عبد البهاء والبهائية
صفحة خالية


[صورة]

الطيب الذكر السيد عباس أفندي عبد البهاء
كلمة المؤلف

تهافت الفهماء على مذهب البهاء

 

 

     أنْ تدبّ إلى اعتقادك وسوسة الشيطان، فينثني منك العقل للغفلة، مطمئناً إلى الوهم، متمشّياً مع فساد التصوّر من حيث وجود الخالق العظيم وصنعه الدقيق المتقن الذي منه هذا الكون ما لا يخرج الإنسان عن كونه إحدى ذرّاته جحود للحقيقة وجهل بمنشئها وزيغ عن معرفة أصلها القديم من هو الحقّ الواحد تعالى سبحانه.

     لهذا يسؤنا كثيراً أنْ نرى بعض الذين يدّعون العلم أو ينتسبون إليه يرتكبون في بحثهم أو في نظرهم متن الشطط، حتّى لنرى ذاك البعض يفاخر في المجلس بإشهار مظاهر الجحود زاعماً أنّه فضل الباحث المستقصي وجهد المفكّر المكدّ وثمار اليقين بعد التّحري والإمعان ولو أدرك أنّه في رأيه قاصر وفي علمه صغير وأنّ الأمر قد تشابه عليه دون أنْ يفطن لذلك لصان نفسه عن الوقوع في هذا الخطل المؤدّي بصاحبه إلى فقدان الحياتين معاً الدنيا والآخرة.

     من المسألة ما يقف عنده العقل الراجح مواجهاً الحقيقة لمجرّد نظرة صائبة في هذا الكون وما اشتمل عليه من أسرار فإذا كانت الصنعة تدلّ على الصانع فهل يجوز لدى غير الباطل الممقوت أنّ العالم خُلق من ذاته بغير موجد له؟ وطالما رأينا عالماً أو فيلسوفاً قد طار به التخبّط على أجنحة الإلحاد زمناً ما حائراً مضّطرباً متعثّراً زالاً ساقطاً حتّى عاد في النهاية إلى الحقيقة وبلغ من أمر أخذه بها وتقديسه إيّاه أنْ تصوّف زاهداً في هذا العالم مفضياً إلى الحقّ يلاقيه بشدّة اليقين في الختام.

     كلّنا يعلم من هو (ڤولتير). كان ڤولتير فيلسوفاً طائر اصّيت بل كادت تصل به الحال من عقائد الفرنسيين إلى المعبود البشري. قضى هذا الفيلسوف جلّ حياته


في البحث في الأديان. إنّه لم يظفر من بحثه وتنقيبه في النهاية بغير الإلحاد. لكن في مؤلفه الأخير أو ما قبله قال بالنّص ما معناه: "إنّه وإنْ لم يكن هناك إله إلاّ أنّه يجب افتراض وجود إله لاستقامة العالم". فكأنّ ڤولتير بعد مؤلفاته العديدة ومباحثه الطويلة العويصة وإنفاق نفيس العمر على البحث الدّيني قد عاد على إلحاده إلى الاعتراف بأنّ العالم لا يستقيم ولا ينتظم إلاّ بموجِد. وأمّا قوله بوجوب (افتراض) وجود إله فهو تخبّط يدلّ على أنّ ذاك الفيلسوف أمسى من الاعتقاد رغم إلحاده بمنزل محفوف في ذات نفسه بالشبهات والشكوك. فلمّا أراد الخروج من هذا المأزق لم يوفّق لأنْ يبصر برؤية الشمس التي تلسعه حرارتها فنطق بكلمته السابقة في باب الاعتراف، ولكن مع شيء ظاهر من مكابرة العاجز وقد فاته دون أنْ يشعر وهو في غيبوبة البحث أنّ ما أرغم عليه من اعترافه الأخير قد أتى على سائر مؤلفاته في الإنكار فضلاً عن كونه قد تركه والطفل من العقل في مستوى واحد، فما كان أغنى ڤولتير عن ذاك التكلّف الذي حرمه صحّة الاعتقاد وسلامة اليقين وإنْ كان قد دلّ من جهة أخرى أنّ ما جازف بحملته تلك في اعتقاده إلاّ بقوّة عزيزة موجدة لا يستقيم العالم بدونها هي التي أنطقته رغم أنف إلحاده بذلك التصريح الرهيب ما تركه بين أيدي التاريخ الديني باحثاًَ صغيراً عقيماً وهكذا يسعد الإنسان ويشقى بعقله والعاقبة للمتّقين.

     لمّا أراد البابا تتويج ناپليون الكبير في أثناء مهرجانه عزّ على هذا وهو صاحب العظموت والجبروت والبطش في ذاك العهد أنْ يُتوّج بيد غيره فما كان منه إلاّ أنْ نزع التاج من يد البابا ووضعه بيده على رأس الملكة زوجته. ثمّ بعد ذلك بنحو شهر من الزمان أمر أنْ يؤتى بذات البابا ويلقى في السجن لأنّ ناپليون كاسر الجبابرة في ذاك العهد ما كان ليرى وراء عزّته الإمبراطورية عزّة أخرى حتّى ولا مجرّد كلمة للبابا أو سواه فكان محض غضبه لعزّته مثيراًَ لحقده على البابا بهذا المقدار.

     لكنّه في ساعة احتضاره نظر وهو يردّد النفس الأخير فرأى بروح الحقّ عظمة قوة سماويّة رهيبة تتمثّل لدى عينيه، فرأى المشهد وتولاّه الفزع فنادى دون صرخة


الموت بمن حوله أنْ يأتوا له بقسّيس يعترف لديه بخطاياه فتأمّل!

     إنّ الأديان غذاء أرواح البشر، وما جاء بينها من بعض التفريق لا يؤثّر في أنّ وجودها ما كان إلاّ للفضيلة وما ينطوي تحتها من الإرشاد والهداية وما يدخل فيهما من مطالب الإنسانية الّتي منها العدل والرحمة والإخاء والمساواة والتسامح والعطف والتضامن في السرّاء والضرّاء وغير ذلك ممّا تصبح معه الجمعية البشرية في مستوى واحد من الرفاه والطمأنينة والسلام.

     وما فتئ باب الاجتهاد مفتوحاً للعقل المفكّر والنّفس الرحيمة فإنّ الفضيلة في هذا العالم لا تعدم من أنصارها في كلّ زمان ومكان حماة لها وأغياراً يجاهدون في سبيلها وإعزاز مكانها وهو ما أعدّ له الله رجاله العاملين المخلصين فنقول:

     بمنزل من جبل الكرمل (جبل بيت الرب) بمدينة حيفاء يوجد قبر عظيم يضمّ بين جوانبه نوراً فياضاً على الوجود هو روح ميرزا علي محمد الملقّب بالباب المبشّر بحضرة بهاءالله، وقد استقرّ إلى جانب ضريحه حضرة عبدالبهاء عباس، الخليفة الوحيد لحضرة بهاءالله ناشر التعاليم البهائية ومؤيدها تلك الروح العظيمة القدسية سارت بمذهبها على الآفاق سير الشمس يحسّها الأعمى فدخل مذهب الفضيلة هذا على عقول أهل المعمور وقلوبهم في المشرق والمغرب بغير استئذان حتّى امتزج بالأرواح على الطهر فوق امتزاج الماء بالراح فانتشر نوره وعمّت شمسه ولا يزال تابعوه يتكاثرون بنسبة مدهشة إذ أنّ جوهر الفضيلة مكوّن على التحقيق مع الإمعان من أصوله التي وضعها مع التوجّه القلبي والفيض الروحاني مؤسّسه الأعظم البهاء ومؤيّده من بعده عبدالبهاء.

     وهذا المذهب الذي أقبلت عليه الأرواح ترتشف من ينبوعه العذب في القارتين القديمة والحديثة بلا استثناء قد عنيت بأنْ أضع بشأنه هذا المؤلَّف بعد غاية التنقيب والاستقصاء معتمداً في ذلك على ما أحطت به من شيء كثير من جهة ما كان لرحلة خليفة البهاء في عواصم أوروپا وأميركا وما يتبع ذلك من خطبه النفيسة الرائعة وتعاليمه الخالدة التي كان يدعو فيها إلى مذهبه بالأدلّة السماوية الناصعة


القاطعة من توحيد الأديان وتوحيد الحكومات وتوحيد اللغة.

     وهنا كانت دعوة البهاء تصادف مزيد القبول وتلقى عظيم الإعجاب أينما حلّ ورحل.

     وإذ أنّ مظاهر حقائق كلّ مذهب تدع آثاراً في نفوس تابعيه فحدّث أيّها القارئ عن الفضيلة بأجلى معانيها وأكمل خواصها في أنفس البهائيين فإنّ هذه الأنفس تكاد تكون لطالبي الفضيلة بمثابة كتاب مبسوط يقرأون بين سطوره من أسرار فياضة منقوشة على أجمل حلّة تكسو هذا العالم الإنساني.

     بل لمّا كان أكثر من دوّنوا عن تاريخ البهائية والبهاء خاصّاً بهذا المذهب الرفيع الرائع قد هرفوا بما لم يعرفوا وكانوا فيما كتبوا بعيدين عن الحقيقة فأخذوا في بحثهم بالعرض دون الجوهر وقنعوا بالقشور عن اللّب ولم يعنوا العناية اللائقة بموضوع عامّ هامّ يعدّ من حيث حيويّته بالنسبة للبشر بمثابة انبثاق فجر العالم البشري لعصر جديد حتّى نعته تابعوه في أميركا وهم يعدّون بالملايين بمنحة جديدة من السماء ستبدّل سطح الكرة الأرضية من شقاء إلى سعادة ومن فساد إلى خير عميم.

     لهذا رأيت أنْ أضع هذا الكتاب كما قدّمت مستعيناً إلى ما سبق بتناول مواده واستقاء موارده من المصادر الثّقة، وكذلك من المجلاّت الإنجليزية والصحف اليومية التي كانت توالي نشر خطب عبدالبهاء في أثناء رحلته إلى أوروپا، وذلك مع الرسوم العديدة الخصّيصة بالموضوع، راجياً أنْ ينال عملي هذا عناية وقبولاً لدى الشرقيين على الأخص.

     فإنّ الكلمة الطيبة لا تلبث تدور في الفضاء، أنْ تجد قلباً واعياً تسكن إليه، والله وليّ التوفيق.

 

     القاهرة في 21 فبراير سنة 1922                                               كتبه

                                                                                   سليم قبعين


الباب والبابية

والبهاء والبهائية

 

بقلم العالم العلاّمة المرحوم ميرزا أبو الفضل رحمه الله([1])

 

     لا يخفى أنّ المؤسس للبابية رجلان من أهل الشرق وهما الباب وبهاءالله. أمّا الباب فهو شريف من أهل شيراز عاصمة فارس، إسمه ميرزا علي محمد، ولد في غرّة محرم سنة 1235 هجرية، من عائلة معروفة بالسادة الحسينية من أهل التجارة. وتوفّي والده ميرزا محمد رضا قبل فطامه وربي في حجر خاله الحاج مير سيد علي التاجر الشيرازي، وكان منذ طفوليته مواظباً على العبادات، مداوماً على الصلوات، فلمّا ترعرع وشبّ اشتهر بالتقوى والورع، وكان جميل الوجه كثير الوقار ظاهر المهابة بادي النجابة. واشتغل بالتجارة مع خاله المذكور في مدينة بوشهر وشيراز، وسافر قبل إظهار دعوته إلى العراق لزيارة مشاهد الأئمة كما هو معهود من الشيعة، ومكث في العراق أقلّ من خمسة أشهر وهناك كان أول اشتهار اسمه بين الجمهور.

     فلمّا رجع إلى شيراز وبلغ سنّه الخامسة والعشرين ادّعى أنّه الباب([2])، وذلك في الخامس من جمادى الأولى سنة 1260هجرية. وأول من صدّقه وآمن به (ملاّ حسين) الشهير الملقّب عند البابية بباب الباب وهو من أهل بشرويه من بلاد خراسان. وهكذا تتابع عليه إقبال الرجال حتّى بلغ عددهم 18 نفساً فسمّاهم بحروف حيّ([3])، وأمرهم بالتوجّه إلى بلاد إيران والعراق وتبشير العلماء بظهوره ودعوتهم إلى اتّباعه، وحثّهم على كتمان اسمه حتّى يعلنه هو بنفسه في وقته.

     وتفنّن المفسرون لاسم الباب كلّ على ما توهمه رجماً بالغيب كما يستفاد ممّا ذكرته الجرائد المصريّة حديثاً، فبعضهم فسّره بباب العلم وبعضهم بباب السّماء.


وبعضهم بباب الحقيقة. ولكن المستفاد من كتبه "أنّه هو القائم المبشّر بقرب نزول المنقذ المجيد. ودخول العالم في طور جديد" ولهذا اشتهر أتباعه بالبابية وذاع صيتهم بهذا اللقب في الممالك الإسلامية.

     ولمّا أتى موسم الحج، توجّه إلى مكّة، وبعد فراغه من أعمال الحج أعلن دعوته في المجمع الكبير، فاشتهر اسمه وذاعت دعوته وعلا صيته. ورجع إلى إيران ونزل في مدينة بوشهر على خليج العجم، فقبض عليه والي فارس (حسين خان) الملقّب بنظام الدولة. وبقي محبوساً في مدينة شيراز عدّة شهور حتّى حدث في بلاد فارس وباء شديد ففرّ أكثر الأهالي وغفلوا عن حراسته فرجع إلى بيته وسافر إلى إصفهان ونزل في بيت إمام الجمعة (مير سيّد محمد) الملقّب بسلطان العلماء. وكان والي إصفهان إذ ذاك الأمير الشهير معتمد الدولة (منوچهر خان) فانجذب من حسن بيانه ومال إليه واعتقد به. وكتب الباب كتابه الموسوم بالنبوّة الخاصّة في خصائص سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بطلب منه. وكتب أيضاً كتابه الموسوم بتفسير سورة الكوثر بطلب سلطان العلماء. وكان الباب يرتجل في خطبه ورسائله حتّى قيل أنّه كان يكتب في أربع ساعات ألف سطر بالعربية أو الفارسية على غاية من جودة الخط وحسن الأسلوب. ووقعت بينه وبين العلماء مناظرات أكثرها مدوّن في الكتب التاريخية، فأدهشتهم بقوّة قريحته وسرعة قلمه وحسن بيانه. فحدت بين العلماء اختلاف كبير في أمره وهيجان شديد. منهم من صدقّه وآمن به مثل محمد تقي المدرس الهروي وحبيب الله العلويّ، ومنهم من حكم بجنونه مثل مير سيد محمد وأتباعه. والأكثرون أفتوا بتكفيره ووجوب قتله مثل محمد مهدي الكلباسي وأضرابه، فنقله الوالي من بيت سلطان العلماء إلى بيته وأخفاه وأظهر أنّه أرسله إلى طهران بأمر المرحوم محمد شاه، فبقي مختفياً في بيت منوچهر خان حتّى توفّي وتولّى ابن أخيه (ميرزا گرگين خان) على إصفهان، فأرسل الباب بأمر المرحوم محمد شاه إلى طهران فلمّا صار على نحو مرحلة من طهران أرسلوه إلى آذربيجان وبقي محبوساً في چهريق وماكو، وهما قلعتان من قلاع آذربيجان، حتّى توفّي المرحوم محمد شاه وجلس على تخت إيران


جلالة ناصر الدين شاه.

     وفي أثناء ذلك، اشتدّت الخصومة بين أتباع الباب وعلماء إيران وولاة الأمور فقاموا يداً واحدة على البابيين واتفقوا على لزوم إبادتهم. فاشتبكت الحرب بينهم في بلاد مازندران وزنجان وتبريز.

     وخلاصة هذه الوقائع أنّ ملاّ حسين المذكور آنفاً، سافر مع أصحابه من خراسان قاصدين كربلاء من بلاد العراق، ولحق بهم الحاج ميرزا محمد علي المازندراني الملقّب عند البابية بالقدّوس. وملاّ محمد صادق الخراساني الملقّب عند الشيعة بالمقدّس، وهما من العلماء المشهورين، فعقدوا أعلاماً سوداً ورحلوا. فلمّا وردوا إلى ساري عاصمة مازندران حكم ملاّ سعيد أكبر علماء البلد بوجوب محاربة البابيين وإبادتهم. فالتجأوا إلى مقبرة الشيخ طبرسي، أحد العلماء المشهورين، وحصّنوها وقاموا للمدافعة. وكان عدد البابيين 313 نفساً. وحصل بينهم مناوشات كان الفوز فيها للبابيين. فصدر الأمر من الدولة لعباس قلي خان السردار اللاّريجاني بمحاربة البابيين، فحاربهم هو ومهدي قلي ميرزا والي مازندران بالمدافع والجنود المنظّمة، وأوقع بهم البابيون وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، فتتابعت عليهم العساكر والمدافع وامتدّ الحصار وقتل في أثنائها رئيسهم ملاّ حسين. واشتدّ عليهم الجوع، وأخيراً أمّنهم الوالي والسردار وخرجوا وسلّموا أسلحتهم، فأحاطت بهم العساكر وقتلوهم بالرصاص جميعاً، إلاّ رئيسهم الملقّب بالقدّوس، وبعض خواصه فأرسلوا إلى مدينة ساري، وقتلهم ملاّ سعيد كبير العلماء، باتّفاق الطلبة وأحرق جثثهم.

     وكذلك في مدينة زنجان، اشتدّ الخصام بين البابية وعلماء الشيعة، وكان زعيم البابيين الحاج ملاّ محمد علي الزنجاني أحد العلماء المشهورين وكان الوالي أمير أسلان خان، الملقّب بمجد الدولة خال ناصر الدين شاه المرحوم. فعمل الوالي بإغراء علماء الشيعة على إبادة البابية واشتباك القتال بينهم، واشتدّ الأمر على الوالي فأرسل إلى طهران، فأرسلت له العساكر والمدافع حتّى قتل زعيم البابيين، وفني رجاله عن آخرهم وأرسلت بقية منهم إلى طهران فقتلوا هناك.


     وفي مدينة تبريز، من مدن فارس، اشتبكت الحرب بين الحزبين، وكان رئيس البابيين العالم الشهير السيد يحيى الدارابي بن السيد جعفر الكشفي، صاحب المصنّفات "كسنا برق" و"تحفة الملوك" وغيرهما، فآل الأمر إلى قتل السيد يحيى وأصحابه بعد تأمينهم.

     فلمّا توفي المرحوم محمد شاه سنة 1848 ميلادية، وجلس على التخت جلالة ناصر الدين شاه في العاشر من سبتمبر من تلك السنة، كانت إيران إذ ذاك مصدر القلاقل والفتن بسبب سوء تصرّف أتراك الإيروان المستولين على المناصب في صدارة حاجي ميرزا آقاسي، وأعلن والي خراسان محمد حسن خان، الملقّب بسالار، العصيان على الدولة، وادّعى المُلك، وعقد صلحاً مع أمراء الأفغان وبخارى وتركمان. وازدادت هذه القلاقل بظهور البابية وما وقع بسببهم من المحاربات الدموية، فعزم ميرزا تقي خان، الصدر الأعظم على قتل الباب، وظنّ أنّه يتمكّن من إبادة البابية بقتل رئيسهم. فأصدر أمراً بقتلهم إلى حشمة الدولة حمزة ميرزا والي تبريز وهو عمّ جلالة ناصر الدين شاه، فأبى هذا وقال ’ساء ظنّي، وخاب أملي، فإنّي كنت آملاً من دولة إيران أنْ تأمرني بمحاربة دولة من الدول الكبيرة. وما ظننت أبداً أنّها ستأمرني بقتل أحد أتقياء أولاد الرسول الذي ما فات منه نافلة من النوافل الدينية، ولا أدب من الآداب العالية الإنسانية.‘ فأمر الصدر الأعظم أخاه ميرزا حسن خان رئيس عساكر آذربيجان بقتل الباب. فعلّق في ميدان تبريز وقتل بالرصاص في 28 شعبان سنة 1266 هجرية.

     فلمّا قتل الباب زاد اشتهار تعاليمه، وكذلك زاد اضطهاد أتباعه. واشتهر من بعض رؤسائهم دعاوى مختلفة من قبيل النبوّة والوصاية والولاية والمرآتية وأمثالها. فاختلفت آراؤهم وتشتت أهواؤهم، وسقط كثير منهم في الضلالات، وانهمك بعضهم في المنكرات والموبقات، وزاد الطين بلّة، أنْ أطلق شاب إسمه محمد صادق التبريزي رصاصة على جلالة ناصر الدين شاه سنة 1268 هجرية، حينما خرج جلالته للصيد من قصره في قرية نياوران، وهي على ساعتين من طهران، فاشتدّ الأمر في طهران


وسائر البلاد على البابيين. فقبضوا على المتّهم والبريء والمطيع والعاصي، وقتلوا كثيرين منهم بأشدّ أنواع القتل وأفظعها. ومن جملة من قتل في هذه الحادثة المرأة الشهيرة (قرة العين) وهي بنت حاجي ملاّ صالح أكبر علماء قزوين، وكانت أعجوبة عصرها في العلم والفصاحة وحسن البيان وطلاقة اللسان، وكانت منتمية إلى الشيخيّة، مكبّة على مطالعة الكتب الكلامية، فلمّا ظهر الباب وانتشرت رسائله، اعتنقت مذهبه وصارت من أعظم أنصاره، وكانت إذ ذاك في مدينة كربلاء، فناظرت علماءها فأفحمتهم بقوّة فصاحتها وغزارة علمها، فحدث هيجان عظيم بين علماء العراق، فاضطّرت أنْ تمضي إلى بغداد، ونزلت مع بعض خواصها وحاشيتها في بيت ابن الآلوسي الشهير مفتي بغداد (وهو مصنّف كتاب تفسير روح المعاني المطبوع ببولاق) ومكثت في بيته نحواً من شهرين وناظرت علماء بغداد، فعرضوا حالها على الآستانة، فرجعت إلى إيران بأمر السلطان المرحوم عبد المجيد خان. فلمّا بلغت بلاد إيران ناظرت علماء كرمانشاه وهمدان، ووردت إلى قزوين وسكنت في بيت والدها حتّى قُتل عمها في قزوين، فمضت إلى طهران ونزلت في بيت الشارع الشهير (بهاءالله)، فقُبض عليها بعد مدّة وبقيت محبوسة في طهران حتّى حدثت حادثة سنة 1268 هجرية كما ذكرنا آنفاً، فقُتلت خنقاً وألقيت جثّتها في بئر في الجنينة المعروفة بباغ إيلخاني.

     قال ابن الآلوسي: "القرّتيّة أصحاب امرأة أسمها هند، وكنيتها أم سلمة، ولقبها قرّة العين، لقّبها بذلك السيّد كاظم الرشتي في مراسلاته لها، وهي ممّن قلّدت الباب بعد موت الرشتي، ثم خالفته في عدّة أشياء منها التكاليف، فقيل إنّها كانت تقول برفع التكاليف بالكلّيّة، وأنا لم أحس بشيء من ذلك مع أنّها بقيت في بيتي نحو شهرين. وكم من بحث جرى بيني وبينها، ورفعت فيه التقيّة والبين. وقد رأيت فيها من الفضل والكمال ما لم أره في كثير من الرجال. وهي ذات عقل واستكانة ومزيد حياء وصيانة. وقد ذكرنا ما جرى بيننا من المباحثات في غير هذا المقام، وإذا وقفت عليه تبيّن أنّ ليس في فضلها كلام"، إلى آخر قوله.


     وقد خلّف الباب رسائل كثيرة وكتباً مدوّنة بالفارسيّة والعربيّة، منها ما ذكرناه ومنها الرسالة العدليّة في الفرائض الإسلامية، ومنها تفسير سورة البقرة، وأحسن القصص، وكتاب أسماء كلّ شيء، ومنها البيان الفارسي. وأورد عليه أعداؤه أنّ كلامه خارج عن الفصاحة وفيه ما يخالف القواعد النحويّة. وقيل أنّه لمّا انتقدوا عليه هذا الانتقاد أجاب بأنّ الكلمات كانت مقيّدة، فلمّا ظهر أطلقها من القيد... ولكنّي رأيت في كتاب البيان أنّه أجاب عن هذا الإيراد أولاً بأنّه ما قرأ النحو والصرف، وما تعلّم في المدارس، وما ادّعى أنّه من أهل العلم بل إنّه شاب فارسي أُمّيّ مأمور من ربّه ملتهم بمعارفه، وثانياً بأنّ منكري القرآن انتقدوا على رسول الله عليه السلام بأمثال هذه الانتقادات، واستشهد ببعض الآيات القرآنية التي انتقدوا عليها بأنّ فيها ما هو مخالف للقواعد النحوية والأصول اللغوية. والحقّ يقال أنّ كتب الباب وبهاءالله ورسائل فرعه الكريم عباس ليست ممّا ينتقد عليها بأمثال ذلك.

       وللباب حسابات دقيقة ليس هنا مقام تفصيلها، مثلاً عبّر عن العدد 19 بالواحد، تطبيقاً على حساب الأبجدية، وبحاصل ضربه في نفسه بعدد كلّ شيء، وبنى على هذا العدد تواريخ أيّامه وطبقات أصحابه وأبواب كتبه والسنين والآداب المنسوبة إلى طريقته. وله أحكام صعبة صارمة قلّما يمكن أنْ يُعمل بها، نقّحها وأصلحها بهاءالله كما سنبيّنه.

     وأمّا بهاءالله، وإسمه ميرزا حسين علي، فولد في 2 محرّم سنة 1233هجرية، ووالده ميرزا عباس الملقّب بميرزا بزرگ النوري، كان من كبار وزراء دولة فتح علي شاه. والعائلة النوريّة من العائلات الشهيرة ببلاد إيران.

     فلمّا قام الباب واشتهر ذكره، صدّقه بهاءالله، فاشتدّ به أزر البابيين، وعلت كلمتهم وكثرت جماعتهم وانتشرت تعاليمهم في طهران ومازندران. وكان بينه وبين الباب مراسلات سرّيّة، كان الواسطة فيها ميرزا عبد الكريم القزويني كاتب ألواح الباب، فلمّا حدثت حادثة سنة 1268، كما ذكرنا، قبض على بهاءالله، وسجن نحو أربعة شهور، وحوكم بمحضر جمع من الوزراء. وكان سفير روسيا يدافع عنه، فلمّا ثبتت براءته من


تهمة الاتفاق مع الخارجين على الشاه، أمر الشاه بالإفراج عنه وإبعاده إلى العراق. فخرج من طهران مصحوباً ببعض عساكر إيران، تراقبه بعض فرسان سفارة الروس حفظاً له من الاغتيال أثناء الطريق، حتّى ورد بغداد سنة 1269 هجرية. ولمّا أقام في بغداد، اشتدّ أزر البابيين به، وطابت مناهلهم بوروده. فإنّه كان على جانب عظيم من الوقار والمهابة والدعة، فأخذ في تهذيب ما فسد من أخلاقهم، وإصلاح ما انحرف من أعمالهم، وجمع كلمتهم، وأشهر دعوتهم، فطار صيته وانتشرت رسائله، وطالت إقامته في العراق نحو 12 سنة، حتّى ظهرت حزازات وضغائن في صدور بعض الإيرانيين المقيمين في العراق. واشتعلت بين الحزبين نار العداوة والشقاق، فآل الأمر إلى إرسال بهاءالله إلى الآستانة بأمر السلطان المرحوم عبد العزيز خان. وبعدما مكث فيها نحو أربعة أشهر، أُمر بالمسير إلى مدينة أدرنة من بلاد روملي، فتوجّه إليها وأقام فيها نحو خمس سنين. وجدّ في نشر تعاليم البابيين حتّى تكرّرت العداوة، وتكرّرت الشكاية، فصدر الأمر بنفيه إلى عكاء من بلاد الشام، فتوجّه إليها مع أهل بيته وخدّامه سنة 1285 هجرية.

     ولم ينثن عزمه عن تقويم أتباعه، وتهذيب أخلاقهم مع ما لحقه من الاضطهاد، فسنّ لهم سنناً عادلة، وقرظ آذانهم بمواعظ حسنة، فوشّح رسائله التي زادت عن الألف عدة بأحسن المواعظ والنصائح، وزيّنها بأجمل الأمثال والشواهد، ففرض عليهم تربية الأطفال ذكوراً وإناثاً بالعلم والأدب والاهتمام بتعميم المعارف وتوسيع نطاقها حتّى قيل أنّه أدخل المعلمين في طبقات الورثة، وكذلك فرض عليهم الاشتغال بالصناعة والتجارة، ونهاهم عن الكسل والبطالة، وأمرهم بحبّ الخلق على اختلاف مذاهبهم وأديانهم، وعلّمهم أنّ الأديان شرعت للمحبّة والوفاق، فلا يجعلنها سبباً للعداوة والافتراق، وحثّهم على إطاعة الملوك والرضوخ للقوانين الدولية ومنعهم من الدخول في الأمور السياسية، وصرّح في كتبه بأنّ سلطة الملوك سلطة سماوية ومنحة إلهية، ولذا منعهم عن التكلّم بسوء في حقّ الملوك والأمراء، وفرّق بين المعاملات والعبادات، فأرجع حكم العبادات إلى الكتاب، وحكم المعاملات إلى المجالس العدلية، ونهى عن تأويل


الكتاب، وكذلك منعهم عن اللعن والسبّ والشتم والغيبة والافتراء والقتل والزنا وعن كلّ ما يخالف الإنسانية ويحدث القلق والاضطراب في الهيئة الاجتماعية، حتّى منعهم عن حمل الأسلحة إلاّ بإذن الدولة، ومنعهم عن المتعة والتّسرّي وأمرهم بالاكتفاء بزوجة واحدة، وأنْ لا يتجاوز اثنتين البتّة، وصعّب عليهم الطلاق، وعندهم الصوم والصلاة والحج والزكاة على حسب ما فصّل لهم في الكتب الدينية، فنجح في بثّ تعاليمه وتحسين أخلاق شعبه إلى أنْ توفّي في 29 أيار سنة 1892 ميلادية، موافقاً لثاني ذي القعدة سنة 1309 هجرية.

     وأول من دوّن وقائع البابية هو ميرزا تقي المستوفي الكاشاني، الملقّب بلسان المُلك، مصنّف كتاب ناسخ التواريخ، فإنّه ذكر في تاريخه المخصوص بالقاجارية واقعة ظهور الباب وحوادثها، موافقاً لما اشتهر عنها عند البابيين فنسبهم إلى الفساد والإلحاد، وذكر عنهم أموراً تنفر منها القلوب وتشمئز منها النفوس، لأنّه في أيام اضطهاد البابيين اجتهد المعاندون لهم في بث المفتريات عليهم، ورموهم بالإباحة وفساد الأخلاق، فما أبقوا قبيحاً إلاّ نسبوه إليهم، ولا رذيلة إلاّ وصفوهم بها، فكثرت الإشاعات وقلقت الأفكار، فأشكل أمرهم على الأوروپيين، فقام جماعة من أهل الفضل والإنصاف منهم لكشف عقائد البابية ومعرفة عاداتها، منهم العالم الفاضل مستر  إدوارد براون معلّم اللغات الشرقية في جامعة كمبردج، سافر هذا العالِم إلى إيران سنة 1305 هجرية، وعاشر البابيين وأخذ شيئاً من كتبهم، وسافر من إيران إلى الشام، ودخل عكاء ولقي بهاءالله، فرجع إلى أوروپا ونشر ما رآه في المجلات العلمية، وكذلك الأستاذ براون روزن أحد الأساتذة في مدارس بطرسبرج، ترجم بعض رسائل بهاءالله ونشرها في بلاد روسيا وسائر أوروپا، ومنهم الكابتن الكسندر تومانسكي، أحد الضباط، سافر إلى مدينة عشق آباد، ومنها إلى إيران، وعاشر البابيين، وعرف عاداتهم وأخلاقهم وشرع في تأليف تاريخهم.

     وكذلك قام بعض أفاضل الشرقيين لتدويين وقائعهم منهم ميرزا محمد حسين الهمذاني، صاحب كتاب التاريخ الجديد، وهذا سافر مع جلالة ناصر الدين شاه


في سفره الأول إلى أوروپا، وعند عودته أتى الآستانة، وعرف شيئاً عن الطريقة البابية، فلمّا رجع إلى إيران، صنّف تاريخه المذكور، وترجم إلى الفرنسوية والإنجليزية في أوروپا. ومنهم المؤرّخ السائح أبو الفضل محمد بن محمد رضا الجرفادقاني نزيل بخارى، مصنّف كتاب فصل الخطاب. وأمّا لسان المُلك المذكور صاحب التاريخ الكبير ناسخ التواريخ فقد عدل لهجته نوعاً في هذا الكتاب عند ذكر حوادث البابية وما كتبه عن وقائع البابية في أصل ناسخ التواريخ أقرب إلى الحقيقة ممّا كتبه في المجلّد المخصوص بالقاجارية. وستكشف الأيام عن غرائب وقائع البابية ما سترته الأغراض السياسية، وفي هذا كفاية لمن أراد التحقيق. والله ولي الهداية والتوفيق.

 

l l l l l

 

عبدالبهاء عباس أفندي

"نجل حضرة البهاء ومركز عهده وميثاقه"

(بقلم حضرة الكاتب الفاضل توفيق أفندي غريب)

 

     تنتهي هذه الحركة في زعامتها على عبدالبهاء عباس أفندي فكان بعد صعود والده إلى جوار ربّه قطب دائرة البهائية، والوصيّ الأمين لحضرة بهاءالله الذي عهد إليه بتولّي أمر القيادة بعده، وأمر الطائفة بالرجوع إليه والإذعان إلى أوامره لذا كان مركز عهده وميثاقه، والقائم بنشر التعاليم البهية، وتوضيح ما غمض منها على الأفهام، وفضّ ختم ما استعصى فهمه على سائر الناس من معالي الكتب السماوية، ومرجع الخاصّ والعام، ورأس الدعاة إلى الألفة والوئام، ورافعي ألوية السلام العامّ بين الأنام.

     ولد عباس أفندي بمدينة طهران عاصمة المملكة الإيرانية في ربيع سنة 1844 ميلادية، لمنتصف ليلة اليوم الذي أعلن الباب في مسائه دعوته، وإن زمن طفولية عباس أفندي وشبابه، كانا خارقين للمعتاد من كلّ الوجوه، وإنّه لم يكد يناهز العقد الأول من سني حياته حتّى بدا عليه من مخايل النجابة والفطنة الوقّادة، والشجاعة والثبات والشهامة ما لا يكاد يوجد في أبناء هذا السن، ولم يصبُ


إلى اللعب والتسلّي كسائر الأولاد، ولم يذهب إلى المدرسة لطلب العلوم كسائر الناشئين، غير أنّه كان يهتم بركوب الخيل حتّى أتقنه. سألت الكونتيس كنفارو عباس أفندي عمّا كان شديد التّعلّق به حين الصباوة، فأجاب قائلاً: ’كنت شديد الولوع بسماع وقراءة ألواح الباب، وكان من عادتي حفظها لفظياً ومعنوياً بهذا كان غرامي في أيام الصغر‘. ولمّا سُئل هل طلب تسلية أجاب: ’ركبت الخيل في بغداد، وكان عزمي الاصطياد، فجمعتني الظروف على جماعة من الصيادين، ولكنّي لمّا رأيتهم يقتلون الطيور والحيوانات انتبهت إلى أنّ ذلك حرام، وخطر بذهني أنْ أقتنص أرواح العباد لتقريبها إلى الله أولى من اقتناص الحيوان، وعلى ذلك صمّمت وهذا أول وآخر تجارتي في الصيد، وهذا كلّ ما أخبرك به عن نفسي وهو أنّي أبحث عن الأرواح لإرشادها إلى الصراط المستقيم.‘ تربّى حضرة عبدالبهاء في أحضان العز والإقبال إلى أنّ حدث ما حدث من التّعدّي على حياة الشاه، واستئذان والده بهاءالله في الهجرة إلى بغداد، فسافر حينئذ في ركاب والده، واحتمل من أخطار الطريق ما لا يحتمل، وكان له من العمر ثماني سنوات فقط. وبعد رجوع والده من جبال السليمانية، لازمه ملازمة الظلّ للشخص، وقام بجميع خدمته حيث كان إذ ذاك في الثانية عشرة من عمره.

     وفي بحر هذه السنوات، تعوّد عباس أفندي التّردّد على المساجد حيث كان يناظر الفلاسفة والعلماء، وكانوا يعجبون بعلمه وذكائه حتّى عُرف بالشاب الحكيم، وكانوا يسألونه: ’من علّمك؟ ومن أين تتلقّى هذه الأشياء التي تلقيها؟‘ فكان الجواب الذي يجيب به أنّ أباه هو الذي علّمه.

     إنّ عباس أفندي لم يذهب ولا يوماً واحداً إلى المدرسة ولكنه كان ماهراً في كلّ ما كان يعرفه العلماء، الأمر الذي أحدث دهشة عظيمة عند كلّ عارفيه. وكان منظر عباس أفندي في ذلك الوقت منظر شاب حسن الشكل جداً، وكان مشهوراً بأنّه من أجمل فتيان بغداد. وبعد أنْ قطن والده ببغداد نحو إحدى عشرة سنة، جرت أمور استدعت سلطان تركيا لاستقدامه إلى الآستانة.

     ومنذ وصول هذا الإشعار لمدينة بغداد، ظهر على عباس أفندي أنّه أقام نفسه


كخادم ملازم لأبيه، وحارس لجسمه، فكان يحرسه ليل نهار في هذه السياحة راكباً بجانب عربته، ومراقباً عند خيمته.

     وبعد وصول والده بخمسة أشهر، صدر الأمر بنقله إلى أدرنة، فانتقل بهاءالله بمن معه من العائلة والأحباء إلى هذه المدينة، ومكث بها نحو خمس سنين، أخذ في خلالها يرشد الناس، وجمع حوله فئة عظيمة.

     وفي هذه السنين الطوال، كان عباس أفندي سنداً كبيراً وعزاءً للعائلة، إذ فطر بطبيعته من زمن طفولته على الجود والكرم والإيثار، وكان يجود بما في يديه لأخواته وإخوته غير مدّخر لنفسه شيئاً، يفعل ذلك بميله الذاتي. وكان مظهر اللطف والوداعة لم يغضب قط، ولا قابل الإساءة بمثلها، حتّى احتملت العائلة مرارة العيش في ذلك الزمان بكلّ رزانة وثبات لما حواه طبعه من الأخلاق الفاضلة والشيم الكريمة، وإنّ مساعيه المشكورة جعلت ذلك العيش المرّ محتملاً عند سائر أفراد العائلة. ومن رأفته العظيمة بالفقراء، أنّه كان في وقت الحاجة يبتدع بعض الوسائل للحصول على شيء يواسي من هو أكثر احتياجاً، حتّى أوقع هذا النوع الغريب من الجود والانعطاف على المساكين والدته في حيرة مدهشة، لأنّها كانت مع حرصها على تدبير معيشة عائلتها، تمدُّ العائلة بضروريات المعيشة بكلّ صعوبة.

     وبعد الخمس سنين المذكورة، جرى من الأسباب ما دعى السلطان إلى إصدار منشور بنفي البهائية من أدرنة. في هذا الوقت كان عباس أفندي محبوباً عند كلّ إنسان، كبيراً كان أو صغيراً، مؤمنأً ببهاءالله أو غير مؤمن، فإنّه بحسن سيرته، وعظيم رأفته جذب قلوب الجميع إلى محبته حتّى تسنّى له إرشاد كثيرين، وصار يطلق عليه اسم (السيّد)، وأصبح محافظ المدينة نفسه من أصدقائه.

     وبعد أخذ وردّ، وقيل وقال، صار الأمر بنفي بهاءالله وخواصه وعائلته إلى عكاء، وقد كان، فنفوا إليها، بل كانت منفاهم الأخير. ومن يوم إقلاع سفينتهم من أدرنة، آمّة شطر عكاء، ومن وقت نزولهم بأرضها إلى وقت صعود بهاءالله إلى الرفيق الأعلى، لبث عباس أفندي ملازماً لأبيه، مؤدّياً له ولعائلته أجلّ الخدمات وأجمل الرعايات


في كلّ أمر ذي بال، وفي كلّ شأن وحال. وإلى يوم صعود والده الكائن في سنة 1892، لم يفارقه لحظة واحدة، بل كان معه في كلّ الأحيان مشاطراً له في آلامه وأشجانه، وأميناً لكنوز عرفانه، وكان المرجع الوحيد لحلّ جميع المشكلات.

     وفي بدء نزولهم بعكاء، كان أهل البلدة في حالة من سوء التفاهم بحيث كانوا يرون معاملة البهائيين بالجفاء أمراً مقدّساً، ولكن صبر عباس أفندي واحتماله وعذوبة مشربه الأخلاقي اجتذب قلوب الناس أجمع. وبمداومته على هذه الدماثة والوداعة، ومقابلته الجفاء بالوفاء، تسنّى له اكتساب ودّ الكلّ وإليك من شواهد ذلك:

     كان الأحباء في حاجة إلى وقود، ولكن الناس أبوا أنْ يبيعوهم إيّاه (للعلّة السابقة)، فأرسل عباس أفندي من استحضر له حَمْل بَعير فحماً، وبينما كان الرجل ذاهباً بالفحم إلى طالبه، وإذ بأحد التجار المسيحيين قد اعتدى عليه، واغتصب منه الفحم دون أنْ ينقده الثمن، فجاء عباس أفندي إلى ذلك التاجر ليكالمه في هذا الشأن.

     ولمّا أنْ رآه منهمكاً في أشغاله، انتظره ثلاث ساعات حتّى فرغ، وأخذ التاجر يكالمه فابتدره بهذا السؤال: ’أأنت أحد المسجونين هنا؟‘ فأومأ عباس أفندي بالإيجاب، فساق التاجر الحديث قائلاً: ’ماذا كان ذنبكم حتّى سُجنتم؟‘ فبدأ عباس أفندي جوابه على هذا السؤال قائلاً: ’ما دمت تسألني، فإنّي أجيبك.‘ ثمّ قال: ’نحن لم نأت شيئاً أدّاً، ولكنّا مضطهدون كما كان السيد المسيح مضطهداً.‘ فقال التاجر: ’وماذا تعرف عن السيد المسيح؟‘ فأجاب عباس أفندي بما أدرك منه التاجر أنّه خبير بعيسى والإنجيل، فجعل يسأله عن الإنجيل، وعباس أفندي يأتيه بالشرح والبيان، حتّى طرب الرجل إذ سمع منه ما لم يسمعه من أحد قبله، ودعا عباس إلى الجلوس بجانبه تشريفاً له، واستمر الحديث بينهما ساعتين، وفي نهاية المحادثة ظهر على التاجر السرور والانشراح وقال: ’الفحم قد نفد، فلا يمكنني ردّه إليك، ولكن ها هو ثمنه.‘ ورافق عباس أفندي إلى الباب، ونزل معه إلى الشارع، وعامله بكلّ احترام ومن وقتئذ صار هو وعباس أفندي صديقين حميمين، وارتبطت العائلتان أيضاً بهذا الرباط المتين.


     لقد كانت هذه الطريقة طريقة لين العريكة، ومقابلة السيئة بالحسنة، والرقّة والاحتمال والصبر هي الطريقة الوحيدة التي ثابر عليها عباس أفندي حتّى اكتسب ودّ أهل المدينة جميعاً، فإنّه كان بمحبته إيّاهم وانعطافه نحوهم يجتذب قلوبهم إليه حتّى أنّ الناس أجمع عجبوا وتساءلوا عن المسلك الذي سلكه حتّى اكتسب قلوب أعدائه، واتّخذهم أحباباً له، فإنّ المحافظ والقضاة والضباط كانوا في البدء يحترمونه، ولكن أخيراً حلّ حبّه من قلوبهم محل هذا الاحترام، وجلّ أهل المدينة إنْ لم نقل كلّهم، أصبحوا يحبّونه لا فرق في ذلك بين مسلم ومسيحي، ولا بين غني وفقير.

     وما زال عباس أفندي وأمره أمره، حتّى صعود بهاءالله سنة 1892، حيث قضى من العمر خمساً وسبعين سنة، ثم صعد إلى الرفيق الأعلى في تلك السنة، بعد أنْ صرّح مراراً عديدة وفي مواضع كثيرة بأنّ عباس أفندي هو خليفته بعد وفاته، وأوصى بذلك في (كتاب الأقدس) حيث بيّن أنّ عباس أفندي مركز عهده وميثاقه، ومنحه لقب سمو السيد الذي كان يخاطبه به عادة وكان يأمر أهله بمعاملته بهذا الاحترام العظيم وترك وصية خاصّة كرّر فيها رغبته بمنحه دون سواه هذا الشرف الجليل.

 

l l l l l

 

     كان من مزايا عباس أفندي أنّه كان مخلصاً لبهاءالله إخلاصاً دينيّاً فوق الإخلاص الأبوي الذي قد يشاركه فيه كلّ ابن بار بوالديه ومن شواهد ذلك: إنّه لمّا ردّت إلى بهاءالله حريته، وأجاز له محافظ المدينة بأنْ يسير في عكاء وضواحيها كيفما يريد. رأى أحباؤه سكناه بالخلاء أوفق بصحته، فاتخذوا له منزلاً بالخلاء حيث عاش هادئ البال مطمئن البلبال إلى حين الوفاة، وبقي عباس أفندي بمدينة عكاء مكتفياً بزيارة والده في أكثر الأيام.

     أجل، إنّ عباس أفندي كان كثيراً ما يزور حضرة بهاءالله راجلاً على ما بالمسافة من طول وما بشمس الصيف من الحرارة التي لا تطاق. واعتاد أنّه إذا أصابه تعب أو آلمه الحرّ أنْ يفترش الأرض، ويتوسّد الحجر وينام، ففي يوم ما لامه


بهاءالله على ذلك قائلاً: ’يجب أنْ تمتطي جواداً‘. فأجاب عباس أفندي: ’كيف أفد على مولاي راكباً، يجب عليّ أنْ أعلن لك بأنّي أكثر العالم إذعاناً إليك. فإنّه لمّا خرج السيد المسيح سائحاً، مشى على قدميه، ونام في الحقول فمن أنا حتّى أزور مولاي بحال أكون فيها أكبر من السيد المسيح.‘

     وبعد صعود بهاءالله إلى الرفيق الأعلى، قبض على ناصية الأمر، ولبث يدبّر دفّة الأمور بأحسن حزم وأقوى مقدرة وعزم، وقام بكلّ ما يلزم الأمر وما يقتضيه من عظام الأعمال خير قيام ما بين أشغال تحريرية جواباً على ما يرد إليه من عديد الرسائل وإلقاءات شفوية في جلائل المهمّات والمسائل إلى بثّ الدعاة في جميع آفاق العالم لتبليغ الدعوة وإذاعة صيت أمر الله ورفع شأنه ورسم الخطط القويمة المنتجة، وما بين قيام بأحياء الخيرات والمبرّات، وما يكون فيه مثالاً حسناً لأحبائه وطلاب العلاء، إلى لقاء الوافدين من الأقطار النائية وإنجاز كلّ ما يلزم وما تقتضيه حسن الضيافة وكرم الوفادة من الآداب والواجبات الأدبية والمادية إلى غير ذلك من الأعباء التي اضطلع بها وبرهن على جليل كفاءته في تنظيمها وتدبيرها رغم ما كان يعتريه من مشاغل أرباب الفتن وتشويشاتهم وسعيهم في اضطراب حبل التدبير وإيجاد القلاقل والشوائب ورغبتهم في التعطيل ومعاكسة الأمر.

     وقد انتجت إدارته ورعايته خير إنتاج وعادت مساعيه على الأمر بأحسن الثمرات حيث تكاثر أعداد المقبلين على الدين والأدب من كلّ فجّ وأصبحوا يعدّون بعشرات الألوف في كلّ نحو وشطر حتّى يصحّ أنْ يقال اليوم أنّ البهائيين أمّة كبيرة تضمّ تحت لوائها الملايين العديدة.

     وقد بلغ من اهتمام عبدالبهاء بالأمر أنْ طاف الأقطار الأوروپية والأمريكية، بعد إعلان الدستور العثماني وفكّه من قيود الأسر، لإعلاء كلمة الله وإسماع الآذان سمعة (مبادئه)، وهو في العقد السابع من سني حياته، وبعبارة أخرى وهو في دور الشيخوخة والضعف، وخطب فيها مئات الخطابات حاضّاً على الوحدة والإقبال على دين الله والاعتصام بالعروة الوثقى.


صفته

 

     كان ربعة القوام، جليل المنظر، سامي الهيئة، يلبس جثمانه قفطاناً أبيض فوقه الجبة، وعلى رأسه العمامة، قوي البنية، مضيء الطلعة، يتدلّى شعره على كتفيه، وتارة يعقصه تحت عمامته، أقنى الأنف أشّمه تلوح على وجهه علامات الوداعة، خفيف الشارب واللحية، ذو عينين زرقاوين واسعتين مع نظر ثاقب معتدل كالسهم، عريض الجبهة، وضّاح الجبين، تظهر على جبهته العريضة آثار الغضون التي تدل على ما قاساه في حياته من المصاعب والمتاعب في سبيل إرشاد الإنسانية الضالة في بيداء الجهالة والانقسام، يتدفق البِشر والحنان من محياه وتلوح الشهامة والنبل على سيماه بحيث يشعر كلّ من واجهه بهيبة عظيمة، وجلال باهر، شدّة الذكاء وتوقّد الخاطر وحدّة الفؤاد ظاهرة مشرقة من طلعته، ومن كلماته وحركاته قواه العقلية ومزاياه الإدراكية وهيبة لا كسبية عظيم الإخلاص نقي الضمير، ابتسامته تسحر اللب ويجذب إليه القلوب يمشي بخطى واسعة كأنّه ملك عظيم أو راع بار في وسط رعيته، بل أسد رابض في عرينه.

     وبالاختصار فقد كان قوياً مقتدراً متأنياً في عمله، لطيفاً في معشره، ليّناًَ في خطابه، كأنّه والد حنون في وسط أولاده، حركاته ومقابلاته وقيامه وجلوسه هي مظاهر القوّة والشهامة والحرية والاقتدار، فصيح اللسان عذب البيان مطيل الصمت والتفكير في مواضعه.

     زواره ومريدوه يبذلون له من الإكرام والاحترام ما لا يذكر به بجانبه خضوع رعية طائعة لملك مطلق السلطان عالي الشأن، وكلّ ما يلاقيه من الإجلال والإكرام والولاء والاحترام هو بمثابة اعتراف من مريديه بنفوذ روحانيته التي تنبثق منه لا بناء على رغبة له في ذلك إذ لا ميل له إلاّ معاملة الناس بكمال المودّة وخالص المحبة لا يضنّ بالاقتراب منهم، ولا يشير لأحد باحترامه أو إظهار هيئة الخشية منه بل يدعوهم لملاقاته ومؤانسته، ويتمنى أنْ يقوم بخدمتهم مباشرة ولو في الشيء الطفيف ولا يضع سدّاً في سبيل الوصول إليه، ويعمل في كلّ ما يظهره بين الملأ على منوال الأخوّة كأنّه الأخ


الرشيد الذي ينظر لإخوته الصغار بعين العطف والحنان والسهر على مصلحتهم يواسي الفقراء، ويعطف على الضعفاء، يربّي اليتيم، ويحضّ على إطعام المسكين، يدعو الناس دائماً لأنْ يكونوا أسرى المحبة وخدمة للهيأة الاجتماعية والجمعية البشرية.

     وبالجملة فقد كان عظيماً واسع الإطّلاع راقي الأفكار واقفاً على أفق يطلع من شرفاته العالية على ضعف العالم ومسكنته وقصوره بأسى شديد وشغف يرفعه من الوهدة التي سقط فيها وتحريره من القيود الثقيلة التي كبّل نفسه بها وإيصاله إلى مقام العرفان بالخالق الرحيم الذي يتدفّق فيض مكارمه في هذا العصر تدفّق السيل من أعلى قمم الجبال، يودّ من صميم فؤاده أنْ يلمّ شعث العالم المتفرّق ويجعله يشعر بالوحدة التي بدونها لا يطيب له عيش ولا تستتّب له راحة.

     يتطلّع بتلهّف إلى توحيد الأديان ويرى أنّه بدون ذلك التوحيد والتوفيق لا يتأتّى تحقّق وحدة العالم.

     هذا الرجل العظيم وقف في أوروپا وأمريكا في وسط العالم المتحضّر، وخطب بين فلاسفة القوم وعلمائهم وأدبائهم ونادى بأعلى النداء "هلمّوا إليّ أرشدكم إلى الصراط المستقيم وأهديكم إلى السبيل السويّ. هذا هو وقت الدخول في حظيرة القدس. طهّروا قلوبكم واعملوا على رفع غشاوة الجهل والتعصّب والتقاليد والأوهام من على أبصاركم حتّى تروا نفحات الله التي تهبّ معطّرة على كافة الأنحاء والأرجاء. وتعالوا بنا نتعاون على إزالة سوء التفاهم من بيننا بتأسيس لغة عمومية حتّى يصبح كلّ فرد منّا قابضاً على لغتين: لغته الأصلية واللغة العمومية. ضعوا أيديكم في يديّ لنعمل على إيجاد محكمة تحكيم دولية حتّى يسهل فضّ كلّ خلاف بقوّة القضاء العادل بين الحكومات كما هو حاصل بين الأفراد، وبذلك تحقن الدماء وتصان الإنسانية من الخراب والدمار الذي يصيبها من جرّاء الحرب والتحاكم إلى السيف والسنان. تعالوا بنا نرفع راية السلام العامّ ونؤسّس الصلح الأكبر. تعالوا بنا نحلّ معضلة العالم الاقتصادية ونعمل على هناءة الضعفاء من إخواننا في الإنسانية. حضّوا الآباء والأمهات على تربية أبنائهم وبناتهم تربية أخلاقية حقيقية."


     وخطب في بلاد أمريكا وحدها نيّفاً وستمائة خطابة، ضمّنها أعلى التعاليم وأسمى المبادئ، وذلك كلّه بعد أنْ جاوز العقد السبع من سنيّ حياته. ولم يكتف بذلك، بل علّم الدعاة طريق اجتذاب القلوب إلى الرضوان وبثّهم في مشارق الأرض ومغاربها لإذاعة هذا المبدأ الجليل الذي تمخّض القرن التاسع عشر بحسناته ففتح بهم عيوناً عمياء وآذاناً صمّاء وقلوباً غلفاً، وهم الآن عاملون على تنوير الأفهام وتربية النفوس في جميع الآفاق وربح العالم من حسن مساعيهم، حيث قد اهتزّت بهم أرض القلوب وربت وأنبتت من كلّ زوج بهيج.

     وكان كلّ أتباعه ومريديه من كافة أقطار الأرض لا يقدمون على عمل ولا يشرعون في شيء قبل استشارته وتلقّي أمره، حتّى أنّ المكاتيب التي كانت تفد عليه تبلغ المئات يوميّاً، ولكن مع كثرتها ووفرة عددها كان يجيب عليها بهمّة لا تعرف الملل وبعزيمة لا يعتريها كلل.

     قلنا أنّ عباس أفندي أقام نفسه مثالاً في أعمال البرّ وخصال الخير، وقدوة حسنة للمؤمنين والراغبين في سلوك سبيل السلامة، فلا بأس أنْ نلخّص لحضرات القرّاء ما مهّد به المستر فيليب المحامي بمدينة نيويورك بأمريكا تاريخه عن البهائية، من الكلمة التي كتبها عن عباس أفندي وجعلها طالعة كلامه قال:

     نزلت في سياحتي الفلسطينية بمدينة عكاء في منزل عتيق يطلّ على شارع مبلّط قليل الاتّساع، بحيث يتسنّى للرجل النشيط أنْ ينظفه في لمحات قليلة، تعلوه شمس فلسطين اللاّمعة المضيئة. وعلى يمينه السور البحري القديم والبحر الأبيض المتوسط.

     وفي ذات يوم (بعد شهر أقمته بذلك المنزل) بينما نحن جلوس، وإذا بجلبة عظيمة وضجّة وضوضاء على بعد ثلاثين قدماً منّا، ففتحنا النافذة فوقع نظرنا على جملة أناس بأثواب بالية مرقّعة ممزّقة. ثمّ نزلنا لنرى من هؤلاء، فعلمنا أنّهم من البائسين الجديرين بالإحسان، إذ تراهم بين عميان ونحاف نحال صفر الألوان، وشيوخ طاعنين في السّن من ذوي العكازات العاجزين عن المشي والضعاف الذين لا يمشون إلاّ بشقّ الأنفس ومن بينهم نساء مقنّعات، وبانكشاف المقنّعات عرفنا أنّهن لم يسترن إلاّ البؤس المؤلم


ومنهن من يحملن أطفالاً نحال الأبدان، صفر الألوان، ويبلغ هذا الجمع نحو مائة شخص سوى كثيرين من الأطفال وهم يكوّنون في مجموعهم جميع العناصر التي يراها المارّ في هذه الشوارع من شوام وعرب وزنوج وغيرهم. وما لبث هذا الجمع أنْ اصطفّوا منتظرين، فطفقنا ننظر ماذا ينتظر هؤلاء، وإذا بباب قد فتح وخرج منه رجل متوسّط القامة منتظم التركيب، يلبس قفطاناً أبيض وعلى رأسه العمامة ويبلغ من العمر نحو ستين سنة، ويتدلّى شعره المشوب بالشيب على كتفيه عريض الجبهة الوضاحة العالية، قاني الأنف خفيف الشارب واللحية المستديرة التي وخط شعرها المشيب ذو عينين زرقاوين واسعتين مع نظر ثاقب وهيئة بسيطة إلاّ أنّ في انتظام حركاته ما يدلّ على الجمال والجلال.

     خرج هذا الرجل واتّجه نحو الجميع، وبوصوله إليهم أخذ يحييهم بألفاظ لا نفهمها، ولكن ما يرى من هيئته ينم عن رقّة وشفقة، ثمّ وقف في زاوية ضيّقة من الشارع، وأشار إليهم بالإقبال عليه، فالتفّوا حوله التفاف السوار بالمعصم، إلاّ أنّه كان يبعدهم عنه بلطف ويدعوهم بالمرور أمامه واحداً واحداً، وكلّما مرّ عليه رجل من القوم رأيت يده إليه ممدودة حيث يضع بعض النقود وهو يعرفهم جميعاً ويلاطفهم بوضع يده على وجوههم تارة وعلى أكتافهم ورؤوسهم تارة أخرى، ويوقف بعضهم ويستعلم عن حاله، ويحيّي بعض العبيد المتقدمين في السن بالاستعلام منه عن أمره ببعض عبارات رقيقة، فيبدو السرور على وجه الرجل وتظهر ثناياه البيضاء من وجهه الأبنوسي عند الجواب. وتارة يوقف بعض السيدات ويلاعب طفلها بشفقة عظيمة، وحين مرورهم عليه، وتقبيل بعضهم يديه يحيّيهم جميعاً بقوله (مرحباً مرحباً) وعلى هذا النحو يمرّ الجميع.

     وقد كان الأطفال ملتفّين حوله وأيديهم ممدودة، ولكنه لم يعطهم شيئاً، وحين همّ بالرجوع، نثر قبضة من العملة النحاسية حيث كان الكلّ من أجل ذلك في نزاع.

     وقد كان صاحبنا الملقّب بأبي الفقراء متبوعاً بجملة رجال يلبسون الطرابيش الحمر، ويظهر على وجوههم الحنان والبِشر، وكانوا وقوفاً بالقرب منه، ولهم يد في تنظيم هذا الجمع. فلمّا قفل راجعاً، تبعوه مع غاية الاحترام حيث يتأخرون عنه مسافة وكلّما أرادوا


نداءَه دعوه بلفظ (المولى).

     ويمكنك أنْ ترى هذا المنظر بشوارع عكاء في أيّ يوم من أيام السنة، وله نظائر مماثلة له، لكنّها لا تحدث إلاّ في ابتداء الشتاء حيث يتألم الفقراء. ويمكنك (لو دلّك إنسان على الزمان والمكان) أنْ ترى فقراء عكاء مجتمعين في أحد حوانيت بائعي الملابس ليستلم كلّ منهم رداء من (المولى) وهو يلبس أغلبهم بنفسه وخصوصاً العجزة والمقعدين ويقيسها عليهم بيديه قائلاً لهم (مبروك).

     ويوجد بعكاء نحو خمسمائة أو ستمائة فقير يأخذ كلّ منهم رداء جميلاً منه كلّ عام. وفي أيام المواسم يزور الفقراء في بيوتهم ويسألهم عن حالهم وعن صحتهم وراحتهم ذاكراً أسماء الغائبين منهم، ويترك هدايا للجميع. وليس فقط هؤلاء الشحاذون الذين يوجّه عنايته إليهم، بل ينتظم في سلك عنايته أيضاً أناس لا يمكنهم إراقة ماء وجوههم بذلّ السؤال، وإنّما يتألمون في نفوسهم كالذين لا يكفيهم مكسبهم اليومي ولا يعول عائلاتهم. لمثل هؤلاء يرسل الخبز سرّاً بحيث لا تعرف يمينه ما تصنعه شماله. الناس جميعاً يعرفونه ويحبونه غنيهم وفقيرهم، كبيرهم وصغيرهم، حتّى الأطفال في أحضان أمهاتهم لو سمع أنّ أحدهم ألمّ به المرض مسلماً أو مسيحياً أو متديناً بأيّ دين، كان يهتم بذلك كثيراً وتراه عندهم بجانب فراشهم كلّ يوم أو يرسل رسولاً أميناً. ولو كان العليل فقيراً واقتضى الحال طبيباً أرسل في طلب طبيب وفي استدعاء الإسعافات الضرورية من الدواء. وإذا وجد أنّ سقف المكان غير محكم أو زجاج بعض النوافذ مكسوراً وأنّ ذلك مهدّداً للصحة أرسل في استحضار أحد العمال للإصلاح، ثم انتظر تمام العمل ليتأكد من حصول المطلوب.

     وإذا تعب أحدهم أو أُلقي أحد أقاربه في أعماق السجون أو وقع تحت طائلة القانون أو حدثت له مشكلة نأى عن حملها، توجّه في الحال إلى (المولى) ليستنجده أو ليستمد منه النصيحة أو المعونة. نعم يحضر الجميع ليستمدوا منه النصيحة، غنيهم وفقيرهم، كاستمدادهم من أب شفوق لهم.

     وأظن أنّ القارئ يتوهّم في رجل جواد كهذا يعطي بلا حساب أنّه غني، لا وعمر


الحقّ، ولو أنّه كان من أغنى عائلة في الفرس، ومع هذا فإنّ الرجل جرى عليه ما جرى على الجليلين، ذلك أنّه منذ خمسين سنة نفي وسجن هو وعائلته، وصودر بعض أملاكه ونهب البعض الآخر، ولم يبق له إلاّ القليل. وحيث أنّ ما لديه اليوم كذلك فهو يقتصد من نفقاته كي يتمكّن من الإحسان. وملابسه عادة قطنية رخيصة الثمن، ولا يسمح لعائلته بعيشة الرفاهية ولا يأكل سوى مرّة واحدة في اليوم ويكفيه شيء من الخبز والزيتون والجبن، أمّا غرفته فصغيرة وعارية من الأثاث وليس فيها سوى حصيرة. ودائماً يقول كيف أتمتّع بنوم الرفاهية بينما الكثير من الفقراء ليس لهم مأوى لذا ينام على البلاط ويلف نفسه بعبائته فقط.

     ومنذ مدّة تربو على أربعة وثلاثين عاماً، سجن هذا الرجل بمدينة عكاء، ولكن سجّانيه أصبحوا من أحبائه، فحاكم المدينة وقائد حاميتها يحترمانه ويبجّلانه كأنّه أخوهما، ولا يعتبران إلاّ نصائحه، ولا يعملان إلاّ برأيه، وهو محبوب من جميع طبقات شعب هذه المدينة كبيرها وصغيرها، وهو طبعاً محب للجميع كيف لا وهو المحافظ الوحيد للقانون الذي قنّنه عيسى الناصري (أنْ تحسن إلى من أساء إليك) فهل سمع أحدكم للآن برجل في العالم يفتخر بأنّه يقتفي أثر السيد المسيح الذي كان يعيش تلك المعيشة. هذا السيد بسيط بقدر عظمة روحه، ولا يطلب لنفسه شيئاً من التسلية أو الاحترام أو الراحة، فثلاث أو أربع ساعات كافية لنومه، وباقي وقته مصروف في إغاثة أهل البؤس والعوز ودائماً يقول أنا عبد الله وخادمه.

     هذا هو عباس أفندي، سيد عكاء، وفي تقديم ترجمته إلى القارئ قد ذكرت أخلاقه الخارقة للعادة والتي تؤثّر في القلوب تأثيراً عظيماً. ولكن هذه الصفات لم تكن إلاّ أزهاراً يانعة ملائمة للطبيعة الكائنة في محتويات وجوده.

     أمّا أحواله المتنوعة المختصّة بحياته، فإنّك تجده ثابتاً شديداً، بينما تجده في حالة أخرى لين الجانب شفوقاً حنوناً وهو في عائلته المحور الذي تدور عليه والرأس المفكّر المدبّر والوالد الحنون والزوج الودود، وهو بين الرجال قوي جدّي ذو عزم ثابت وفراسة صادقة وفكرة متوقّدة وحكم مسموع نافذ وإدراك حقّ وبين أتباعه


منوط بكلّ الأعمال يدبر وينظم مصالحهم.

     البروفسور براون الذي زار عكاء سنة 1890 ميلادية وصفه وصفاً بليغاً كما رآه في ذلك الوقت بمقدمة كتابه (قصة السائح) صحيفة 36 قال: ’لم أر أحداً أثّر فيّ منظره أكثر من هذا الرجل المستقيم القامة القوي التركيب المعتدل كالسهم هذا الذي يلبس العمامة والملابس البيضاء، الأسود الشعر المتدلّي على كتفيه العريض الجبهة الوضّاء الجبين الدّالّ على شدّة الذكاء وصدق الفراسة ذو الإرادة الثابتة والعينين اللتين كعيني الصقر الدّالّتين مع ذلك على حسن الطوية. هذه هي أول رؤياي للمولى عباس أفندي كما يسمّيه البهائية وبمحادثة تلت هذه الرؤيا وقع اعتباره في نفسي وارتفعت منزلته عندي.‘

 

l l l l l

 

عبدالبهاء عباس

زعيم النهضة الدينية والحركة الروحية

(لحضرة الكاتب الفاضل الشيخ فرج زكي الكردي)

 

     توفّي عبدالبهاء عباس وعمره 77 سنة، قضاها في إرشاد الخلق إلى وحدة العالم وتأليف قلوب الأمم وترك التعصّبات الجنسية والدينية والمذهبية. وهو الابن الأرشد لحضرة بهاءالله من أبناء أحد وزراء الدولة الفارسية وصاحب التعاليم الشهيرة وزعيم النهضة الدينية والحركة الروحية.

     ظهر حضرة بهاءالله من أفق إيران سنة 1280 هجرية، حينما كانت ظلمات الاختلافات المذهبية والتعصبات الجنسية والوطنية محيطة بالكرة الأرضية، لا سيّما الأمم الشرقية، إذ كان أكثر القبائل وأرباب الطرق والمذاهب يبيحون دماء بعضهم البعض ويشتغلون دائماً بالمنازعات المذهبية والتعصبات الجنسية وإزهاق الأرواح البريئة الخ.


     أتى حضرة بهاءالله بتعاليم جديدة وقوانين محكمة، منها وحدة العالم الإنساني، وإيجاد الألفة والمحبة والاتحاد بين البشر، وترك التعصبات الدينية والمذهبية والجنسية، وإيجاد حرّية الشعوب، وترك الحروب، والسلام العامّ بين العالم، والتعليم الإجباري، يتساوى في ذلك الذكور والإناث، وتطبيق العلم على الدين لتتم سعادة البشر، إذ أنّ الطير لا يطير إلاّ بجناحين، وإنشاء مجمع الأمم بحيث ينتخب أعضاؤه من جميع الملل والنحل، وتأسيس محكمة عليا لحلّ مشاكل العالم بأسره، وقد أخذ الدكتور ولسن في مبادئه المشهورة اثنتي عشر مادة منها.

     وجاء بكثير من الإصلاحات العصرية التي لو تمسّك العالم بها، لتخلّص من جميع هذه المشاكل.

     مع العلم بأنّ هذه التعاليم السامية لم تكن بارزة للعيان قبل ظهور حضرة بهاءالله، ولم تكن تسمع أصوات الحرية والاستقلال وتحرير الشعوب في كلّ ناحية ومكان كما هو الحاصل الآن بظهور حضرة بهاءالله تطوّر العالم تطوّراً عمليّاً ونهض من الخمول الذي كان رازحاً تحته، وطالب بالحرية والمساواة البشرية.

     وقد كان حضرة بهاءالله من وقت ظهوره تحت تضييق وسجن دولتيّ الفرس والترك إلى أنْ توفّي سنة 1309 هجرية.

     وقبل وفاته عهد إلى ابنه الأرشد وخليفته الأوحد حضرة عبدالبهاء بنشر تعاليمه، وإعلان دعوته وذلك بنصّ كتاب عهده.

     قضى حضرة عبدالبهاء مع والده معظم أيام حياته وزهرة شبابه وهي أربعون سنة في سجن عكاء إلى أنْ أعلن الدستور العثماني، فقام إذ ذاك بما عهده إليه حقّ القيام في نشر تلك التعاليم السامية بأنْ سافر إلى مصر ومنها سنة 1911 ميلادية إلى الأقطار الأوروپية، وخطب في أكثر الكنائس والمعاهد العلمية وحثّ الناس على الكمالات الإنسانية وتوحيد العالم البشري والرجوع إلى التعاليم الإلهية وترك التعصبات المذهبية والجنسية والسياسية وحضّهم على تحرّي الحقيقة ورفع سوء التفاهم من بين الأمم، وبيّن أنّ مطالب جميع الرسل واحدة، وكلّهم دعوا الناس إلى توحيد


الباري ومعرفة الحقّ وأيجاد الألفة بين البشر والسلام العامّ بين الأنام.

     وبعد جهاد نحو عام رجع إلى مصر ولم يلبث إلاّ قليلاً حتّى التمس منه أهل أميركا تشريف بلادهم بزيارته فسافر إليها سنة 1912، وهناك قوبل بما يليق بمقامه الجليل وعلمه الجزيل وغشي المجامع والكنائس بدعوة من رؤسائها وأثبت بلسان طلق فصيح وجود الذات الإلهية وحقّية جميع الرسل على السواء ببراهين مقنعة لجميع مفكّري الأديان من الطبيعيين والدهريين (راجع خطبته التي ألقاها في أكسفورد على الفلاسفة والطبيعيين) وقد ترجمت جميع تلك الخطب إلى جملة لغات سامية، ونشرت في الجرائد الأوروپية والأمريكية وغيرها.

     وممّا ألقاه على مسامعهم أنّ النار مخبأة تحت أطباق بركان أوروپا، فستشتعل إنْ لم تدركوها وأخيراً أخبرهم وأنذرهم بوقوع هذه الحرب الأخيرة وما يترتّب عليها من الخراب والدمار.

     وقد كتب كتباً هامّة ورسائل عديدة في جواب مسائل مختلفة للعلماء من جميع الأقطار، حلّ بها رموز المسائل المتنازع فيها، وكشف الآيات المتشابهات وأزال معضلات ومشكلات المطالب العالية.

     وطبع منها في مصر وغيرها جملة مجلدات بالفارسية والعربية وترجمت إلى الإنكليزية والتركية والألمانية والفرنساوية واليابانية والأرمنية والروسية وغيرها من اللغات الحيّة.

     وناهيك ببلاغة تلك الخطب وفصاحة تلك الرسائل التي سنذكر لكم طرفاً منها لتعلموا أنّ الشرق كما إنّه مطلع الشمس الظاهرة، كان ولم يزل مطلع شمس الحقيقة ومنبع العلوم ومشرق الأنوار ومطلع الأسرار.

     وأمّا مقدار نفوذ تعاليمه الروحية، وتأثير خطاباته العلمية الأدبية فحدّث عنه ولا حرج.

     وممّا كان يقوله دائماً أنّ ضعف الدين يزيد في غرور الأشرار وتجاسرهم على الأبرار إذا لم تسدّ المحبة وتملأ الرحمة والشفقة الدينية قلوب البشر يحصل الهرج والمرج ويختلّ نظام العالم وانتظام الأمم.


     وقد كثر المعجبون بتعاليمه، والمحبّذون لتأثير خطاباته. ولا سيما في الولايات المتحدة بلاد العلم والحرية.

     وممّا قاله بعض عظماء الأمريكيين في أثناء إحدى خطاباته "إنّنا كنّا نريد أنْ نبعث العلماء إلى الشرق لتعليم الشرقيين، ولكن ظهر الآن أنّا كنّا مخطئين فإنّ الشرق لم يزل مشرق التعاليم الروحية ومنبع الأسرار الإلهية الخ."

     وقام أحد اليهود أثناء بعض خطاباته التي أثبت فيها حقيقة سيدنا عيسى وسيدنا محمد عليهما السلام وقال: ’اعلموا أيّها الناس انّني من اليوم لست يهودياً، بل آمنت بجميع الأنبياء على السواء.‘

     واعترف رؤساء الأديان عموماً بفضل عبدالبهاء.

     وممّا قاله الحاخام ميارحين في تعريف السامعين بحضرته قبل الشروع في خطابته العظيمة في مجمع اليهود في سان فرانسيسكو: إخواني أفراد هذا المجمع. من حسن حظنا وهو لا شك حظ سعيد أنْ نرحب هذا الصباح بعبدالبهاء المعلم العظيم الشرقي في عصرنا هذا. إنّ قلب الشرق ديني محض إلى قوله ومن وقت لآخر ينبغ من قلب الشرق من يعلّم ويعيد التعاليم الإلهية. فعبدالبهاء هو من هؤلاء الناصرين للدين في هذه الحياة. ثم قام حضرة عبدالبهاء وألقى عليهم خطبة عظيمة استهلّها بقوله "الدين أول موهبة من الله للعالم الإنساني"، ثم بيّن لهم فيها مزايا الدين وحقّيّة جميع الأنبياء والمرسلين، وقد ترجمت هذه الخطبة إلى العربية وطبعت في المهاجر التي تصدر بنيويورك عدد 858، وقد كتب القس رورند الفرد هيلز من مشيكان بأمريكا إلى حضرة عبدالبهاء رسالة متضمّنة بعض تعاليم بهاءالله بدون نسبتها إليه، فأجابه حضرة عبدالبهاء بما معناه: إنّ هذه التعاليم من تعاليم بهاءالله، وإنّ تعاليمه قد انتشرت بقوّة روح القدس، لا بمجرّد البيان في الرسائل. فكلّ أحكام تحتاج إلى قوة إجرائية وإلاّ تكون عبارة عن الأفكار والأفكار كأمواج البحر تأتي وتذهب ولا تستقر.

     وإنّ حضرة بهاءالله أثبت هذه التعاليم في القلوب كالنقش في الحجر بقوّة قدسيّة وقدرة إلهية بحيث فداها المستمعون بأرواحهم وذاق في هذا السبيل عشرون


ألف نفس كأس الشهادة الكبرى، وقال للقس المذكور ’إنْ أردت خدمة العالم الإنساني فلا بد أنْ تدخل في ظل بهاءالله وتدعو كنيستك كنيسة بهائية حتّى تؤيدك القوة القدسية.‘

     وبعد وصول هذا الجواب إليه، دخل في ظل البهائية، وكتب على كنيسته الكنيسة البهائية، فصار له شأن عظيم في توحيد الدين ونفوذ الكلمة ولم يزل يرشد الخلق إلى رب العالمين.

     وأمّا مقدار ثمرة تعاليمه الروحية ونفوذها في قلوب أتباعه البهائيين، فهذا لا يذكر بالألسنة ولا يخط بالأقلام، بل يعرف بمعاشرة البهائيين وتَتبُّع كتبهم ورسائلهم.

     وقد رأيت جملة محافل للبهائيين تضم شمل العديدين من سائر الملل والأجناس والأديان، جمعتهم البهائية على مائدة الإيمان بربّ واحد وحقّ واحد فلم يبق عندهم تعصب جنسي أو مذهبي أو ديني... الخ الخ.

     وكلّ من ينظر إليهم يراهم كأنّهم ولدوا من أب واحد وأم واحدة وتربّوا على مائدة واحدة، يساعد غنيهم فقيرهم، ويعطف قويهم على ضعيفهم ويحنو كبيرهم على صغيرهم، كما أنّ صغيرهم يبجّل كبيرهم وإنّ جميعهم يطلبون الخير والسعادة الأبدية لعموم الخلق.

 

l l l l l

 

ما أعرفه

عن

عباس أفندي

 

     من قلب آسيا مهبط الوحي، ووطن الأنبياء وأم سوريا وجدة عكاء معاً، إنبعث من خصب هذه الطاهر ينبوع حيوي قد اجتمعت أسبابه وتوحدت أصوله إلى شيء واحد عظيم لا يتجزّأ ولا يتعدد، هو خيال رائع في مبناه، وحسّ آخذ بالألباب في معناه، حتّى كان ذاك الينبوع الروحاني الفياض على العالمين بادية آثار سريانه في الأنفس


على وجوه مستبشرة تقرأ في ثنايا العالم انتعاشها القدسي آيات من البراءة من شرور العالم ناطقة بالتهاب الفضيلة غيرة على خطر الإنسان من دنياه.

     ذاك الينبوع الروحاني الفياض يستمدّ من ذاته أو من المصدر العالي المتصلة به تلك الذات إلى غاية الفناء في الحقّ أجناساً من الهدى لا تتوافر إلاّ لنفس خصّت بلذة احتمال الجهاد لنشر الدعوة إلى تعميم كلمة الله الحقّة في البشر.

     بعدئذ سلْ طائفة الأدباء من الكتاب والشعراء والخطباء عن الأدب وحاله في الشرق يجيبوك أو يناجوك حتّى من أقصى الحواضر وأعماق المجاهل أنّ للأدب في الشرق تاجاً رائعاً عليه من تهاويل الصنعة الباهرة الشيء الخلاب الذاهب بالألباب محمول ذاك التاج اليتيم على رأس خالد تفنى على بابه كنوز الدهر. يقول بعضهم مثلاً أنّ فلاناً ركن الأدب وعماده، وملجأ الأدباء ومعينهم، وهو بجانب ما يلزم من الوصف والتعريف لبعض قدر الإمام الأعظم عباس أفندي يسير تافه لا يذكر.

     كان الإمام البهائي فوق ما سبق أشبه بسياج منيع يحوط الأحرار الأبرياء من عبث المستبدين الظالمين الذين كان يجاهدهم طول حياته بسيف الحقّ ردّاً للظلم وذوداً عن حرمة العدل وصوناً لمقام الحرية والرحمة المكوّنتين لجوهر الفضيلة أو يأتي عليهم بذات الحق فيجعل مصرع الظلم شديداً.

     وهكذا كواكب الأرض من قادة الأمم مصابيح الدعوة ونباريس الهدى، فإنّهم قد ينالهم من صنوف الاستبداد بقدر ما يكون لطريقتهم من فعل كبير الأثر عظيم الخاتمة.

 

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

وتأتي على قدر الكرام المكارم

     أمّا الحاجة فقد كانت تزول لدى ساحة كرم الإمام عباس أفندي حتّى صار أكثر الناس بؤساً في ظلّه محسوداً على النعمة، إنّ الإمام كان يضم في رفيع خلقه إلى المجد ازدراء المال إلاّ أنْ ينفق عن سعة وسخاء في وجوهه المشروعة فكانت الفاقة لعظيم رحمة جانب الإمام يائسة أبداً من أنْ تفتش عن فريسة لها مهما كان إمعانها في قاموس البؤس والشقاء.


     كانت أندية حيفاء وعكاء إذا أشرقت عليها أنوار السيد عباس إمتلأت علماً وأدباً وفلسفة وحكمة تستقي منها العقول وترتشف النفوس وتروى القلوب فتذهب المشاعر بين هذه الأضواء العباسية والأنوار الروحية، مأخوذة بجلال الحقيقة بريئة من شائبة الوجود الذاتي الذي طالما تجمّدت عنده الأفهام على الباطل قبل أنْ تشرق شمس الإمام عباس أفندي على الكون فتذكّيه بحرارة الحقّ السرمدي.

     كانت داره العامرة من مدينة عكاء كعبة القصّاد يؤمّها الخلائق من سائر الأصقاع وجميع الملل والنحل، باحثين متفهمين مستفسرين سائلين ممعنين، فما هي إلاّ ساعة الإجابة القاطعة المنتزعة من عقل راجح ونفس فياضة وقلب كبير وحسّ حال في سبيل الحقّ إلى عاطفة مؤثرة من نور حتّى تنقلب تلك النفوس الظامئة وقد بللها القطر بعد أنْ تذوقت من سلسبيل مبادئ البهائية فتشعّبت بأنّ المذهب البهائي كتلة من نور قد صاغها الخالق من عناصر الإخاء والتسامح والمحبة وأخواتها.

     سُعدت مرّة بزيارته بمدينة عكاء فكان مجلسه حافلاً بعلية القوم غاصّاً بالعلماء والأدباء والفضلاء وكان الحديث جامعاً بين التالد والطريف من العلوم والفنون، فكان صدر الإمام حاوياً علم ما اشتملت عليه جميعاً مع سرعة الخاطر ودقّة النظر الممزوج بالتحديد المنطقي الصحيح عند أعظم المسائل وأدقّها.

     قدم رحمه الله القاهرة سنة 1911 وحلّ ضيفاً مبجّلاً مكرّماً على عين من عظماء البهائيين، فتقاطر العظماء والفضلاء لزيارته والتيمّن بطلعته وقد كتب عنه إذ ذاك المرحوم كامل أفندي دياب الكاتب المعروف مقالة ضافية في جريدة وادي النيل الغرّاء الصادرة يوم الأربعاء الموافق 22 مارس 1911، نقتطف منها الفقرة الآتية: ’وما البهائية سوى أنموذج الفضيلة جوهرها وحدة الإنسان وتعاليمها إزالة فروق التعصب للدين أو للجنس أو للوطن أو لمرفق من مرافق الحياة الدنيوية.‘ إلى أنْ قال: ’كنت يوماً مع حضرة عباس أفندي البهائي الرجل العظيم فمررنا على المدرسة العلمانية الدمقراطية في الشاطبي، فسألني عنها فقلت أنّها مدرسة حرّة تعلّم كافة العلوم والمعارف الصحيحة لجميع التلامذة دون تمييز في الجنس والدين حيث لا يتطرّق إلى تعاليمها غير العلم


الصحيح دون غيره.‘

     فأبرقت أسرته وتلفظ بكلمات رضاء عنها وثناء على مؤسسيها الأفاضل وقال ما أذكره حرفياً في هذه المناسبة: ’قد كان فيما مضى أهالي حيفاء من مسلمين ومسيحيين على غاية الحب والتودّد والوفاق فنكبهم الله بجحش وتيس فأوقعا البين والتفريق في هؤلاء الأخوة البسطاء فقام الخصام محل الوئام وحل العداء في مكان الولاء وأصبحنا نسمع بكلمة مسلم ومسيحي في عهد هذين الجاهلين.‘ فقلت لحضرته: ’ومن هما الجحش والتيس؟‘ فقال بسكونه المعتاد: ’هما فلان وفلان...‘ واستطرد قائلاً: ’لقد مات رجل بليموتي المذهب ولم تقبل إحدى الطوائف المسيحية دفنه في مقبرتها، وعندنا نحن جبّانة لنا فاستدعيت القسيس وقلت له إنّي اقتطعتك قطعة من جبّانتنا فاضرب عليها سوراً وأدفن فيها ميتك المسكين!‘

     ثم استطرد الكاتب الكلام فقال: ’وليعلم القارئ مبلغ احترام الناس له ولمبادئه لا تقديسه لحد العبادة كما قيل، فإن مريديه يجلسون إليه بغاية الحرص والتحفّظ فوق شيمتهم من توقير الإيرانيين عادة لمن هو أكبر منهم وأجلّ شأناً وأسمى إدراكاً وحضرته لا يعطي راحته للتقبيل ولا يرضى خنوع أحد لمقامه، ويأنف سماع كلمة تعظيم وترفيع قائلاً إنّي عبد الله مثلكم واسمي (عبد الله) عباس فقط، وعلى ظنّي إنّه يريد غرس اللطف والوداعة في تربة تلك القلوب الطيبة لتزهر وتثمر جني الفضيلة والصلاح لأنّني عاشرت ذويه ومريديه فرأيتهم أنموذج الإنسانية والأدب والحبّ الصريح للقريب والبعيد ولعلّ هذا بعض ثمار تعاليمه فسقياً لها من حسنات طيبات‘ آه.

     وعند قدومه القطر المصري تلقّته الصحف الكبرى كالمؤيّد والمقطّم والأهرام ووادي النيل بالترحاب والتبجيل والإعجاب. ونعتته بالعلاّمة العظيم والمصلح الكبير والحكيم العليم غير أنّ بعض الصحف لأمر ما ذكرت عنه عبارات مفتراة لا أصل لها ممّا جعلني وقتئذ     أنْ أردّ عنه تلك الفرية بجريدة المقطّم الغرّاء. ثم تشرّفت بزيارته في رمل الإسكندرية، ولمّا بلغت المنزل المقيم به، وكانت الساعة الثامنة مساءً


ولديه جمهور عظيم من وجهاء القوم أرسلت إليه بطاقتي فخرج لمقابلتي وأدخلني معه إلى المجلس وقدّمني إلى الجالسين بهذه العبارة: ’هذا صديق الأدبار وصديق الأدبار خير من صديق الإقبال.‘ وقال: ’هذا صديق الشِّدّة والحقّ وعند الشدائد تظهر الأخلاق.‘

     ولما قدم القاهرة بعد ذلك نزل بفندق عزبة الزيتون فتوافد لزيارته الكبراء والعلماء والأفاضل وكنت معه في أثناء زيارته العالم المرحوم جورج بك زيدان منشئ الهلال وحضرت الدكاترة العلماء أصحاب المقطّم والمغفور له الشيخ علي يوسف صاحب المؤيّد وجرت بينه وبينهم أحاديث طويلة وقعت من نفوسهم موقع التأثر والإعجاب.

     ولمّا فتح الإنكليز حيفاء في 23 سبتمبر (أيلول) سنة 1918 بادر قائد الحامية لزيارة سيادة عبدالبهاء عباس أفندي بناءً على أشارة سابقة له، وبالغ في إسداء الشكر له لما بذله من الجهد الإنساني المأثور في أثناء الحرب الأخيرة الدالّ على ما تكنّه أسمى نفس من أرحم العواطف نحو البائسين والمنكوبين بشرور تلك الحرب من سائر بني الإنسان بدون تمييز بين دين ودين وجنس وجنس حتّى أنّ القائد، برهاناً على جلائل أعماله وتقديراً لمنزلته من نفوس أمراء وملوك العالم إذ ذاك، وافى سيادته بعد ذلك، وإظهاراً لقدره الرفيع قدّم إليه وسام العضوية الإمبراطورية البريطانية من درجة فارس ممنوحاً من لدن صاحب الجلالة ملك الإنكليز، فمن باب أدب المجاملة وحسن تبادل العواطف الإنسانية التي هي غاية عبدالبهاء الأولى قَبِل ذاك الوسام بالحمد والثناء تشجيعاً منه لغيره من الذين وقفوا نفوسهم على العمل لخير البشر. وإنّه لعمل محمود في باب التنافس المباح إذ فيه يتجلّى المثل الأعلى في موضوع القدوة الحسنة في عظيم الأعمال.

     وقبل عودته إلى عالم الأرواح بثلاثة أيام، أحسّ انحرافاً فلازم إحدى غرف منزله حيث تكاثر الزائرون وعند الساعة الخامسة من ليلة الوفاة زاره اثنان من عيون حيفاء فأشار عليه بتبديل تلك الغرفة فأجابهما قائلاً: ’رأيت رؤيا كأنّما هاتف يناجيني بملازمة غرفتي هذه وعدم الاستعاضة عنها بغيرها إذ شعرت من نفسي


أنّ ساعات الرحيل دوان، وأن زيادة المرء في دنياه نقصان. فالعمار والحياة جميعاً كلاهما إلى نفاد وفساد، ولم يعد لي سوى أنْ أعمر في جوف الأرض بعد سطحها، سنّة الله القديمة في البشر ولن تجد لسنّة الله تبديلاً.‘

     وعندما همّ الوجيهان بالانصراف سار يشيعهما المولى إلى الباب الخارجيّ، فتوسّلا إليه أنّ يعود حتّى لا يستهدف للهواء، فأجابهما: ’لا بأس‘.

     ولدى عودته لغرفته، كاشف من حوله بأنّه يردّد الأنفاس الأخيرة من الحياة، وعند منتصف الساعة الثانية من مساء ليلة الإثنين الواقع في 28 نوفمبر سنة 1921، فاضت روحه الطاهرة بهدوء وطمأنينة، وهي الروح التي تعارفت بالفطرة مع المنزل الأعلى، بل هي الروح التي ذهبت إلى ربّها راضية مرضية جزاء ما أدّت له تعالى قسطها كاملاً ممّا على رجال الله المختارين من الواجب الأعظم في هذه الحياة.

 

سلالة عبدالبهاء الطاهرة

 

     أنجب ذخر العالم عبدالبهاء عباس أربع نيّرات وكوكباً ما كاد يبدو في سماء البهائية الطاهرة أنْ عاجله الأفول.

     وأمّا كريماته المصونات الطاهرات اللاّتي لا زلن مشرقات على الوجود فقد حُظي حضرة صاحب السيادة السيد محسن بالتزوج من الأولى، والسيد ميرزا هادي والد السيد شوقي أفندي خليفة عبدالبهاء ومبعث فيوضاته الروحانية من النيّرة الثانية، وحظي السيد ميرزا جلال من التأهّل بالثالثة وبالنيّرة الرابعة حضرة العزّة أحمد بك يزدي قنصل دولة إيران العلية في بورت سعيد.

     وأولاً وأخيراً أقول أنّ وجوه الوصف الشافي قد تفنى عليها متون البلاغة دون أنْ يتسنّى لقلم ما في الوجود أنْ يوفّي المولى عباس حقّه من الواجب، وقد يكون الشعور بالعجز في بعض الأحايين التي تستدعي الإسهاب رعاية المقام الموصوف من أجلى وأفصح ألسن البيان وفي مثل هذا المقام العزيز فليتنافس المتنافسون.

المخلص

سليم قبعين


مبادئ البهائية

 

(1) وحدة عالم الإنسانية

     أنتم جميعاً أوراق شجرة واحدة وثمرات غصن واحد. أتعرفون لماذا خلقناكم جميعاً من طينة واحدة؟ لكيلا يفتخر أحد على أحد. فكّروا دائماً في كيفية خلقتكم.

 

(2) الاستقلال في تحرّي الحقيقة

     لا يجوز لأيّ إنسان أنْ يقتفي أثر أسلافه ويقلّدهم تقليداً أعمى، بل الواجب عليه أنْ ينظر بعين نفسه لا بعين أحد من أجداده وأسلافه. ويجب عليه أنْ يتحرّى الحقيقة حتّى يفوز بها، وحيثما يرى أنّ ديانة الأسلاف مبنيّة على التقليد الأعمى، فغرضه أنْ يفحصها وأنْ لا يتلقّاها قضية مسلّمة من غير اختبار، إذ الواجب عليه أنْ لا يحترم المشهور أو لأنّه المجمع عليه لدى القوم، بل يجب عليه أنْ يتحرّى الحقيقة حتّى يفوز بالوصول إليها.

 

(3) أساس الأديان واحد

     الأساس الذي وضع لعموم الأديان والدعامة التي ترتكز عليها سفراء الرحمن حقيقة واحدة، والواحد لا يتعدّد ولكنّا نرى من الأسف بعض الطقوس والتقاليد قد دخلت فيها وبدخولها أوجدت التفريق والانقسام بين الأديان. فهي عوامل لتفريق شملها فابحثوا عن الحقيقة تلقوها ظاهرة للعيان بارزة لكلّ من كان، فالدين واحد لا أديان متفرّقة.

 

(4) الدين سبب الألفة بين البشر

     جميع الأديان هي أسطع الأنوار الإلهية وهي المثال الحيّ لبقاء النوع الإنساني، ووسيلة التآلف بين بنيه، ولو كانت الأديان سبباً في العداء والبغضاء والظلم والجفاء لكان عدمها خيراً من وجودها، ولكان هجرها خطوة في سبيل الوحدة.

 

(5) اتفاق الدين مع العلم والعقل

     يجب أنْ يكون الدين أمراً معقولاً وأن يتّحد إتحاداً تامّاً مع العلم حتّى لا يتنافر ولا يباين أحدهما الآخر. ويلزم أنْ يكونا أخوين صنوين ولقد جرى، حتّى


أيامنا هذه، أنْ يقبل الإنسان كلّ ما يقال له ويلقى عليه على أنّه الدين ولو كان ذلك الملقى مخالفاً لكلّ عقل بشري وهذا لا يسوغ في شرعة الدين الحقيقي.

 

(6) حل المسائل الاقتصادية

     لا يوجد كتاب ديني من الكتب المقدسة تناول هذا المبحث ولكنه حلّ حلاً شافياً وافياً بمرام الهيئة الاجتماعية في تعاليم حضرة بهاءالله، فكما أنّ الغني يتمتّع باللّذات كذلك الفقير يجب أنْ يكون له مأوى حسن يأوي إليه وأنْ لا يكون في فاقة وإذا لم يتحقق ذلك فلا تذوق الإنسانية طعم الهناء إذ الكلّ في نظر الله سواء.

 

(7) اللغة العمومية

     سينتخب العالم جماعة منهم لاختيار لغة عمومية تدرّس في كافة مدارس العالم وتلقّن للمبتدئين من كلّ الأمم حتّى لا يحتاج الإنسان إلاّ إلى لغتين فقط: لغته الأصلية واللغة العمومية التي سيتعلّمها العموم.

 

(8) المحكمة العمومية

     منذ نيف وخمسين عاماً وضع حضرة بهاءالله هذه المبادئ، وأمر بتأسيس محكمة دولية عمومية تحت حماية الله ورعاية كلّ البشر ويجب على الكلّ أنْ يخضع ويطيع لكلّ ما تقرّره هذه المحكمة حتّى يمكن حلّ مشاكل كلّ الأمم بواسطتها ولا شك أنّ هذه المبادئ هي روح هذا العصر ونور كلّ مصر.

 

(9) التساوي بين الرجال والنساء

     هذا مبدأ خاصّ بتعاليم حضرة بهاءالله بخلاف الأديان القديمة السابقة، فإنّها كانت دائماً تضع الرجل في مرتبة أعلى من مرتبة المرأة والبنون والبنات في هذا الدور يجب أنْ يتساويا في أمر التعليم والتهذيب وبذلك يتحقق اتحاد الجنس البشري.

 

(10) نبذ التعصبات بالكلّية

     لقد بعث عموم الأنبياء من أجل إيجاد الألفة بين البشر، ولم يبعثوا لبذر بذور الشقاق في الآفاق بل جاءوا ليلقوا على الناس دروس المحبة والولاء لا البغضة والقلى على هذا فالواجب على جميع المتدينين أنْ ينبذوا كلّ التعصبات وراءهم ظهرياً سواء


كانت جنسية أو وطنية أو دينية أو سياسية. يجب علينا أنْ نكون سبباً في غرس جذور المحبة بين الأنام.

 

(11) الصلح العمومي

     يجب أنْ تعيش الناس والأمم في سلام واطمئنان، وبعدئذ سيتحقق السلام العامّ بين مختلفي الأديان والأجناس والأقوام. ومسألة المسائل في هذا العصر هي مسألة السلام العامّ وتحقيق هذا المبدأ العظيم هو من ضروريات هذا العصر وعقد جميل سيتحلّى به جيد هذا الدهر.

 

(12) تعميم التربية بين جميع البشر

     يجب أنْ يأخذ كلّ كائن نصيبه من العلم والتربية وذلك من أهم ضروريات الدين، فيجب أنْ يكون التعليم إجبارياً، وإذا لم يكن للطفل والدان فالجمعية البشرية ملزمة بالقيام على تربيته، إذ لا يصح أنْ يوجد مخلوق لم ينل قسطه من العرفان.

 

خطب عبدالبهاء في أوروپا وأميركا

 

     شخص ساكن الجنان، الطيب الذكر، عبدالبهاء عباس أفندي إلى أوروپا وأميركا لِبثّ دعوته فيها فقوبل في كلّ مكان بالإجلال والإعظام والتبجيل والاحترام، وجرت له محادثات دينية اجتماعية مع العلماء والفلاسفة والصحافيين وكبار رجال الدين، فبهرتهم مبادؤه وخلبت تعاليمه ألبابهم، وبلغ من اهتمام الصحافيين الغربيين أنّهم كانوا يحفرون لخطبه سواء كانت بالعربية أو الفارسية كليشيهات ويطبعونها في جرائدهم ثم ينشرون تعريبها أيضاً بلغاتهم.

     وخطب مئات من الخطب في المحافل والمعابد والكنائس، وكان الصحافيون ينقلون خطبه بالاختزال والفائز منهم من كان يسبق غيره بنشرها، وكان القرّاء يتخاطفون الصحف لتلاوة تلك الخطب النفيسة التي كانت تنعش النفوس بمحتوياتها الصادرة من عقل فياض ينثر الدر والغرر ويحيي ميت القلوب التي رسخت فيها المعتقدات القديمة وقيّدتها الطقوس والفروض وجعلتها ضمن دائرة ضيقة لا تستطيع تجاوزها.


     رأى الغربيون وغيرهم في تعاليم عبدالبهاء مبادئ صحيحة واضحة خالية من الغموض والإبهام وليس فيها ما يقصر الإدراك عن فهمه فدخلت الآذان بدون استئذان، وحلّت النفوس من تلك الأغلال التي رسفت فيها أعواماً طوالاً. أبان عبدالبهاء في خطبه أنّ الأديان ما وجدت لإلقاء بذور الشقاق بين الناس وبثّ الضغائن والأحقاد في نفوسهم بل إنّها وجدت لتوطيد دعائم السلام وبث المحبة والوئام وإنّها وجدت رحمة للعالمين.

     ولو أردت أنْ أنشر جميع خطبه لاقتضى لذلك مجلّدات ضخمة، ولكن لمّا كان ما لا يؤخذ كلّه لا يترك جلّه، فقد جمعت نخبة من تلك الخطب النفيسة والقليل يدلّ على الكثير.

 

l l l l l

 

عباس أفندي في لندن

 

     قوبل حضرة عباس أفندي عبدالبهاء في لندن بما يليق بمقامه الروحاني، وكان أينما حلّ وسار قبلة الأنظار ومطمح الأبصار وتوافد العلماء والفلاسفة والقساوسة لزيارته والتيمّن بطلعته واستماع أقواله واستيضاح مبادئ البهائية التي كانوا متعطشين لسماعها، وجرت بينه وبينهم أحاديث طويلة وخطب عدة خطب باللغتين العربية والفارسية كانت تعرّب في الحال إلى لغة القوم.

     وقد قابل المولى عباس أفندي أحد مشاهير الكتاب في لندن عند زيارته لها سنة 1911.

     ونشرت الجريدة المسماة "ذي كرستشن كومنولث" أيّ الجمهورية المسيحية، (وهي لسان حال الحركة الأمامية في الديانة المسيحية والآداب الاجتماعية) صورة ذلك الحديث في عددها الذي صدر في 13 سبتمبر سنة 1911. وممّا جاء في الحديث قول الكاتب:

     ومن عادة أنصار كلّ نبي أو قائد ديني كبير أنْ يعزوا إليه أموراً خارقة


وقوة فوق قوة البشر. وقد قلت لعبدالبهاء في ذلك فأنكر أنّ له قوة فوق قوة سائر الخلق بل أنكر تسميته بالنبي وقال إنّه لم يقل في زمانه كلمة يشتمّ منها أنّه يدّعي قوة النبوّة. قال: "لست إلاّ خادم الله، ولا أريد أنْ أدعى بغير هذه اللقب".

     ومما قاله لي: "إن أساس البهائية أساس جميع الأديان، فإن تعاليم أنبياء إسرائيل ويسوع المسيح وغيرهم من معلّمي الأديان نُسيت، فقامت البهائية تجدّدها وتذكّر الناسين بها. لذلك يحب البهائيون أهل الأديان الأخرى حبّاً جمّاً لأنّهم يعلمون أنّ ابني آدم أكفاء من جهة التمثال ومن جبلة واحدة."

     وبهاءالله يسعى إلى تمكين روابط الصداقة والاتحاد بين الناس، ويوجّه خطابه إلى العالم كلّه، لا إلى نحلة واحدة أو ملّة معينة منه. قال لي: ’نحن كلّنا فروع أصل واحد وأعشاب في حقل واحد، وإنّ ما أفضى إلى ما بيننا من الاختلاف والانقسام سوء التفاهم. فلو جيء بالحقّ إلى الخلق لعلموا أنّهم كلّهم واحد، ولقال كلّ منهم على حدة هذا هو الحقّ الذي كنت أنشده. ذلك بأنّ التعاليم التي علّمها الأنبياء الصادقون واحدة لا فرق بينها.‘

     قلت: ’ما هي الميزة التي تتميّز البهائية بها، وما هي الصفة الخاصّة التي تضيفها إلى أديان العالم؟‘

     قال: ’إعلان إتحاد بني البشر، وبالتالي السلام بين الأمم وتجديد تعاليم الأنبياء الذين بعثهم الله نوراً وهدى للعالمين وبسط تلك التعاليم وإفراغها في قالب ملائم لروح العصر. فإنّه لما ظهر بهاءالله في الشرق منادياً بوحدة الخلق، قامت قيامة إيران كلّها عليه ولكنه نشر رسالته هذه رغم كلّ مقاومة، وكانت نتيجة سيرته وتعاليمه أنّ ملل إيران ونحلها المختلفة أخذت تصير عائلة واحدة لله، وترى المسلمين والنصارى واليهود والمجوس الذي انتحلوا البهائية على أعظم وفاق ووئام لا خصام بينهم ولا حرب، فالمسلمون يجلّون موسى والمسيح، والنصاري يجلّون محمداً وموسى، واليهود يجلّون المسيح ومحمداً. وقد تعلموا حبّ بعضهم البعض وأخذوا يصيرون واحداً، واعلم أنّ الوحدة هي الحياة نفسها هي موهبة إلهية. وكلّ ما يفضي


إلى الانقسام والبغضاء إنّما هو رجس من أعمال الشيطان، فالواجب أنْ ترشد الأديان إلى الاتحاد...‘ الخ.

     وقال الكاتب فلا عجب والحالة إذا رأينا الناس يقبلون على البهائية أفواجاً لآدابها السامية وبساطة تعاليمها وسلامتها من الأوامر والنواهي ضيقة الحدود قليلة التسامح. وليس لها نظام خاصّ بها ولا طقوس تجري عليها ولا طغمات يتوارثون رتبها وألقابها، ولا أماكن خاصّة للعبادة ولا كتاب موقوت للصلاة بل هي بالاختصار روح وحياة وليس من مبادئها إقناع الناس بترك أديانهم والانضمام إليها، فقد تكون بهائياً مع بقائك مسيحياً أو يهودياً أو مسلماً.

     وبعد انتهاء حديثي معه دخل علينا القس كمل المشهور، فوقف عبدالبهاء وتقدّم لمقابلته باسماً باسطاً إليه ذراعيه وحيّاه أحسن تحيّة ودار بينهما الحديث الآتي بواسطة ترجمان إنكليزي يعرف الفارسية.

     كمل:     ’طالما تقت إلى هذه الفرصة لمقابلتك.‘

     عبدالبهاء:     ’هذا دليل صادق على أنّ قلبينا واحد.‘

     كمل: ’هذا صحيح والقلوب شواهد.‘

     عبدالبهاء: ’عندنا مثل يقول أنّ القلوب المتوحدة تجد سبيلاً بعضها إلى بعض.‘

     كمل: ’لا أظن هذا المثل خاصّاً بإيران وحدها.‘

     عبدالبهاء: ’كثيراً ما نرى أهل بيت واحد مفترقين لا وحدة بين قلوبهم. ولكن هنا رجلين الواحد يعيش في الشرق والثاني في الغرب، وقد جعل قلباهما يجتمعان منذ زمان طويل، فقد كانا منفصلين الواحد عن الآخر   في العالم المادي والشقة فيما بيننا بعيدة، ولكننا كنّا على الدوام متقاربين في العالم الروحاني، والقرب الحقيقي      إنّما هو قرب القلب لأقرب جسد.‘

     كمل: ’الروح لا تعرف جنسية دون أخرى.‘

     عبدالبهاء: ’الحمد لله إنّ بيننا الآن رابطة مادية فوق الرابطة الروحية


     والوحدة تامّة.‘

     كمل: ’أعرف كثيرين من أصدقائك هم أصدقائي أنا أيضاً.‘

     عبدالبهاء: ’قرأت مواعظك وخطبك.‘

     كمل: ’وكذلك قرأت مواعظك وخطبك.‘

     عبدالبهاء: ’هذا برهان على الاتحاد.‘

     وبعد أنْ شرح عبدالبهاء البهائية له، قال المستر كمل ما أشبه منشأها بالمسيحية، فإنّ اليهود حاولوا منعها من الانتشار كما حاول قومكم منع البهائية من الانتشار بينهم.

     وكان بين الحضور سيدة فقالت لعبدالبهاء إنّ حركة المستر كمل الإصلاحية في الدين المسيحي تساعد العالم الإسلامي، فإنّها حركة يفهمها المسلمون في حين أنّهم لا يفهمون ما بين الطوائف المسيحية من الاختلافات الكثيرة.

     ودعاه المستر كمل قبل إنصرافه لزيارة معبده الخاصّ في لندن ففعل، وحضر صلاة أقيمت في مساء الأحد، فوعظ المستر كمل عظة موجزة وقدّم عبدالبهاء إلى المصلّين، وتكلّم عن البهائية باختصار، وكان عبدالبهاء جالساً في كرسي على المنبر، فلمّا فرغ المستر كمل من عظته، خطب عبدالبهاء بالفارسية خطبة وجيزة دامت ثماني دقائق، ثم صلّى صلاة طويلة بالفارسية ترجمت للسامعين بالإنكليزية.

     وبعد نهاية الصلاة كتب عبدالبهاء بالفارسية الكتابة الآتية ترجمتها في توراة الكنيسة، وأمضاها بإمضائه:

     "هذا الكتاب هو كتاب الله المقدّس الموحى به من السماء، وهو توراة الخلاص والإنجيل الشريف، وسرّ المملكة ونورها والكرْم الإلهي علاوة إرشاد الله."

                                          عبدالبهاء عباس


(النص تحت الصورة في الصفحة 45)

"صورة المولى عباس أفندي عبدالبهاء"

"في معبد القس كمل جالساً والمستر كمل إلى يساره"


     وقرأت في العدد الذي صدر في 20 سبتمبر سنة 1911 من جريدة "ذي كريستشن كومنولث" المذكورة آنفاً أنّ عبدالبهاء حضر الصلاة في كنيسة سان جورج في وستمنستر، فرحّب به رئيسها الأرشديكون ولبرفورس، وقدّمه إلى الجمهور فخطب حضرة عبدالبهاء بالفارسية خطبة ضافية قرئت ترجمتها على السامعين بعد الانتهاء منها وقد عثرت على ترجمة هذه الخطبة النفيسة في جريدة وادي النيل الغراء الصادرة يوم السبت الموافق 23 ديسمبر سنة 1911 فأنقلها بحروفها وهي:

     أيّها المحترمون! اعلموا أنّ النبوّة مرآة تنبيء عن الفيض الإلهي والتجلّي الرحماني، وانطبعت فيها أشعة ساطعة من شمس الحقيقة وارتسمت فيها القوة العالية ممثلة لها تجلّيات أسماء الله الحسنى ما ينطق عن الهوى إنْ هو إلاّ وحي يوحى. فالأنبياء معادن الرحمة ومهابط الوحي ومشارق الأنوار ومصادر الآثار وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين. وأمّا الحقيقة الألوهية فمقدّسة عن الإدراك ومنزّهة عن أنْ تنسج عنّاكب الأفكار بلعابها حول حماها، فكلّما يتصوّره الإنسان من أدق المعاني إنّما هو صور للخيال وأوهام ما أنزل الله بها من سلطان، وتلك المعاني إنّما لها وجود ذهني وليس لها وجود عيني، فما هي إلاّ محاط لا محيط، ومحدود ليس ببسيط حقيقي والله بكلّ شيء محيط.

     والحقيقة الإنسانية أعظم من ذلك حيث لها الوجود الذهني والوجود العيني ومحيط على تلك التصورات الذهنية ومدرك لها والإدراك فرع حالة الإحاطة، فالألوهية التي تحت الإدراكات الإنسانية إنّما هي تصوّرات خيالية، وليست بحقيقة الألوهية لأن حقيقة الربوبية محيطة بكلّ الأشياء لا محاطة بشيء ومقدسة عن الحدود والإشارات، بل هي وجود حقيقي منزّه عن الوجود الذهني، ولا تكاد العقول تحيط به حتّى تسعه الأذهان لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير. وإذا أمعنّا النظر بعين الحقيقة نرى حتّى تفاوت المراتب في الوجود مانعاً عن الإدراك حيث أنّ كلّ مرتبة دانية لا تكاد أنْ تدرك ما فوقها مع أنّ كلتيهما في حيز الإمكان دون الوجوب، فالمرتبة الجمادية ليس لها خبر عن المرتبة النباتية لأنّ الجماد لا يدرك القوة النامية والمرتبة النباتية ليس لها خبر من عالم الحيوان.


     ولا يكاد النبات أنْ يتصوّر السمع والبصر والحركة الإرادية ولو كانت في أعلى درجة من النبات، والحيوان لا يستطيع تصوّر العقل والنفس الناطقة الكاشفة لحقائق الأشياء لأنّه فاقد الوجدان وأسير المحسوسات وذاهل عن كلّ حقيقة معقولة فكلّ حيوان لا يكاد يدرك حركة الأرض وكرويتها ولا يكاد تنكشف له القوة الجاذبة والمادة الأثيرية الغائبة عن الحواس وهو حال كونه أسير الأثير ذاهل عنه فاقد الإدراك، فإذا كانت حقيقة الجماد والنبات والحيوان والإنسان حال كونها كلّها من حيز الإمكان ولكن تفاوت المراتب مانع أنْ يدرك الجماد كمال النبات والنبات قوى الحيوان، والحيوان فضائل الإنسان، فهل من الممكن أنْ يدرك الحادث حقيقة القديم ويعرف الصنع هوية الصانع العظيم؟ أستغفر الله عن ذلك، ضعف الطالب وجلّ المطلوب نهاية أقدام العقول عقال فما بقي أدنى شبهة أنّ الحدوث عاجز عن إدراك القديم كما قال عليه السلام: "ما عرفناك حقّ معرفتك ولكن الإمكان من حيث الوجود والشؤون يحتاج الفيض من حضرة الوجوب."

     وعلى ذلك إنّ الغيب المنيع المنقطع الوجداني تجلّى على حقائق الأشياء من حيث الأسماء والصفات وما من شيء إلاّ وله نصيب من ذلك الفيض الإلهي والتجلّي الرحماني وإنّ ما من شيء إلاّ يسبّح بحمده، وأمّا الإنسان فهو جامع للكمال الإمكاني وهو الجسم الجمادي واللطف النباتي والحسّ الحيواني وفضلاً عن ذلك حائز لكمال الفيض الإلهي، فلا شك أنّه أشرف الكائنات وله قوة محيطة بحقائق الممكنات كاشفة لأسرارها وآخذة بنواصي خواصها والأسرار المكنونة في كمونها، وتخرجها من حيز الغيب إلى حيز الشهود وتعرضها للعقول والأفهام هذه هو سلطان الإنسان وبرهان الشرف الاسمي فكلّ الصنائع والبدائع والعلوم والفنون كانت يوماً ما في حيز الغيب السرّ المكنون، فهذه القوة الكاشفة المؤيدة بها الإنسان قد أطلع بها وأخرجها من حيز الغيب إلى حيز الشهود وتعرضها للعقول والأفهام. هذا هو سلطان الإنسان وبرهان الشرف الأسمى فكلّ الصنايع والبدايع والعلوم والفنون كانت يوماً في حيز الغيب السر المكنون فهذه القوة الكاشفة المؤيد بها الإنسان قد


اطّلع بها وأخرجها من الغيب إلى حيز الشهود، وعرضها على البصائر والأبصار، فثبت أنّ الحقيقة الإنسانية ممتازة عن سائر الكائنات وكاشفة لحقائق الأشياء لا سيّما الفرد الكامل والفيض الشامل والنور الباهر كلّ نبي كريم ورسول عظيم فهو عبارة عن مرآة صافية لطيفة منطبعة فيها الصور العالية تنبيء عن شمس الحقيقة المتجلّية عليها بالفيض الأبدي ولا يرى فيها إلاّ الضياء الساطع من شمس الحقيقة وتفيض به على سائر الأمم وإنّك لتهدي إلى صراط مستقيم. وإذا قلنا أنّ شمس الحقيقة أشرقت بأنوارها على المرايا الصافية فليس مرادنا أنّ الشمس الحقيقية المقدسة عن الإدراك تنزلت من علو تقديسها وسمو تنزيهها ودخلت وحلّت في المرآة الصافية أستغفر الله عن ذلك وما قدّروا الله حقّ قدره، بل نقصد بذلك أنّ شمس الحقيقة فاضت أنوارها على المرايا لا يُرى فيها إلاّ ضياؤها وما ينطق عن الهوى إنْ هو إلاّ وحي يوحى. إنّ النزول والصعود      والدخول والخروج والحلول من لوازم الأجسام دون الأرواح فكيف الحقيقة الربانية والذاتية الصمدانية إنّها جلّت عن تلك الأوصاف فلا يكاد أنْ ينقلب القديم حادثاً ولا الحادث قديماً فقلب الماهية ممتنع ومحال هذا هو الحقّ.

     فغاية ما يكون الحادث يستفيض الفيض التام من حضرة القديم فلننظر إلى آثار رحمة الله في المظهر الموسوي وإلى الأنوار التي سطعت من الأفق العيسوي وإلى السراج الوهاج اللاّمع في الزجاج المحمدي عليه الصلاة والسلام وعلى الذين بهم أشرقت الأنوار وظهرت الأسرار وشاعت وذاعت الآثار على ممر الأعصار والأدهار.

 

l l l l l


ترجمة الخطبة التي ألقاها

عباس أفندي

في جامعة أكسفورد بلندن

على جمهور من الأساتذة والفلاسفة

 

هو الله

     لا يكاد الإنسان أنْ يطّلع بالسر المكنون في غيب الإمكان إلاّ بعد الخوض في غمار البحار، والفوز بعمق الأسرار، عند ذلك يرى الآيات الباهرة، والدلائل الساطعة، والبراهين القاطعة، والحجج اللاّمعة، انظر إلى سرّ الوجود، والبرهان المشهود، إنّ ربّك الودود قد جعل كلّ ممكن الوجود أسيراً لأحكام الطبيعة وذليلة لقوانينها كما ترى أنّ الأشياء كلّها تحت سلطة ناموس الطبيعة ومخذولة تحت صولتها، ومحسورة عند ظهور قدرتها ودولتها، حتّى الشمس النير الأعظم لا تكاد أنْ تنحرف رأس شعرة من قوانينها بل هي مطيعة لحكمها، ذليلة عند ظهور سطوتها، فلا تتعدى مدارها، وهذا المحيط الموّاج مع عظمته واتساعه لا يكاد يتخلّص من شرّها ولا يتحرّر من سلاسلها، وكذا كلّ الأجسام العظيمة المتلألئة المتحركة الدرهرهة[4] في هذا الفضاء الذي لا يتناهي كلّها تحت حكم الطبيعة بأسرها وأذلاّء عند ظهور قدرتها، ضعفاء عند بروز قوتها، ولا تكاد تتعاطى حركة دون أمرها، إلاّ هذا الإنسان الصغير الجسم، الوسيع الفكر، العظيم النهى، الشديد القوى، إنّه يحكم على الطبيعة ويخرق قوانينها، ويهدم مبانيها ويكسر شوكتها، ويخذل دولتها، ويقطع صولتها، ولا يعتني بأحكامها، ويزدري بأصولها ونواميسها، كما ترى أنّ الإنسان بمقتضى قوانين الطبيعة هو حيوان دباب، على التراب، ولكنه يكسر نواميس الطبيعة ويطير في الهواء ويخوض في غمار البحار، ويطارد على صفحات الماء، وترى القوة البرقية الخارقة للجبال العاصية العاتية بقانون الطبيعة أنّها أسيرة حصيرة بيد الإنسان


في زجاجة صغيرة ولاشك أنّ هذا خرق لقانون الطبيعة، والصوت الحرّ المنتشر في هذا الفضاء يحصره الإنسان في آلة صماء وهذا أيضاً خرق لقانون الطبيعة، والظل الزائل يجعله الإنسان ثابتاً على صفحات الزجاج وهذا خرق أيضاً لقانون الطبيعة، وإذا نظرت بنظر دقيق ترى أنّ كلّ هذه الصنايع والبدايع والعلوم والفنون والاكتشافات والاختراعات يوماً ما كانت من الأسرار المكنونة، والحقائق المصونة في غياهب الطبيعة ولكن الإنسان اكتشفها وهي في حيز الغيب وأخرجها إلى حيز الشهود وهذا خرق عظيم لقوانين الطبيعة. إذاً لا شبهة أنّ الإنسان خارق لشرائع الطبيعة هادم لصولتها، كاسر لشوكتها، ناسخ لقوانينها، فاسخ لنواميسها، مع هذا البرهان اللاّمع، والحقيقة الساطعة الدالة على قوة قدسية للإنسان وراء الطبيعة كيف يتخاذل الإنسان ويتنازل الجاهل ويتعبد للطبيعة ويسجد لها من دون الله ويعتقد أنّها هي الحقيقة الجامعة، والدرة البيضاء الساطعة، والكينونة الحائزة للمعنى التام، الهوية الخارقة للطبيعة وأحكامها، الكاشفة لأسرارها، الكاسرة لقوانينها ونظامها هي الإنسان وهذا أعظم برهان وأقوم دليل لعلوّ الإنسان وسموّه على الطبائع كلّها فأمعن النظر حتّى ترى البرهان الذي أنزله الرحمن في القرآن. خلق الإنسان علّمه البيان، إنّما البيان عبارة عن الحقيقة الساطعة والأسرار المودعة في حقيقة الإنسان تعالى الرحمن الذي خلق هذا النور المبين، المؤيد بالفكر والذكر العظيم، وامتازه الله من الكائنات حتّى عن الطبيعة التي يعبدونها من دون الله، وإذا نظرنا إلى النواميس المرتبطة بها جميع الكائنات في حيز الطبيعة نرى بوضوح البيان أنّ الإنسان بقانون الطبيعة أسير للسباع الضارية ولكنه بقوة معنوية مودعة فيه طالما أسر السباع الضارية، وطالما ذلل وقهر الذئاب الكاسرة، وهذا خرق عظيم أيضاً لنواميس الطبيعة وأنّ الإنسان يدع آثار القرون الخالية والفنون الحاضرة مواريث للقرون الآتية وهذا خرق أيضاً لنواميس الطبيعة وأنّ الإنسان له آثار باهرة بعد غيابه من هذه النشأة الحاضرة، والحال أنّ الآثار تابعة للمؤثر حيث الأثر والمؤثر توأمان ولا يجوز وجود


الأثر المستمر مع فقدان المؤثر وهذا خرق، وأنّ الإنسان يجعل للأشجار الفاقدة الثمار قطوفاً دانية وهذا خرق، وأنّ الإنسان يجعل السموم المهلكة بقانون الطبيعة سبباً للشفاء والعافية وهذا خرق، وأنّ الإنسان يستخرج المعادن التي هي كنوز الطبيعة وأسرارها المكنونة المصونة في باطنها ولا يجوز ظهورها بحسب قانونها وهذا خرق، وأنّ الإنسان بقوة معنوية يمزق قوانين الطبيعة كلّ ممزق ويغتصب السيف الشاهر من الطبيعة ويضربها ضربة دامغة وهذا خرق بل تمزيق لقانون الطبيعة، ثم انظر أنّ الإنسان كاشف لأسرار الطبيعة والطبيعة غافلة عنه وعنها، وأنّ الإنسان يخابر الشرق والغرب طرفة عين وهذا خرق، وأنّ الإنسان مستقر في مركزه ويشاهد ويكالم ويخابر النواحي القاصية وهذا خرق، وأنّ الإنسان حال كونه في حيز الثرى له اكتشافات في السماء وهذا خرق، وأنّ الإنسان مخيَّر والطبيعة مجبورة، وأنّ الإنسان مستشعر والطبيعة فاقدة للشعور، أنّ الإنسان حيّ مريد والطبيعة فاقدة الحياة والإرادة، أنّ الإنسان يكتشف الحوادث الآتية والطبيعة عاجزة عنها، وأنّ الإنسان بقضايا معلومة يستل على القضايا المجهولة والطبيعة جاهلة عنها. إذاً ثبت بالبرهان الساطع أنّ في الإنسان قوة قدسية والطبيعة محرومة عنها، وأنّ في الإنسان صفة جامعة لكمالات شتّى من حيث السمع والبصر والفؤاد والفضائل التي لا تتناهى والطبيعة فاقدة لها. وأنّ الإنسان له الترقي المستمر ولا يتراخى والطبيعة لا زالت على الحالة الأولى أزلاً أبداً، وأنّ الإنسان مؤسس للفضائل والطبيعة داعية للرذائل والمفاسد التي هي منازعة البقاء والخصائل المذمومة التي جُبل الحيوان عليها، وأنّ الإنسان يتصرف بقانون العقل والنهى، وأنّ الطبيعة تتصرف بقانون الظلم والجفاء، فالخير والشر متساويان عندها، وأمّا في عالم الإنسان الخير ممدوح والشر مكروه، وأنّ الإنسان يبدّل ويغيّر القوانين المؤسسة باقتضاء الزمان والمكان والطبيعة لا تكاد تنفك عن قوانينها لأنّها مجبورة عليها، وهذه الآفات والمخاطر كلّها اعتساف الطبيعة وسبب للهلاك والدمار، وأمّا الإنسان فإنّه جامع للفضائل كلّها المنبعثة من القوة المعنوية الوديعة الإلهية، وإنّها ما وراء الطبيعة لأنّها كاسرة لشوكة الطبيعة وقوانينها، ومع هذه البراهين


الواضحة، والدلائل الساطعة، والحجج البالغة، ما أغفل الإنسان وأجهله إذا خرَّ ساجداً للطبيعة وشؤونها وعبدها من دون الله ومع ذلك يعد نفسه فيلسوفاً نفيساً أستغفر الله بل هو متغافل خسيس، إنّ الإنسان لأعظم شأناً، وأقوم سلطاناً، وأجل برهاناً من الطبيعة التي ما أنزل الله بها من سلطان، يا لله ما هذه الغفلة؟ ما هذه البلادة الكبرى؟ أنْ يذهل الإنسان عن الحيّ القدير ويتعامى عن الوديعة الإلهية المودعة فيه بفيض مقدس من الرب الجليل ويدع عقله أسيراً للطبيعة وذليلاً لها. إنّ هذا ليعمي القلوب التي في الصدور والصمم الحقيقي الذي يورث النفور، صُمّ بُكم عمي فهم لا يعقلون. إذا قيل أنّ الإنسان جزء من أجزاء الطبيعة فنقول لا يكاد الجزء يحتوي على فضائل وكمالات لا تتناهى والكلّ محروم عنها هذا أمر مستحيل والله يهدي إلى صراط مستقيم.

 

l l l l l


(النص تحت الصورة في الصفحة 53)

من عادة البهائيين أنْ يدعو بعضهم بعضاً كلّ 19 يوماً بالمناوبة لمناولة الطعام أو الشاي حتّى أنّهم يقبلون دعوة أفقر واحد منهم للتعارف والتآلف ولمّا وصل المولى عباس إلى نيويورك سنة 1912 أقام وليمة كبرى للبهائيين اتّباعاً لهذه السُّنة في حديقة كبرى جلس على مائدتها أكثر من مائتي شخص وهاك صورتها.


خطاب عبدالبهاء عباس أفندي

في المجمع اليهودي في سان فرنسيسكو([5])

 

 

     ننشر هنا خطاب عبدالبهاء عباس أفندي في المجمع اليهودي في سان فرنسيسكو - كاليفورنيا بالنظر إلى ما جاء فيه من العبارات الصائبة ولشجاعة عبدالبهاء في ذكر المسيح في مجمع يهودي وفي الخطاب صورة حقيقية للتعاليم البهائية كما أنّه يحوي دروساً مفيدة في فلسفة الأديان.

     وقبل الخطاب ننشر ترجمة الكلمة التي قالها الحاخام ميار في تعريف السامعين به وهي:

     ’إخواني أفراد هذا المجمع!

     من حسن حظنا -وهو لا شك حظ سعيد- أنْ نرحب هذا الصباح بعبدالبهاء المعلم العظيم في عصرنا هذا.

     إن قلب الشرق ديني محض بقطع النظر عمّا إذا كان يوجد غير الدين فيه وفي كلّ مدة بعد أخرى، ينبغ من قلب الشرق من يعلّم ويعيد التعاليم الدينية، فعبدالبهاء هو ممثل أحد المذاهب الدينية في هذه الحياة وهذا يجيء     عند ميلنا نحن اليهود لأننا نحن اليهود نشعر بأنّنا امتلكنا هذه التعاليم في سائر أجيال الإنسان.

     وفي هذا الصباح سيتكلّم بلغته الوطنية بواسطة ترجمانه الدكتور أمين فريد في "أصل اتحاد المذاهب الدينية" وأنا لا أشك في أنّ ما سيقوله يهمّنا وسلفاً نشكره على كلامه لأنّه لبّى دعوتنا ورضي بالتكلّم هذا الصباح، وهذا هو الخطاب ترجمه إلى العربية الدكتور رضا أفندي بغدادي‘:

     الدين هو أول موهبة من الله للعالم الإنساني لأنّ الدين عبارة عن التعاليم الإلهية ولا شك بأنّ التعاليم الإلهية تفوق سواها بل هي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الغاية


القصوى. الدين يهدي الإنسان إلى حياة أبدية. الدين هو المعوّل عليه في تهذيب الأخلاق. الدين يهدي إلى السرور الدائم. الدين هو سبب السعادة الأبدية في عالم الإنسان والواسطة الكبرى لترقية الملل وتنوير العالم فينبغي أنْ نتحرى الحقيقة ونترك التقاليد العتيقة التي ما أنزل الله بها من سلطان لأنّ التقاليد تجعل كلّ فرد يرجّح ما يعتقده من دون برهان فالبعض يقولون بأنّ الدين هو سبب السعادة العظمى والآخرون يقولون بأنّ الدين هو سبب الشقاوة الكبرى. بناء على ذلك ينبغي أنْ تتفحص عمّا إذا كان الدين سبب الارتقاء أم الانحطاط وهل هو سبب العزّ أم الذل حتّى تزول الشكوك فلنذكر الأنبياء وما جرى في أيامهم من الوقائع وكذلك النتائج المسلّم بها عند العموم والتي لا يمكن إنكارها ولندع الروايات التي تحسب بعيدة عن الصواب ولا يعترف بها العموم فنقول: أنّ ابراهيم كان نبياً من الأنبياء دعا الناس للإيمان بوحدانية الله وتفرّده وترك عبادة الأوثان فقاموا عليه بمنتهى الأذية وأخرجوه من بلاده مظلوماً مقهوراً ولكن الحقّ أظهره على العموم وتمّ نوره ولو كره المشركون، فإنّ ابراهيم قد أخلف عائلة بارك الله فيها. ومن بركة الدين ظهرت الأنبياء من هذه العائلة وبعثوا مثل يعقوب ويوسف وهارون وموسى فملكوا الأرض المقدسة، وأسسوا المدنية الكبرى وهذا التأسيس كان بسبب الدين الإلهي.  إذن إنّ الدين مسبب العزّ والارتقاء والتمدن وسعادة العالم الإنساني كما إنّا حتّى يومنا هذا نرى أفراد سلالة ابراهيم منتشرين في جميع الدنيا وأعظم من هذا أنّ بني إسرائيل الذين كانوا أسرى في مصر تحت اعتداءات الأقباط وفي نهاية الذلّ والهوان، فيضادونهم ويتغلبون عليهم حيث كانوا يشغّلون السبطي في جميع الأشغال الشاقة وكانوا بمنتهى الفقر والذلّ والتوحش والجهالة فبعث الله بينهم موسى الكليم وبقوة الدين أظهر عظمةً واقتداراً عجيبين فشاعت في العالم نبوّته واشتهرت في الآفاق شريعته ومع أنّه كان وحيداً فريداً لكنه بقوة الدين استطاع أنْ يخلّص بني إسرائيل من أسر العبودية وأخذهم إلى الأرض المقدسة وأسس مدنية العالم الإنساني وهذب بني إسرائيل وأوصلهم إلى أسمى درجات العزّ ورفعهم من حضيض العبودية إلى أوج النجاح


وإلى أرقى الكمالات الإنسانية وقد ارتقوا في التمدّن والعلوم والفنون والحكم والصنايع، وبالاختصار ارتقوا إلى درجة أصبح معها فلاسفة اليونان يذهبون إلى الأرض المقدسة ليتعلّموا الحكمة من بني إسرائيل وهذا أمر معلوم مسلّم به بحسب التاريخ، حتّى أنّ سقراط الحكيم ذهب إلى الأرض المقدسة وتعلّم الحكمة من بني إسرائيل، ولمّا رجع إلى بلاد اليونان، أسس وحدانية الألوهية ونشر مسألة بقاء الأرواح بعد الموت، وهكذا فعل بقراط الحكيم. والخلاصة أنّ أكثر الفلاسفة تعلّموا الحكمة من بني إسرائيل في الأرض المقدسة ولمّا رجعوا نشروها في بلادهم. هذا وإنّ بني إسرائيل كانوا ملة ضعيفة ذليلة فتقوّت وخرجت من أسر العبودية إلى السلطنة ومن الجهالة إلى مقام العلم والحكمة والنجاح والترقي والفلاح في جميع المراتب والشئون. فيتضح من هذا بأنّ الدين هو الواسطة العظمى لارتقاء العالم الإنساني وسعادته الكبرى وهو أساس السعادة الأبدية التي وجدت بعد المظاهر الإلهية صارت سبباً للخراب مسقطة للهمم مانعة للرقي وكما هو مذكور في التوراة والتواريخ بأنّ الغضب الإلهي استولى على اليهود لسقوطهم في التقاليد وتركهم الأساس الإلهي والله سلط عليهم بختنصر الذي قتل رجالهم وأسر أطفالهم وخرّب بيت المقدس وأخذ سبعين ألف أسير إلى العراق وأحرق التوراة. إذن عرفنا بأنّ الدين هو سبب العزّ والرقي والتقاليد هي علّة الذلّ والانحطاط، ولهذا السبب استولت دولتا اليونان والرومان على اليهود وألقتهم تحت الخسف والظلم ومنهم طيطس قائد الرومان الذي حاصر الأرض المقدسة وأفنى اليهود وقتل جميع الرجال ونهب الأموال وخرب بيت المقدس وإلى الآن تشتيت بني إسرائيل مشهود. إذن الدين الإلهي المؤسس بواسطة موسى عليه السلام كان سبباً للعزّ الأبدي والتربية والرقي والحياة لبني إسرائيل، ولكن بعد ذلك نشأت التقاليد فصارت سبباً للذلّ والاضمحلال فأخرجوا كلّهم من الأرض المقدسة وتفرقوا في جميع العالم. والحاصل أنّ المقصد الوحيد من بعثة الأنبياء هو لسعادة نوع البشر وتربية العالم الإنساني والأنبياء هم المعلّمون للعموم وإذا أردنا أنْ نعلم مَن مِن مشاهير الأنبياء كان معلماً إلهياً فينبغي علينا بأنْ نتحرى الحقيقة فإذا


وجدنا أنّهم أنقذوا النفوس من أحطّ دركات الجهل وأوصلوها إلى أعلى مقام العرفان حتّى حازوا النجاح والفلاح فمن اليقين أنّهم أنبياء حقيقيون. وهذا البرهان لن يقدر أحد أنْ ينكره ولا يحتاج إلى ذكر معجزة يوجد غيره من ينكرها. نعم إنّ أعمال موسى الكليم هي البرهان الكافي ولا تحتاج إلى دليل آخر فلو وجد إنسان خالٍ من الأغراض ومنصف يتحرّى الحقيقة لا شك أنّه يشهد بأنّ موسى عليه السلام كان مربياً جليلاً ومعلماً عظيماً. والحاصل أنّ الشيء المهم هو أنّ السامع يلزمه الإنصاف وتحرّي الحقيقة واجتناب التعصّب. وأنّ المراد من وجود الأديان الألفة بين البشر وهي أساس الأديان الإلهية وهي الحقيقة الساطعة والحقيقة لا تقبل التعدّد ولا التقسيم. فإذاً ثبت أساس الأديان الإلهية حقيقة واحدة كلّ دين مقسوم إلى قسمين قسم له تعلّق بعالم الأخلاق وذلك لارتفاع مقام الإنسان وترقية البشر ومعرفة الله وكشف حقائق الأشياء هذا هو الأمر المعنوي والأساس الأصلي الإلهي الذي لن يتغير أبداً وهو أساس الأديان الإلهية كلّها بناء على ذلك إنّ الأديان الإلهية من حيث الحقيقة والأصول كلّها واحدة.

     أمّا القسم الثاني فله تعلّق بالمعاملات وذلك فرع يتغير باقتضاء الزمان والمكان. مثلاً في زمان نوح اقتضى تحليل أكل الحيوانات البحرية كلها وفي زمان إبراهيم اقتضى تزويج العم بابنة أخيه وفي زمان آدم الأخ بالأخت كما فعل هابيل وقابيل ولكن هذه الأحكام بعضها اقتضى تحريمها في التوراة باقتضاء الزمان والمكان. وكذلك موسى الكليم لعدم وجود سجن للمجرمين في الصحراء قال ’السنّ بالسّنّ والعين بالعين‘. أمّا الآن فهل يمكن إجراء هذا أم إجراء أحكام القتل العشرة المذكورة في التوراة؟ والحال أنّ جميع العقلاء في هذا اليوم يتباحثون في مسألة عدم جواز قتل القاتل وتكليف أحكام العلماء العشرة في التوراة. نعم إنّ تلك الأحكام كلّها حقّ لكنها كانت لمقتضى ذلك الزمان. وكان ذلك الزمان يوافق أنْ تقطع اليد لسرقة ريال واحد فهل يا ترى في يومنا هذا يمكن قطع اليد لسرقة مائة ألف ريال؟ فإنّ أحكام كهذه تتغير في كلّ دورة لاقتضاء الزمان والمكان لأنّها فرع أمّا القسم الأول


أيّ أساس الأديان الذي له علاقة بعالم الأخلاق ورقّة الاحساسات فلن يتغير لأنّه أساس واحد لا تعدد فيه ولا تقسيم ولا مبدل له قد أسسه موسى والمسيح ومحمد وجميع الأنبياء.

     فجميع الأنبياء دعوا إلى الحقيقة ومقاصدهم كلّها واحدة وهي سعادة العالم الإنساني والمدنية السماوية التي تتعلق بعالم الأخلاق، وبالاختصار قلنا بأنّ الدليل على حقيقة النبوّة وبرهان الوحي هو نفس الأعمال من كلّ نبي فإذا كانت سبباً لرقي العالم الإنساني فهي لا شك دليل على حقيقته. وإذا نظرنا بعين الإنصاف نرى أنّ أمّة اليهود وقعت في أسر العبودية ومحتها دولة اليونان والرومان وذهبت من بينهم شريعة الله وانهدم أساس دين الله فظهر المسيح عليه السلام وأول شيء فعله كان إعلان نبوّة موسى وأنّ التوراة كتاب الله وأنّ أنبياء بني إسرائيل جميعهم كانوا على الحقّ ونشر نبوّة موسى في العالم وأشهر اسمه في أقاليم الدنيا وقبل ظهور السيد المسيح ما كان لموسى ذكر في سائر أقطار الدنيا ولا التوراة في تلك الجهات ولكن المسيح كان واسطة لترجمة التوراة إلى أكثر اللغات وهو الذي رفع أعلام بني إسرائيل وجعل أكثر ملل العالم مؤمنة بهم وآل إسرائيل كان شعباً إلهياً مقدساً مباركاً وأن أنبياءهم كانوا مشارق للوحي والإلهام ومنهم النجوم اللاّمعة في الأفق الأبدي لذلك ثبت أنّ المسيح أذاع أمر موسى وما أنكر نبوّته بل أيّدها وما محا التوراة بل كمّلها، وجلُّ ما هناك من التغييرات هو أنّه غيّر بعض الأحكام التي كان لها تعلّق بالمعاملات وذلك لاقتضاء الزمان وهذا ما لا أهمية له ولكنه قد أظهر تعاليم موسى بقدرة فائقة وبنفوذ كلمة الله وجمع أكثر ملل الشرق والغرب المتجادلة المقاتلة في ظل خيمة هي وحدة العالم الإنساني وهذا أمر مهم حتّى أنّه جعل ملل الرومان واليونان والسريان والكلدان والآشوريين والمصريين كلّها متحدة ومتفقة وأسس المدنية السماوية فنفوذ هذه الكلمة والقوة السماوية الخارقة للعادة لا شك أنّها برهان كاف على حقيقة المسيح فانظروا كيف أنّ سلطنته السماوية لم تزل إلى الآن موجودة ومستقرة هذا هو البرهان القاطع والدليل الواضح.


     وأمّا محمد عليه السلام فأول خطابه إلى قومه أنّ موسى نبي الله والتوراة كتاب الله وأوجب عليهم الإيمان بموسى والتوراة وجميع أنبياء بني إسرائيل والاعتقاد بالمسيح والإنجيل الجليل وكرر سبع مرات تاريخ موسى في القرآن في كلّ مرة أثنى عليه وفي عدة مواضع صرّح بأنّ موسى كان من أنبياء أولي العزم وصاحب شريعة مستقلة وسمع النداء الإلهي في الصحراء وكلّم الله تكليماً وأنزلت له ألواح الوصايا العشر ولكن اعترض على محمد عليه السلام الجهلاء وقاوموه وكانت النتيجة أنّ الله نصره نصراً مبيناً لأنّ الحقّ هو الغالب على الباطل فانظروا بأنّ محمداً عليه السلام ولد بين قبائل العرب المتوحشة وعاش بينهم وهو رجل أميّ ليس له خبرة بالكتب المقدسة الإلهية أمّا قبائل العرب فكانت بغاية الجهالة والهمجية حتّى كانوا يدفنون بناتهم حيّات تحت التراب ويحسبون ذلك غيرة وحميّة وعيشتهم كانت بغاية الذلّ والأسر تحت حكومتي إيران والرومان متشتتين في بادية العرب والحرب والقتال مستديمان بينهم ولمّا طال النور المحمدي زالت ظلمات الجهالة من تلك البادية والأقوام المتوحشة وفي زمن قليل وصلت إلى منتهى المدنية والعلوم والفلسفة وتوسعوا في جميع الكمالات حتّى أنّ أهل أوروپا استفادوا من مدنيّتهم فأيّ برهان أعظم من هذا بل هذا دليل واضح وبرهان لامع على نبوّته عليه السلام ولكن إذا غضّ الإنسان الطرف عن الإنصاف وقام بنهاية الاعتساف لا يرى ذلك بل يعتسف على الحقيقة، وبالاختصار إنّ المسيحيين مؤمنون بنبوّة موسى وكذلك المسلمون يذكرونه بأعلى الثناء فهل يا ترى حصل من هذا المدح ضرر على المسيحيين والمسلمين. كلاّ بل بالعكس قد ثبت إنصافهم بمدحهم وتثبيتهم التوراة حال كونهم كذا فما الضرر يا ترى لبني إسرائيل إذا كانوا أيضاً يثنون على المسيح ومحمد عليهما السلام حتّى أنّ عداوة وقتال ونزاع ألفي سنة تذهب من بينهم ويزول الفساد. فما الضرر في هذا فالنصارى والإسلام يقولون بأنّ موسى كان كليم الله فماذا يضرّ اليهود إذا كانوا يقولون بأنّ المسيح روح الله ومحمد رسول الله. عندئذ لا يبقى نزاع ولا جدال ولا حرب ولا قتال وإنّني أعترف وأشهد بذاتي وقلبي وروحي والآن أقول بأنّ موسى كليم الله ونبي الله


وصاحب شريعة إلهية ومؤسس سعادة العالم الإنساني فهل في هذا ضرر لاعتقادي حيث أنّني بهائي؟ لا والله بل بالعكس فيه غاية الفائدة ولا شك في أنّ بهاءالله يرضى عنّي ويقول لي يا منصف لقد تحرّيت الحقيقة بدون تعرض وآمنت بنبي الله وبكتابه فإذا كان هذا هو الإنصاف يمكننا أنْ نرفع الحرب والتنازع والقتال والحصول على الألفة بين جميع الأديان فماذا يضرّنا أنْ نفعل ذلك؟ كما أنّ النصارى والمسلمين يثنون على موسى فليمدح اليهود سائر أنبياء أولي العزم من بعد موسى حتّى تحصل السعادة الكبرى ووحدة العالم الإنساني والسرور الأبدي والألفة بين العموم. طالما أنّ الله خالق الكلّ، حافظ الكلّ، رازق الكلّ وحنون على الكلّ لماذا نحن لا يشفق بعضنا على بعض بل نجادل وننازع؟ والحال أنّ هذا القرن قرن العلم، إنّ هذا القرن قرن اكتشاف أسرار الطبيعة، إنّ هذا القرن قرن خدمة العالم الإنساني هل يليق بنا أنْ نتمسك بالتعصبات والتقاليد؟ هل يليق بنا أنْ نجعل الخرافات القديمة والأفكار السقيمة سبباً للمنازعة والمقاتلة؟ وأنْ يبغض ويلعن بعضنا بعضاً حتّى يرتفع منّا ضجيج وحدة العالم الإنساني إلى عنان السماء بنغمات الملأ الأعلى؟ ونمجد الأنبياء في المحافل العمومية والمجامع الكبرى حتّى يصير العالم جنّة عليا ويتحقق اليوم الموعود الذي يشرب فيه الذئب والحمل من معين واحد، والباز والحجل يعيشان في عش واحد، والأسد والغزال يرعيان في مرعى واحد، بمعنى أنّ الأقوام المختلفة والأديان المتعددة الذين كانوا يتخاصمون مثل الذئب والحمل صار يعاشر بعضهم بعضاً بالألفة المتناهية والمحبة والاتحاد. هذا هو المقصد من بيان أشعياء وليس من المستحيل حصول الائتلاف والمؤانسة بين الذئب والغنم والأسد له أنياب وأسنان عوجاء بدون طواحن فلا يمكنه قطع الحشيش أو تنعيم الحبوب لذلك هو مضطر لأكل اللحم.

     إذن المقصد من هذه البشارات حصول الألفة بين الملل والأقوام التي توجد بينهما المشكلات مثل الذئب والغنم حتّى أنّها في اليوم الموعود تتحد وتجتمع.

     وخلاصة القول أنْ قد أتى ذلك القرن الذي تأتلف فيه جميع الملل ويحصل السلم العامّ بين العالم فتصبح الأقاليم إقليماً واحداً لنوع البشر يعيش رغداً بوحد العالم الإنساني.


(النص تحت الصورة في الصفحة 61)

هذه الصورة أخذت في أميركا ويغلب على الظن أنّها أخذت

في المجمع اليهودي في سان فرنسيسكو


نزل بلازا – واشنطون

ليلة الخميس 2 مايو 1912

معربة عن الإنكليزية بقلم محمد أفندي توفيق غريب

 

     لو تفرّسنا في جبين التكوين. وطالعنا سفر الكون. وسرحنا الطرف في رياضه أو نزّهنا الفكر في غياضه. لأتيح لنا أنْ نكشف تنسيق الطبيعة وهندامها وهندستها ونظامها وحسنها ورونقها وانتظامها. ولأبصرنا جمال الإبداع والترصيف، ونضرة الترتيب والتأليف، وأحكام البناء والصنع، وجودة السبك والوضع، ولنمتّع نظرنا بتعرّف سبائك طبقاتها ومحتوياتها، واستطلاع قلائد صورها وصيغ مشتملاتها، وبراعة الصوغ، وإجادة التصوير والصبغ، هاكم السباع والآساد التي تحتجب عن الإبصار وقت طفولتها ونشأتها الأولى، ولا تكاد العيون تلمحها في أخريات أيامها، وهاكم السيارات باعتبار أنّها ركن من كيان الخليقة الفخيمة، فانظروا وتدبروا في ملكوت هاتيكم الحقائق العظام، ومغازي روضات الكوائن الفخام، تروا الكلّ قد رضخ وانصاع لناموس كلّي شامل، وقانون محكم كامل، لا يماثله تجديد، ولا يباريه إحكام، هذا ما أنطق أحد أساطين الفلسفة العظام، ونوابغ الحكمة والدراية والعرفان، بقوله (ليس في الإمكان أبدع ممّا كان) والناس بإزاء ذلك الإبداع والسبك، شتّى في الرأي والتفكير، منهم أبناء المادة وفريق الجحود والجمود، نسبوا هذا التنظيم والتطريز والتنسيق، والقانون البديع الرائع الأنيق، المتجلي على منصة الطبيعة، إلى الطبيعة نفسها، واندفعوا إلى البتّ والحزم، بأنّ هذا النظام والتكوين وهذا العقد والحلّ، وهذا التكوين والفساد، كلّ ذلك من تخريج الطبيعة وإنشائها وكسب يدها ونتاج قوّتها وتمخّضها، فهي في رأيهم المليك الوحيد في مملكة الكون ذات النفوذ الفعّال، وصاحبة الكلمة والشأن، والقوة والسلطان، في جميع دوائر تلك المملكة الكبرى والإمبراطورية العظمى، قالوا وما ذلك الكون إلاّ مرض ظاهري، مقهور أسير في يد ذلكم الأمير، حتّى الإنسان نفسه من نتائج ذلك الأصل الخطير، فهذا حكم الماديين الطبيعيين وجملة رأيهم، ويرى جمهور آخر غير ذلك


الرأي، ويذهبون مذهباً آخر في الإسناد والتعليل، بعد إجماع العموم قاطبة على أنّ العالم بالعيان والشهود، خاضع لقانون مضبوط، وناموس محكم وثيق، فالكلّ يتصالحون على هذا القدر من الحكمة، ويدينون به، وما وراء ذلك تختلف فيه مذاهبهم وآراؤهم، أو يتساءلون بينهم هل هذا القانون الكلّي العامّ، والتناسب والتآلف التامّ، المتجلي في ضمائر الطبيعة، المتشخص على مرسحها، ناجم عن الطبيعة نفسها راجع إليها، أو عائد إلى قانون إلهي، فالطبيعيون قالوا بأنّ ذلك ليس إلاّ بمقتضى الطبيعة ووليدها، وأثر سيرتها، فلولا سقوط قطرات المطر على حقول الأرض ومزارعها ما كانت يوماً غضّة نضرة، ولولا الغمام يجود بمكارمه، ويهطل بغيثه ومآثره، ويتبرّع بفيوضاته ومبرّاته، ولولا الشمس ترسل حرارتها، وتبعث بأشعتها لما اهتزّت الأرض وربت، وأنبتت من كلّ زوج بهيج، تحت فعل تلك القوانين والمؤثرات الطبيعية، إذن ملكة النبات خاضعة لحكومة الطبيعة وحياته حسنة من حسناتها، من خواص النار الكامنة فيها، الإحراق والإتقاد، فالذي يحرق هو النار وإذا كان الإحراق من خصائص ولوازم النار، فمن رابع المستحيلات أنْ تجد جذوة من نار، أو قبساً من حار، دون هذه الخاصّية والمزية، وإجابة على كلّ ذلك نقول: نتيجة تلك المقدمات هي أنّ كلّ الفضائل والكمالات، والمزايا والآثار والصفات حسنات الطبيعة ومواهبها، وأرباح رأس مالها، وأنّها هي المسيطر الوحيد، والحاكم النافذ الأمر على كلّ شيء، وأنّها هي الأصل وهي الكلّ وعلى ذلك الإنتاج نقول: لو كانت الطبيعة أصلاً وكلاًّ، وما سواها من سائر الأشياء والأكوان فرعاً وجزءاً، لكان الإنسان أحد أفنانها، ولصح أنْ يكون جزءاً من أجزائها ولو كان الإنسان بإزاء الطبيعة والطبيعة بإزائه على ذكر، لكانت (وهي الأصل والكلّ فرضاً)، محرزة لمزايا الإنسان، وبعبارات أوسع شمولاً، لو كانت هي الأصل لأحرزت كلّ شيء، وكلّ شرف في أيّ غصن من أغصانها، حتّى الإنسان فكانت مالكة لمزاياه، لكنّا بالشهود والعيان والفحص والاستقراء، نجد الأمر على خلاف ذلك الاستلزام والاقتضاء، فإنّ الإنسان يحوي فضائل مخصوصة ويتحلى بمزايا وحلى، الطبيعة خلاء

 


قفر عنها، فانظروا إلى الإنسان تروه حائزاً لقوة اختيار وإرادة تخلو عنها الطبيعة فالشمس تضيء وترسل أشعتها، وتجود بإضاءتها وإنارتها، لا بقصد ومشيئة منها، بل باضطرار والتزام. والطبيعة عندما تصل إلى طور التركيب المعروف بالكهرباء تبعث بضوءها، وتنشر علم نورها، وقبل بلوغها هذا الشكل الكمالي، قاصرة عن ذلك. والماء يمتاز بالإرواء ولا يعرف عاطلاً عنه ولا مشيئة له ولا إرادة. وكذلك سائر أعضاء برلمان الطبيعة، تلفونها ذات وظائف وخصائص طبيعية، والكلّ في ذلك متحدون سواسية ومن ثم أقر واعترف الفلاسفة بفقدان الطبيعة لقوة الإرادة والإدراك الغريزي وعلى هذا المبدأ نتفق مع شيعة الماديين، ونقرر نظير ما قرروا ونقول حسبما أسلفنا أنّ للإنسان مزايا وكمالات لا توجد في الطبيعة: منها قوة الاختيار والإرادة ومنها مزية العقل والفهم.

     فالإنسان هو صاحب ذلك العقل واللب السامي الذي لا تجد الطبيعة حاصلة على مثله، الإنسان هو مالك وجدان وإدراك وفهم، ليس في خزائن مملكة الطبيعة نظائرها وأشباهها، ألم يكشف الإنسان مخبئات الطبيعة وأسرارها من حيث لا تشعر الطبيعة بذلك؟ فهل يتفق هذا المبدأ القاضي بامتلاك الإنسان لثروة الإدراك والإرادة وإقفار الطبيعة منها، مع الهوى الطبيعي القائل بأنّ ذلك المثري فرع من هذا الفقير المعدم؟ أو هل يعقل أنْ تكون القطرة مصبوغة بألوان منقوشة بنقوش يحرم منها الأوقيانوس، مع أنّ هذا كلّ لذاك؟ أو هل يمكن أنْ يفوز هذا الشعاع الظاهر من المزايا بما لا يكون في ملك ذلك الكوكب الرفيع أعني الشمس؟ وهل يتصور إحراز الحجر من الخصائص لما يكون عالم الجماد صفر اليدين منه؟ أو يحوي ظفر الإنسان وهو جزء بدنه خلايا وأنسجة يعدمها مخه؟ فبيّنٌ إذاً أنّ القصور المادي فرض ناقص، واعتبار عليل لا ينطبق على أكثر القضايا اليقينية وبرح الخفاء، وانكشف الغطاء، ولاح في سما البرهان، أنّ الكيان الإنساني يتضمن جنبتين ويحيط بطرفين: أحدهما الجانب الحيواني الخاضع للطبيعة، والآخر الجانب الروحاني الذي يفوقها، فبينما هو من حيث جنبته السفلى وجانبه الطبيعي الحيواني جزء من الطبيعة خاضع لأحكامها ونواميسها، إذاً هو من حيث جنبته العليا


والجانب الروحاني قد قهر الطبيعة وتغلب عليها بفضل ارتقائه وأشرفيّته وتميّزه عنها إذ أنّه يحوي من تحف الفضائل، وطرف الفواضل، ما ليس في خزائنها مشاكله، ويحوي أيضاً ما أحاطه بها وقهرها... ولكونه موضوع تلك الودايع السامية، والمنح والأمانات السنية العالية أصبح وفي مكنته واستطاعته أنْ يبرز أسرار الطبيعة إلى أسرة الوجود، ويستخرجها إلى ميدان التحقق والشهود، فهذه الصناعات الشائعة الآن، المنتشرة اليوم في عالم الإمكان، لبثت ردحاً من الدهر الغابر سراً من الأسرار، وكذلك ما بين أيدينا من العلوم والمعارف كان خبايا في زوايا الطبيعة ومكنوناً في طيات جناحها، والإنسان في كلّ ذلك الاستخراج والاستنباط قد ترأس الطبيعة وسادها وتغلب عليها وأدارها، وأخرج مكنوناتها من سرائر الغيب إلى أسرة العيان والبروز، وكان مقتضى شأن الطبيعة أنْ تظل هذه الأسرار رمزاً من الرموز ولغزاً من الألغاز، خذ مثلاً القوة الكهربائية كان مقتضى الطبيعة أنْ تلبث كنزاً مخفياً لكن الإنسان بما أوتيه من القدرة الخارقة والقوة الفائقة، اكتشفها وأخرجها من مكامن الطبيعة وضمائرها إلى ساحات الشهود، وحظائر البروز والوجود، وإنّه إنْ كان صاحب هذا الفضل الباهر، والامتياز الظاهر الفاخر، لكن جسمه أسير الطبيعة محكوم لها فالطبيعة تقتضي النوم والرقود، فلا بد له أنْ ينام، ويحتاج إلى طعام وشراب فهو يتناولهما لا محالة، فتراه من حيث الجثمان أسير الطبيعة، بيد أنّه بفضل الروح أصبح حاكم الطبيعة، وما أوتيه من منحة الذكاء مكّنه من القبض على ناصية الكون، وخوله الاستواء على عرشه والاستيلاء على مقاليده وهذا من الثبوت والاتضاح والإسفار كالشمس في رابعة النهار، وإذا كان حكم الإنسان على الطبيعة أمراً مسلماً ثابتاً فمن العجب أنْ يقول قائلون أو يذهب ذاهبون إلى آراء هي مع تلك القضية البرهانية على طرفي نقيض، فيزعمون أنّ الإنسان بكلّيته فرع الطبيعة أو جزؤها ولا يرونه إلاّ أثراً من آثارها، وغاب عنهم أنّهم في هذا الزعم كمن يقول بأنّ الجهل أفضل من العلم، والظلام خير من الضياء أو أنّ الناقص يلحق شأو الكامل أو أنّ التلميذ أكمل من أستاذه فهل هذا ممكن؟

     إنّنا متى علمنا أنّ ذكاء الإنسان الوضّاء، وعقله الكشّاف، وفكره الثاقب


أكبر بمقدار بعيد من كلّ مضامين الطبيعة، كيف نسلّم بخضوعه وانقياده لها وسيادتها عليه. هذا ما لا يقبله عقل طفل. وإذا كان لذلك القول مدلول فهو إنّما يدل على نقصان قائليه وتجردهم من المكارم والفيوضات الإلهية. ونكوصهم على أعقابهم إلى دركات الحيوانية. ووقوف دولاب ذكائهم الخارق عن الحركة والأثر وتجرّده عن الثمرة والجدوى. وتعاميمهم عن الفوارق الفارقة بين الإنسان والحيوان.

     وقع لي ذات يوم محادثة بمدينة الإسكندرية مع فيلسوف مادي مشهور وكان متعصباً في هذه النقطة مصرّاً على أنّ الإنسان وكلّ ما اختص به خاضع للطبيعة وأنّه ليس إلاّ حيواناً اجتماعياً، وباعتبار آخر حيواناً محضاً. ولمّا غلب على أمره في هذه المجادلة أسرع فقال بغتة (إنّي لا أرى فرقاً ما بيني وبين الحمار. ولا أجد ما يميزني عنه. وعلى ذلك فلا أقبل هذه المميزات) فقلت لا. إنّي لأعتبرك متميزاً تمام التمييز فها أنا أدعوك رجلاً بينما الحمار حيوان فقط. وأوقن بأنّك ذو عقل وإدراك. بينما الحمار عارٍ عن ذلك. واعلم أنّك ملم بالفلسفة والحمار خلو منها بالكلّية وعلى ذلك فلا أقبل ما قررته (وهنا ضحك عبدالبهاء من كلّ قلبه).

     دعنا نضرب لذلك مثلاً كتاباً صغيراً. نزعم أنّ كتابته عمل يسير. فإننا وإنْ زعمناه كذلك لكن العقل يرشد إلى وجود كاتب أفاد هذا الأثر السهل القليل قائلاً: لا يمكن للكتابة أنْ تتكون من تلقاء نفسها ولا للحروف أنْ تجتمع بلا جامع لها. فلا بد لها إذاً من كاتب، هذا في عمل صغير وأثر يسير كهذا. فهل يمكن أنْ يوجد أثر غير متناه أو ينشأ بناء على أنّ لا أول له ولا آخر بلا صانع قادر. أو هل يتأتّى أنْ يكون خالق هذا الكون العظيم عارياً عن صفة الذكاء والفهم؟ أو يخامرنا ريب في أنّ الخالق خبير بما يتجلّى في الخلق؟

     الإنسان وهو خلق ذو إرادة ومشيئة محرز لفضائل ومزايا عديدة. فكيف يكون الخالق محروماً من هذه الكمالات والمفاخر. هل هذا ممكن؟ ذلك ما لا يقبله عقل طفل.

     ومّما هو في غاية الظهور والجلاء أنّ الإنسان لم يهب لنفسه الوجود، لأنّه لا يملك


ذلك. فكيف يتاح له على حين ضعفه أنْ ينشيء مثل هذا الكون الواسع الفسيح وعلى هذا فالباريء الذي برأه وسوّاه لا بدّ أنْ يكون أعلى كمالاً. وأسمى اقتداراً، ولو كان خالق الإنسان في مستوى واحد مع الإنسان لتسنّى لهذا الإنسان أنْ يبتدع مثل هذا الكون الكبير الخطير. ولكنّا على دراية ويقين بضعف الإنسان وقصوره وعجزه عن أنْ يخلق ولو واحداً على مثاله. وعلى هذا فلا بد وأنْ يكون خالقنا سبحانه أرفع منّا وأقدر، بما لا يدرك ويتصور، وهو في كلّ الأوصاف والنعوت يتعالى عنّا علواً كبيراً، فنحن ضعاف وهو قوي، فقراء وهو غني، جهلاء وهو فهيم ذكي، أضف إلى تلك البراهين الساطعة والأنوار المتألقة اللاّمعة، أنّ الأشياء تعرف غالباً بأضدادها، فلولا الديجور ما فهم معنى النور ولولا الموت ما فقهنا حديث الحياة ولولا الجهل لما أدركنا حقيقة العلم والانتباه، فكلا الضدين متلازمان وجوداً أو إدراكاً. ولا بد لليل من نهار ولا بد للنهار من ليل، حتّى يمكن التمييز بينهما فالليل في ذاته دليل النهار الذي يعقبه. والنهار نفسه آية الليل الذي يتبعه. ولولا الليل ما كان النهار ولولا الممات ما كانت الحياة -وبضدها تتميز الأشياء- وإذا كان ذلك كذلك أفلا يدل ضعفنا على ثبوت القوة والقدرة؟ وجهلنا على حقيقة العلم والخبرة؟ وفقرنا على الغنى والثروة؟ فلولا الغنى ما كان الفقر، ولولا العلم ما كان الجهل، ولولا الوجود ما فُهِمَ العدم، وإذا تجلّى لنا ثبوت هذه الصفات والشمائل فلا محالة أنّها تنمّ على موصوفها ومركزها، إلاّ أنّه لهو الله الذي منه كلّ الفيوضات والمكارم والخيرات والمآثر.

 

l l l l l


رقي الروح

خطبة ألقاها المولى عباس أفندي في پاريس

معربة عن الإنجليزية بقلم الكاتب الأديب

محمد أفندي توفيق غريب

 

     قال الخطيب لجمهور كبير من علماء الفرنسيس وفلاسفتهم وقادة الأفكار فيهم سأتكلّم في هذا المساء عن رقي الروح.

     الإنسان يسعى ليدرك الطمأنينة القلبية. والراحة المطلقة الحقيقية. وليس في إمكان شجرة الطبيعة أنْ تأتي بهذه الثمرة الثمينة. وهل في ذلك شك؟ والناس كلّهم يشهدون أنّ هذا العالم الطبيعي كلّه حركات تنتهي بإعدام وسكنات، على إني أفيض في البيان بأطول من هذا البرهان. إنّ كلّ كائن من كائنات الطبيعة لقرين حركة صاعدة. متلوّة بأخرى هابطة مختومة بفناء وموت وزوال. وهذا أمر معلوم لدى العموم. كيف لا وشاعر القوم يقول:

 

إذا تم شيء بدا نقصه

ترقب زوالاً إذا قيل تمّ

     وقد استفاض هذا المقال، حتّى ضربت به الأمثال، فقد ثبت إذاً أنّ كلّ شيء بين أنْ يرقى وأنْ ينزل إلى حضيض الضعف والوهن. ثم يسقط أخيراً في هوة التلاشي والعدم. ولا يخرج عن هذه الأحوال مولود من مواليد الطبيعة فهل سلم من هذا الحكم الهائل جثمان حقيقة الإنسان لا وربّك! فإنّ هذا الحكم ليسري إلى طبيعة جثمانه. إذ يتكون ثم ينشأ صاعداً حتّى إذا ما تمّ نضجه بدا نقصه ثم لا يلبث أنْ تنشب المنية فيه أظفارها وتعبث به يد المنون. فتختطف حياته وما أسرع أنْ تختطف.

 

الناس في غفلاتهم

ورحى المنية تطحن

     فمثل الجثمان الإنساني مثل الكائن النباتي يكون في البدء قوة محضة في عالم الحبّة. ثم يأخذ في النمو شيئاً فشيئاً حتّى يبلغ نهاية الكمال. ثم إنّ هذه النهاية تنذره


بالنهاية الأخيرة التي ليس بعدها من نهاية متهددة لبناءه بالثبور والانهدام والمحو والانعدام. أشبه بحال عصفور طار حتّى بلغ المنتهى فهوى راجعاً وسقط

 

ما طار طير وارتفع

إلا كما طار وقع

     فالأمر واضح والخطب مبين. إنّ الحركة جوهرية في جميع الموجودات الطبيعية وإنّ ارتقاءها شأن محدود. ونزولها في بئر الردى قدر محتوم فأنّى الانصراف؟ وكيف الفرار؟ وأين المهرب من هذا المطلب؟ والطالب حثيث وربّ الحقل يرتقب حصد زرعه ويترقب من آنٍ لآخر قطف ثمره. ولعلّ قاصفاً يهبّ على عجل لقصف زهرته. إذاً فماذا عساه يكون قلبنا بإزاء هذه المحنة؟ وما الحال وما الشأن؟ وما الغصص التي يعرب عنها بعد إلقائه في هذا المأزق؟... أليس قصور نظره على هذه الأحوال المزعجة المرعدة وضلاله في طريق المخلص من هذه الأحكام القاسية المرعبة. يلقيه في سجن الشقاء يلتمس الخلاص ولات حين مناص.

 

(المخلص وماء الحياة)

     دع عنك هذا كلّه خلف قاف، وارجع بنا إلى ما هو شاف كاف. فقد آن لنا أنْ نبحث عن الروح فلننظر هل كلّ ما به قوام الإنسان يوزن بعين هذا الميزان؟ وهل نجري عليه بنود هذا القانون دون نقصان؟ إنّ البراهين وشهود الصدق والآيات البينات لتتلو علينا آية البقاء الروحي ناطقة بأنّ الساري على الروح من هذه البنود إنّما هو بند الرقي فقط. أمّا الذبول والعدم فتأباهما طبيعتها كلّ الإباء. فالروح ممنوحة بمنحة الترقي الدائم ومختصة بخاصّية الدوام والبقاء وبعبارة أخرى لمّا كان الكمال الإلهي غير متناه والروح ذات نسب بذلك الجناب كان لها اللاّتناهي أيضاً ومذ يحيا الإنسان تأخذ روحه بالظهور والارتقاء وإدراكه في التقوى والنماء ومعارفه في الزيادة بلا انتهاء وما هو بجائز أنْ يقتضي نفاد الحياة المادية الجسدية فناء هذه الحياة الإدراكية المعنوية. وإنّما الذي يجري من الأحكام على هذه هو حكم اللاّتناهي والأبدية، وإنْ لم يكن ذلك ممكناً في الكوائن الطبيعية.


(خلود الروح إحدى القواعد الأساسية للدين)

     إن الاعتقاد بخلود الروح اعتقاد سائد في الأديان عموماً وأهلوها مقتنعون بذلك فهذه الدعوات والصلوات والصدقات الجارية من أقارب ومعارف الأموات لأجلهم لدلائل شاهدة بذلك ناطقة باعتقاد الرقي الروحي بعد الانفصال عن هذه الأجساد وإلاّ فما معنى طلب الغفران للمعدوم وكذلك الوعود والإيعادات والبشائر والإنذارات الواردة في الكتب السماوية، فقد ورد أنّ ما تزرعه اليوم ستحصده غداً. فلولا وجود نشأة أخرى غير هذه النشأة. لما كان لذلك من معنى أصلاً. أليس في انعطافنا الروحاني (الذي لن يضيع سدى) نحو خلاص أحبابنا الذين أمضوا دور هذه الحياة المادية دليل ناطق بوجود المبدأ الديني المتضمن بخلود الروح.

     وبالجملة نقول أنّ لدينا قانونين: قانوناً جسمياً مادياً. وقانوناً روحياً معنوياً. فأمّا القانون المادي فمقتضاه أنّ الماديات أسراء الحركات المختلفات. الآيلات إلى المحو والدثور والسقوط والثبور. وأمّا القانون الروحي فمقتضاه أنّه لا تقهقر في عالم الروح ولا رجوع. وإنّما كلّه ارتقاء. وكلّه اتجاه جهة الكمال. بل العبارة التي نجدها هنا ونحن في عالم المادة للتعبير عن جوهر الروح. هي كلمة الرقي ويتبع ذلك ترقيها في كلّ شؤونها الروحية، من إدراك وقوة بحث وسائر الأعمال المعنوية العلمية. وأنّه لا يصح فساد على الروح بأيّ وجه كان. وأمّا عالم الأدب والمعنى فهو عالم سعة. لا تزاحم فيه ولا تنافر. ولا تقاطع ولا تدابر. فأكتفي الآن بهذه الإشارة برهان على ذلك. فخلود الروح إذاً أمر حتم. وقول جزم. لا شبهة فيه. ولا ريب يعتريه.

     أيّتها الأمم الراقية في عالم الترف والرفاهية. بدارِ بدارِ إلى توسيع نطاق الترقي الروحي توسيعاً لا يحتف به حصر ولا تحديد كما توسعتم في هذه الشؤون المادية. وحذارِ حذارِ من الجمود على السعي المادي والغرور برغد العيش الجثماني. فالجمود منبيء عن الرجوع والقهقرى. منذر بالهلاك والبلى. وأنّ الرقي الروحي الذي هو عالم اللاّتناهي لهو الحري بتوجيه الهمة. وإعارة الالتفات. على أنّ سواه ليس


شيئاً إلاّ في عالم الأوهام. ودولة المنام. وإلاّ فسل وجدانك عمّا يرتجيه من شؤون وأحوال وأمور منتهاها البوار ومآلها الخراب والدمار. فضلاً عن تشبّعها بضروب المصائب وصنوف الأكدار. أليست هذه الماديات المجتمعات أعضاؤها الذرات وقد اجتمعت بواسطة التجاذب والتماسك؟ وإنّ ذلك الاجتماع وهذا التماسك حادثان موقتان؟ ولا تلبث هذه الذرات أنْ تنفصم؟ وقوة التماسك أنْ تنعدم؟ وحينئذ يحيق بالجسم كارثة الفساد والموت. وينمحي من صفحة الوجود. ويأفل نجم هذا البدن، والعاقل لا يحب الآفلين. ولماذا لا يحب الآفلين؟ أليس لأنّ الأفول مناف لطبيعته. مناقض لحقيقته. فحقيقته إذاً ليست من عالم الأفول فهذا شأن الجسم والجسمانيات، وقيمتها عند النظر والاعتبار، أمّا عالم الروح فلم يكن منسوجاً على هذا المنوال، ولا حوذي فيه حذو هذا المثال، لأنّ الروح جوهر بسيط غير مؤلف من ذرات وأقسام، ولا هو بقابل للتجزء والانقسام، فهي خارجة عن حدود الخلقة الطبيعية، ولذلك كانت خالدة باقية أبدية، أمّا كون الشأن في البسيط ملازمة البقاء والدوام فهو من مباديء الفلسفة العلمية، حيث أنّ جوهر الروح غير مركب من عناصر ولا مؤلف من ذرات وجواهر، فهي غير قابلة لقسمة ولا فساد ولا بمحتملة لتحليل ولا نفاذ.

(نبذة من براهين البقاء الروحي)

     كلّ ما ثبت لنا وجوده، فإمّا أنْ يكون ثبوته على يد شاهد العيان، أو على يد بينة الدليل والبرهان، أمّا الثبوت بمقتضى العيان، فهو أمر بديهي البيان، وأمّا الثبوت بالبرهان فلأنّ قيام برهان على شيء مع عدم وجوده حكمان متناقضان ونقيضان لا يجتمعان، وإن دلائل وجود الروح لتتجلى أمامنا ساطعة إلى الأبد، هذه آثار التعاليم الإلهية، التي أفادها روح حضرة المسيح عيسى عليه السلام. مشهورة لنا اليوم، فكيف يتأنّى التسليم بوجود هذه الآثار دون وجود مؤثرها ومفيضها؟ أليس هذا كالقول بكتابة دون كاتب، وهل المحال إلاّ هذا فمهما دلّت


الكتابة على وجود الكاتب، فقد دلّت الكتابات المقدسة ووجودها باقية في العالم على وجود الروح وبقائها.

(برهان ثان)

     تبصروا في غرض الكون. هل من الممكن أنْ كلّ هذه الكائنات قد خلقت بالنشوء والإرتقاء. لأجل أنْ تعيش هذه الأزمنة المعدودة فقط. وهل من المعقول أنّ الإنسان قد خلق لهذا الغرض الصغير في رأيكم. وهو أنْ يعيش حياً على الأرض هذا العدد القليل من السنين. أليس ممّا لا يتصور أنْ تكون هذه هي النتيجة الختامية للوجود؟

     وبعبارة أجلى من ذلك أقول. إنّ المعدن يرتقي حتّى ينعدم في حياة النبات. والنبات يرتقي حتّى ينهضم في كيان الحيوان. والحيوان يتكون فيصير صالحاً لغذاء الإنسان. فيتغذى به الإنسان وينهضم فيه وبذلك يُرى أنّ الإنسان هو مجموع جميع المخلوقات. وأنّه الغرض الأخير الذي يرمي إليه القائم بأمر التكوين فهو أشرف الكائنات وأفضل الأنواع. ثم إنّه يعمر الأرض عائشاً عليها نحو تسعين عاماً. فهل ينمحي من الوجود بعد فناء هيكله؟ إذا فرض ثبوت هذا المفروض. فقد كانت كلّ هذه الترقيات والتكونات عبثاً وكلّ هذا العمل عملاً ضائعاً وفعلاً باطلاً. فهل يمكن لأحدكم أنْ يبحث ليرى غرضاً آخر أسمى من هذا الغرض للخليقة. ولعلّ هذا الغرض هو أبدية الروح وخلودها. يقول الماديون أين هي الروح؟ وما هي؟ وكيف تكون موجودة ولا يمكننا أنْ نراها أو نلمسها؟ وهكذا يجب أنْ نجيبهم:

     مهما ارتقى المعدن فإنّه لا يقتدر على فهم حقيقة النبات. وليس في نقصه هذا الدليل على عدم الحقيقة النباتية، ومهما ارتقى النبات فإنّه عاجز عن فهم حقيقة الحيوان. وجهله هذا لا يكون برهاناً على عدم الحقيقة الحيوانية. وكذلك الحيوان بالنسبة إلى الإنسان. فإنّه مهما كمل وترقّى في حيوانيته فإنّه قاصر عن البلوغ إلى فهم حقيقة الإنسان. ومعرفة روحه الخالدة. ولكن هذا القصور لا يقوم حجة على تجرّد الإنسان من خاصّته وروحانيته. ولا يدل على أكثر من القانون العامّ. وهو


عجز عن كلّ نوع عن إدراك حقيقة ما فوقه من الأنواع. فهذه الزهرة (وأشار إلى زهرة كانت موضوع أمامه) لا تشعر بالوجود الإنساني ولكن خلوها من هذا الشعور لا يقتضي إنتفاء حقيقة الإنسانية. وبناء على هذا البيان نقول: إذا كان الطبيعيون لا يعتقدون بوجود الروح فإنكارهم هذا لا يدل على عدم وجود مملكة الروح. نعم ربما دلّ على خلوّهم من الروح حين أنكروا وجود الروح على حدّ قول الشاعر:

 

والعين تنكر ضوء الشمس من رمد

والفم ينكر طعم الماء من سقم

وقول الآخر:

 

ومن يكُ ذا فم مرّ مريض

يجد مراً به الماء الزلالا

(برهان ثالث)

     إنّ هذه المسألة مسألة البقاء لتكاد أنْ تكون من الأمور البديهية لا القضايا الفطرية. فإن الظلمة نفسها دليل على وجود النور حيث لا تعقل بدونه. ألا ترى أنّ الظلمة هي عدم النور. وعلى هذا القياس حقيقتا الفقر والجهل. فإذا كانت الظلمة والفقر والجهل أدلة على وجود النور والغنى والعلم. فالفناء آية البقاء لأنّه منهاج معرفة الحياة الدنيا فهو إذاً معرفة الحياة الأخرى لمن عقل.

(برهان رابع)

     إذا لم يكن الإنسان ذا روح خالدة. فكيف احتمل مهابط الوحي ومشارق الأنوار هذه المحن والتجارب المزعجة؟ وكيف أمكن للمسيح أنْ يحتمل القتلة الشنيعة على الصليب؟ ولِمَ صبر محمد على ما لقيه من ضروب الاضطهاد والإهانة والتثريب؟ ولمَ قدّم الباب نفسه (ونفس الإنسان أعزّ شيء لديه) ضحية في سبيل الجهر بالحقّ لإرشاد الخلق؟ وعلامَ قضى بهاءالله حياته سجيناً منفياً؟ وبالجملة فلماذا هذه المتاعب والمصاعب؟ وعلامَ احتمال كلّ هذه التجارب والمصائب، إذا لم يكن الإنسان ذا نفس خالدة؟ وعلى التحقيق لو أمعن الإنسان في التأمل لعجب كيف يسير الكلّ من أدنى درجة إلى هذه الدرجة العليا؟ ولأدرك أهمية المسألة -مسألة الرقي الروحي- ما هذا الجهل؟ وما هذا السهو؟ بعد هذه العبر والبينات حقّاً إنّ الإنسان


الذي يمر على كلّ هذه الآيات. ثم يقول أنّ مشروع الكون يقف بغتة عن الرقي. وأنّ نتيجة كلّ هذا التقدم الطويل. هي هذه الخاتمة الشنعاء لهو إنسان خالٍ من العقل والإدراك.

(القيمة الحقيقية للطبيعيين)

     فالطبيعيون الذين يعللون الكون بهذه العلل ويزعمون إنّا عاجزون عن رؤية العالم الروحاني. أو أنْ تعمرنا رحمة الله وبركاته. لا يعربون بذلك إلاّ عن حالهم فقط. فهم بذلك يدلوننا على أنّ مثلهم مثل الحيوانات السائمة الخالية من العقل والإدراك. لهم عيون ولكن لا يبصرون. وآذان ولكن لا يسمعون. وأفئدة ولكن لا يفقهون. فتجرّدهم من البصر والسمع والفؤاد لا يدلّ على شيء غير سفالتهم التي أعرب عنها القرآن بقوله (صمّ بكم عمي فهم لا يعقلون). أي لا يرون آيات حقيقة الروح الجليلة. ولو شاءوا لرأوا آية الروح عياناً. فإنّهم ما رزئوا بهذا الرزء الذي دهمهم فأصمّهم وأعمى أبصارهم إلاّ لأنّهم نبذوا الموهبة العظمى الموهوبة من الله لهم. (قوة الفهم) وراءهم ظهرياً. وعطّلوها حتّى تبدلت وهل بعد تعطيل قوة العقل إلاّ البلادة والنزول إلى البهيمية. ولعمر الحقّ إنّهم لو استعملوا هذه الهبة العظمى لأمكنهم أنْ ينظروا بعين الروح. ويسمعوا بأذن روحية. ويفهموا بقلب إلهي مضيء، ألا فليقف الطبيعيون موقف الأناة والتدبّر. وليعرجوا هنيهة على جهة التفكير والتبصّر. وليعلموا أنّ نقصهم ليس بدليل على نقص جميع الوجود وأنّ إنكارهم للروح ليس بدليل على انتفاء الروح. وأنّهم متى أرادوا أنْ يصلوا إلى فهم حقيقة الروح فليأتوا إلى الروح من طريق الروح.

(نصيحة ختامية)

     وفي نهاية القول أدعوكم جميعاً إلى أنْ تسيروا إلى الأمام سيراً مستمراً في مواهبكم الروحية. وألاّ تجعلوا لإحساساتكم المادية سبيلاً إلى حجب أعينكم عن عظمة الأنوار الإلهية.


(النص تحت الصورة في الصفحة 75)

     عندما كان حضرة عباس أفندي عائداً من أميركا عام 1913 عرج على مدينة ستوتكارت بألمانيا حيث حلّ ضيفاً على القنصل شوارز وبات عنده ليلة في قصره المشيد وسط حديقة غنّاء. وتذكاراً لهذه الزيارة أقام القنصل لحضرة عبدالبهاء نصباً ودعا أصدقائه يوم 25 يونيو سنة 1917 لرفع الستار عن هذا النصب كما ترى في الرسم.


خطبة ألقاها حضرة

عبدالبهاء

بمدينة تونون بسويسرة

نقلاً عن جريدة الأهرام لمراسلها في سويسرة

 

     من بعد استعطاف الأنظار الكريمة وتقديم الاحترامات الفائقة أحببت أنْ أبث لكم حديثاً غريباً وهو أنّني في أثناء تنزهي في شواطيء بحيرة جنيفا بسويسرا صادف مروري بمدينة تونون الواقعة على شاطيء البحيرة المذكورة ودخلت نزل البستان (أوتيل دوبارك) من المدينة المذكورة في طبقاتها فإذا جمّ غفير من أجناس مختلفة على مائدة ممدودة بعضهم من أبناء الفرس ذوو عمامة بيضاء وبعضهم بقبعة سوداء وثلة من الأهالي المختلفي الأجناس من فرنسا وإنكلترا وأمريكا وإيطاليا. محفل مرتب في غاية الانتظام وفي نهاية السكون والوقار وكمال الألفة والوداد. في بهرتهم رجل في عقد السبعين من الحياة مبيض الشعر متوسط القامة مرتد برداء أبيض يتكلّم مع الجماعة بغاية التأنّي باللغة العربية والكتبة يكتبون والمترجمون يترجمون بعدة لغات سامية في أوروپا والجميع يسمعون أقواله بأذن صاغية وقلوب واعية وأبصار شاخصة وهو يقول:

 

هو الله

     أيّها الحاضرون إلى متى هذا الهجوع والسبات؟ وإلى متى هذا الرجوع القهقرى؟ وإلى متى هذا الجهل والعمى؟ وإلى متى هذه الغفلة والشقاء؟ وإلى متى هذا الظلم والاعتساف؟ وإلى متى هذا البغض والاختلاف؟ وإلى متى الحمية الجاهلية؟ وإلى متى التمسّك بالأوهام الواهية؟ وإلى متى النزاع والجدال؟ وإلى متى الكفاح والنزال؟ وإلى متى التعصب الجنسي؟ وإلى متى التعصب الوطني؟ وإلى متى التعصب السياسي؟ وإلى متى التعصب المذهبي؟


ألم يأن للذين آمنوا أنْ تخشع قلوبهم لذكر الله. هل ختم الله على القلوب أم غشت الأبصار غشاوة الاعتساف؟ أولم تنتبه النفوس إلى أنّ الله قد فاضت فيوضاته على العموم؟ خلق الخلق بقدرته ورزق الكلّ برحمته وربى الكلّ بربوبيته. لا ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فتور؟ فلنتبع الرب الجليل في حسن السياسة وحسن المعاملة والفضل والجود ولنترك الجور والطغيان ولنلتئم التئام ذوي القربى بالعدل والإحسان. ولنمتزج امتزاج الماء والراح. ولنتحد اتحاد الأرواح ولا نكاد أنْ نؤسس سياسة أعظم من سياسة الله ولا نقدر أنْ نجد شيئاً يوافق عالم الإنسان أعظم من فيوضات الله ولكم أسوة حسنة في الرب الجليل فلا تبدلوا نعمة الله وهي الألفة التامّة في هذا السبيل. عليكم يا عباد الله بترك الخلاف وتأسيس الائتلاف والحب والإنصاف والعدل وعدم الاعتساف.

     أيّها الحاضرون قد مضت القرون الأولى وطوي بساط البغضاء والشحناء حيث أشرق هذا القرن بأنوار ساطعة وفيوضات لامعة وآثار ظاهرة وآيات باهرة والأنوار كاشفة للظلام دافعة للآلام داعية لائتلاف قامعة للاختلاف. ألا إنّ الأبصار قد قرّت وإنّ الآذان قد وعت وإنّ العقول قد أدركت أنّ الأديان الإلهية مبنية على الفضائل الإنسانية. ومنها الألفة والوداد بين العموم والوحدة والاتفاق بين الجمهور. يا قوم ألستم من سلالة واحدة؟ ألستم أفناناً وأوراقاً من دوحة واحدة؟ ألستم مشمولين بلحظات أعين الرحمانية؟ ألستم مستغرقين في بحار الرحمة من الحضرة الوحدانية؟ ألستم عبيداً للعتبة الربانية؟ هل أنتم في ريب أنّ الأنبياء كلّهم من عند الله وأنّ الشرائع قد تحققت بكلمة الله؟ وما بعثهم الله إلاّ للتعليم وتربية الإنسان وتثقيف عقول البشر والتدرّج إلى المعارج العالية من الفلاح والنجاح؟ وقد ثبت بالبرهان الساطع أنّ الأنبياء اختارهم الله رحمة للعالمين وليسوا نقمة للسائرين وكلّهم دعوا إلى الهدى وتمسّكوا بالعروة الوثقى حتّى أنقذوا الأمم السافلة من حضيض الجهل والعمى إلى أوج الفضل والنهى. فمن أمعن النظر في حقيقة التاريخ المنبئة الكاشفة لحقائق الأسرار من القرون الأولى يتحقق عنده بأنّ موسى عليه السلام أنقذ بني إسرائيل من الذل والهوان


والأسر والخذلان وربّاهم بتأييد من شديد القوى حتّى أوصلهم إلى أوج العزة والعلى ومهد لهم السعادة الكبرى ومنّ الله عليهم بعد ما استضعفوا في الأرض وجعلهم أئمة من ورثة الكتاب وحَمَلَة لفصل الخطاب حتّى كان منهم عظماء الرجال وأنبياء أسسوا لهم السعادة والإقبال. وهذا برهان ساطع واضح على نبوّته عليه السلام. وأمّ