّلب،
وكنّا نجفل من فكرة إنهاء حياة ثمينة مثل حياته بأيدينا، وامتنعنا وبقينا ساكتين،
ولكنّ الميرزا محمّد علي قام فجأة وأعلن استعداده بإطاعة ما يأمر به الباب، فقمنا
وأجبرناه عَلَى الامتناع من تنفيذ ذلك فقال الباب: (إنّ هذا الشاب الذي قام
ليُنفّذ مشيئتي سوف يحصل معي عَلَى الشّهادة وهو الّذي أختاره
ليشاركني فخر لبس تاج الشّهادة).
وفي الصّباح المبكّر أمر الميرزا حسن خان أن يأتي الفرّاش
باشي بالباب ويحضره أمام كبار مجتهدي المدينة ويحصل منهم عَلَى الحكم بالإعدام،
ولما شرع الباب فِي مغادرة المعسكر سأله السّيّد حسين ماذا يعمل، فنصحه قائلاً:
(لا تظهر إيمانك حتّى يمكنك فِي الوقت المعلوم أن تخبر الذين خصّصوا لسماع الأمور
التي لا يعرفها أحد سواك). وكان السّيّد حسين مشتغلاً بمحادثة سرّيّة معه إذ جاء
الفراش باشي لأخذه وقطع عليهم الحديث وأمسك السّيّد حسين من يده وسحبه جانبًا وأخذ
فِي توبيخه، فأشار الباب إلى الفرّاش باشي وحذّره قائلاً: (إلى أن أكون قد أتممت
كلّ ما أريد أن أقوله للسّيّد حسين لآخر كلمة، لا تقدر أيّ قوّة أرضيّة أن تمنعني
من ذلك، ولو اجتمع العالم كلّه كجيش واحد حولي لَنْ يقدر أن يمنعني من إتمام ما
أقصده من الأقوال إلى آخر كلمة). فدُهِشَ الفرّاش باشي من مثل هذا التحدّي الجريء
ولم يردّ الجواب بل أمر السّيّد حسين أن يقوم ويتبعه منصرفًا، ولما دخل الميرزا
محمد علي أمام مجمع المُجتهدين ألحّوا عليه – بالنّسبة لمقام نسبه للسّيّد علي
الزنوزي صهره - أن يرتدّ عَنْ إيمانه فصاح قائلاً: (لا يمكن أبدًا أن أرفض سيّدي،
فهو جوهر إيماني وهو مقصود عبادتي الحقّة وفيه وجدت جنّتي وفي اتّباع شريعته استدللت
عَلَى سفينة نجاتي). فأرعد الملاّ محمد المَمقاني قائلاً له: (اسكت إنّ مثل هذه
الكلمات تدلّ عَلَى جنونك وإنّي أغفر لك هذه الكلمات التي لست مسئولاً عنها).
فأجابه قائلاً: (لست مجنونًا إنّ مثل هذه التُّهمة أولى بها من حكم بالقتل عَلَى من
لا يقلّ قداسة عَنْ القائم الموعود، فليس مجنونًا من يتّبع دينه ويشتاق أن يُسفك
دمه فِي طريقه). ثم أحضر الباب أمام الملاّ محمد المَمقاني، وما كاد يعرف أنّه
الباب حتّى أعطى حكم الإعدام الّذي سبق أن كتبه وسلّمه لخادمه ليعطيه للفرّاش
باشي، وصاح
قائلاً لا حاجة لإحضار السّيّد الباب أمامي، فإنّ حُكم
الإعدام كتبته بيدي منذ أوّل يوم قابلته فِي الاجتماع الذي كان تحت رياسة وليّ
العهد، فهو بكُلِّ تأكيد نفس الرّجل الذي رأيته هناك ولم يتنازل منذ ذلك الوقت
عَنْ أيّ شيء من ادّعاءاته).
ومن هناك ساروا بالباب إلى منزل الميرزا باقر بن الميرزا
أحمد الذي خلفه، ولمّا وصلوا وجدوا خادمه واقفًا عَلَى الباب ومعه فِي يده حُكم
الإعدام، وقال له لا داعي للدّخول فإنّ سيّدي قد اقتنع بالحكم الّذي أصدره والده
بالإعدام، وهو لا يقدر أن يعمل شيئًا أحسن من الموافقة عليه، واقتفى الملاّ قلي
مرتضى أثر المجتهدين الآخرين وسبق أن كتب موافقته ولم يقبل أن يقابل الباب مواجهة،
وما كاد الفرّاش باشي يحصل عَلَى الأحكام المذكورة حتّى أسلم المسجون إلى يد سام
خان وأمره أن يتقدّم للتّنفيذ حيث تحصّل عَلَى حكم السّلطات المدنية والدّينيّة
فِي المملكة.
وكان السّيّد حسين قد مكث محبوسًا فِي نفس الغرفة التي
صرف فيها اللّيلة السّابقة مع الباب، وكانوا قد رأوا وضع الميرزا محمد علي فِي نفس
الغرفة فانهمرت عيونه بالبكاء وطلب أن يبقى مع سيّده فسلّموه إلى سام خان وأمروه
أن ينفّذ فيه الحكم أيضًا إذ أصرّ عَلَى عدم ارتداده عَنْ دينه.
وكان سام خان فِي الأثناء قد تأثّر جدًّا من حُسن سلوك
المسجون ومن المعاملة التي عومل بها، وإذ خشي أن يكون عمله جالبًا لغضب الله قال
للباب: (إنّي أعتنق الدّيانة المسيحيّة ولا أحمل لك أيّ ضغينة، فإذا كان أمرك الحقّ
فمكّنّي من عدم سفك دمك وتخليص نفسي)، فقال له الباب: (اتّبع التعليمات التي
أُعطيت لك وإذا كان مقصدك صادقًا فإنّ القدير يمكّنك أن تتخلّص من اضطرابك).
وكان سام خان قد أمر أن يُدقّ مسمار فِي العمود الذي
يفصل باب الغرفة التي يشغلها السّيّد حسين عَنْ مدخل الغرفة المجاورة، وأن يُربط
حبلان فِي هذا المسمار ويُعلّق الباب وصاحبه كلّ واحد فِي حبل مفترقين، فَرَجا
الميرزا محمّد علي من سام خان أن يوضع بطريقة يكون جسمه درعًا لجسم الباب، فعُلّق
أخيرًا عَلَى هذه الكيفيّة بحيث كان رأسه عَلَى صدر سيّده وبمجرد ربطهما اصطفّ
الفيلق ثلاث صفوف، وكلّ صف عبارة عَنْ مائتين وخمسين رجلاً، وأمر كلّ صفّ أن يُطلق
الرّصاص بدوره إلى أن يتمّ إطلاق جميع رصاص الفيلق، فارتفع دخان الرّصاص من
سبعمائة وخمسين بندقيّة وامتلأ الجو بالدّخان حتى أظلمت الظّهيرة، وكان النّاس قد
اجتمعوا فِي كلّ مكان حتّى عَلَى أسقف المعسكر والمنازل المجاورة وشهد هذا الحادث
المحزن المؤثر ما يقرُب من عشرة آلاف نفس.
وما كاد الدّخان ينقشع حتى دُهش الجمهور إذ رأى لفرط تعجّبه
أنّ صاحب ورفيق الباب كان واقفًا حيًّا أمامهم ولم يُصب بأيّ ضرر، وأمّا الباب
فاختفى من أمامهم بغير أن يُصاب بأذى، ومع أنّ الحبال التي رُبطا بها تقطّعت
إرْبًا فإنّهما لم يُصابا بأي ضرر وكَانَتْ نجاتهما من المقذوفات إحدى المعجزات،
وحتّى الرّداء الّذي كان يلبسه الميرزا محمّد علي لم يُصبه أيّ ضرر ولم يتّسخ رغم
تكاثف الدّخان، وصاحت الجماهير المحتشدة بانزعاج: (إنّ السّيّد علي محمّد الباب
اختفى." وجعلوا يبحثون عنه وهم فِي ذُعر وكرب وأخيرًا وجدوه جالسًا فِي نفس
الغرفة التي كان فيها اللّيلة الماضية مشغولاً بإكمال الحديث الّذي كان يُريدُ
إكماله والإفاضة به للسّيّد حسين حينما قطعه عليهم الفرّاش باشي، وكَانَتْ تظهر
عَلَى وجهه إماراتُ الهدوء والسّكينة وكان جسمه قد بقي سليمًا من الرّصاص الذي
قذفته صفوف الفيلق، وقال الباب إذ ذاك للفرّاش باشي: (إنّ حديثي مع السّيّد حسين
قد انتهى فتقدّم الآن
وكمّل مقصدك). فتردّد الرّجل فِي تنفيذ ما سبق له
الاجتهاد فِي عمله ورفض أن يؤدّي واجبه، وفي تلك اللّحظة ترك المكان واستعفى من
عمله وأخبر بكلّ ما رآه أحد جيرانه المدعو الميرزا السّيّد محسن من أعيان تبريز الّذي
بمجرّد سماعه للرّواية آمن بالأمر.
وكان لي الحظّ أن أقابل فيما بعد الميرزا السّيّد محسن
هذا، وقد أرشدني إلى مكان استشهاد الباب ودلّني عَلَى الحائط الّذي علّق عليه،
وأخذني إلى الغرفة التي كان يتحدّث فيها مع السّيّد حسين وأراني المكان الّذي كان
جالسًا فيه، ورأيت المسمار نفسه الذي رُبِط به الحبل الّذي أوثق به بيد الأعداء.
وكان سام خان أيضًا قد صُعِقَ من حصول الحادثة عَلَى هذه
الكيفيّة ومن قوّة الأمر المُخيفة، فأمر رجاله أن يتركوا المعسكر فِي الحال وامتنع
أن يتداخل هو أو فيلقه فِي أيّ عمل يحصل منه أيّ ضرر للباب، وحلف وهو يترك السّاحة
أنّه لا يعود مرّة أخرى لهذا العمل ولو حكموا عليه بالإعدام، وما كاد سام خان
يمتنع عَنْ العمل حتى تقدّم آقا جان خان خمسه ضابط الحرس الذي يسمّى بالخمسة النّاصري
وتطوّع لتنفيذ الأمر، فعُلِّق الباب وصاحبه مرّةً أُخرى بنفس الكيفيّة السّابقة
وعلى نفس الحائط واصطفّ الفيلق صفوفًا واستعدّوا لإطلاق النّار عليهما، وعلى العكس
من المرّة الأولى التي قطّعت فيها الأحبال فقط تمزّق الجسدان إرْبًا واختلطا كُتلةً
واحدةً لحمًا وعظمًا، وكَانَتْ آخر كلمات الباب للجماهير المحتشدة حينما كان الجيش
عَلَى شفا إطلاق الرّصاص: (أيُّها الجيل الملتوي لو آمنتم بي لأصبح كلّ واحد منكم
مثل هذا الشّاب الذي هو فِي درجةٍ أعلى منكم يُضحّي بنفسه فِي سبيلي، وسيأتي اليوم
الّذي سوف تعترفون بي فيه وفي ذلك اليوم لا أكون معكم).
وفي نفس اللّحظة التي أُطلق فيها الرّصاص جاءت زوبعة
شديدة غير
عاديّة وانتشرت فِي كلّ أنحاء المدينة، وهبّت زعازع
ترابيّة كثيفة مُخيفة وحجبت نور الشّمس وحجبت عيون النّاس حتى لم ترَ شيئًا، وبقيت
المدينة فِي ظلام حالك من الظّهر إلى اللّيل، ولم يُحرِّك هذا الحادث العجيب الذي
أعقب حادثة عجز كتيبة سام خان عَنْ إيصال الضّرر بالباب قلوب أهالي تبريز ليجعلهم
ينتبهون أو يعتبرون لما شاهدوه بأعينهم من تلك المعجزة العجيبة، وما شاهدوه من التّأثير
العظيم الّذي حصل لسام خان من جرّائه وما رأوه من انصعاق الفرّاش باشي وتصميمه النّهائي
الّذي لا رجوع فيه، وكان يمكنهم أيضًا أن يفحصوا ذلك الرّداء الّذي بقي سليمًا رغم
إطلاق مئات الرّصاص عليه ولم يتلوّث بأيّ غبار وكانوا يقدرون أن يقرأوا فِي وجه
الباب الّذي خرج من هذه العاصفة سليمًا لم يصب بأقلّ ضرر ذلك الاطمئنان الكلّيّ
والهدوء والسّكينة الّتي أكمل بها حديثه مع السّيّد حسين وبالعكس من ذلك لم يعبأ
أحد منهم أن يبحث فِي دلالة كل هذه العلامات والإشارات.
وقد وقع استشهاد الباب فِي يوم الأحد ظهرًا فِي الثّامن
والعشرين من شهر شعبان سنة 1266 هجريّة. وكان عمره إذ ذاك إحدى وثلاثين سنة قمريّة
وسبعة أشهر وسبعة وعشرين يومًا من يوم ميلاده فِي شيراز.
وفي مساء اليوم نفسه كَانَتْ جُثّتا الباب وصاحبه
المختلطتان قد نُقلتا من ساحة المعسكر إلى حرف الخندق خارج باب المدينة، وكان
يحرسهما أربع فرق كلّ واحدة مكوّنة من عشرة حرّاس بالتّناوب وفي صبيحة اليوم التّالي
للاستشهاد ذهب قنصل روسيا فِي تبريز ومعه رسّام وعمل صورة لبقايا الجسدين الموجودة
فِي الخندق بوضعهما الطّبيعي.
وسمعت الحاج علي عسكر يحكي الآتي: "إنّ موظفًا فِي السّفارة
الرّوسيّة أطلعني عَلَى الصّورة فِي ذات اليوم الذي أخذت فيه، وكَانَتْ صورة حقيقيّة
للباب تمثّل هيئته تمامًا كما كنّا ننظر إليها، ولم يصب
الوجه بأيّ رصاصة ولا الجبهة ولا الخدّ ولا الشّفتان،
وشاهدت فِي وجهه ابتسامة كَانَتْ لا تزال باقية عَلَى وجهه أما جسمه فقد تقطّع
إربًا وشاهدت ذراعي ورأس صاحبه ويظهر أنّه كان يحتضنه، ولما نظرت إلى هذه الصّورة
المشوّهة ورأيت كيف أنّ هذه الملامح الشّريفة قد تغيّرت انقطع نياط قلبي داخلي من
شدّة انزعاجي، ولم أتمالك النّظر من شدة الحزن وعدت إلى منزلي وأغلقت عَلَى نفسي
باب الغرفة ومكثت ثلاثة أيام لا أشتهي الأكل ولا النّوم، وصرت مستغرقًا فِي حزني
وبلائي ومكثت أتفكّر فِي حياته القصيرة الممتلئة بالأوجاع والمتاعب والأحزان والنّفي
والّتي انتهت أخيرًا بذلك الاستشهاد المخيف الّذي تتوّج به، وكَانَتْ هذه المناظر
تتردّد فِي خيالي وأمام عينيّ إذ كُنْتَ منطرحًا عَلَى الفراش أَئِنُّ من الآلام
والأوجاع، وفي عصر اليوم التّالي بعد استشهاد الباب وصل الحاج سليمان خان بن يحيى
خان إلى باغ ميشي وهي ضاحية من ضواحي تبريز ونزل ضيفًا عَلَى كلانتر أحد أصدقائه
وموضع ثقته، وكان درويشًا متعلّقًا بالطّائفة الصّوفيّة وما كاد يعلم بالخطر
المحدق بحياة الباب حتّى ترك طهران بقصد تخليصه، ولمّا أخبره مضيفه بالأحوال
والحوادث الّتي وقعت عَلَى الباب والحكم عليه واستشهاده عزم حالاً أن يحمل الجثّتين
ولو كلّفه ذلك ضياع حياته، فنصحه الكلانتر أن ينتظر ويعمل برأيه بدلاً من تعريض
نفسه لقتل محقّق، وطلب منه أن ينقل إقامته إلى منزل آخر وينتظر هذا المساء وصول الحاج
الله يار وهو يقبل أن ينفّذ كلّ ما يطلب منه، وفي السّاعة المعيّنة حضر الحاج الله
يار وقابله الحاج سليمان خان ونجح الأوّل فِي منتصف اللّيلة نفسها فِي نقل
الجثّتين من طرف الخندق إلى معمل حرير ملك أحد أحباء ميلان، ووضعهما ثاني يوم فِي صندوق
خشبيّ عمل خصّيصًا لهذا الغرض، ثمّ نقله كطلب الحاج سليمان خان إلى محلٍّ آمن، وفي
الأثناء أشاع الحرّاس أنّ الوحوش
أكلت الجثّتين وهم نيام تبريرًا لموقفهم، وكذلك رؤساؤهم
أخفوا الحقيقة ليحافظوا عَلَى شرفهم ولم يقبلوا أن يظهروا الحقيقة لأرباب السّلطة.
وكتب الحاج سليمان خان بالموضوع إلى بهاء
الله الّذي كان إذ ذاك فِي طهران والّذي أمر آقاي كليم أن يُوفد رسولاً خاصًّا إلى
تبريز لحمل الجثّتين إلى العاصمة، وكان ذلك الأمر بناء عَلَى رغبة الباب نفسه كما
فِي زيارة شاه عبد العظيم، وهو لوح نزّل بينما كان فِي جوار ذلك الضّريح وسلّمه الباب
إلى الميرزا سليمان الكاتب الّذي أمره فيه أن يتوجّه إلى ذلك المكان مع بعض الأحبّاء
ويرتّله داخل الضريح، وخاطب الباب ذلك الصّديق المدفون هناك فِي الفقرات الأخيرة
من اللّوح بقوله: (طوبى لك بما وجدت فِي مستقرّك ومرقدك فِي الرّيّ تحت ظلال
المحبوب، فوا شوقي أن أدفن فِي هذه الأرض المقدّسة).
وكنت فِي طهران فِي صحبة الميرزا أحمد إذ وصلت الجثّتان
وكان بهاء الله فِي هذه الأثناء قد سافر إلى كربلاء حسب تعليمات الأمير نظام، وكان
آقاي كليم والميرزا أحمد قد نقلا الجثّتين من إمام زاده حسن وهو المكان الّذي
كانتا فيه إلى مكان لم يكن معلومًا لأيّ شخص غيرهما، وبقي هذا المكان مجهولاً
مختفيًا إلى أن انتقل حضرة بهاءالله إلى أدرنة وهناك أمر آقاي كليم أن يخبر منير
أحد الأحبّاء بالمحلّ الحقيقيّ الّذي فيه الجثّتان، فبحث هذا الأخير كثيرًا ولم
يجدهما وأخيرًا عثر عليهما أحد قدماء الأحبّاء وهو المدعو جمال الذي كان قد كشف له
عَنْ مكانهما المستور إذ كان بهاءالله فِي أدرنة، وهذه البقعة هي للآن مختفية وغير
معروفة للأحبّاء ولا يعلم المحلّ الّذي سوف تنتقلان إليه...
والتدبير السّيّء الذي قام به العدوّ المتوحّش للإضرار
بالباب والّذي
أخيرًا آل إلى إنهآء حياته قد جلب فِي دوره مصاعب لا
تحصى عَلَى إيران وأهلها وفي وقت قصير أفجعهم بها، فالّذي اقترفوا هذه المظالم
وقعوا فريسة للفواجع المبرحة، والذين لم يرفعوا إصبعًا واحدًا فِي الاحتجاج عَلَى الفظاعة
والقسوة وقعوا فِي إحن ومحن لم تقدر جميع موارد البلاد وقوّة ساستها أن تخفّف من
ورطتها، وهبّت عليهم زعازع المصائب حتّى اهتزّت أسس السّعادة المادّيّة، فمنذ
الوقت الذي امتدّت فيه يد الجور عَلَى الباب لتضرب أمره الضّربة القاضية توالت
عَلَى ظالميه الآفات ومحقت أرواحهم الشّريرة وجعلتهم عَلَى شفا الإفلاس العام، وانتابتهم
الطّواعين بشدّة وسحقتهم ونشرت فيهم الخراب أينما حلّت مع أنّها ما كَانَتْ فِي القديم
تعرف بينهم إلا فِي غابر الأزمان ولم تذكر فِي الأسفار إلا نادرًا، وأحسّ بضربتها
الأمير قبل الحقير وذلّ الجميع لقهرها وسطوتها، فأخذت عموم الناس فِي قبضتها ولم
تزل فاشية فيهم ولم ترفع يدها عَنْ وثاقهم، واستمرّت هذه الآفات المفاجئة تجتاح
البلد كما انتابت أرض جيلان آفة الحمّى التي ضربتها، ولم يقف الغضب الإلهيّ عَلَى الفتك
بالآدميّين بهذه الآفات بل تعدّى إلى المزارع والحيوانات وجعل النّاس يشعرون بثقل
الوطأة، فشعر بها كلّ ما يتنفّس فِي تلك الأرض المضروبة، وزادت المجاعة بحيث أصبحت
شاملة لجميع طبقاتهم وأزعجت أنظارهم بمناظر الموت البطيء المؤلم، فشربوا كأس
العذاب إلى نهايته بدون أن يشعروا باليد التي حرّكته لتعذيبهم ولا بالشّخص الذي من
أجله جاءتهم هذه النّكبات.
حتّى إن حسين خان حاكم شيراز الّذي كان أوّل من آذى
الباب وعامله معاملة قاسية تسبّب عنها فقد حياة الآلاف من الّذين كانوا تحت رعايته
والّذين غضّوا النظر عَنْ مساوئه أصابته مصائب جمّة، فاجتاح إقليمه الطّاعون الذي
خرّبها وأهلك فِي إقليم فارس الحرث والنّسل وأقفره وجعله يبابًا صفصفًا، فجعله يئنّ
من شدّة وطأته وهو يستجدي
الجيران ويستدعي منهم المساعدة فِي هذا الخطب الجلل،
وشاهد حسين خان نفسه وهو بحالة حزن عميق أنّ جميع أعماله قد ذهبت هباءً منثورًا
وأصبح منبوذًا فِي أواخر أيّامه وذهب إلى قبره مدحورًا منسيًّا من الأحباب
والأعداء عَلَى السّواء.
وأما الشّخص الثّاني الّذي قام عَلَى مقاومة الباب ووقف
فِي سبيل تقدّمه فكان الحاج ميرزا آقاسي الّذي لأغراض سافلة ولكي يحوز رضا علماء
الوقت الأدنياء حال بين الباب وبين محمّد شاه واجتهد فِي منع حصول المقابلة
بينهما، وهو الّذي أمر بنفيه المحزن إلى أحد أركان أذربايجان المحصورة وأمعن فِي إبعاده
بمراقبة كلّيّة، وهو الّذي نزل له لوح من المسجون تنبّأ له فيه بمصيره وهلاكه
وتعريضه للعار والخزي، ولم تمضِ إلا سنة ونصف عَلَى وصول الباب إلى جوار طهران حتّى
انتاب الوزير الغضب الإلهيّ ونزل من سلطانه وجبروته وطرد من عزّته والتجأ إلى ضريح
شاه عبد العظيم طريدًا من غضب الناس عليه، ومن هناك طرد منفيًّا إلى خارج حدود
وطنه انتقامًا بيد القهّار وانغمس فِي بحر من المصائب والآلام إلى أن لقي حتفه
بغاية الذّلّة والفقر المدقع.
أمّا الفرقة التي تطوّعت لإعادة رمي الباب بالرّصاص (رغم
امتناع سام خان من ذلك لما رآه فِي الحادثة من العجائب) والّتي أطلقت أخيرًا عَلَى
جسمه الرّصاص فإنّ مائتين وخمسين منهم لقوا حتفهم فِي نفس
السّنة ومعهم ضبّاطهم فِي زلزلة بينما كانوا يستريحون فِي يوم قيظ تحت ظلّ حائط
فِي طريقهم إلى أردبيل وتبريز وهم يمرحون ويلعبون حيث وقع الحائط عليهم فجأة ولم
تترك فيهم أحدًا حيًّا،
أما الخمسمائة الباقون فقد لقوا حتفهم بنفس الطّريقة التي اتّبعوها مع الباب، فإنّهم
بعد استشهاد الباب بثلاث سنوات ثاروا وضربوا جميعًا بالرصاص بأمر من الميرزا صادق
خان النّوري، ولم يكتفِ بالطّلقة الأولى بل أمر بإطلاق
طلقة أخرى حتى يضمن أن لا يبقى منهم بقيّة ومزّقت
بعد ذلك أجسادهم بالحراب والسّنان وتركت معرّضة لنظر أهالي تبريز، وفي ذلك اليوم
تعجّب أهالي المدينة من أن يكون نصيب الذين قتلوا الباب نفس ما عملوه فيه وكانوا
يتساءلون قائلين: (هل يمكن أن يكون الانتقام الإلهيّ هو الّذي أودى بحياة الفرقة بأكملها
وأطاح بهم إلى هذه النّهاية المفجعة أو أنّ ذلك قد حصل بطريق الصّدفة؟ فإذا كان
هذا الشّاب كاذبًا فلماذا انتقم الله من قاتليه انتقامًا شديدًا). وقد وصلت هذه
الأقاويل المريبة إلى آذان وأسماع المجتهدين الذين أخذ الخوف منهم كلّ مأخذ،
وأمروا أن كلّ من يكون عنده هذه الهواجس يعاقب مشدّدًا، فكان البعض يضربون
والآخرون يغرمون والجميع يحذرون أن يمتنعوا من الهمس بهذه الأقوال الّتي تحيي ذكرى
خصم لدود وتعيد اشتعال الحماس لأمره.
أما
رئيس الوزراء الأمير نظام الّذي دبّر استشهاد الباب وأخوه الوزير نظام شريكه فِي الجريمة
فوقع عليهما فِي ظرف سنتين عقاب صارم انتهى بموتهما أشنع ميتة، وتلطّخ حائط حمام
فين بدم الأمير نظام وإلى اليوم يشاهد ذلك دليلاً عَلَى المظالم التي كَانَتْ يده
تقترفها.
الفصل الخامس
عيد الرضوان
صفحة خالية
مقتطفات من الكتاب الأقدس
"قَد
انْغَمَسَتِ الأَشْياءُ فِي بَحْرِ الطَّهَارَةِ فِي أَوَّلِ الرِّضوان إِذْ
تَجَلَّينَا عَلَى مَنْ فِي الإمْكان بِأَسْمَائِنا الحُسْنَى وَصِفَاتِنا
العُلْيا،هَذَا مِنْ فَضْلِي الَّذِي أَحَاطَ العَالَمِينَ، لتُعاشِرُوا مَعَ الأديان
وتبلّغوا أَمْرَ رَبِّكُم الرِّحْمَنِ هَذَا لإِكْلِيلُ الأعْمَالِ لَوْ أَنْتُم
مِنَ العَارِفِيْنَ".
"قُلْ
إِنَّ العِيدَ الأَعْظَمَ لَسُلْطَانُ الأَعْيَادِ اذْكُرُوا يا قَومِ نِعْمَةَ
الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُم رُقُدَآءَ أَيْقَظَكُمْ مِنْ نَسَمَاتِ الوَحِي
وَعَرَّفَكُمْ سَبِيَلَه الوَاضِحَ المُسْتَقِيمَ".
"هَذَا
يَومٌ فِيهِ فَازَ الكَلِيمُ بِأَنْوَارِ الَقِديِم وَشَرِبَ زُلالَ الوِصالِ مِنْ
هَذَا القَدَحِ الَّذِي بهِ سُجِّرَتِ البُحُورُ، قُلْ تاَللهِ الحَقِّ إِنَّ
الطُّورَ يَطُوفُ حَولَ مَطْلَعِ الظُّهُورِ، وَالرُّوحَ يُنادِي مِنَ المَلَكُوتِ
هَلُمُّوا وَتَعَالُوا يا أَبناءَ الغُرُورِ،هَذَا يَومٌ فِيهِ سَرُعَ كَوْمُ
اللهِ شَوْقًا لِلِقَائِهِ وَصَاحَ الصَّهْيُونُ قَدْ أَتى الوَعْدُ وَظَهَرَ مَا
هُوَ المَكْتُوبُ فِي أَلْواحِ اللهِ المُتَعَالِي العَزِيزِ المَحْبُوبِ".
هَذَا مَدِينَةُ الصَّبْرِ فَاجْهَدُوا أَنْ تَدخُلُوا
فِيْهَا يَا مَلأ الصَّابِرِينَ
هُوَ
بِسْمِهِ العَلِيِّ الأعْلَى
ذَكَرَ
اللهُ فِي مَدِينَةِ الصَّبْرِ عَبْدَهُ أَيُّوبًا إِذْ آوَيْنَاهُ فِي ظِلِّ
شَجَرَةِ القُدْسِ فِي فُؤَادِهِ وَأَشْهَدْنَاهُ نَارَ الَّتِي تُوقَدُ وَتُضِيءُ
فِي سِرِّهِ وَتَجَلَّيْنَا لَهُ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَنَادَيْنَاهُ فِي
بُقْعَةِ اللهِ الَّتِي بُورِكَ حَوْلُهَا بِأَنَّهُ هُوَ اللهُ رَبُّكَ وَرَبُّ
كُلِّ شَيْءٍ وَكَذَلِكَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لَمُقْتَدِرًا قَيُّومًا،
فَلَمَّا أَضَاءَ وَجْهُهُ مِنَ النَّارِ المُشْتَعِلَةِ فِيْهِ أَقْمَصْنَاهُ
قَمِيْصَ النُّبُوَّةِ وَأَمَرْنَاهُ بِأَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ إلَى عَيْنِ
الجُودِ وَالفَضْلِ وَيَدْعُوهُمْ إلَى شَاطِىءِ قُدْسٍ مَحْبُوبًا، وَمَكّنَّاهُ
فِي الأَرْضِ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِ أَمْطَارَ الْجُودِ وَجَعَلْنَاهُ غَنِيًّا
عَلَى مَنْ عَلَى الأَرْضِ مَجْمُوعًا، وَأَتَيْنَاهُ سِعَةً مِنَ المَالِ
وَجَعَلْنَاهُ فِي المُلْكِ غَنِيًّا، وَرَزَقْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قِسْمَةً
وَأشْدَدْنَا عَضُدَاهُ بِعُصْبَةٍ مِنَ القُدْرَةِ وَوَهَبْنَاهُ أَبْنَاءَ مِنْ
صُلْبِهِ وَمَكَّنَّاهُ فِي الأَرْضِ مَقَامًا رَفِيْعًا، وَكَانَ فِي قَوْمِهِ
سِنِينَ مُتَوَالِيَاتٍ وَيَعِظُهُمْ بِمَا عَلَّمْنَاهُ مِنْ جَوَاهِرِ عِلْمٍ
مَكْنُونًا وَيُذَكِّرُهُمْ بِأَيّامٍ كَانَتْ بِالْحَقِّ مَأْتِيًّا، قَال يَا
قَوْمِ قَدْ تَمَوَّجَتْ أَبْحُرُ العِلْمِ فِي نَفْسِ اللهِ القَائِمَةِ
بِالعَدْلِ فَأَسْرِعُوا إلَيْهَا لَعَلَّ تَجِدُونَ إلَيْهَا سَبيلاً، وَقَدْ
أَشْرَقَتْ شَمْسُ العِنَايَةِ بِالْحَقِّ وَكَانَتْ حِينَئِذٍ فِي قُطْبِ
الزَّوَالِ مَوْقُوفًا، وَقَدْ لاحَ جَمَالُ الوَجْهِ عَنْ خَلْفِ سُرَادِقَاتِ
القُدْسِ فاحْضُرُوا بَيْنَ يَدَيْهِ لَعَلَّ يَسْتَشْرِقُ عَلَيْكُمْ مِنْ
أَنْوَارِ قُدْسٍ مَحْبُوبًا، وَقَدِ ارْتَفَعَتْ سَمَوَاتُ العَظَمَةِ
وَزُيِّنَتْ بِأَنْجُمِ العِلْمِ وَالحِكْمَةِ وَكَذَلِكَ كَانَ الأمْرُ عَنْ
أُفُقِ القُدْسِ مَطْلُوعًا، وَيَا قَوْمِ قَدْ جَاءَتْكُمْ مِنْ قَبْلِي
رُسُلٌ بِرِسَالاتِ اللهِ وَبَلَّغُوكُمْ مَا يُقَلِّبُكُمْ
إِلَى شَاطِئِ عِزٍّ مَرْفُوعًا، وَأَتَتِ السَّاعَاتُ بِالْحَقِّ وَأَشْرَقَتِ
الأَنْوَارُ بِالْعَدْلِ وَغَنَّتْ دِيْكُ البَقَآءِ وَرَنَّتْ حَمَامَةُ الأَمْرِ
وَارْتَفَعَتْ سَحَابُ النُّورِ وفَاضَتْ أَبْحُرُ الْفَضْلِ وَأَنْتُمْ يَا مَلأَ
الأَرْضِ قَدْ كُنْتُمْ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ مَحْرُومًا، اتَّقُوا اللهَ وَلا
تُفْسِدُوا فِي أَرْضِ حِكْمَةِ اللهِ ثُمَّ أَصْغُوا كَلِمَةَ الَّتِي كَانَتْ مِنْ
سَمَآءِ القُرْبِ مَنْزُولاً، وَكَذَلِكَ كُنَّا نَاصِحَ العِبَادِ بِلِسَانِ
الرُّسُلِ مِنْ أَوَّلِ الَّذِي لا أَوَّلَ لَهُ إلَى آخِرِ الَّذِي لا آخِرِ لَهُ
وَكُلٌّ أَعْرَضُوا عَنْ نُصْحِ اللهِ وَكَانُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ مَنْكُوصًا،
إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ سَبَقَتْهُمُ الْعِنَايَةُ مِنْ لَدُنَّا وَسَمِعُوا ِندآءَ
اللهُ عَنْ وَرَآءِ حُجُبَاتِ عِزٍّ مَكْنُونًا، وَأَجَابُوا دَاعِيَ اللهِ بِسِرِّهِمْ
وَعَلانِيَتِهِمْ وَاسْتَجْذَبُوا مِنْ نَغَماتِ جَذْبٍ مَحْبُوبًا، أُولئِكَ بَلَغُوا
إِلَى مَوَاقِعِ الهِدَايَةِ وَعَلَيْهَمْ صَلَواتُ اللهِ وَرَحْمَتُهُ وَأَعْطاهُمُ
اللهُ ما لا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ وَبَلَّغَهُمْ إِلَى مَقَامِ الَّذِي كَانَ عَنْ أَعْيُنِ
الخَلايِقِ مَسْتُورًا، فَسَوْفَ يَظْهَرُ اللهُ بِأَمْرِهِ وَيَفْصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ
وَالبَاطِلِ وَيَرْفَعُ أَعْلامَ الهِدَايَةِ وَيَهْدِمُ آثَارَ المُشْرِكينَ مَجْمُوعًا،
وَيَرِثُ الأَرْضَ عِبَادُهُ الَّذِينَ هُمُ انْقَطَعُوا إِلَى اللهِ وَمَا شَرِبُوا
حُبَّ العِجْلِ فِي قُلُوبِهِمْ وَأَعْرَضُوا عَنِ الَّذِينَ هُمْ كَفَرُوا وَأَشْرَكُوا
بَعْدَما جَائَتْهُمُ البَيِّناتُ مِنْ كُلِّ الجِهَاتِ وَكَذَلِكَ كَانَ
الْحُكْمُ مِنْ إِصْبَعِ العِزِّ عَلَى أَلْواحِ النُّورِ مَرْقُومًا، فَاذْكُرْ عَبْدَنا
أَيُّوبَ حِينَ الَّذِي ظَهَرَ بِأَعْلامِ الغَنَآءِ فِي المُلْكِ حَسَدُوا عَلَيْهِ
قَوْمُهُ وَكانُوا يَغْتَبُوا فِي مَجَالِسِهِمْ وَكَذلِكَ كَانَ أَعْمَالُهُمْ فِي
صَحَائِفِ السِّرِّ مَحْفُوظًا، وَظَنُّوا بِأَنَّهُ يَدْعُو اللهَ بِمَا أَتَاهُ
مِنْ زَخَارِفِ الدُّنْيا بَعْدَ الَّذِي كَانَ مُقَدَّسًا عَنْ ظُنُونِهِمْ وَإِيقَانِهِمْ
وَعَنْ كُلِّ مَنْ فِي المُلْكِ مَجْمُوعًا، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نُظْهِرَ آثَارَ
الحَقِّ فِي انْقِطاعِهِ وَتَوَكُّلِهِ عَلَى اللهِ
أَنْزَلْنَا عَلَيْهِ البَلايَا مِنْ كُلِّ الجِهَاتِ وَفَتَنَّاهُ
فُتُونًا، وَأَخَذْنا عَنْهُ أَبْنَاءَهُ وَقَطَعْنَا عَنْهُ عَطِيَّةَ الَّتِي أَعْطَيْنَاهُ
بِالحَقِّ وَأَخَذْنَا عَنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ شَيْئًا مَعْرُوفًا، وَمَا قُضِيَ
مِنْ يَوْمٍ إِلاَّ وَقَدْ نُزِّلَ عَلَيْهِ مِنْ شَطْرِ القَضَاءِ مَا سُطِرَ مِنْ
قَلَمِ الإِمْضَاءِ وَأَخَذَتْهُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ بِمَا قُدِّرَ مِنْ لَدُنْ
مُقْتَدِرٍ قَيُّومًا، ثُمَّ احْتَرَقْنَا مَا حَصَدَ عَنْ مَزَارِعِهِ بِأَيْدِي
مِلائِكَةِ الأَمْرِ وَجَعَلْنَا كُلَّهَا هَبَاءً مَعْدُومًا، فَلَمَّا قَدَّسْنَاهُ
عَنْ زَخَارِفِ المُلْكِ وَنَزَّهْنَاهُ عَنْ أَوْساخِ الأَرْضِ وَطَهَّرْنَاهُ عَنْ
كُلِّ شُئُونَاتِ المِلْكِيَّةِ نَفَخْنَا فِي جِلْدِهِ مِنْ مَلائِكَةِ القَهْرِ
رِيحًا سَمُومًا، وَضَعُفَ بِذلِكَ جَسَدُهُ وَتَبَلْبَلَ جِسْمُهُ وَتَزَلْزَلَتْ
أَرْكَانُهُ بِحَيْثُ مَا بَقِيَ مِنْ جِسْمِهِ أَقَلُّ مِنْ دِرْهَمٍ إِلاَّ وَقَدْ
جُعِلَ مَجْرُوحًا، وَهُوَ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَزْدَادُ فِي شُكْرِهِ وَكَانَ يَصْبِرُ
فِي كُلِّ حِينٍ وَمَا جَزَعَ فِيمَا وَرَدَ عَلَيْهِ وَكَذلِكَ أَحْصَيْنَاهُ مُتَوَكِّلاً
وَشَاكِرًا وَصَبُورًا، وَأَخْرَجُوهُ قَوْمُهُ عَنْ قَرْيَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا
وَمَا اسْتَحْيُوا عَنِ اللهِ بَارِئِهِمْ وَآذُوهُ بِمَا كَانُوا مُقْتَدِرًا عَلَيْهِ
وَوَجَدْنَاهُ فِي الأَرْضِ مَظْلُومًا، وَسُدَّ عَلَى وَجْهِهِ أَبْوابُ الغَنَآءِ
وَفُتِحَ أَبْوابُ الفَقْرِ إِلَى أَنْ مَضَى عَلَيْهِ أَيَّامٌ وَمَا وَجَدَ شَيْئًا
لِيَسُدَّ بِهِ جُوعَهُ وَكَذلِكَ كَانَ الأَمْرُ عَلَيْهِ مَقْضِيًّا، وَمَا بَقِيَ
لَهُ لا مِنْ أَنِيسٍ وَلا مِنْ مُؤْنِسٍ وَلا مِنْ مُصَاحِبٍ وَجُعِلَ فِي المُلْكِ
فَرِيدًا إِلاَّ زَوْجَتُهُ الَّتِي آمَنَتْ بِرَبِّهَا وَكَانَتْ تَخْدِمُهُ فِي
بَلائِهِ وَجَعَلْنَاها لَهُ فِي الأُمُورِ سَبِيلاً، فَلَمَّا وَجَدَتْهُ مُصَاحِبَتُهُ
عَلَى تِلْكَ الحَالَةِ الشَّدِيدَةِ ذَهَبَتْ إِلَى قَوْمِهِ وَطَلَبَتْ مِنْهُمْ
رَغِيفًا وَمَا كَانُوا أَنْ يُؤْتُوهَا هَيَاكِلُ الظُّلْمَ وَكَذلِكَ أَحْصَيْنَا
كُلَّ شَيْءٍ فِي كِتابٍ مُبِينًا، فَلَمَّا اضْطُرَّتْ فِي أَمْرِهَا دَخَلَتْ إِلَى
الَّتِي كَانَتْ أَشَرَّ نِسَآءِ الأَرْضِ وَأَبَتْ أَنْ تُعْطِيها رَغِيفًا إِلَى
أَنْ أَخَذَتْ مِنْهَا مَا أَرَادَتْ فَوَاللهِ
يَسْتَحِي القَلَمُ عَنْ ذِكْرِهِ وَكَانَ اللهُ عَلَى أَعْمالِهِمْ
شَهِيدًا، وَجَاءَتْ إِلَى العَبْدِ بِرَغِيفٍ وَلَمَّا الْتَفَتَ إِلَيْهَا وَجَدَ
شَعَرَاتِهَا مَقْطُوعَةً، إِذًا صَرَخَ فِي سِرِّهِ وَبِذلِكَ أَصْرَخَتِ السَّمواتُ
وَالأَرْضُ وَقَالَ يَا أَمَةَ اللهِ قَدْأَجِدُ مِنْكِ أَمْرًا كَانَ عَلَى الحَقِّ
مَمْنُوعًا، لِمَ قَطَعْتِ شَعَرَاتِكِ الَّتِي جَعَلَها اللهُ زِينةَ جَمَالِكِ قَالَتْ
يَا أَيُّوبُ كُلَّما طَلَبْتُ مِنْ قَوْمِكَ رَغِيفًا لأَجْلِكَ فَأَبَوا كُلُّهُمْ
إِلَى أَنْ دَخَلْتُ فِي بَيْتِ أَمَةٍ مِنْ إِمَاءِ اللهِ وَسَئَلْتُها بِرَغِيفٍ
مَنَعَتْ عَنِّي إِلَى أَنْ أَخَذَتْ شَعَرَاتِي وَأَعْطَتْنِي هذَا الرَّغِيفَ الَّذِي
حَضَرْتُهُ بَيْنَ يَدَيْكَ وَبِذلِكَ بَغَتْ عَلَى اللهِ وَاسْتَكْبَرَتْ عَلَيْهِ
وَكَذلِكَ كَانَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَها مَقْضِيًّا، يَا أَيُّوبُ فَاعْفُ عَنِّي
وَلا تَأْخُذْنِي بِذَنْبِي لأَنِّي كُنْتُ مُضْطَرًّا فِي أَمْرِكَ فَارْحَمْ لِي
وَتُبْ عَلَيَّ وَإِنَّكَ كُنْتَ عَطُوفًا غَفُورًا، وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ مَا قُضِيَ
وَحَزِنَ بِشَأْنٍ كَادَتِ السَّمواتُ أَنْ يَتَفَطَّرْنَ وَتَنْشَقُّ أَرْضُ الْحِلْمِ
وَيَنْدَكُّ جَبَلُ الصَّبْرِ إِذًا وَضَعَ وَجْهَهُ عَلَى التُّرابِ وَقَالَ ربِّ
قَدْ مَسَّنِي الضُّرُّ مِنْ كُلِّ الجِهاتِ وَإِنَّكَ أَنْتَ الَّذِي سَبَقَتْ رَحْمَتُكَ
كُلَّ شَيْءٍ، فَارْحَمْنِي بِجُودِكَ وَجُدْ عَلَيَّ بِفَضْلِكَ وَإِنَّكَ كُنْتَ
بِعِبادِكَ رَحِيمًا، فَلَمَّا سَمِعْنَا نِدَآئَهُ أَجْرَيْنَا تَحْتَ رِجْلِهِ
الْيُمْنَى عَيْنَ عَذْبٍ سَائِغٍ مَفْرُوتًا وَأَمَرْنَاهُ بِأَنْ يَغْمِسَ فِيهَا
وَيَشْرَبَ مِنْهَا فَلَمَّا شَرِبَ طَابَ عَنْ كُلِّ الأَمْرَاضِ وَكَانَ عَلَى أَحْسَنِ
الْخَلْقِ مَشْهُودًا وَرَجَّعْنَا إِلَيْهِ كُلَّمَا أَخَذْنَا عَنْهُ وَفَوْقَ
ذلِكَ بِحَيْثُ أَمْطَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ جَبَرُوتِ الغَنَآءِ مَا أَغْنَاهُ عَنْ
كُلِّ مَنْ عَلَى الأَرْضِ جَمِيعًا، وَقَرَرْنَا عَيْنَاهُ بِأَهْلِهِ وَوَفَّيْنَا
لَهُ مَا وَعَدْنَا الصَّابِرِينَ فِي أَلْوَاحِ قُدْسٍ مَحْفُوظًا، وَأَصْلَحْنَا
لَهُ الأُمُورَ كُلَّهَا وَأَيَّدْنُاهُ بِعَضُدِ الأَمْرِ الَّذِي كَانَ بِالْحَقِّ
قَوِيًّا، وَأَرْفَعْنَا بِهِ الخَاضِعِينَ وَأَهْلَكْنَا الَّذِينَ هُمُ اسْتَكْبَرُوا
عَلَى اللهِ وَكَانُوا فِي الأَرْضِ
شَقِيًّا، وَكَذلِكَ نَفْعَلُ مَا نَشَآءُ بِأَمْرِنَا وَنُوَفِّي
أُجُورَ الصَّابِرِينَ وَنُعْطِيهِمْ مِنْ خَزَائِنِ القُدْسِ جَزَآءً مَوْفُورًا،
أَنْ يِا مَلأَ الأَرْضِ فَاصْبِرُوا فِي اللهِ وَلا تَحْزَنُوا عَمَّا يَرِدُ عَلَيْكُمْ
فِي أَيَّامِ الرُّوحِ فَسَوْفَ تَشْهَدُونَ جَزَآءَ الصَّابِرِينَ فِي رِضْوَانِ
قُدْسٍ مَمْنُوعًا، وَقَدْ خَلَقَ اللهُ جَنَّةً فِي رَفَارِفِ الْبَقَآءِ وَسَمَّاهَا
بِالصَّبْرِ إِلَى يَوْمَئِذٍ كَانَتْ اسْمُهَا فِي كَنَائِزِ العِصْمَةِ مَخْزُونًا،
وَفِيهِ قُدِّرَ مَا لا قُدِّرَ فِي كُلِّ الْجِنَانِ وَقَدْ كَشَفْنَا حِينَئِذٍ
قِنَاعَهَا وِأَذْكَرْنَاها لَكُمْ رَحْمَةً مِنْ لَدُنَّا عَلَى الْعَالَمِينَ جَمِيعًا،
وَفِيهِ أنْهَارٌ مِنْ ظُلْمِ عِنَايَةِ اللهِ وَحَرَّمَهَا اللهُ إِلاَّ عِنِ الَّذِينَ
هُمْ صَبَرُوا فِي الشَّدَائِدِ ابْتِغَآءً لِوَجْهِ اللهِ الَّذِي كَانَ بِالحّقِّ
مَحْمُودًا، وَلَنْ يَدْخُلَ فِيهَا إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ مَا غَيَّرُوا نِعْمَةَ
اللهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَدَخَلُوا فِي ظِلِّ شَجَرَةِ الرُّوحِ وَمَا خَافُوا مِنْ
أَحَدٍ وَكَانُوا بِجَنَاحَيْنِ الْعِزَّ فِي هَوَآءِ الصَّبْرِ مَطْيُورًا، وَصَبَرُوا
فِي الْبَلايَا وَكُلَّمَا ازْدَادَ الضَّرَّآءُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ زَادُوا فِي حُبِّهِمْ
مَوْلاهُمْ وَأَقْبَلُوا بِكُلِّهِمْ إِلَى جِهَةِ قُدْسٍ عَلِيًّا، وَاشْتَدَّتْ
غَلَبَاتُ الشَّوْقِ فِي صُدُورِهِمْ وَزَادَتْ نَفَحَاتُ الذَّوْقِ فِي أَنْفُسِهِمْ
إِلَى أَنْ فَدَوْا أَنْفُسَهُمْ وَبَذَلُوا أَمْوالَهُمْ وَأَنْفَقُوا كُلَّمَا أَعْطَاهُمُ
اللهُ بِفَضْلِهِ وَجُودِهِ، وَفِي جَمِيعِ تِلْكَ الحَالاتِ الشَّدِيدَةِ كَانُوا
شَاكِرًا رَبَّهُمْ وَمَا تَوَسَّلُوا إِلَى أَحَدٍ وَكَتَبَ اللهُ أَسْمَائَهُمْ
مِنَ الصَّابِرِينَ فِي أَلْواحِ قُدْسٍ مَحْتُومًا، فَهَنِيئًا لِمَنْ تَرَدَّى بِرِدَآءِ
الصَّبْرِ وَالاصْطِبارِ وَمَا تَغَيَّرَ مِنَ الْبَأْسَآءِ وَمَا زَلَّتْ قَدَمَاهُ
عِنْدَ هُبُوبِ أَرْيَاحِ القَهْرِ وَكَانَ مِنْ رَبِّهِ فِي كُلِّ حِينٍ رَاضِيًا
وَفِي كُلِّ آنٍ مُتَوَكِّلاً، فَوَاللهِ سَوْفَ يُظْهِرُهُ اللهُ فِي قِبَابِ الْعَظَمَةِ
بِقَمِيصِ الدُّرِّيِّ الَّذِي يَتَلأْلأُ كَتَلأْلُؤِ النُّورِ عَنْ أُفُقِ الرُّوحِ
بِحَيْثُ يُخْطَفُ الأَبْصَارُ عَنْ مُلاحَظَتِهِ، وَعَلَى فَوْقِ رَأْسِهِ يُنَادِي
مُنَادِي اللهِ هذَا لَهُوَ الَّذِي صَبَرَ فِي
اللهِ فِي الحَيَوةِ البَاطِلَةِ عَنْ كُلِّ مَا فَعَلُوا بِهِ المُشْرِكُونَ وَيَتَبَرَّكَ بِهِ أَهْلُ مَلإِ الأَعْلَى وَيَشْتَاقُ لِقَائَهُ أَهْلُ الغُرُفاتِ وَأَعْيُنُ القَاصِرُاتِ فِي سُرَادِقِ قُدْسٍ جَمِيلاً وَأَنْتُمْ يَا مَلأَ البَيَانِ فَاصْبِرُوا فِي أَيَّامِ الفَانِيَةِ وَلا تَجْزَعُوا عَمَّا فَاتَ عَنْكُمْ مِنْ زَخَارِفِ الدَّنِيَّةِ وَلا تَفْزَعُوا عَنْ شَدَائِدِ الأُمُورِ الَّتِي كَانَتْ فِي صَحَائِفِ القُدْرَةِ مَقْدُورًا، ثُمَّ اعْلَمُوا بِأَنْ قُدِّرَ لِكُلِّ الْحَسَنَاتِ فِي الْكِتَابِ جَزَآءً مَحْدُودًا إِلاَّ الصَّبْرَ وَهَذَا مَا قُضِيَ حُكْمُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُول الله مِنْ قَبْلُ وَإِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَكَذلِكَ نَزَّلَ رُوحُ الأَمِينِ عَلَى قَلْبِ مُحَمَّدٍ عَرَبِيًّا، وَكَذَلِكَ نُزِّلَ فِي كُلِّ الأَلْوَاحِ مَا قُدِّرَ لِلصَّابِرينَ فِي كُتُبِ عِزٍّ بَدِيعًا، ثُمَّ اعْلَمُوا بِأَنَّ اللهَ جَعَلَ الصَّبْرَ قَمِيصُ المُرْسَلِينَ بِحَيْثُ مَا بُعِثَ مِنْ نَبِيٍّ وَلا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ وَقَدْ زَيَّنَ اللهُ هَيْكَلَهُ بِرِدَآءِ الصَّبْرِ لِيَصْبِرَ فِي أَمْرِ اللهِ وَبِذَلِكَ أَخَذَ اللهُ العَهْدَ عَنْ كُلِّ نَبِيٍّ مَرْسُولاً، وَيَنْبَغِي لِلصَّابِرِ فِي أَوَّلِ